مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 31 of 79
- vol. 9, p. 178
فهذا حُكمُ من أعتقَ حِصَّةً لهُ من عَبْدٍ بينهُ وبين غيرِهِ.
-
وأمّا من أعتق حِصَّةً من عَبدِهِ، الذي لا شرِكَةَ فيه لأحَدٍ مَعهُ، فإنَّ عامَّةَ العُلماءِ بالحِجازِ والعِراقِ يقولُونَ: يعتِقُ عليه كلُّهُ، ولا سِعايةَ عليه. إلّا أنَّ مالكًا قال: إن ماتَ قبلَ أن يُحكَم عليه، لم يُحكم عليه.
وقال أبو حنيفةَ: يعتِقُ منهُ ذلكَ النَّصيبُ، ويسعَى لمولاهُ في بَقِيَّةِ قيمتِهِ، مُوسِرًا كان أو مُعسِرًا. وخالفهُ أصحابُهُ، فلم يروا في ذلك سِعايةً، وهُو الصَّوابُ، وعليه النّاسُ.
- vol. 9, p. 179
والحُجَّةُ في ذلك: أنَّ السُّنَّةَ لمّا ورَدَت بأن يعتِقَ عليه نصيبُ شَريكِهِ، كان أحرى بأن يعتِقَ عليه فيه مِلْكُهُ، لأَنَّهُ مُوسِرٌ به، مالكٌ لهُ. وهذه سُنَّةٌ وإجماعٌ.
-
وفي مِثلِ هذا قالوا: ليسَ للّه شريكٌ.
-
وقد جاءَ عن الحَسنِ: يُعتِقُ الرَّجُلُ من عَبدِهِ ما شاءَ (١) . وهذا نحوُ قولِ أبي حنيفةَ، ورُوي مِثلُهُ عن عليٍّ رضي الله عنهُ (٢) .
-
وبه قال أهلُ الظّاهِرِ، كما يهبُ من عَبدِهِ ما شاءَ. وروَوْا في ذلك خَبرًا عن إسماعيلَ بن أُميَّةَ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أنَّهُ أعتقَ نِصفَ عَبْدٍ، فلم يُنكِر رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عِتقَهُ. ذكر أبو داود في "السُّننِ" (٣) .
-
وعنِ الشَّعبيِّ (٤) وعُبيدِ الله بن الحسنِ، مِثلُ قولِ أبي حَنِيفةَ سواءً.
-
ومِن الحُجَّةِ أيضًا في إبطالِ السِّعايةِ، حديثُ عِمْرانَ بن حُصينٍ: أنَّ رجُلًا أعتَقَ سِتَّةَ مملُوكينَ لهُ عندَ الموتِ، وليسَ لهُ مالٌ غيرَهم، فأقْرَعُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بَيْنهُم، فأعتَقَ ثلثهُم، وأرقَّ الثُّلُثينِ، ولِم يَسْتَسعِهِم (٥) .
وقال الكُوفيُّونَ في هذه أيضًا: يعتِقُ العَبِيدُ كلُّهُم، وَيسْعون في ثُلثي قيمتِهِم للوَرَثةِ، فخالَفُوا السُّنَّةَ أيضًا برأيِهِم.
-
وسنذكُرُ هذا الحديثَ، وما للعُلماءِ في معناهُ من الأقوالِ، في بابِ يحيى بن سعيدٍ إن شاءَ الله.
vol. 9, p. 180قال أبو عُمر: ومن ملَكَ شِقْصًا مِمَّن يعتِقُ عليه بأيِّ وجهٍ مَلَكهُ، سِوَى الميراثِ، فإنَّهُ يعتِقُ عليه جَمِيعُهُ، إن كان مُوسِرًا، بعدَ تقويم حِصَّةٍ من شَرِكَهُ فيه، ويكونُ الولاءُ لهُ، وهذا قولُ جُمهُورِ الفُقهاءِ.
-
فإن مَلَكهُ بميراثٍ، فقدِ اخْتَلفُوا في عِتْقِ نصيبِ شَريكِهِ عليه، وفي السِّعايةِ، على حَسَبِ (١) ما قَدَّمنا من أُصُولِهِم.
-
وفي تَضْمينِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - المُعتِقَ لنصيبِهِ من عبدٍ بينهُ وبين غيرِهِ قيمَةَ باقي (٢) العبدِ، دُونَ أن يُلزِمَهُ الإتيانَ بنِصفِ عبدٍ مِثلِهِ، دليلٌ على أنَّ منِ استهلكَ، أو أفسدَ شيئًا من الحَيَوانِ، أوِ العُرُوضِ التي لا تُكالُ ولا تُوزنُ، فإنَّما عليه قيمَةُ ما اسْتَهلكَ من ذلكَ، لا مِثلُهُ.
-
وهذا موضِعٌ اختلَفَ فيه العُلماءُ، فذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ، إلى أنَّ من أفسَدَ شيئًا من العُرُوضِ التي لا تُكالُ ولا تُوزنُ، أو شيئًا من الحَيَوانِ، فإنَّما عليه القيمةُ، لا المِثلُ، بدليلِ هذا الحديثِ. قال مالكٌ: والقيمةُ أعْدَلُ في ذلكَ.
-
وذهَبَ جماعةٌ من العُلماءِ، منهُمُ الشّافِعيُّ وداودُ: إلى أنَّ القيمةَ لا يُقْضَى بها إلّا عندَ عدم المِثلِ. وحُجَّتُهُم في ذلكَ، ظاهِرُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: ١٢٦] ، ولم يَقُل: بقيمَةِ ما عُوقِبتُم به. وهذا عندَهُم على عُمُومِهِ في الأشياءِ كلِّها، على ما يحتمِلُهُ ظاهِرُ الآية.
-
واحتجُّوا أيضًا من الآثارِ، بما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى. قال أبو داودَ:
vol. 9, p. 181وحدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا خالدٌ. جميعًا عن حُميدٍ، عن أنسٍ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان عندَ بعضِ نِسائهِ، فأرسَلَتْ إحْدَى أُمَّهاتِ المُؤمِنين جاريةً بقَصْعةٍ لها فيها طعامٌ، قال: فضَرَبَت بيدِها، فكَسَرتِ القَصْعةَ. قال ابنُ المُثنَّى في حديثهِ: فأخَذَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الكِسْرتينِ، فضمَّ إحداهُما إلى الأُخرى، وجعَلَ يجمعُ فيهما الطَّعامَ، ويقولُ: "غارَتْ أُمُّكُم، كُلُوا" ، فأكلُوا حتَّى جاءَت قَصْعَتُها التي في بيتِها. ثُمَّ رَجَع إلى حديثِ مُسدَّدٍ، وقال: "كُلُوا" وحبَسَ الرَّسُولَ والقصعةَ (١) حتَّى فَرَغُوا، فدفَعَ القَصْعةَ الصَّحيحةَ إلى الرَّسُولِ، وحبَسَ المكسُورةَ في بَيْتِهِ.
قال أبو داودَ (٢) : وحدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سُفيانَ، قال: حدَّثني فُلَيتٌ العامِريُّ - قال أبو داود: وهُو أفْلَتُ بن خَلِيفةَ - عن جَسَرةَ بنتِ دَجاجةَ، قالت: قالت عائشةُ: ما رَأيتُ صانِعًا طَعامًا مِثلَ صفيَّةَ، صَنَعت لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - طعامًا، فبَعَثَتْ به، فأخذني أفْكَلٌ (٣) فكَسَرتُ الإناءَ، فقلتُ: يا رسُولَ الله، ما كفّارةُ ما صَنَعتُ؟ قال: "إناءٌ مِثلُ إناءٍ، وطَعامٌ مِثلُ طعام" .
قال أبو عُمر: قولُهُ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ: "طعامٌ مِثلُ طعام" مُجتمعٌ على استِعمالِهِ، والقولُ به (٤) في كلِّ مطعُوم، مكيل (٥) أو موزُونٍ، مأكُولٍ أو مشرُوبٍ، أنَّهُ يجِبُ على مُسْتهلِكِهِ مِثلُهُ، لا قيمتُهُ، على ما ذكَرْناهُ في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عندَ ذِكرِ حديثِ أبي رافِع (٦) فاعلَمْ ذلك.
vol. 9, p. 182قال أبو عُمر: المِثلُ لا يُوصَلُ إليه إلّا بالاجتِهادِ، كما أنَّ القيمةَ تُدرَكُ بالاجتِهادِ، وقد أجمعُوا على المِثلِ في المَكِيلاتِ والموزُوناتِ، مَتَى وُجِدَ المِثلُ، واختلفُوا في العُرُوضِ، وأصحُّ حديثٍ في ذلك، حديثُ نافع، عن ابن عُمرَ، فيمَنْ أعتَقَ شِقصًا لهُ في عبدٍ، أنَّهُ يُقوَّمُ عليه، دُونَ أن يُكلَّفَ الإتيانَ بمِثلِهِ، وقيمةُ العدلِ في الحَقِيقةِ مِثلٌ، وقد قال العِراقيُّونَ - في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: ٩٥] - إنَّ القيمةَ مِثلٌ في هذا الموضِع، وأبَى ذلكَ أهلُ الحِجازِ، وللكلام في ذلك مَوْضِعٌ غيرُ هذا.
-
واختلف الذين لم يقولُوا بالسِّعايةِ في تَوْريثِ المُعتَقِ بعضُهُ إن ماتَ لهُ ولدٌ وتوريثِهُ منهُ، فرُوِيَ عن عليٍّ رضي الله عنهُ قال: يَرِثُ ويُورَثُ بقدَرِ ما أُعتِقَ منهُ (١) . وعنِ ابن مسعُودٍ مِثلُهُ. وبه قال: عُثمانُ البتِّيُّ، والمُزنيُّ (٢) .
وقال الشّافِعيُّ (٣) في الحديثِ: يُورَثُ منهُ بقدرِ حُرِّيَّتِهِ، ولا يرِثُ هُو.
-
ورُوي عن زيدِ بن ثابِتٍ أنَّهُ قال: لا يرِثُ، ولا يُورثُ. وهُو قولُ مالكٍ، والشّافِعيِّ في العِراقيِّ.
وقال ابنُ سُرَيج: فإذا لم يُورَثْ، احتمَلَ أن يُجعَلَ مالُهُ في بيتِ المالِ. وجعلهُ مالكٌ، والشّافِعيُّ في القديم، لمالكِ باقيهِ، وقال أهلُ النَّظرِ من أصحابِ الشّافِعيِّ وغيرِهِم: هذا غَلَطٌ؛ لأنَّهُ ليسَ لمالكِ باقيهِ على ما عتَقَ منهُ ولاءٌ ولا رَحِمٌ ولا مِلْكٌ. وهذا صحيحٌ، وباللّه التَّوفيقُ.
- vol. 9, p. 183
حديثٌ ثامِنٌ وثلاثُون لنافع، عن ابن عُمرَ
مالكٌ (١) ، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما حقُّ امرِئٍ مُسلِم لهُ شيءٌ يُوصِي فيه، يبيتُ ليلتينِ، إلّا ووَصِيَّتُهُ عندَهُ مَكْتُوبةٌ" .
-
لا خِلافَ عن مالكٍ في لَفْظِ هذا الحديثِ، ولا في إسنادِه (٢) ، وكذلك رواهُ أيُّوبُ (٣) وعُبيدُ الله بن عُمر وهشامُ بن الغازي (٤) (٥) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مِثلَهُ سَواءً لم يختلِفُوا في إسنادِهِ.
-
وكذلكَ رواهُ الزُّهريُّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ مِثلهُ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، إلّا أنَّ في حديثِ الزُّهريِّ: "يبيتُ ثلاثًا، إلّا ووصِيّتُهُ (٦) مكتُوبةٌ عندَهُ" . قال ابنُ عُمر: فما بِتُّ ليلةً مُذ سمِعتُها إلّا ووصيَّتي عِندي (٧) .
vol. 9, p. 184وقال فيه ابنُ عُيَينةَ: عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمر، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "ما حقُّ امْرِئٍ يُؤمِنُ بالوَصيَّةِ" (١) . وفسَّرهُ فقال: يُؤمِنُ بأنَّها حقٌّ.
-
وقال فيه سُليمانُ بن موسى، عن نافع، أنَّهُ حدِّثُهُ (٢) ، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَنْبغي لأحَدٍ عندَهُ مالٌ يُوصي فيه، أن يأتِيَ عليه ليلتانِ، إلّا وعندَهُ وصيَّةٌ" (٣) .
-
وكذلك قال فيه عبدُ الله بن نُمَيرٍ، عن عُبيدِ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ما حقُّ امْرِئٍ يَبِيتُ وعندَهُ مالٌ يُوصي فيه، إلّا ووصيَّتُهُ مكتُوبةٌ عندَهُ" (٤) .
-
وقد مَضَى في بابِ ثورِ بن زيدٍ تفسيرُ المالِ.
-
وقولُ من قال: مالٌ. أولى عِندي من قولِ من قال: شيءٌ؛ لأنَّ الشَّيءَ: قليلُ المالِ وكَثِيرُهُ.
-
وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ من لم يَكُن عندَهُ إلّا اليسيرُ التّافِهُ من المالِ، أنَّهُ لا يُندَبُ إلى الوَصيَّةِ.
vol. 9, p. 185وقال ابنُ عَوْنٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحِلُّ لامرِئٍ مُسلِم لهُ مالٌ يُوصي فيه ... " الحديثَ (١) .
-
هكذا قال: "لا يحِلُّ" . ولم يُتابَعْ على هذه اللَّفظةِ، واللّه أعلمُ.
-
ففي هذا الحديثِ: الحضُّ على الوصيَّةِ، والتّأكيدُ في ذلك. وهذا على النَّدبِ، لا على الإيجابِ عندَ الجميع، لا يختلِفُونَ في ذلكَ.
-
وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ الوصيَّةَ غيرُ واجِبةٍ على أحَدٍ، إلّا أن يكونَ عليه دينٌ، أو تكونَ عندَهُ وديعةٌ أو أمانةٌ، فيُوصي بذلكَ. وفي إجماعِهِم على هذا بيانٌ لمعنى الكِتابِ والسُّنَّةِ في الوصيَّةِ.
-
وقد شذَّت طائفةٌ، فأوجبتِ الوَصيَّةَ، لا يُعدُّون خِلافًا على الجُمهُورِ، واحتجُّوا بظاهِرِ القُرآنِ، وقالوا: المعرُوفُ واجِبٌ، كما يجِبُ تركُ المُنكر. قالوا: وواجِبٌ على النّاسِ كلِّهِم أن يكونُوا من المُتَّقينَ.
قال أبو عُمر: ليسَ في كِتابِ الله ذِكرُ الوَصيَّةِ، إلّا في قولِهِ عزَّ وجلَّ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: ١٨٠] ، وهذه الآيةُ نزلت قبل نُزُولِ الفرائضِ والمواريثِ، فلمّا أنزلَ اللهُ حُكمَ الوالِدينِ وسائرِ الوارثينَ في القُرآنِ، نسخَ ما كان لهم من الوصيَّةِ، وجعلَ لهم مَواريثَ معلُومةً، على حسَبِ ما أحكَمَ من ذلك تبارك وتعالى.
-
وقد رُوي عن ابن عبّاسٍ وسعيدِ بن جُبيرٍ والحسنِ: أنَّ آيةَ المَواريثِ
vol. 9, p. 186نَسَختِ الوصيَّةَ للوارِثينَ (١) وهُو مذهبُ الشّافِعيِّ وأكثرِ المالكيِّين، وجماعةٍ من أهلِ العِلْم.
-
ورُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ قال: "لا وصيَّةَ لوارِثٍ" (٢) . وهذا بيان منهُ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ آيةَ المَواريثِ نَسَختِ الوصيَّةَ للوارِثينَ. وأمّا من أجازَ نَسْخَ القُرآنِ بالسُّنَّةِ من العُلَماءِ، فإنَّهُم قالوا: هذا الحديثُ نسَخَ الوصيَّةَ للوَرَثةِ. وللكلام في نسخ القُرآنِ بالسُّنَّةِ مَوْضِع غيرُ هذا.
-
ومِمَّا يدُلُّ على أنَّ الحديث في الحضِّ على الوَصِيَّةِ ندبٌ لا إيجابٌ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يُوصِ، معَ ما ذكَرْنا من إجماع الذينَ لا يجُوزُ عليهمُ السَّهوُ والغَلَطُ، ولا الجهلُ بمعنى كِتابِ الله وسُنَّةِ رسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٣) : حدَّثنا وكيعٌ. وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ وأحمدُ بن سعيدٍ، قالا: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ ومحمدُ بن أبي دُلَيْم، قالا: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا مُصعبُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ؛ جميعًا، عن مالكِ بن مِغْوَلٍ، عن طَلْحةَ بن مُصرِّفٍ،
vol. 9, p. 187قال: قلتُ لابنِ أبي أوْفَى: أوْصَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بشَيءٍ؟ قالا: لا، قلتُ: فكيفَ أمرَ النّاس بالوَصيَّةِ؟ فقال: أوْصَى بكِتابِ الله.
-
واستدلَّ بعضُ العُلماءِ بقولِهِ عزَّ وجلَّ في آية الوصيَّةِ: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: ١٨٠] على أنَّها ليَسْت بواجِبةٍ، وجعَلَها مِثلَ قولِهِ: {مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: ٢٣٦] ، قال: والمعرُوفُ هُو التَّطوُّعُ بالإحْسانِ، والمُتَّقُونَ وغيرُهُم في الواجِبِ سَواءٌ.
-
وروى الثَّوريُّ، عن جابرٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: الوصيَّةُ ليست بواجِبةٍ، من شاءَ أوْصَى، ومن شاءَ لم يُوصِ (١) .
-
وعن إبراهيم والرَّبيع بن خُثَيم (٢) مِثلُهُ، وعليه النّاسُ، وهُو قولُ الجُمهُورِ من العُلماءِ.
-
وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا مُسدَّدٌ ومحمدُ بن العَلاءِ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا
vol. 9, p. 188محمدُ بن المُثنَّى. قالوا: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن شَقيقٍ (١) أبي وائل، عن مسرُوقٍ، عن عائشةَ، قالت: ما ترَكَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - دينارًا، ولا دِرهمًا، ولا شاةً، ولا بَعِيرًا، ولا أوْصَى بشيءٍ.
قال أبو عُمر: أمّا تَرْكُهُ - صلى الله عليه وسلم - الوصيَّةَ، ونَدْبُهُ أُمّتَه إليها، فإنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - ليسَ كأحدٍ من أُمَّتِهِ في هذا؛ لأنَّ ما تَخلَّفَهُ هُو فصَدَقةٌ، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنّا لا نُورَثُ، ما ترَكنا فهُو صَدَقةٌ" (٢) . وإذا كان ما يُخلِّفُهُ صَدَقةً، فكيفَ يُوصِي منهُ بثُلثٍ؟ أو كيفَ يُشَبَّهُ في ذلك بغير، وغيرُهُ لا تجُوزُ لهُ الوصيَّةُ، خاصَّةً وما تخلَّفَهُ هُو - صلى الله عليه وسلم - بعدَ فصدقةٌ كلُّهُ، على ما قال - صلى الله عليه وسلم -؟
-
ووجهٌ آخرُ، وهُو قولُ الله عزَّ وجلَّ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: ١٨٠] ، والخيرُ هاهُنا: المالُ، لا خِلافَ بينِ أهلِ العِلم في ذلكَ، ومِثلُ قولِهِ عزَّ وجلَّ: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: ١٨٠] ، وقولِهِ: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: ٨] . وقولِه: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} [ص: ٣٢] . وقولِه: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} (٣) [النور: ٣٣] . الخيرُ في هذه الآياتِ كلِّها: المالُ، وكذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ حاكيًا عن شُعيبِ - صلى الله عليه وسلم -: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} [هود: ٨٤] ، يعني الغِنَى.
-
ورسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يترُك دينارًا ولا دِرهمًا، ولا بعيرًا ولا شاةً، وقال: "ما ترَكتُ بعدي صَدَقةٌ" (٤) ، وقال: "إنّا مَعْشَر الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما ترَكنا فهُو صَدَقةٌ" . وقد مَضَى تفسيرُ ذلك في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للّه.
- vol. 9, p. 189
واختلَفَ السَّلفُ في مِقدارِ المالِ الذي تُسْتَحبُّ فيه الوصيَّةُ، أو تجِبُ عندَ من أوجَبَها، فرُوي عن عليٍّ رضي الله عنهُ، أَنَّهُ قال: ستُّ مئةِ دِرهم أو سبعُ مئةِ دِرهم، ليسَ بمالٍ فيه وصيَّةٌ (١) . ورُوي عنهُ أَنَّهُ قال: ألفُ دِرهم مالٌ فيه وَصيَّةٌ (٢) . وهذا يحتمِلُ: لمن شاءَ.
وقال ابنُ عبّاسٍ: لا وصيَّةَ في ثمانِ مئةِ دِرهم (٣) .
-
وقالت عائشةُ رضي الله عنها، في امرأةٍ لها أربعةٌ من الولدِ، ولها ثلاثةُ آلافِ دِرْهم: لا وصيَّةَ في مالِها (٤) .
وقال إبراهيمُ النَّخعيُّ: ألفُ دِرْهم إلى (٥) خَمْسِ مئةِ دِرْهم (٦) .
وقال قتادةُ في قولِهِ عزَّ وجلَّ: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: ١٨٠] ، قال: الخيرُ ألفٌ فما فَوْقها (٧) .