مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 40 of 79

  1. وهكذا رواهُ مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، قال: حدَّثني رَجُلٌ من مُزَينةَ ونحنُ جُلُوسٌ عندَ سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، فذكر الحديث.

    vol. 9, p. 289
  2. ذكَرهُ عبدُ الرَّزّاقِ في "التَّفسيرِ" ، وفي "المُصنَّفِ" (٢) .

  3. وأخبرنا عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا عَنْبسةُ، قال: حدَّثنا يونُسُ، قال: قال محمدُ بن مُسلِم، سَمِعتُ رَجُلًا من مُزَينةَ، مِمَّن يتَّبِعُ العِلمَ ويَعِيهِ، ونحنُ عندَ ابن المُسيِّبِ، يُحدِّثُ عن أبي هُريرةَ قال: أتَى رجُلٌ من اليهُودِ وامرأةٌ، فقال بعضُهُم لبعض: اذْهبُوا بنا إلى هذا النَّبيِّ، فإنَّهُ نبيٌّ بُعِثَ بالتخفيفِ، فإن أفْتَى بفُتيا دُونَ الرَّجم، قَبِلناها واحْتَجَجْنا بها عندَ اللّه تعالى، وقُلنا: فُتيا نبيٍّ من أنبيائكَ. قال: فأَتَوُا النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وهُو جالِسٌ في المَسْجِدِ في أصْحابِهِ، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تَرَى في رجُلٍ منهم وامرأةٍ زَنَيا، فلم يُكلِّمْهُم كلمةً، حتّى أَتَى بيتَ مِدْراسِهِم، فقامَ على البابِ، فقال: "أنشُدُكُم باللّه الذي أنزلَ التَّوراةَ على موسى، ما تَجِدُونَ في التَّوراةِ على من زَنَى إذا أحصنَ؟ " قالوا: يُحمَّمُ، ويُجبَّهُ، ويُجلدُ، والتَّجبيهُ: أن يُحمَلَ الزّانيانِ على حِمارٍ، ويُقابَلَ أقْفِيتُهُما، ويُطافَ بهما. قال: وسكَتَ شابٌّ منهُم، فلمّا رآهُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ألظَّ به يَنْشُدُهُ، فقال: اللَّهُمَّ إذْ نَشَدْتَنا، فإنّا نَجِدُ في التَّوراةِ الرَّجمَ. فقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "فبما ارْتَخصتُم أمرَ اللّه؟ "

    vol. 9, p. 290قال: زَنَى ذُو قُرابةٍ من مَلِكٍ (١) من مُلُوكِنا، فأُخِّرَ عنهُ الرَّجمُ، ثُمَّ زَنَى رجُلٌ في أسْرَةٍ (٢) من النّاسِ فأرادَ رجمهُ، فحال قومُهُ دُونهُ، وقالوا: لا يُرجَمُ صاحِبُنا، حتّى تجيءَ بصاحِبِك فتَرْجمهُ، فاصْطَلحُوا على هذه العُقُوبةِ بينهُم. فقال نبيُّ اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "فإنِّي أحكُمُ بما في التَّوراةِ" . فأمرَ بهما فرُجِما (٣) .

  4. وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحدِ بن شَريكٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ. وأخبرنا عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبرنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن يحيى أبو الأصْبَغِ الحرّانيُّ، قال: حدَّثني محمدُ بن سَلَمةَ. جميعًا عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، قال: سمِعتُ رجُلًا من مُزَينةَ يُحدِّثُ سَعِيدَ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، قال: زَنَى رجُلٌ وامْرأةٌ من اليهُودِ، وقد أحصنا، حينَ قدِمَ رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ، وكان الرَّجمُ مكتُوبًا عليهم (٥) في التَّوراةِ، فتَركُوهُ وأخَذُوا بالتَّجبيهِ، يُضرَبُ مئةً بحَبْلٍ مطليٍّ بِقارٍ، ويُحملُ على حِمارٍ (٦) ووجهُهُ مِمّا يلي دُبُرَ الحِمارِ. قال فيه: ولم يكونوا من أهلِ دينِهِ (٧) في ذلك، قال: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: ٤٢] . واللَّفظُ لحديثِ أبي داود مخُتصرٌ.

  5. ففي هذه الآثارِ كلِّها دليلٌ على أنَّهُ إنَّما حكَمَ في اليهُوديَّينِ بما حكَمَ من أجْلِ أَنَّهُ حُكِّمَ، وتحُوكِمَ إليه، ورُضِيَ به.

    vol. 9, p. 291
  6. وفي حديثِ ابن إسحاق: أنَّ ذلك كان حينَ قدِمَ المدينةَ. وذلك يدُلُّ على أنَّ اليهُودَ لم يَكُن لهم يومَئذٍ ذِمَّةٌ، كما قال مالكٌ رحِمهُ اللّه.

  7. وعند ابنِ شِهابٍ أيضًا في هذا البابِ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، قال: شَهِدتُ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- حينَ أمرَ برجمِهِما، فلمّا رُجِما، رأيتُهُ يُجافي بيدهِ عنها، ليَقِيَها الحِجارَةَ. رواهُ مَعْمرٌ، وغيرُهُ عنهُ (١) .

  8. والحُكمُ كان فيهم بشهادةٍ، لا باعتِرافٍ، وذلك محفُوظٌ من حديثِ جابر: أخبرنا عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا يحيى بن موسى البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال مجُالِدٌ: أخْبَرنا عن عامرٍ (٣) ، عن جابرِ بن عبدِ اللّه، قال: جاءَت يهُودُ برجُل منهُم وامرأةٍ زَنَيا، فقال: "ائتُوتي بأعْلَم رَجُلَيْنِ (٤) مِنْكُم" فأَتَوْهُ بابْنَي صُوريا، فناشَدَهُما: "كيفَ تَجِدانِ أمرَ هذين في التَّوراةِ؟ " قالا: نجِدُ في التَّوراةِ إذا شهِدَ أربعةٌ أنَّهُم رأَوْا ذكَرَهُ في فَرْجِها، مِثلَ المِيلِ في المُكْحُلةِ، رُجِما. قال: "فما مَنَعكُما أن ترجُمُوهُما؟ " قال: ذهَبَ سُلطانُنا، فكَرِهنا القتلَ. فدَعا رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- بالشُّهُودِ، فجاءَ أربعةٌ فشهِدُوا أنَّهُم رأَوْا ذكَرَهُ في فَرْجِها مِثلَ المِيلِ في المُكْحُلةِ، فأمرَ رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- برَجْمِهِما.

  9. ورَوَى شَريكٌ، عن سِماكِ بن حَرْبٍ، عن جابرِ بن سَمُرةَ: أنَّ رسُولَ اللّه -صلى الله عليه وسلم- رجَمَ يهُوديًّا ويهُوديَّةً (١) . انفردَ به عن سِماكٍ: شَرِيكٌ (٢) .

    vol. 9, p. 292
  10. وأمّا الرِّوايةُ عن ابن عبّاسٍ، في أنَّ الآيةَ منسُوخةٌ، أعني: قولَهُ عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: ٤٢] ، فأخْبَرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ الزَّعْفَرانيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا عبّادٌ، عن سُفيانَ، عن الحَكم، عن مجُاهِدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: نُسِخَ من المائدةِ آيتانِ: آيةُ القلائدِ، وقولُهُ عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} ، وكان رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- مُخيَّرًا، إن شاءَ حَكَمَ، وإن شاءَ أعرضَ عنهُم، ورَدَّهُم إلى حُكّامِهِم، فنَزَلت: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: ٤٩] ، فأُمِر رسُولُ اللّه -صلى الله عليه وسلم- أن يحكُمَ بينهُم بما في كِتابِنا (٣) .

    قال أبو عُمر: هذا خبرٌ إنَّما يَرْويهِ سُفيانُ بن حُسَينٍ، وليسَ بالقويِّ، وقدِ اختُلِفَ عنه فيه، فرُوِي عنهُ موقُوفًا على مُجاهِدٍ، وهُو الصَّحيحُ من قولِ مُجاهِدٍ، لا من قولِ ابن عبّاسٍ.

  11. أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يونُس، قال: حدَّثنا بَقِيُّ بن مخلدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الحَميدِ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن حُسينٍ، عن الحَكَم، عن مجُاهِدٍ، قال: لم يُنسَخْ من المائدةِ إلّا هاتانِ الآيتان: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} : نسختها: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} ، وقولُهُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} [المائدة: ٢] نسختها: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} (١) [التوبة: ٥] .

    vol. 9, p. 293
  12. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا ابنُ مَهْديٍّ، عن هُشَيم، عن منصُورِ بن زاذانَ، عن الحَكَم، عن مجُاهِدٍ - في قولِهِ: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} قال: نسختها {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} (٢) [المائدة: ٤٨] .

  13. وقد رَوَى يونُسُ بن بُكَير (٣) ، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحُصينِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ - في قولِهِ: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} - قال: نَزَلت في بَني قُرَيظةَ، وهي مُحكَمةٌ (٤) .

  14. وذكَرَ وكيعٌ، عن سُفيان، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشَّعبيِّ: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} ، قالا: إن شاءَ حكَمَ، وإن شاءَ لم يحكُم.

    vol. 9, p. 294
  15. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ. فذكرهُ (١) .

  16. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا ابنُ مهديٍّ، عن أبي عَوانةَ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ والشَّعبيِّ، قالا: إن شاءَ حكَمَ، وإن شاءَ أعرَضَ (٢) .

  17. وقد مَضَى القولُ فيمَنْ تابَعهُم على هذا القولِ، ومن خالَفهُم فيه من العُلماءِ في صَدْرِ هذا البابِ، والوجهُ عِندي فيه التَّخييرُ؛ لئلّا يَبْطُلَ حُكمٌ من كِتابِ الله بغيرِ يقينٍ، لأنَّ قولَهُ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ} مُحتمِلٌ للتَّأويلِ، يعني: إن حكمتَ، وآيةُ التَّخييرِ مُحكَمة، نصٌّ لا تَحْتمِلُ تأويلات.

  18. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٣) ، وأبو سُفيانَ (٤) ، ومحمدُ بن ثَوْرٍ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهريِّ في قولِه: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} ، قال: مَضَتِ السُّنَّةُ أن يُرَدُّوا في حُقُوقِهِم ومَواريثِهِم إلى أهلِ دينِهِم، إلّا أن يأتُوا راغِبينَ في حدٍّ ليُحْكَم بينهُم فيه، فيُحكَمَ بينهُم بكِتابِ الله عزَّ وجلَّ.

    vol. 9, p. 295قال مَعْمرٌ: أخبرنا عبدُ الكريم الجَزَريُّ، أنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ كتبَ إلى عديِّ بن أرطاةَ: إذا جاءَكَ أهلُ الكِتابِ فاحكُم بينهُم بما في كِتابِ الله (١) .

  19. وذكَرَ سُنَيدٌ، عن هُشيم، عن العوّام، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، في قولِهِ: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} قال: بالرَّجم (٢) .

    قال أبو عُمر: حُكْمُ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بما في التَّوراةِ (٣) خُصُوصٌ لهُ، والله أعلمُ، بدليلِ قولِه: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [المائدة: ٤٤] ، وقال عزَّ وجلَّ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: ٤٨] ، ولِقولِهِ: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: ٥١] . ولأنّا لا نعلَمُ من ذلكَ ما عَلِمهُ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-. ويحتمِلُ أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- إنَّما حَكَم في اليهُوديَّينِ بحُكم الله تعالى في شَريعتِهِ، وكان ذلك مُوافِقًا لِما في التَّوراةِ، والحمدُ لله (٤) .

  20. حديثٌ خامِسُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من شرِبَ الخمرَ في الدُّنيا، فلم يَتُبْ منها، حُرِمَها في الآخِرةِ" .

    vol. 9, p. 296
  21. في هذا الحديثِ دليلٌ على تحريم الخَمْرِ، وعلى أنَّ شُرْبَها من الكبائرِ؛ لأنَّ هذا وَعيدٌ شَديدٌ يدُلُّ على حِرْمانِ دُخُولِ الجنَّةِ، لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ أخبَرَ أنَّ الجنّةَ فيها أنهارٌ من خَمْرٍ لذَّةٍ للشّارِبينَ (٢) {لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ} [الواقعة: ١٩] .

  22. والظّاهِرُ أنَّ من دخلَ الجنّةَ لا بُدَّ لهُ من شُربِ خَمْرِها، ولا يخلُو من حُرِمَ الخمرَ في الجنَّةِ، ولم يَشْرَبْها فيها، وهُو قد دخَلَها، مِنْ أن يكونَ يَعلَمُ أنَّ فيها خمرًا لذَّةً للشّارِبينَ، وأنَّهُ حُرِمَها عُقُوبةً، أو لا يكونَ يَعلَمُ بها، فإن يَكُن لا يعلمُ بها، فليسَ في هذا شيءٌ مِنَ الوَعيدِ؛ لأنَّهُ إذا لم يعلَمْ بها، ولم يَذْكُرها، ولا رآها، لم يجِدْ ألمَ فَقْدِها، فأيُّ عُقُوبةٍ في هذا؟ وَيسْتحيلُ أن يُخاطِبَ اللهُ ورسُولُهُ بما لا معنى لهُ.

  23. وإن يَكُن عالِمًا بها، وبمَوْضِعِها، ثُمَّ يُحرَمُها عُقُوبةً لشُربِهِ لها في الدُّنيا إذ لم يَتُبْ منها قبلَ الموتِ، وعلى هذا جاءَ الحديثُ، فإن كان هذا هكذا، فقد لحِقَهُ حِينَئذٍ حُزْنٌ وهَمٌّ (٣) وغمٌّ لِما حُرِمَ من شُربِها (٤) ، ويرَى غيرَهُ يشرَبُها، والجنَّةُ دارٌ لا حُزنَ فيها ولا غمَّ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} [الحجر: ٤٨] ، {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: ٣٤] ، وقال: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ} [الزخرف: ٧١] .

  24. ولهذا والله أعلمُ، قال بعضُ من تقدَّمَ: إنَّ من شرِبَ الخمرَ، ولم يتُبْ منها، لم يدخُلِ الجنّةَ، لهذا الحديثِ ومِثلِهِ.

    vol. 9, p. 297
  25. وهذا مذهبٌ غيرُ مَرْضيٍّ عندَنا، إذا كان على القَطْع في إنفاذِ الوَعيدِ، ومحمَلُهُ عندَنا: أنَّهُ لا يدخُلُ الجنّةَ إلّا أن يُغفرَ لهُ إذا ماتَ غيرَ تائبٍ عنها كسائرِ الكَبائرِ.

  26. وكذلكَ قولُهُ: "لم يَشْرَبها في الآخِرةِ" معناهُ عندَنا: إلّا أن يُغفرَ لهُ، فيدخُلَ الجنّةَ، ويَشْربَها، وهُو عندَنا في مَشيئَةِ الله، إن شاءَ غفرَ لهُ، وإن شاءَ عذَّبهُ بذنبِهِ، فإن عذَّبهُ بذَنبِهِ، ثُمَّ أدخَلهُ (١) الجنّةَ برَحمتِهِ، لم يُحرَمْها إن شاءَ الله تعالى، ومن غُفِرَ لهُ، فهُو أحْرَى أن لا يُحرَمَها، واللهُ أعلمُ.

  27. وعلى هذا التَّأويلِ يكونُ معنى قولِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "حُرِمَها في الآخِرةِ" . أي: جَزاؤُهُ وعُقُوبتُهُ أن يُحرَمَها في الآخِرةِ، ولله أن يُجازيَ عبدَهُ المُذنِبَ على ذَنْبِهِ، ولهُ أن يعفُوَ عنهُ، فهُو أهلُ العفوِ، وأهلُ المَغْفِرةِ، لا يغفِرُ أن يُشرَكَ به، ويغفِرُ ما دُونَ ذلك لمن يشاءُ (٢) ، وهذا الذي عليه عَقْدُ أهلِ السُّنَّةِ: أنَّ اللهَ يغفِرُ لمن يشاءُ، ما خَلا الشِّركَ، ولا يُنفِّذُ الوَعيدَ على أحَدٍ من أهلِ القِبْلةِ، وبالله التَّوفيقُ.

  28. وجائزٌ أن يدخُلَ الجنّةَ إذا غفَرَ اللهُ لهُ، فلا يَشْربُ فيها خمرًا ولا يذكُرُها ولا يَراها، ولا تَشْتهيها نفسُهُ، والله أعلمُ.

  29. وقد رُوِيَ عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ: من لبِسَ الحريرَ في الدُّنيا، ودخَلَ الجنّةَ، لم يلبَسْهُ هُو فيها من بين سائرِ أهْلِها. هذا، أو معناهُ (٣) رُوي عنهُ.

  30. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا مُسلِمٌ، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن داودَ السَّرّاج، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "من لبِسَ الحريرَ في الدُّنيا، لم يَلْبَسْهُ في الآخِرةِ، وإن دخَلَ الجنّةَ لَبِسَهُ أهلُ الجنَّةِ، ولم يَلْبَسْهُ هُو" (١) .

    vol. 9, p. 298
  31. ورواهُ أبو داود الطَّيالِسيُّ (٢) ، عن هشام، بإسنادِهِ مرفُوعًا.

  32. ورواهُ شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن داودَ، عن أبي سَعيدٍ، مِثلَهُ موقُوفًا (٣) .

  33. وقد رَوَى جماعةٌ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "من لبِسَ الحريرَ في الدُّنيا، لم يَلْبَسْهُ في الآخِرةِ" (٤) .

  34. ورُوي عن ابن الزُّبيرِ، أنَّهُ قال: من لم يَلْبَسْهُ في الآخِرةِ، لم يدخُلِ الجنّةَ؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قال في كِتابِه: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: ٢٣] .

    vol. 9, p. 299
  35. وهذا عِندي على نَحْوِ المعنى الذي نَزَعنا عنه (١) في شارِبِ الخَمْرِ، والله أعلمُ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن مَرْوان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن سُلَيمان الحَرِيريُّ، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع العَتكيُّ الزَّهرانيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "كلُّ مُسْكِرٍ خمرٌ، وكلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ، ومن شرِبَ الخمرَ في الدُّنيا فماتَ ولم يَتُبْ منها: لم يَشْربْها في الآخِرة" (٢) .

    قال البغويُّ: كتَب هذا الحديثَ أحمدُ بن حَنْبل، عن أبي الرَّبيع الزَّهرانيِّ. قال أبو عُمر: روى مالكٌ (٣) ، وابنُ جُرَيج هذا الحديثَ كلَّهُ عن نافع، بعضَهُ

    vol. 9, p. 300مُسندًا، وبعضَهُ من قولِ ابن عُمر. وهُو كلُّهُ مُسندٌ صحيحٌ، وقد مَضَى القولُ فيه عندَ ذِكْرِ تحريم المُسْكِرِ، في بابِ إسحاق بن أبي طَلْحةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.

  36. وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ شارِبَ الخَمْرِ ما لم يَتُبْ منها، فاسِقٌ مردُودُ الشَّهادةِ.

  37. وذكَرَ الأثرمُ، قال: قلتُ لأحمدَ بن حَنْبل: لي جارٌ يَشْربُ الخمرَ، أأُسلِّمُ عليه؟ فسكتَ، ثُمَّ قال: سلِّمْ عليه، ولا تُجالِسهُ.

  38. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَينةَ، عن عَمرٍو، عن يحيى بن جَعْدةَ، قال: قال عُثمانُ بن عفّان: إيّاكُم والخمرَ، فإنَّها مِفتاحُ كلِّ شرٍّ، أُتي رجُلٌ فقيلَ لهُ: إمّا أن تحرِقَ هذا الكِتابَ، وإمّا أن تقتُلَ هذا الصَّبيَّ، وإمّا أن تقَعَ على هذه المرأةِ، وإمّا أن تشرَبَ هذا الكأسَ، وإمّا أن تسجُدَ لهذا الصَّليبِ. قال: فلم يرَ فيها شيئًا أهونَ من شُربِ الكأسِ، فلمّا شرَبها سجَدَ للصَّليبِ، وقتلَ الصَّبيَّ، ووقَعَ على المرأةِ، وحرقَ الكِتابَ (١) .

  39. وأمّا التَّوبةُ مِنَ الخمرِ، وغيرِها من كبائرِ الذُّنُوبِ، فمبسُوطةٌ للمُؤمِنِ، ما لم تحضُرْهُ الوَفاةُ ويُعاينِ الموتَ ويُغَرْغِر، فإذا بلغَ هذه الحالَ، فلا توبةَ لهُ إن تابَ حينَئذٍ، وتوبتُهُ مَرْدُودةٌ عليه، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} يعني: المُسلِمين. ثُمَّ قال: {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} الآيةَ [النساء: ١٨] يعني: جماعةَ الكافِرينَ.

  40. وهذه الآيةُ تفسيرُ قولِهُ عزَّ وجلَّ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: ٣٨] يُريدُ: قبلَ حُضُورِ الموتِ، على ما وصَفْنا.