مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 42 of 79
- vol. 9, p. 310
وأمّا الشّافِعيُّ (٣) ، فإنَّ الفُرقةَ تقعُ عندَهُ بالْتِعانِ الزَّوج وحدَهُ؛ لأنَّهُ لمّا دفعَ لِعانُهُ الولدَ والحدَّ، وجبَ أن يدفعَ الفِراشَ، لأنَّ لِعانَ المرأةِ لا مدخَلَ لهُ في ذلك، وإنَّما هُو لنَفْيِ الحدِّ عنها لا غيرُ.
-
وذهَبَ عُثمانُ البتِّيُّ: أنَّ الفُرْقةَ تَقَعُ بالطَّلاقِ بعدَ اللِّعانِ؛ لأنَّ العَجْلانيَّ طلَّقها ثلاثًا بعد اللِّعانِ (٤) .
-
وقد مَضَى القولُ أيضًا في حُكْم فُرْقةِ المُتلاعِنَيْنِ، وهل يحتاجُ الحاكِمُ إلى أن يُفرِّقَ بينهُما بعدَ اللِّعانِ أم لا؟ وما في ذلكَ للعُلماءِ من التَّنازُع، ووجهُ الصَّوابِ فيه عندَنا، عندَ ذِكْرِ حديثِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، في كِتابِنا هذا، وذكَرْنا (٥) هُناك أيضًا أحكامًا صالحةً من أحْكام اللِّعانِ، لا معنَى لإعادتِها ها هُنا، ونَذكُرُ ها هُنا حُكم الحَمْل والولَدِ، وما ضارَعَ ذلك بعونِ الله لا شريكَ لهُ.
-
فأمّا قولُهُ في حَديثِنا هذا: وانْتَفَى من ولَدِها، فإنَّهُ يحتمِلُ أن يكونَ انتَفَى منهُ وهُو حَمْلٌ ظاهِرٌ، ويحتمِلُ أن يكون انتَفَى منهُ بعدَ أن وُلِدَ (٦) .
- vol. 9, p. 311
وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في المُلاعَنةِ على الحمل (١) ، فقال منهُم قائلُونَ: لا سبيلَ إلى أن يُلاعِنَ أحدٌ عن حَمْل، ولا لأحَدٍ أن يَنْتفيَ من وَلدٍ لم يُولَد بَعدُ، ولأنَّهُ رُبَّما حسِبَ أنَّ بالمرأةِ حَمْلًا، وليسَ بها حملٌ. قالوا: وكم حَمْلٍ ظاهرٌ (٢) في رأيِ العَيْنِ، ثُمَّ انفشَّ واضْمَحلَّ. قالوا: فلا لِعانَ على الحملِ بوَجْهٍ من الوُجُوهِ. قالوا: ولوِ التعَنَ أحدٌ على الحَمْلِ، لم ينتَفِ عنهُ الولدُ، حتّى ينفيهُ بعدَ أن يُولد ويلتعِنُ بعدَ ذلك، ويَنْفيه في اللِّعانِ، فحينئذٍ يَنْتفي عنهُ. هذا قولُ أبي حنيفةَ، وطائفةٍ من فُقهاءِ الكُوفة.
وقال آخرُونَ: جائزٌ أن يَنْتفي الرَّجُلُ من الحَمْلِ، إذا كان حملًا ظاهِرًا. هذا قولُ مالكٍ والشّافِعيِّ وجَماعةٍ من فُقهاءِ أهلِ الحِجازِ والعِراقِ. وحُجَّتُهُم: أنَّ المرأةَ التي لاعنَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينها وبين زَوْجِها كانت حامِلًا، فانْتَفى المُلاعِنُ من ولَدِها، ففرَّقَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بينهُما، وألحقَ الولدَ بأُمِّهِ.
-
والآثارُ الدّالَّةُ على صِحَّةِ هذا القولِ كَثِيرةٌ، وسنَذكُرُ منها في هذا البابِ ما فيه كِفايةٌ، وشِفاءٌ وهِدايةٌ إن شاءَ الله.
-
وجُملةُ قولِ مالكٍ (٣) وأصحابِهِ في هذه المسألةِ: أنَّهُ لا يُنْفَى الحملُ بدعوى رُؤيةِ الزِّنا، ولا يُنْفَى الحملُ إلّا بدعوى الاسْتِبراءِ وأنَّهُ لم يَطَأ بعد الاستِبراءِ، والاسْتِبراءُ عندَهُم حَيْضةٌ كامِلةٌ. هذا قولُ مالكٍ وأصحابِهِ، إلّا عبد الملِك، فإنَّهُ قال: ثلاثُ حِيَضٍ. ورواهُ أيضًا عن مالكٍ.
وقال ابنُ القاسم: لا يلزمُهُ ما وَلَدت بعدَ لِعانِهِ، إلّا أن يكونَ حَمْلًا ظاهِرًا حينَ لاعنَ بإقرارٍ أو بيِّنةٍ فيُلحَقُ به.
vol. 9, p. 312وقال المُغيرةُ (١) المخزُوميُّ (٢) : إن أقرَّ بالحَمْل وادَّعى رُؤيةً: لاعنَ، فإن وَضَعتهُ لأقلَّ من سِتَّةِ أشْهُرٍ من يوم الرُّؤيةِ، فهُو لهُ، وإن كانَ لسِتَّةِ أشهُرٍ فأكثرَ، فهُو للِّعانُ، فإن ادَّعاهُ لحِقَ به وحُدَّ (٣) .
قال المُغيرةُ: ويُلاعِنُ في الرُّؤيةِ من يدَّعي الاسْتِبراءَ (٤) .
-
وأمّا الشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ وأصحابُهُم، فإنَّهُم يقولُونَ: كلُّ من قذَفَ امرأتهُ، وطلَبتِ الحدَّ، ولم يأتِ زَوْجُها بأربعةِ شُهداءَ: لاعَنَ، وسواءٌ قال لها: يا زانيةُ، أو: زَنَيتِ، أو: رأيتُها تزني: يُلاعِنُ أبدًا. وكلُّ من نَفَى الحملَ عندَهُم، وقال: ليسَ مِنِّي، ولم يَكُن علِمَ به: لاعَنَ. ولا معنى عندَهُم للاسْتِبراءِ؛ لأنَّ الاستِبراءَ قد تلِدُ مَعهُ، فلا معنى لهُ، ما كان الفِراشُ قائمًا، إلّا أبا حنيفةَ، فإنَّهُ على أصْلِهِ، في أنْ لا لِعانَ على حمل، على ما ذكرتُ لك.
-
ولا خِلافَ عن مالكٍ وأصحابِه: أنَّهُ (٥) إذا ادَّعَى رُؤيةً، وأقرَّ أنَّهُ وَطِئَ بعدَها، حُدَّ، ولحِقَ به الوَلَدُ.
قال ابنُ القاسم: فلو أكذَبَ نفسهُ في الاسْتِبراءِ، وادَّعَى الوَلَدَ، لحِقَ به، وحُدَّ (٦) إذ باللِّعانِ نفيناهُ عنهُ، وصار قاذِفًا.
vol. 9, p. 313وقال مالكٌ وابنُ القاسم (١) وغيرُهُما: يُبدَأُ بالزَّوج في اللِّعانِ، فيَشْهدُ أربعَ شهاداتٍ بالله، يقولُ في الرُّؤيةِ: أشْهَدُ بالله إنِّي لمِنَ الصّادِقينَ، لَرَأيتُها تَزْني. ويقولُ في نَفْيِ (٢) الحمل: أشهدُ بالله لَزَنَتْ (٣) .
-
وذكرَ ابنُ الموّازِ، عن ابن القاسم، قال: يقولُ (٤) في نفيِ الحَمْل: أشهدُ بالله إنِّي لمِنَ الصّادِقينَ، ما هذا الحملُ مِنِّي.
قال أصبغُ: وأحَبُّ إليَّ أن يزيدَ: لَزَنَتْ (٥) . قال أصبغُ: ويقولُ في الرُّؤية: كالمِرْودِ في المُكْحُلةِ.
قال مالكٌ وابنُ القاسم: ويقولُ في الخامسةِ: أنَّ لعنَةَ الله عليه إن كان من الكاذِبينَ. وتقولُ المرأةُ في الرُّؤيةِ: أشْهَدُ بالله ما رآني أزْنِي. وفي الحَمْل: أشهدُ بالله ما زَنَيتُ، وإنَّ هذا الحملَ منهُ.
قال أبو عُمر: إن كان ولدًا أو حملًا ونَفاهُ، قال في لِعانِهِ: أشْهَدُ بالله لقد زنَتْ، وما هذا الحملُ مِنِّي، أو: ما هذا الولدُ مِنِّي. وتقولُ هي: أشهدُ بالله ما زَنَيتُ، وأنَّ هذا الحملَ منهُ، أو: هذا الولدَ منهُ. وإن كان غائبًا، أو ميِّتًّا سَمَّتهُ ونَسَبتهُ، وقالت: وإنَّهُ من زَوْجي فُلان ابن فُلانٍ. يقولُ كلُّ واحدٍ منهُما هذا القولَ أربعَ مرّاتٍ، بأربع شهاداتٍ بالله، ثُمَّ يقولُ الزَّوجُ في الخامِسةِ: وعليه لعنَةُ الله إن كان من الكاذِبينَ. وتقولُ هِيَ: وعليها غَضَبُ الله، إن كان من الصّادِقينَ، فيما ذكَرَ من رُؤيةٍ، أو فيما ذكَرَ من زِناها، ومن نَفْي حَمْلِها أو ولدِها، على حسَبِ ما فسَّرتُ لك.
- vol. 9, p. 314
فإذا تمَّ الْتِعانُ المرأةِ بعدَ الْتِعان الرَّجُلِ، وقَعَتِ الفُرقةُ بينهُما، ثُمَّ لم تحِلَّ لهُ أبدًا، وسَواءٌ فرَّق الحاكِمُ بينهُما، أو لم يُفرِّق، وإن أكذَبَ نفسَهُ بعدَ ذلكَ، حُدَّ ولحِقَ به الولدُ، ولم يتَراجعا أبدًا، وإن بَقِي من لِعانِهِ، أو لِعانِ المرأةِ، ولو مرَّةً واحدةً، شَهادةٌ واحدةٌ، الخامِسةُ أو غيرُها، فأكذَبَ نفسَهُ قبلَ تمَامِها، حُدَّ وبَقِيت مَعهُ زوجَتُه إذا لم يتِمَّ لِعانُها. هذا كلُّهُ قولُ مالكٍ وأصحابِه (١) .
-
ولو لاعَنَ عِندهُم من نَفَى حملًا، فانْفَشَّ، لم تُردَّ إليه، ولم تحِلَّ لهُ أبدًا؛ لأنَّهُ قد يجُوزُ أن تكونَ أسْقَطتهُ وكَتَمتهُ.
-
وعندَ الشّافِعيِّ (٢) : أنَّ الرَّجُلَ إذا تمَّ الْتِعانُهُ، فقد زالَ فِراشُهُ، ولا تحِلُّ لهُ أبدًا.
-
وعندَ أبي حَنِيفةَ: أنَّ تمامَ اللِّعانِ لا يُوجِبُ فُرْقَةً حتّى يُفرِّقَ الحاكِمُ بينهُما. ولكلِّ واحدٍ منهُم حُجَّةٌ من حديثِ مالكٍ وغيرِهِ هذا محُتمَلةٌ للتَّأويل، وقولُ مالكٍ أولى بالصَّوابِ إن شاءَ الله.
وقال الشّافِعيُّ (٣) رحِمهُ الله: تَفْريقُ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بين المُتلاعِنينٍ، تفريقُ حُكم، ليس لطَلاقِ الزَّوج فيه مدخَلٌ، وإنَّما هُو تفريقٌ أوجَبهُ اللِّعانُ، فأخبَرَ به (٤) النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بقولِهِ: "لا سبيلَ لكَ عليها" (٥) .
قال (٦) : وإذا أكملَ الزَّوجُ الشَّهادَةَ والالْتِعانَ، فقد زالَ فِراشُ امرأتِهِ، ولا تحِلُّ لهُ أبدًا وإن أكذَبَ نفسَهُ، الْتَعنت أو لم تَلْتعِن. قال: وإنَّما قلتُ هذا، لأنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا سبيلَ لكَ عليها" ، ولم يَقُل: حتّى تُكذبَ نفسَكَ.
vol. 9, p. 315قال (١) : وكان معقُولًا في حُكْم رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- إذ ألحَقَ (٢) الولدَ بأُمِّهِ، أنَّهُ نفاهُ عن أبيهِ، وأنَّ نَفْيَهُ عنهُ إنَّما كان بيَمِينِهِ والْتِعانِهِ، لا بيمينِ المرأةِ على تَكْذيبِهِ.
قال (٣) : ومعقُولٌ في إجماع المُسلِمينَ: أنَّ الزَّوجَ إذا أكذَبَ نَفْسهُ، لحِقَ به الوَلَدُ، وجُلِدَ الحدَّ. ولا معنَى للمَرْأةِ في نَفْيِهِ، وأنَّ المعنى للزَّوج، فكيف يكونُ لها معنًى في يمينِ الزَّوج، ونفيُ الوَلدِ وإلحاقُهُ، والولَدُ بكلِّ حالٍ ولَدُها لا يَنْتفي عنها أبدًا، إنَّما يَنْتفي عن الرَّجُلِ، وإليه ينتسِبُ؟
قال: والدَّليلُ على ذلك ما لا يختلِفُ فيه أهلُ العِلم، من أنَّ الأُمَّ لو قالت: ليسَ هُو مِنكَ، إنَّما اسْتَعرتُهُ: لم يَكُن قولُها شيئًا، إذا عُرِفَ أنَّها ولدتهُ على فِراشِهِ، ولم يَنْتفِ منه إلّا بلِعانٍ؛ لأنَّ ذلكَ حقٌّ (٤) للولَدِ دُونَ الأُمِّ. وكذلكَ لو قال: هُو ابني، وقالت هِيَ: بل زنيتُ، وهُو من زِنًى. كان ابنَهُ، ولم يُنظَر إلى قولِها. ألا تَرَى أنَّ حُكمَ النَّفيِ والإثباتِ إليه دُونَ أُمِّهِ؟ فكذلكَ نفيُهُ بالْتِعانِهِ إليه دُون أُمِّهِ. قال: والْتِعانُ المرأةِ إنَّما هُو لدَرْءِ الحدِّ عنها لا غيرُ، ليسَ من إثباتِ الولَدِ، ولا نَفْيِهِ في شيءٍ.
قال الشّافِعيُّ (٥) : وإذا علِمَ الزَّوجُ بالولدِ، فأمكَنهُ الحاكِمُ إمكانًا بيِّنًا، فتركَ اللِّعانَ (٦) لم يكُن لهُ أن يَنْفيَهُ بعدُ.
وقال ببغدادَ: إن لم يَشْهد بحَضْرةِ ذلك في يوم أو يومينِ، لم يكُن لهُ نفيُهُ. وقال بمِصرَ أيضًا: ولو قال قائلٌ: لهُ نَفْيُهُ في ثلاثةِ أيام إن كان حاضِرًا، كان مذهبًا.
vol. 9, p. 316قال أبو عُمر: كلُّ من قال: إنَّ الفُرقةَ تَقَعُ باللِّعانِ دُونَ تفريقِ الحاكِم، من فُقهاءِ الأمصارِ خاصَّةً، يقولُونَ: إنَّ الفُرقةَ لا تَقَعُ بينهُما إلّا بتمام الْتِعانِهِما جميعًا، إلّا الشّافِعيَّ وأصحابهُ، فإنَّهُم قالوا: تَقَعُ الفُرقةُ بتمام الْتِعانِ الزَّوج وحدَهُ. وكلُّهُم يقولُونَ: إنَّ المرأةَ إذا أبَتْ أن تَلْتعِنَ بعد الْتِعانِ الزَّوج، وجَبَ عليها الحدُّ، وحدُّها -إن كانت غيرَ مدخُولٍ بها-: الجَلْدُ، وإن كانت مَدْخُولًا بها: الرَّجمُ.
-
إلّا أبا حَنِيفةَ وأصْحابهُ، فإنَّهُم قالوا: إن أبَتْ أن تَلْتعِن حُبِست أبدًا حتّى تَلْتعِنَ (١) .
-
والحُجَّةُ عليهم قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور: ٨] والسِّجنُ ليسَ بعذابٍ، والله أعلمُ، بدليل قولِ الله عزَّ وجلَّ: {إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: ٢٥] فجعَلَ السِّجن غيرَ العذابِ، وقد سَمَّى الله الحدَّ عذابًا بقولِه: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: ٢] ، وقولِهِ: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} .
-
وقد رُوي مِثلُ قولِ أبي حنيفةَ في هذه المسألةِ عن عَطاءٍ، والحارِثِ العُكْليِّ، وابن شُبرُمةَ. وهُو خِلافُ ظاهِرِ القُرآنِ، وخِلافُ ما عليه أكثرُ عُلماءِ المُسلِمينَ.
-
أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدٍ قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ محمد بن بكرٍ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المروزيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الحُسين (٢) بن واقِدٍ، عن أبيهِ، عن يزيدَ النَّحويِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ،
vol. 9, p. 317قال: وقولُهُ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} الآيةَ [النور: ٦] . قال: فإذا حلَفا فُرِّقَ بينهُما، وإن لم يَحْلِفا أُقيمَ الجَلْدُ أوِ الرَّجمُ (١) .
-
وهذا كقولِ مالكٍ (٢) سَواءٌ في الفُرقةِ وإقامةِ الحدِّ، عندَ نُكُولِ المرأةِ.
وقال الضَّحّاكُ بن مُزاحِم، في قولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} قال: إن هي أبت أن تُلاعِنَ، رُجِمت إن كانت ثيِّبًا، وجُلِدت إن كانت بِكْرًا (٣) . وهُو قولُ أكْثَرِ أهلِ العِلم بتأويلِ القُرآن، وأكثرِ فُقهاءِ الأمْصَارِ.
-
والعَجَبُ من (٤) أبي حَنِيفةَ يقضي بالنكُولِ في الحُقُوقِ بين النّاسِ، ولا يَرَى ردَّ اليَمينِ، ولم يَقُل بالنُّكُولِ ها هُنا، والذي ذهَبَ إليه أبو حنيفةَ، واللهُ أعلمُ، أنَّهُ جَبُن عن (٥) إقامةِ الحدِّ عليها -بدعوَى زَوْجِها ويَمينِهِ، دُون إقرارِها، أو ببيِّنة تقومُ عليها، ولم يَقْضِ بالنُّكُولِ، لأنَّ الحُدُودَ تُدرأُ بالشُّبُهاتِ، ومِثلُ هذا كلِّهِ شُبْهةٌ دَرَأَ بها الحدَّ عنها- وحَبَسها حتّى تلتعِنَ. وهذا قولٌ ضعيفٌ في النَّظرِ، مع مخُالفتِهِ الجُمهُورَ والأُصُولَ، والله المُستعانُ.
-
ومذهبُ مالكٍ والشّافِعيِّ: أنَّ اللِّعانَ فسخٌ بغيرِ طلاقٍ. وقال أبو حنيفةَ: هي طَلْقةٌ بائنةٌ (٦) .
-
واتَّفق مالكٌ والشّافِعيُّ على أنَّهُ جائزٌ أن يُلاعِنَ إذا نَفَى الحملَ، وكان الحملُ (٧) ظاهِرًا، على ما تقدَّمَ عن مالكٍ وأصحابِهِ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وأصحابِهِ
vol. 9, p. 318أيضًا. والحُجَّةُ لهمُ الآثارُ المُتواتِرةُ بذلكَ، التي لا يُعارِضُها ولا يُخالِفُها مِثلُها، فمِنْ ذلكَ:
ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داودَ الهاشِميُّ، قال: أخبرنا إبراهيمُ بن سعدٍ، عن ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، قال: جاءَ عُوَيمِرٌ إلى عاصِم بن عَدِيٍّ، فقال: سَلْ لي (١) رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- (٢) : أرأيتَ رجُلًا وجدَ مع امرأتِهِ رجُلًا، أيَقتُلُهُ فيُقتَلَ به، أم كيفَ يَصْنعُ؟ فسألَ عاصِمٌ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلكَ، فعابَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عليه المسائلَ. ثُمَّ لَقِيهُ عُوَيمِرٌ فسألهُ: ما صنعتَ؟ فقال: صَنَعتُ، إنَّكَ لم تأتِ بخيرٍ، سألتُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فعابَ المسائلَ. فقال عُوَيمِرٌ: والله لآتينَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: فأتَى رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- (٣) ، فسألَهُ، فوجَدَهُ قد أُنزِلَ عليه فيها، فدَعا بهما فتَلاعنا، فقال عُوَيمِرٌ: لئن انْطَلقتُ بها يا رسُولَ الله، لقد كَذَبتُ عليها. قال: ففارَقَها قبلَ أن يأمُرَهُ بذلكَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فصارت سُنَّةً في المُتلاعِنَيْنِ، ثُمَّ قال: "انظُرُوها، فإن جاءَت به أسْحَمَ أدعَجَ العَيْنَينِ، عظيمَ الألْيَتينِ، فلا أُراهُ إلّا قد صدَقَ، وإن جاءَت به أحمرَ كأنَّهُ وَحْرةٌ، فلا أُراهُ إلّا كاذِبًا" . قال: فجاءَت به على النَّعتِ المكرُوه (٤) .
-
فهذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّها كانت حامِلًا، وإذا كانت حامِلًا، فقد وقَعَ التَّلاعُنُ على الحَمْلِ؛ لأنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- نَفاهُ عن الرَّجُلِ وألحقهُ بأُمِّهِ، وليس
vol. 9, p. 319في شيءٍ من الآثارِ أنَّ اللِّعانَ أُعيدَ في ذلك مرَّةً ثانيةً بعدَ أن ولدتهُ، وفي (١) ذلكَ ما يدُلُّ على أنَّهُ نَفاهُ حملًا، فنفاهُ عنهُ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وألحقهُ بأُمِّهِ.
-
ومِمّا يُصحِّحُ أيضًا ما قُلناهُ: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله، قال: إنّا ليلةَ جُمُعةٍ في المَسْجِدِ، إذ دخلَ رجُلٌ من الأنصارِ، فقال: لو أنَّ رَجُلًا وَجَدَ مع امرأتِهِ رجُلًا فتَكلَّمَ جَلَدتُمُوهُ، وإن قتَلَ قَتلتُمُوهُ، أو سكَتَ، سكَتَ على غَيْظٍ، والله لأسألنَّ عنهُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فلمّا كان من الغَدِ أتَى رسُولَ الله فسألهُ، فقال: لو أنَّ رجُلًا وجَدَ مع امرأتِهِ رجُلًا، فتكلَّمَ جَلَدتُمُوهُ، أو قتَلَ قَتَلتُمُوهُ، أو سكَتَ سكَتَ على غَيْظٍ، فقال: "اللَّهُمَّ افتَحْ" . وجعَلَ يدعُو، فنزَلَتْ آيةُ اللِّعانِ: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} [النور: ٦] فابتُلي به ذلكَ الرَّجُلُ من بينِ النّاسِ، فجاءَ هُو وامرأتُهُ إلى رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فتَلاعَنا، فشهِدَ الرَّجُلُ أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّهُ لمِنَ الصّادِقينَ، ثُمَّ الخامِسةَ: لعنةُ الله عليه إن كان من الكاذِبينَ. قال: فذهَبَت لتَلْتعِنَ، فقال لها النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَهْ" فأبَتْ وفعلَتْ، فلمّا أدْبَرَ (٣) ، قال: "لعلَّها أن تجيء به أسودَ أجْعَدَ" . فجاءَت به أسوَدَ أجْعَدَ.
vol. 9, p. 320قال أبو عُمر: هكذا في الحديثِ: "أجعَدَ" ، والصَّوابُ عندَ أهلِ العربيَّةِ: جَعْدٌ، يُقالُ: رجُلٌ جَعْدٌ، وامرأةٌ جَعْدةٌ، ولا يُقالُ: أجعَدُ. قال الأوزاعيُّ رحِمهُ الله: أعْرِبُوا الحديثَ، فإنَّ القومَ كانوا عَرَبًا.
-
وأمّا الحديثُ الذي قيلَ هذا فيه (١) : "إن جاءَت به أسْحَمَ، أدْعَجَ العَيْنينِ، عظيمَ الألْيَتينِ، فلا أُراهُ إلّا قد صدَقَ، وإن جاءَت به أحمرَ، كأنَّهُ وَحْرةٌ، فلا أُراهُ إلّا كاذِبًا" . قال: فجاءَت به على النَّعتِ المكرُوهِ.
-
فالأسْحَمُ: الأسودُ من كلِّ شيءٍ، والسُّحمةُ: السَّوادُ.
-
والدَّعَجُ: شِدَّةُ سَوادِ العَيْنِ، يُقالُ: رجُلٌ أدعجُ، وامرأةٌ دعجاءُ وعَيْنٌ دَعْجاءُ، وليلٌ أدعجُ، أي: أسودُ.
-
وأمّا قولُهُ: "كأنَّهُ وَحْرةٌ" فأرادَ، واللهُ أعلمُ، كأنَّهُ وَزَغةٌ؛ قال الخليلُ (٢) : والوَحَرَةُ: وَزَغَةٌ تكونُ في الصَّحاري. قال: وامرأةٌ (٣) وَحَرةٌ: سوداءُ دَمِيمةٌ.
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ واضحٌ (٤) على أنَّ المرأةَ كانت حُبلَى.
-
وفيه ضُرُوبٌ من الفِقهِ ظاهِرةٌ, أبْيَنُها: أنَّ القاذِفَ لزَوْجتِهِ يُجلَدُ إن لم يُلاعِنْ. وعلى هذا جَماعةُ أهلِ العِلم، إلّا ما قدَّمنا ذِكْرهُ عن أبي حَنِيفةَ في هذا البابِ، وشيءٌ رُوِيَ عن الشَّعبيِّ والحارِثِ العُكليِّ، قالوا: المُلاعِنُ إذا أكْذَبَ نفسَهُ لم يُضْرَب.
-
وهذا قولٌ لا وجهَ لهُ، والقُرآنُ والسُّنَّةُ يرُدّانِهِ، وَيقْضيانِ: أنَّ كلَّ من قذفَ امرأةً (٥) , ولم يخرُج بما قالهُ بشُهُودٍ أربعةٍ، إن كان أجنبيًّا، أو بلِعانٍ، إن كان زوجًا، جُلِدَ الحدَّ. ولا يصِحُّ عِندي عن الشَّعبيِّ، وكذلكَ لا يصِحُّ إن شاءَ اللهُ عن غيرِهِ.
- vol. 9, p. 321
وقد ذكَرَ أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، عن عامرٍ، يعني: الشَّعبيَّ، قال: إذا أكذَبَ نفسَهُ جُلِد الحدَّ، ورُدَّت إليه امرأتُهُ.
-
وحجّاجٌ، عن ابن جُريج، عن ابن شِهابٍ مِثلهُ.
-
وهُشيمٌ، عن جُوَيبر (٢) ، عن الضَّحّاكِ مِثلهُ.
قال حمّادُ بن أبي (٣) سُليمان: يكونُ خاطِبًا من الخُطّابِ إذا جُلِدَ. وهُو قولُ أبي حنيفةَ، وأصحابِهِ.
-
وقد ذكَرْنا اختِلافَ الفُقهاءِ في هذه المسألةِ، في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سَعْدٍ من هذا الكِتابِ.
- والنّاسُ فيها على (٤) ثلاثةِ أقاويلَ:
-
أحدُها: أنَّهُ إذا أكذَبَ نفسهُ، جُلِدَ، ورُدَّتْ إليه امرأتُهُ دُونَ نِكاح على عِصْمتِهِ.
-
والثّاني: أن يكونَ بعد الجلدِ خاطِبًا، كما ذكَرْنا.
-
والثّالثُ: أنَّهُما لا يَجْتمِعانِ أبدًا وإنْ جُلِد (٥) .
-
وأمّا قولُ من قال: إنَّهُ لا يُجلَدُ فلا يُعرَّجُ عليه، ولا يُشتغلُ به، وهُو وَهمٌ وخطأٌ، وقد مَضَى القولُ في هذا والحُجَّةُ، في بابِ ابن شِهاب، عن سَهْلِ بن سعدٍ، من هذا الكِتابِ، فلا وجهَ لإعادتِهِ ها هُنا.