مالك، عن نافع مولى ابن عمر
3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333
Page 47 of 79
- vol. 9, p. 359
وما وَضَعتهُ الحامِلُ من مُضْغَةٍ، أو عَلَقَةٍ، فقد حلَّت به عندَ مالكٍ وأصْحابِه (٦) . وهُو قولُ إبراهيم، وغيرِهِ.
وقال الشّافِعيُّ (٧) وأصحابُهُ، وأحمدُ بن حَنْبل: لا تحِلُّ إلّا بوَضْع ما يُتبَيَّنُ فيه شيءٌ من خَلْقِ الإنسانِ. وهُو قولُ الحسنِ البصريِّ، وغيرِهِ.
-
وطلاقُ السُّنَّةِ عندَ مالكٍ (٨) وأصحابِهِ، في الحامِلِ، والصَّغيرةِ التي لم تَحِضْ،
vol. 9, p. 360واليائسةِ من المَحيضِ: أن يُطَلَّقْنَ واحدةً متى شاءَ، وتحِلُّ الحامِلُ بآخِرِ وَلَدٍ في بَطْنها، والصَّغيرةُ واليائسةُ، بتمام ثلاثةِ أشهُر.
-
ومن كانت (١) عِدَّتُها بالشُّهُورِ، كاليائسةِ والصَّغيرةِ، فطُلِّقت في بَعضِ اليوم، لم تَعتدَّ بباقي (٢) ذلك اليوم عندَ مالكٍ وأصحابهِ. وأمّا سائرُ العُلماءِ: فتَعْتدُّ به عندَهُم، إلى مِثلِهِ من اليوم الذي تتِمُّ به عِدَّتُها. فإن طُلِّقتِ الصَّغيرةُ أوِ اليائسةُ عندَ اسْتِهلالِ الهِلالِ، اعْتدَّت بالأهِلَّةِ، تِسعًا وعِشرينَ كان الهِلالُ أو ثلاثينَ، وإن طُلِّقت في بعضِ الشَّهرِ، أتمَّت بقيَّةَ الشَّهرِ، واعتدَّت بالأهِلَّةِ الشَّهرينِ، وتَبْني على بقيَّةِ ذلك الشَّهرِ تمامَ ثَلاثينَ يومًا.
-
والمُستحاضةُ عندَ مالكٍ (٣) وأصحابِهِ أيضًا: يُطلِّقُها زوجُها للسُّنَّةِ متى شاءَ، وعِدَّتُها سَنةٌ، إلّا أن ترتابَ، فتُقيمَ إلى زوالِ الرِّيبةِ. وهذا إذا كانتِ المُسْتحاضةُ لا تُميِّزُ دم حَيْضتِها، من دم اسْتِحاضتِها، فإن ميَّزتهُ، لم يُطلِّقها زوجُها للسُّنَّةِ إلّا في طُهرِها المعرُوفِ، وتعتدُّ به قُرءًا، إذا كان دمُ حَيْضتِها بعدهُ معرُوفًا. هذا قولُ مالكٍ، والشّافِعيِّ وأكثرِ أهلِ العِلم.
-
وقد قال مالكٌ أيضًا: إنَّ المُستحاضَةَ لا يُبرِئُها إلّا السَّنةُ أبدًا، ميَّزت دمها، أو لم تُميِّزهُ؛ لأنَّ الاسْتِحاضةَ ريبةٌ، وهذا أشهَرُ في مَذْهبِهِ عندَ أصحابِهِ.
-
وعندَ الشّافِعيِّ (٤) : إذا كانت مُشْتَبِهةَ الدَّم، لا تَدْري دمَ حَيْضتِها من دم اسْتِحاضتِها، وكان حَيْضُها قبلَ الاستِحاضةِ وبعدَها سواءً، فإنَّها تعتَدُّ بقدرِ أيام حَيْضتِها، وأمّا إذا ميَّزت، فهُو قُرؤُها لعِدَّتِها وصَلاتِها.
- vol. 9, p. 361
وفُرُوعُ هذا البابِ تطُولُ، وقد ذكَرْنا من أُصُولِهِ ما يُشرِفُ (١) النّاظِرُ فيه على المُرادِ منهُ.
-
وسَنذكُرُ مسائلَ الحيضِ، واختِلافَهُم فيها، في بابِ نافع، عن سُليمانَ بن يسارٍ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.
-
وأمّا قولُهُ -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديثِ: "ثُمَّ تطهُرَ (٢) ، ثُمَّ إن شاءَ طلَّقَ، وإن شاءَ أمسكَ، فتلكَ العِدَّةُ التي أمرَ اللهُ تعالى أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ" .
-
ففيه دليلٌ بيِّنٌ على أنَّ الأقْراءَ التي تعتدُّ بها (٣) المُطلَّقةُ، هي الأطهارُ، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ اللهَ تباركَ وتعالى جعلَ المُطلَّقاتِ يتربَّصنَ بأنفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُرُوءٍ، فلمّا نَهَى رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن الطَّلاقِ في الحَيْضِ، وقال: إنَّ الطَّلاقَ في الطُّهرِ هُو الطَّلاقُ الذي أذِنَ اللهُ عزَّ وجلَّ فيه للعِدَّةِ، بقولِه: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] أو "لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ" .
-
عُلِمَ أنَّ الأقْراءَ التي تَعْتدُّ بها المُطلَّقةُ، هي الأطْهارُ؛ لأنَّ الطَّلاقَ للعِدَّةِ إنَّما يكونُ فيها، وليسَ للطَّلاقِ في الحَيْضِ للعِدَّةِ، وفي ذلكَ بيانُ أنَّ الأقْراءَ: الأطْهارُ، واللهُ أعلمُ.
-
وهذا مَوْضِعٌ اختلَفَ فيه العُلماءُ من الصَّحابةِ والتّابِعينَ، ومن بَعدهُم من الخالِفينَ؛ لأنَّهُ موضِعُ اشتِباهٍ وإشكالٍ، لأنَّ الحيضَ في كلام العَرَبِ يُسمَّى قُرءًا والطُّهرُ أيضًا في كلام العربِ يُسمَّى قُرءًا. وأصلُ القُرءِ في اللُّغةِ: الوقتُ، والظُّهُورُ (٤) ، والجَمْعُ، والحملُ أيضًا.
- vol. 9, p. 362
فقد يكونُ القُرءُ وقتَ جمع الشَّيءِ، وقد يكونُ وقتَ ظُهُورِه (١) ، ووقتَ حَبْسِهِ، والحَمْلِ به.
قال أبو العبّاسِ أحمدُ بن يحيى ثعلبٌ: القُرُوءُ: الأوقاتُ، والواحدُ قُرءٌ، وهُو الوقتُ، وقد يكونُ حيضًا، ويكونُ طُهرًا.
وقال الخليلُ (٢) : أقرأتِ المرأةُ، إذا دنا حَيْضُها، وأقرأتِ، إذا دنا طُهْرُها، فهي مُقْرِئٌ، وقَرَأتِ النّاقةُ، إذا حمَلَت، فهي قارئٌ (٣) ، وأقرأتِ، إذا استقرَّ الماءُ في رَحِمِها، وقَعدتِ المرأةُ أيام إقرائها، أي: أيام حَيْضتِها.
وقال قُطْرُبٌ: تقولُ العربُ: ما أقْرأتْ هذه النّاقةُ سَلًى (٤) قطُّ، أي: لم ترم به. وقالوا: أقْرأتِ (٥) النّاقةُ قُرْءًا، وذلك مُعاودةُ الفحلِ إيّاها أوانَ كلِّ ضِراب (٦) .
وقال: وقالوا أيضًا: قَرأتِ المرأةُ قُرءًا، إذا حاضت، أو طَهُرتْ، وقَرَأت أيضًا، إذا حَمَلت.
قال أبو عُمر: في الأقْراءِ شَواهِدُ من أشْعارِ العرب الفُصحاءِ، معانيها مُتقارِبةٌ، فمنها قولُ عَمرِو بن كُلثُوم (٧) :
ذِراعي عَيْطلٍ أدْماءَ بكرٍ ... هِجان اللَّون لم تَقْرَأْ جنينا
vol. 9, p. 363وقال حُميدُ بن ثور (١) :
أراها غُلاماها الحِمى فتشذَّرت (٢) ... مِراحًا ولم تَقْرأ جَنِينًا ولا دما
أي: لم تجمَعْ، ولم تضُمَّ في رَحِمِها جنينًا في وقتِ الجَمع.
وقال الهُذليُّ (٣) :
كرِهتُ العَقرَ عَقرَ بني شُلَيلٍ ... إذا هبَّت لِقارِئها الرِّياحُ
أي: لوقتِها (٤) .
وقال الأعْشَى (٥) ، فجعَلَ الأقراءَ الأطهار:
أفي كلِّ عامٍ أنت جاشِمُ غَزْوةٍ ... تشُدُّ لأقصاها عزيمَ عَزائكا
مُورِّثةٍ مالًا وفي الحيِّ (٦) رِفعةً ... لِما ضاعَ فيها من قُرُوءِ نِسائكا
فالقُرُوءُ في هذا البيتِ: الأطهارُ.
قال ابنُ قُتيبةَ: لأنَّهُ لمّا خرجَ إلى الغزوِ، لم يَقْرب نِساءَهُ أيام قُرُوئهِنَّ، أي: أطهارِهِنَّ.
vol. 9, p. 364قال أبو عُمر: يدُلُّ (١) على أنَّ الأقراءَ في بيتِ الأعْشَى: الأطهارُ، وإن كان ذلك فيه بيِّنًا، والحمدُ لله، قولُ الأخطل (٢) :
قومٌ إذا حاربُوا شدُّوا مآزِرَهُم ... دُونَ النِّساءِ ولو باتت بأطْهارِ
وقال آخَرُ: فجعلَ القُرءَ: الحيضَ:
يا رُبَّ ذي ضبٍّ على فارِضٍ
لهُ قُرءٌ كقُرءِ الحائضِ
قالوا: القُرءُ في هذا البيتِ: الحيضُ، يُريدُ أنَّ عَداوتهُ تهيجُ في أوقاتٍ معلُومةٍ، كما تحيضُ المرأةُ في أوقاتٍ مَعْلُومةٍ.
وقال القُتَبيُّ (٣) في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] هي الحَيْضُ، وهي الأطْهارُ أيضًا، واحدُها قُرْءٌ، وتُجمَعُ أقْراءً، وإنَّما جُعلَ الحَيْضُ قُرءًا، والطُّهرُ قُرءًا، لأنَّ أصلَ القُرءِ في كلام العربِ: الوقتُ، يُقالُ: رجَعَ فُلانٌ لقُرْئه (٤) ، ولقارِئهِ، أي: لوَقتِهِ، وأنشدَ بيتَ الهُذليِّ المذكُور (٥) .
قال أبو عُمر: فهذا أصلُ القُرءِ في اللُّغةِ، وأمّا مَعناهُ في الشَّريعةِ، فاختلَفَ العُلماءُ في مُرادِ الله عزَّ وجلَّ من قولِهِ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] فقال: منهُم قائلُونَ: الأقْراءُ، الحيضُ ها هُنا. واستدلُّوا بأشياءَ كثيرةٍ، منها قولُ الله عزَّ وجلَّ: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} . قالوا: والمُطلِّقُ في الطُّهرِ إذا مَضَى بعضُهُ، واعتدَّت به امرأتُهُ، فلم تعتدَّ ولم تَرَبّصْ ثلاثةَ قُرُوءٍ، وإنَّما تربَّصت قُرءَينِ
vol. 9, p. 365وبعضَ الثّالثِ، إذا كانتِ الأقراءُ الأطهارَ. قالوا: واللهُ عزَّ وجلَّ يقولُ: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} ، فلا بُد أن تكونَ ثلاثةً وفرقوا بينَ قولِه عزّ وجلّ: {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} فلا تكونُ إلّا ثلاثةً كاملةً عندَهُم وبين قولِه: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: ١٩٧] . وإنَّما هي شهرانِ وبعضُ الثّالثِ عندَ الجميع، فقالوا: ذكَرَ اللهُ في القُروءِ ثلاثةً عددًا، ولم يذكُر في أشْهُرِ الحجِّ عَدَدًا، وما ذُكِرَ فيه عَددٌ، فلا بُدَّ من إكمالِ ذلك العَددِ.
-
واحتجُّوا أيضًا بقولِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- للمُستحاضةِ: "اترُكي الصَّلاةَ أيامَ أقْرائكِ" (١) . أي: أيام حَيْضِكِ.
-
وبما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: أخبرنا مُطَّلِبُ بن شُعَيب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، عن بُكَيرِ بن عبدِ الله بن الأشجِّ، عن المُنذِرِ بن المُغيرةِ، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، أنَّ فاطِمةَ ابنةَ أبي حُبَيشٍ حدَّثتهُ: أنَّها أتتِ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فشَكَتْ إليه الدَّم، فقال لها رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّما ذلك عِرقٌ، فانْظُري إذا أتاكِ قُرؤُكِ، فلا تُصلِّي، وإذا مرَّ القُرءُ فتطهَّري، ثُمَّ صلِّي ما بينَ القُرءِ إلى القُرءِ" (٢) .
-
واحتجُّوا أيضًا، بالإجماع على أنَّ عِدَّةَ أُمِّ الوَلدِ حَيْضةٌ، وبأشياءَ يطُولُ ذكرُها هذه جُملتُها.
-
ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا: سُفيانُ الثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، وسائرُ الكُوفيِّين وأكثرُ العِراقيِّين.
- vol. 9, p. 366
وهُو الذي استقرَّ عليه أحمدُ بن حَنْبل فيما ذكَرَ الخِرَقيُّ (١) عنهُ، خِلافَ ما حَكَى الأثرمُ عنهُ، قال: إذا طلَّقَ الرَّجُلُ امرأتهُ، وقد دخَلَ بها، فعِدَّتُها ثلاثُ حِيَضٍ، غيرَ الحَيْضةِ التي طلَّقَها فيها، إن طلَّقها حائضًا، فإذا اغتسَلت من الحَيْضةِ الثّالثةِ، أُبيحت للأزواج. حكى ذلك عنهُ عُمرُ بن الحُسين (٢) الخِرَقيُّ في "مخُتصرِهِ" (٣) على مذهبِ أحمد بن حَنْبل.
-
وهذا مذهبُ الفُقهاءِ الذين ذكرناهُم، وهُو المرويُّ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وعُمر بن الخطّابِ، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وعبدِ الله بن مسعُودٍ، وأبي موسى الأشعريِّ، ومُعاذِ بن جبلٍ، وأبي الدَّرداءِ، وعُبادةَ بن الصامِتِ، وابن عبّاسٍ، وجماعةٍ من التّابِعين بالحِجازِ، والشّام، والعِراقِ، وقولُهُم كلُّهُم: إنَّ المُطلَّقةَ لا تحِلُّ للأزواج حتّى تَغْتسِلَ من الحَيْضةِ الثّالثة (٤) .
وقال آخرُونَ: الأقْراءُ التي عَنَى اللهُ عزَّ وجلَّ وأرادَها بقولِهِ في المُطلَّقاتِ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: ٢٢٨] هي الأطهارُ، ما بين الحَيْضةِ والحَيْضةِ قُرءٌ.
قالوا: وهُو المعرُوفُ من لِسانِ العَرَبِ، على ما ذكَرْنا عن أهلِ العِلم باللُّغةِ في هذا البابِ.
vol. 9, p. 367قالوا: وإنَّما هُو جَمْعُ الرَّحِم الدَّمَ، لا ظهُورُهُ (١) ، ومنهُ: قَرَأتُ الماءَ في الحَوْضِ، أي: جمعتَهُ، وقَرَأتُ القُرآنَ، أي: ضممتَ بعضَهُ إلى بعضٍ بلِسانِكَ.
قالوا: والدَّليلُ على أنَّ الأطْهارَ، هي الأقراءُ التي أمَر اللهُ المُطلَّقةَ أن تتربَّصَها، أمرُ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بالطَّلاقِ في الطُّهرِ، لمن شاءَ أن يُطلِّقَ، وهو قولُهُ: "هي العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ" .
-
فبيَّنَ مُرادَ الله عزَّ وجلَّ من قولِهِ: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١] أو لقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ، وهُو المُبيِّنُ عن الله مُرادَهُ -صلى الله عليه وسلم-.
-
وسنَزيدُ هذا الوَجْه حُجَّةً وبَيانًا فيما بَعدُ من هذا البابِ، إذا (٢) أتينا على نَقْضِ (٣) ما احْتَجَّ به القائلُونَ بالقولِ الأُول إن شاءَ الله.
-
ومِمَّن ذهَبَ إلى أنَّ الأقْراءَ الأطهار: مالكٌ، والشّافِعيُّ، وداودُ بن عليٍّ، وأصحابُهُم. وهُو قولُ عائشةَ، وزيدِ بن ثابتٍ، وعبدِ الله بن عُمرَ. ورُوي أيضًا عن ابن عبّاسٍ. وبه قال القاسمُ، وسالمٌ وأبانُ بن عُثمان، وأبو بكر بن عبدِ الرَّحمن، وسُليمانُ بن يَسارٍ، وعُروةُ بن الزُّبيرِ، وعُمرُ بن عبدِ العزيزِ، وابنُ شِهاب، وربيعةُ، ويحيى بن سعيدٍ، كلُّ هؤُلاءِ يقولُون: الأقْراءُ: الأطهارُ (٤) . فالمُطلَّقةُ عندَهُم تحِلُّ للأزواج، وتخرُجُ من عِدَّتِها، بدُخُولِها في الدَّم من الحَيْضةِ الثّالثةِ.
-
وسواءٌ بقي من الطُّهرِ الذي طُلِّقت فيه المرأةُ يومٌ واحدٌ أو أقلُّ أو أكثرُ، أو
vol. 9, p. 368ساعةٌ واحدةٌ، فإنَّها تَحتسِبُ به المرأةُ قُرءًا؛ لأنَّ المُبتَغَى من الطُّهرِ، دُخُولُ الدَّم عليه، وهُو الذي يُنبِئُ عن سَلامةِ الرَّحِم، ولَيْستِ استِدامةُ الطُّهرِ بشيءٍ.
-
وهذا كلُّهُ قولُ مالكٍ والشّافِعيِّ وسائرِ الفُقهاءِ القائلينَ بأنَّ الأقراءَ: الأطهارُ، إلّا الزُّهريَّ وحدَهُ، فإنَّهُ قال في امْرَأةٍ طُلِّقت في بَعضِ طُهرِها: إنَّها تعتدُّ ثلاثةَ أطْهارٍ، سِوى بقيَّةِ ذلك الطُّهر (١) . فعلى قولِهِ، لا تحِلُّ المُطلَّقةُ حتّى تدخُل في الحَيْضةِ الرّابعةِ، والحُجَّةُ لمالكٍ، والشّافِعيِّ، ومن قال بقولِهِما: أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أذِنَ في طلاقِ الطّاهِرِ من غيرِ جِماع، ولم يقُل: أوَّلَ الطُّهرِ، ولا آخِرَهُ.
-
وذكَرَ أبو بكرٍ الأثرمُ (٢) : أنَّ أحمدَ بن حَنْبل كان يَذْهبُ إلى قولِ عُمرَ وعليٍّ وعبدِ الله وأبي موسى، ثُمَّ رجعَ عن ذلك وقال: رأيتُ حديثَ عُمر وعبدِ الله يختلفُ في إسنادِهِ الأعمشُ ومنصُورٌ والحكمُ، وحديثُ عليٍّ رواهُ سعيدُ بن المُسيِّبِ، عن عليٍّ، وليسَ هُو عِندي سماعًا، أرسلهُ سعيدٌ عن عليٍّ، وحديثُ الحَسَنِ عن أبي موسى الأشعريِّ مُنقطِعٌ؛ لأنَّ الحسنَ لم يسمَعْ من أبي موسى، وسائرُ الأحاديثِ عن الصَّحابةِ في هذا مُرسلةٌ.
قال: والأحاديثُ عمَّن قال: إنَّهُ أحقُّ بها حتّى تدخُل في الحيضةِ الثّالثةِ، أسانيدُها صِحاحٌ قويَّةٌ.
قال: ثُمَّ ذهَبَ بعدُ أحمدُ إلى هذا.
قال أبو عُمر: الاختِلافُ الذي حَكاهُ أحمدُ بن حَنْبل في حديثِ عُمرَ وعبدِ الله، هُو أنَّ الأعمشَ يرويهِ عن إبراهيمَ، عن عُمرَ وعبدِ الله، أنَّهُما قالا: هُو أحقُّ بها، ما لم تَغْتسِلْ من الحَيْضةِ الثّالثة (٣) .
- vol. 9, p. 369
وكذلكَ رواهُ حمّادٌ، عن إبراهيمَ مُرسلًا عن عُمرَ وعبدِ الله (١) . كما رواهُ الأعمشُ، وكذلكَ رواهُ أبو مَعْشرٍ أيضًا (٢) .
-
ورواهُ الحكمُ، عن إبراهيم، عن الأسودِ، عن عُمرَ وعبدِ الله، قالا: هُو أحقُّ بها ما لم تَغْتسِلْ من الثّالثة (٣) .
-
فهذا هُو الاختِلافُ الذي عَنَى أحمدُ بن حَنْبل، واللهُ أعلمُ.
-
ومن خالَفَنا يقولُ: إنَّ مراسيلَ إبراهيم، عن ابن مسعُودٍ وعُمرَ صِحاحٌ كلُّها، وما أُرسِلَ منها، أقوى من الذي أُسنِدَ، حَكَى هذا القول يحيى القطّانُ وغيرُهُ. وقد ذكَرْنا في صَدْرِ هذا الدِّيوان ما يَشْفي في هذا المعنى، عن إبراهيمَ وغيرِهِ.
-
وأمّا حديثُ عليٍّ، فرواهُ قَتادةُ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن عليٍّ (٤) .
-
ورواهُ جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيهِ، عن عليٍّ، أنَّهُ قال: لهُ الرَّجْعةُ حتّى تغتسِلَ من الحَيْضةِ الثّالثة (٥) .
-
ورواهُ الزُّهريُّ أيضًا، عن سعيدٍ، عن عليٍّ؛ ذكرهُ الحُميديُّ، عن سُفيانَ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني سعيدٌ، عن عليٍّ: أنَّهُ أحقُّ بها ما لم تَغْتسِلْ من الثّالثة (٦) .
- vol. 9, p. 370
وهُو قولُ سعيد (١) .
-
وأمّا حديثُ أبي موسى، فإنَّما يَرْويهِ الحسنُ، عن أبي موسى (٢) . ولم يَسْمع منهُ، كما قال أحمدُ.
-
وأمّا حديثُ ابن عبّاسٍ، فرواهُ ابنُ أبي يحيى، عن داود بن الحُصَينِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ.
-
ورواهُ جعفرُ بن محمدٍ أيضًا، عن أبيهِ، عن ابن عبّاسٍ.
-
وأمّا سائرُ الأحاديثِ، عن الصَّحابةِ الذين رُوي عنهُم: أنَّهُ أحقُّ بها ما لم تغتسِل من الحَيْضةِ الثّالثةِ، فإنَّما هي من مَراسيلِ مكحُول (٣) والشَّعبيِّ. وكلُّ هؤُلاءِ يقولُونَ: الأقراءُ الحيضُ.
-
وأمّا الأحاديثُ، عن الصَّحابةِ القائلينَ بأنَّ الأقراءَ الأطهارُ. فأسانيدُها صِحاحٌ. روى حديثَ عائشةَ: ابنُ شِهاب، عن عُروةَ وعَمْرةَ (٤) ، عن عائشةَ: أنَّ الأقراءَ الأطهارُ (٥) .
-
وحديثُ زيدِ بن ثابتٍ، رواهُ مالكٌ (٦) عن نافع وزيدِ بن أسلَمَ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن زيدِ بن ثابتٍ (٧) أنَّهُ قال: إذا دخَلَتْ في الدَّم من الحَيْضةِ الثّالثةِ، فقد برِئَت منهُ، وبرِئَ منها، ولا ترِثُهُ، ولا يرِثُها.
- vol. 9, p. 371
وحديثُ ابن عُمرَ، رواهُ مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: إذا طلَّق امرأتَهُ، فدخلَتْ في الدَّم من الحَيْضةِ الثّالثةِ، فقد بَرِئَت منهُ، وبَرِئَ منها، ولا ترِثُهُ، ولا يرِثُها، وابنُ عُمرَ روى هذا الحديثَ عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "فتلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ" . ولهُ عَرَضَتِ القِصَّةُ، إذ طلَّقَ امرأتَهُ حائضًا، وهُو أعلمُ بهذا، ومَعهُ زيدُ بن ثابتٍ، وعائشةُ، وجُمهُورُ التّابِعين بالمدينةِ، ومَعهُ دليلٌ آخرُ، حديثُ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وهُو الحُجَّةُ القاطِعةُ، عندَ التَّنازُع في مِثلِ هذا، وبالله التَّوفيقُ.