مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 62 of 79

  1. وأمّا الرِّوايةُ التي جاءَت في حَديثِ سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ بنحوِ حَديثِ ابن عُمرَ؛ فحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١) : أخبرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، يعني القطّانَ، قال: حدَّثنا شُعبَةُ، عن عبدِ الرَّحمن بن القاسم، عن أبيهِ، عن صالح بن خوّاتٍ، عن سَهْلِ بن أبي حَثْمةَ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- صلَّى بهم صَلاةَ الخَوْفِ، فصفَّ صفًّا خلفهُ، وصفًّا مُصافِّي العدُوِّ، فصلَّى بهم ركعةً، ثُمَّ ذهَبَ هؤُلاءِ، وجاءَ أُولئكَ، فصلَّى بهم رَكْعةً، ثُمَّ قامُوا فقَضوا رَكْعةً رَكْعةً.

    vol. 9, p. 530
  2. فإن قيلَ: إنَّ يحيى القطّانَ قد خُولِفَ عن شُعبةَ في ذلك.

  3. فالجوابُ، أنَّ الذي خالَفهُ، لا يُقاسُ به حِفظًا وإتقانًا وإمامَةً في الحديثِ.

  4. وما اختَرْناهُ في هذا البابِ، فهُو اختيارُ أشهبَ، وإليه ذهَبَ الأوزاعيُّ، وقال به بعضُ أصحابِ داود.

  5. والحُجَّةُ في اختيارِنا هذا الوجْهَ من بين سائرِ الوُجُوهِ المرويَّةِ في صلاةِ الخَوْفِ، أنَّهُ أصحُّها إسنادًا، وأشبهُها بالأُصُولِ المُجتَمع عليها.

  6. وفي صَلاةِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في الخَوْفِ بأصحابِهِ رَكْعةً ركعةً، وأتمَّت كلُّ طائفةٍ لأنْفُسِها (١) ، دليل على أنَّ حديثٌ جابرٍ في قِصَّةِ مُعاذٍ -وصلاتِهِ بقَومِهِ، بعدَ صَلاتِهِ مع النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٢) تلكَ الصلاةَ -منسُوخٌ، لأنَّهُ لو جازَ أن تُصلَّى الفَرِيضةُ خلفَ المُتنفِّلِ، لصلَّى بهم رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- رَكْعتينِ رَكْعتينِ، والله أعلمُ.

    vol. 9, p. 531
  7. قدِ احتجَّ بهذا أبو الفَرج، وغيرُهُ من أصحابِنا، ومن الكُوفيِّين أيضًا، إلّا (٣) أنَّهُ يَعترِضُ عليهم حديثُ أبي بَكْرةَ، وحديثُ جابرٍ، وفي ذلك نظرٌ، وبالله التَّوفيقُ.

  8. وقالت طائفة من أهلِ العِلْم، منهُم أبو يوسُف، وابنُ عُليَّةَ: لا تُصلَّى صَلاةُ الخَوْفِ بعدَ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بإمام واحدٍ، وإنَّما تُصلَّى (٤) بإمامَيْنِ، يُصلِّي كلُّ إمام بطائفةٍ رَكْعتينِ، واحتجُّوا بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} الآيةَ [النساء: ١٠٢] .

    قالوا: فإذا لم يكُن فيهمُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لم يكُن ذلك لهم، لأنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ليسَ

    كَغير في ذلك، ولم يَكُن من أصحابِهِ من يُؤثِرُ بنَصيبِهِ منهُ غيرَهُ، وكلُّهُم كان يُحِبُّ أن يأتَمَّ به ويُصَلِّي خلَفهُ، وليسَ أحَدٌ بعدَهُ يقومُ في الفَضْلِ مقامَهُ، والنّاسُ بعدهُ تَسْتوي أحوالُهُم، أو تتقاربُ، فلذلكَ يُصلِّي الإمامُ بفريق منهُم، ويأمُرُ من يُصلِّي بالفَريقِ الآخرِ، وليسَ بالنّاسِ اليومَ حاجةٌ إلى صَلاةِ الخَوْفِ، إذا كان لهم سَبيلٌ أن يُصلُّوا فوجًا فوجًا، ولا يَدَعُوا فرضَ القِبْلةِ ولهم إليها سبيلٌ.

    vol. 9, p. 532قال أبو عُمر: هذه جُملةُ ما احتجَّ به القائلُونَ بأنْ لا تُصلَّى صَلاةُ الخوفِ بإمام واحدٍ لطائفتين، بعدَ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

  9. ومِن الحُجَّةِ عليهم لسائرِ العُلماءِ، أنَّهُ لمّا كان قولُ الله عزَّ وجلَّ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: ١٠٣] لا يُوجِبُ الاقتِصارَ على النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وحدَهُ، وأنَّ من بعدَهُ يقومُ في ذلك مقامَهُ، فكذلك قولُهُ: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} سواءٌ. ألا ترَى أنَّ أبا بكرٍ الصدِّيق في جماعةِ الصَّحابةِ قاتَلُوا من تأوَّل في الزَّكاةِ، مِثلَ تأويلِ هؤُلاءِ في صَلاةِ الخَوْفِ؟

    قال أبو عُمر: ليسَ في أخذِ الزَّكاةِ التي قدِ اسْتَوى فيها النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ومن بعدَهُ من الخُلفاءِ، ما يُشبِهُ صَلاةَ من صلَّى خلفَ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وصلَّى غيرُهُ خلفَ غيرِهِ؛ لأنَّ أخذَ الزَّكاةِ، فائدتُها توصيلُها للمساكينِ، وليسَ في هذا فضلٌ للمُعطَى، كما في الصَّلاةِ فَضْلٌ للمُصلِّي خلفَهُ.

  10. وأمّا مُراعاةُ القِبْلةِ للخائفِ في الصَّلاةِ، فساقِطةٌ عنهُ عندَ أهلِ المدينةِ، والشّافِعيِّ (١) ، إذا اشتدَّ خَوْفُهُ، كما يسقُطُ عنهُ (٢) النُّزولُ إلى الأرضِ، لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: ٢٣٩] . قال ابن عُمر: مُسْتقبِلي القِبلةِ، وغيرَ مُستقبِليها. وهذا لا يجُوزُ لمُصلِّي الفَرْضِ في غيرِ الخَوْفِ.

  11. ومِن الدَّليلِ على أنَّ ما خُوطِبَ به النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- دخلت فيه أُمَّتُهُ، إلّا أن يتبيَّنَ خُصُوصٌ في ذلك، قولُ الله عزَّ وجلَّ: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} الآيةَ [الأحزاب: ٣٧] . ومِثلُ ذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}

  12. [الأنعام: ٦٨] . هُو المُخاطبُ به، وأُمَّتُهُ داخِلةٌ في حُكْمِهِ، ومِثلُ هذا كثيرٌ (١) ، وبالله التَّوفيقُ.

    vol. 9, p. 533
  13. وأمّا قولُ ابن عُمرَ في حديثهِ هذا: فإن كان خوفًا هُو أشدَّ من ذلك، صلَّوا رِجالًا قيامًا (٢) على أقدامِهِم، أو رُكبانًا مُسْتقبِلي القِبلةِ، وغيرَ مُستقبِليها. فإليه ذهَبَ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُما، وجماعةٌ غيرُهُم.

    قال مالكٌ والشّافِعيُّ (٣) : يُصلِّي (٤) المُسافِرُ، والخائفُ على قَدْرِ طاقتِهِ، مُسْتَقبِلَ القِبْلةِ ومُستدبِرَها. وبذلكَ قال أهلُ الظّاهِرِ.

    وقال ابنُ أبي ليلى، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ: لا يُصلِّي الخائفُ إلّا إلى القِبْلةِ، ولا يُصلِّي أحدٌ في حالِ المُسايَفة (٥) .

  14. وقولُ الثَّوريّ نحوُ قولِ مالكٍ، ومِن قولِ مالكٍ والثَّوريِّ: إنَّهُ إن لم يَقْدِر على الرُّكُوع والسُّجُودِ، فإنَّهُ يُصلِّي قائمًا، ويُومِئُ.

    قال الثَّوريُّ: إذا كُنت خائفًا، فكُنت راكِبًا أو قائمًا، أومأت إيماءً حيثُ كان وجهُكَ رَكْعتينِ، تجعلُ السُّجُودَ أخفَضَ من الرُّكُوع، وذلكَ عندَ السَّلَّةِ. والسَّلَّةُ: المُسايَفةُ.

    وقال الأوزاعيُّ: إذا كان القومُ مُواجِهي العدُوِّ، وصلَّى بهم إمامُهُم صَلاةَ الخوفِ، فإنْ شَغَلهمُ القِتالُ، صلَّوا فُرادى، فإن اشتَدَّ القِتالُ، صلَّوا رِجالًا ورُكبانًا إيماءً، حيثُ كانت وُجُوهُهُم، فإن لم يَقدِرُوا، تَركُوا الصَّلاةَ حتّى يأمَنُوا.

    vol. 9, p. 534وقال الشّافِعيُّ (١) : لا بأسَ أن يضرِبَ في الصَّلاةِ الضَّربةَ، ويطعَنَ الطَّعنةَ، وإن تابَع الضَّربَ، أوِ الطَّعنَ، أو عمِلَ عملًا، بَطَلت صلاتُهُ (٢) .

  15. واسْتَحبَّ الشّافِعيُّ أن يأخُذَ المُصلِّي سِلاحَهُ في الصَّلاةِ، ما لم يكُن نَجِسًا، أو يَمنَعْهُ من الصَّلاةِ، أو يُؤْذِ أحدًا. قال: ولا يأخُذُ الرُّمح، إلّا أن يكون في حاشِيةِ النّاسِ.

  16. وأكثرُ أهلِ العِلم يَسْتحِبُّون للمُصلِّي أخذَ سِلاحِهِ، إذا صلَّى في الخَوْفِ، ويحمِلُونَ قولهُ: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: ١٠٢] على النَّدبِ، لأنَّهُ شيءٌ لولا الخوفُ، لم يجِب أخذُهُ، فكان الأمرُ به ندبًا.

    وقال أهلُ الظّاهِرِ: أخذُ السِّلاح في صَلاةِ الخوفِ واجِبٌ، لأمرِ الله به، إلّا لمن كان به أذًى من مَطرٍ، أو مَرَضٍ، فإن كان ذلك، جازَ لهُ وضعُ سِلاحِهِ.

    قال أبو عُمر: الحالُ التي يجُوزُ فيها للخائفِ أن يُصلِّي راكِبًا وراجِلًا، مُستقبِلَ القِبلةِ وغيرَ مُسْتقبِلِها، هي حالُ شدَّةِ الخوفِ، والحالُ الأُولى التي وَرَدتِ الآثارُ فيها هي غيرُ هذه الحال، وأحسنُ النّاسِ صِفةً للحالينِ جميعًا من الفُقهاءِ: الشّافِعيُّ رحِمهُ الله.

  17. ونحنُ نذكُرُ هاهُنا قولهُ في ذلك، لنُبيِّن به المُرادَ من الحديثِ، وبالله التَّوفيقُ (٣) .

    قال الشّافِعيُّ: لا يجُوزُ لأحَدٍ أن يُصلِّي صَلاةَ الخَوْفِ، إلّا بأن يُعايِنَ عدُوًّا قريبًا غيرَ مأمُونٍ أن يحمِلَ عليه من مَوْضِع يراهُ، أو يأتيهُ من يُصدِّقُهُ بمِثلِ

    vol. 9, p. 535ذلك من قُربِ العدُوِّ منهُ، ومَسيرِهِم (١) جادِّين إليه، فإن لم يكُن واحدًا من هذين المَعْنيينِ، فلا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ صلاةَ الخوفِ، فإن صلَّوا بالخَبرِ صَلاةَ الخوفِ، ثُمَّ ذهبَ، لم يُعيدُوا.

    وقال أبو حنيفةَ: يُعيدُونَ (٢) .

    وقال الشّافِعيُّ: إن كان بينهُم وبين العدُوِّ حائل يأمنُونَ وُصُولَ العدُوِّ إليهم، لم يُصلُّوا صلاةَ الخوفِ، وإن كانوا لا يأمنُونهُم صلَّوا.

    وقال الشّافِعيُّ: الخَوْفُ الذي تجوزُ فيه الصَّلاةُ رِجالًا ورُكبانًا، إطلالُ العدُوِّ عليهم، فيتراءَونَ معًا والمُسلِمُونَ في غيرِ حِصنٍ، حتّى ينالهمُ السِّلاحُ من الرَّميِ، أو أكثرُ (٣) من أن يَقرُب العدُوُّ فيه منهُم من الطَّعن والضَّربِ، فإذا كان هكذا، والعدُوُّ من وجهٍ واحدٍ، أو محُيطُونَ بالمُسلِمينَ، والمُسلِمُونَ كثيرٌ، والعدُوُّ قليلٌ، تَسْتقِلُّ كلُّ طائفةٍ وَليها العدُوُّ بالعدوِّ، حتّى تكونَ من بين الطَّوائفِ التي يَلِيها العدُوُّ في غَير شِدَّةِ خَوْفٍ منهُم، صلَّى الذينَ لا يلُونهُم صلاةً غيرَ شِدَّةِ الخوفِ، لا يُجزِئُ غيرُ ذلك.

  18. ولغيرِ الشّافِعيِّ قريبٌ من هذا المعنى في الوَجْهين جميعًا.

    وقال مالكٌ: إن صلَّى آمِنًا رَكْعةً، ثُمَّ خافَ، ركِبَ وبَنَى، وكذلكَ إن صلَّى ركعةً راكِبًا وهُو خائفٌ، ثُمَّ أمِنَ، نزلَ وبنى. وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ، وبه قال المُزنيُّ.

    vol. 9, p. 536وقال أبو حنيفةَ: إذا افتتحَ الصَّلاةَ آمِنًا، ثُمَّ خافَ، استقبلَ ولم يبنِ، فإن صلَّى خائفَّاَ، ثُمَّ أمِنَ، بَنَى.

    وقال الشّافِعيُّ: يبني النّازِلُ، ولا يبني الرّاكِبُ.

    وقال أبو يوسُفَ: لا يبني في شيءٍ من هذا كلِّهِ.

  19. وللفُقهاءِ اختِلافٌ فيمَنْ ظنَّ بالعَدوَّ، أو رآهُ، فصلَّى صلاةَ خائفٍ، ثُمَّ انكشَفَ لهُ أنَّهُ لم يكُن عدُوٌّ، وفي (١) الخوفِ من السِّباع وغيرِها، وفي الصَّلاةِ في حين المُسايَفةِ، وفي أخذِ السِّلاح في الحَرْبِ مسائلُ كثيرةٌ من فروع (٢) صَلاةِ الخَوْفِ، لا يجمُلُ بي إيرادُها، لخُرُوجِنا بذلك عن تأليفِنا، وفيما ذكَرْنا من الأُصُولِ التي في معنَى الحديثِ، ما يُستَدلُّ به على كثيرٍ من الفُرُوع، وللفُرُوع كُتُبٌ غَيرُ هذه، وبالله العِصمةُ والتَّوفيقُ.

  20. أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الرَّحمن الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن أبي سَلَمةَ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني سابِقٌ البَرْبَريُّ، قال: كُنتُ مع مَكْحُولٍ بدابِقَ (٣) ، قال: فكتَبَ إلى الحسن يسألُهُ عن الرَّجُلِ يَطْلُبُ عَدُوَّهُ. فلم يَبْرح حتّى جاءَ كِتابُهُ، فقرأتُ كِتابَ الحسنِ: إن كان هُو الطّالِبَ، نزلَ فصلَّى على الأرضِ، وإن كان هُو المطلُوب صَلَّى على ظَهْرٍ. قال الأوزاعيُّ: فوَجَدْنا الأمرَ على غيرِ ذلك (٤) .

    vol. 9, p. 537قال شُرحبيلُ بن حَسَنةَ لأصحابِهِ: لا تُصلُّوا الصُّبحَ إلّا على ظَهْرٍ. فنزلَ الأشترُ، فصَلَّى على الأرْضِ، فمرَّ به شُرَحبيلُ، فقال: مخُالِفٌ، خالَف اللهُ به. قال: فخرجَ الأشْتَرُ في الفِتنة (١) .

  21. وكان الأوزاعيُّ يأخُذُ بهذا الحديثِ في طَلَبِ العدُوِّ.

    قال أبو عُمر: أكثرُ العُلماءِ على ما قال الحسنُ في صَلاةِ الطّالِبِ والهارِبِ، وما أعلمُ أحدًا قال بما جاءَ عن شُرَحبيل بن حَسَنةَ في هذا الحديثِ، إلّا الأوزاعيَّ وحدَهُ والله أعلمُ.

  22. والصَّحيحُ ما قالَهُ الحسنُ، وجماعَةُ الفُقهاءِ؛ لأنَّ الطَّلبَ تَطوُّعٌ، والصَّلاةَ المكتُوبةَ فَرْضُها أن تُصلَّى بالأرْضِ حَيْثُ ما أمكنَ ذلك، ولا يُصلِّيها راكِبًا إلّا خائفٌ شديدٌ خوفُهُ، وليسَ كذلك حالُ الطّالِبِ، واللهُ أعلمُ، وهو الموفِّقُ للصواب، لا شَريكَ له (٢) (٣) .

  23. حديثٌ تاسِعُ خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ

    مالكٌ (١) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا كانوا (٢) ثلاثةً فلا يَتَناجَى اثْنانِ دُونَ واحدٍ" .

    قال أبو عُمر: التَّناجي: التَّسارُّ، وذلك مُكالمةُ الرَّجُلِ أخاهُ عندَ أُذُنِهِ بما يُسِرُّهُ من غيرِهِ.

    vol. 9, p. 538
  24. والنَّهيُ إنَّما وردَ كما ترَى، إذا كانوا ثلاثةً، وأمّا إذا كانوا أربعةً فما فوقهُم، فلا بأسَ به.

  25. أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سحنُون، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن عُقَيلٍ، عن ابن شِهاب، أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا كان ثلاثةٌ، فلا يَتَناجى اثنانِ دُونَ الثّالثِ، لا تدعُوا صاحِبكُم نَجيًّا للشَّيطانِ" . قال ابنُ شِهابٍ: وقال سعيدُ بن المُسيِّبِ: إلّا أن يَسْتأذِناهُ (٣) .

  26. وقولُهُ: "نجيًّا للشَّيطانِ" يُريدُ لأنَّهُ يُوسوِسُ في صَدرِهِ من جِهَتِهِما ما يُحزِنُهُ، واللهُ أعلمُ.

  27. وقد أتَى في الحديثِ أنَّ النَّهيَ عن ذلك إنَّما وردَ لئلّا يحزنَ الثّالثُ ويسُوءَ ظنُّهُ، ونحوِ ذلك. وهذا التَّفسيرُ موجُودٌ في حديثِ ابن مسعُودٍ، عن النَّبيِّ-صلى الله عليه وسلم- (٤) .

  28. وقد قيلَ: إنَّ هذا (١) إنَّما يُكرَهُ في السَّفرِ، لا في الحَضَرِ، وذلكَ موجُودٌ في (٢) حديثِ عبدِ الله بن عَمرو (٣) ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- (٤) .

    vol. 9, p. 539
  29. وأمّا حديثُ ابن عُمرَ هذا، فقد رواهُ عنهُ: نافع، وعبدُ الله بن دينار (٥) ، وأبو صالح (٦) ، والقاسمُ بن محمدٍ، وغيرُهُم.

  30. ورواهُ عن نافع جَماعة، منهُم: مالكٌ، واللَّيثُ، وعُبيدُ الله وأيُّوبُ.

  31. ورِوايةُ عبدِ الله بن دينارٍ مُفسَّرةٌ؛ لأنَّهُ قال: كُنتُ مع عبدِ الله بن عُمرَ عندَ دارِ عُقْبةَ بن خالدٍ بالسُّوقِ، فجاءَ رجُل يُريدُ أن يُناجِيَهُ، وليسَ معَهُ غيري، فدعا ابنُ عُمرَ رجُلًا آخرَ، فصِرنا أربعةً، فقال لي وللرَّجُلِ: استأخِرا، أوِ انتظِرا، فإنِّي سمِعتُ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "لا يَتَناجى اثنانِ دُونَ واحدٍ" . رواهُ مالكٌ (٧) عنهُ، وسيأتي في بابِهِ إن شاءَ الله.

  32. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٨) : حدَّثنا ابنُ

    vol. 9, p. 540نُمَيرٍ ومحمدُ بن بِشرٍ، قالا: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان ثَلاثة، فلا يَتَناجَى اثْنانِ دُونَ الآخرِ" .

  33. وأخبرنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَنْهَى إذا كان ثلاثةُ نَفَرٍ أن يَتَناجى اثنانِ دُون الثّالث (١) .

  34. وعندَ اللَّيثِ في هذا إسنادٌ آخرُ، عن ابن الهادِ، عن عبدِ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ.

  35. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قالط: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ الفِريابيُّ (٢) ، قال: حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا كان ثلاثةُ نَفَرٍ، فلا يَتَناجَى اثنانِ دُونَ الثّالثِ" (٣) .

  36. وحدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن مَرْوانَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليِّ بن داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محُمدِ بن يُوسفَ المكِّيُّ أبو غسّانَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن

    vol. 9, p. 541المُنذرِ (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عَجْلانَ، عن أبيهِ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ كان يقولُ: هؤُلاءِ لا يُبالُونَ بسفكِ الدِّماءِ بَيْنهُم، وقال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لعظَم حُرْمةِ المُؤمِنِ: "إذا كان ثلاثةٌ، فلا يَتَناجى اثنانِ دُونَ واحدٍ" .

    قال نافعٌ: فرُبَّما كان لعبدِ الله حاجةٌ ومعَهُ رَجُلانِ، إلى أحدِهِما، فلا يُكلِّمْهُ حتّى يأتي رابعٌ، فإذا جاءَ، قال: شأنَكَ وصاحِبَكَ، فإنَّ لي إلى صاحِبي هذا حاجَةً (٢) .

    قال أبو عُمر: هذا لئلّا يظُنَّ به أَنَّهُ ينالُ منهُ، أو يتكلَّمُ فيه، وهُو معنى حديثِ ابن مَسْعُودٍ: "فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ" (٣) ، قال الشّاعِرُ (٤) :

    يُروِّعُهُ السِّرارُ بكلِّ أمرٍ (٥) ... مخافةَ أن يكونَ به السِّرارُ

    وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَتَناجى اثنانِ دُون الثّالثِ" (٦) .

  37. وحدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ. قال: وحدَّثنا مِنْجابُ بن الحارِثِ، قال: أخبرنا ابنُ مُسْهِرٍ، عن الأعمشِ، عن أبي صالح، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كُنتُم ثلاثةً، فلا يَتَناجى اثنانِ دُونَ صاحِبِهِما" . فقُلنا لابن عُمرَ: وإن كانوا أربعةً؟ قال: فلا يضُرُّهُ (١) .

    vol. 9, p. 542
  38. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسَى بن يونُس، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي صالح، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكرهُ. قال أبو صالح: فقلتُ لابن عُمر: وإن كانوا أربعةً؟ قال: لا يضُرُّكَ.

  39. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الهيثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيم أبو يعقُوب الحُنَيْنيُّ (٣) بِطَرَسُوس، عن داود بن قَيْسٍ والعُمَريِّ، عن سعيدِ بن أبي سَعيدٍ المقبُريِّ، قال: جِئتُ ابن عُمرَ وهُو يُناجي رجُلًا، فجَلَستُ إليه، فدفعَ في صَدْري، وقال: ما لكَ؟ أما سمِعتَ أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا تناجَى اثْنانِ، فلا يَدْخُل معهُما غيرُهُما حتّى يَسْتأذِنَهُما" (٤) .

    vol. 9, p. 543قال أبو عُمر: هذا معنًى غيرُ المعنى الذي قبلهُ، وعلى هذا لا يجُوزُ لثلاثةِ نَفَرٍ أن يَتَناجى منهُما اثنانِ، دُونَ الثّالثِ، ولا يجُوزُ لأحَدٍ أن يدخُلَ على المُتناجِيَينِ في حالِ تَناجيهِما.

  40. وأمّا حديثُ ابن مسعُودٍ: فحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن المُستفاضِ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن مُعاذٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله، أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا كُنتُم ثلاثةً، فلا يَتَناجَى اثنانِ دُونَ الآخرِ، فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ" (١) .