مالك، عن نافع مولى ابن عمر

3,144 paragraphs · vol. 8, p. 333

Page 67 of 79

  1. واتَّفقَ الشّافعيُّ (١) وأصحابُهُ، على كَراهةِ قِصاصِ الدَّنانيرِ من الدَّراهِم، إذا كانتا جميعًا في الذِّمم، مِثلَ أن يكون لرجُلٍ على رَجُلٍ دنانيرُ، ولهُ عليه دَراهِمُ، فأرادا أن يجعلا الدَّنانير قِصاصًا بالدَّراهِم، فهذا لا يجُوزُ عندَهُم، لأنَّهُ دينٌ بدينٍ. وكذلك لو تسلَّف رجُلٌ من رجُلٍ دِينارًا (٢) ، أو تسلَّف الآخرُ منهُ دراهِمَ، على أن يكونَ هذا بهذا، لم يجُز عندَهُم، وكان على من تسلَّفَ الدِّينار دِينارٌ مِثلُهُ، وعلى من تسلَّفَ الدَّراهِم دَراهِمُ مِثلُها، وأمّا إذا كان لرجُلٍ على رجُلٍ دِينارٌ، فأخذَ منهُ فيه دراهِم صَرْفًا ناجِزًا، كان ذلك جائزًا.

    vol. 10, p. 45
  2. وأجاز أبو حَنِيفةَ أخذَ الدَّنانيرِ عنِ الدَّراهِم، والدَّراهِم عنِ الدَّنانيرِ، إذا تقابَضا في المجلِسِ، وسَواءٌ كان الدَّينُ حالًّا، أو آجِلًا.

  3. وحُجَّتُهُم عُمومُ (٣) حديثُ ابنِ عُمرَ هذا؛ لأنَّهُ لمّا لم يَسْألهُ عن دينِهِ: أحالٌّ هُو أم مُؤَجَّلٌ، دلَّ على اسْتِواءِ الحالِ عندَهُ.

    وقال مالكٌ: لا يجُوزُ ذلك، إلّا أن يكونا جميعًا حالَّينِ، لأنَّهُ لمّا لم يستحِقَّ قبضَ الآجِلِ (٤) إلّا إلى أجَلِهِ، صارَ كأنَّهُ صارِفُهُ إلى ذلك الأجلِ. وهذا هُو المشهُورُ من قولِ الشّافعيِّ (٥) .

  4. ورَوَى الشَّيبانِيُّ، عن عِكرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّهُ كرِهَ اقتِضاءَ الذَّهبِ من الوَرِقِ، والوَرِقِ من الذَّهَب (٦) .

  5. وعنِ ابنِ مَسعُودٍ مِثلُهُ (١) . وعنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ لا بأسَ به (٢) .

    وقال ابنُ شُبرُمةَ: لا يجُوزُ أن يأخُذَ عن دَراهِمَ دنانيرَ، ولا عن دنانيرَ دراهِمَ، وإنَّما يأخُذُ ما أقرضَ (٣) .

    vol. 10, p. 46
  6. ويشهدُ (٤) لمذهبِ ابنِ شُبرُمةَ ويُؤَيِّدُهُ، حديثُ أبي سعِيدٍ في هذا البابِ، وهُو قولُ ابنِ عبّاسٍ وابنِ مسعُودٍ، ويشهدُ (٥) لقولِ سائرِ الفُقهاءِ حديثُ ابنِ عُمر، إلّا أنَّ فيه: "بِسِعرِ يومِكُما" .

    وقال عُثمانُ البتِّيُّ (٦) : يأخُذُها بسِعرِ يومِهِ (٧) .

    وقال داودُ وأصحابُهُ: إذا كان لرجُل على رَجُل عشَرةُ دراهِم، فباعَهُ الذي عليه العشَرةُ دراهِمَ بها دِينارًا، فالبيعُ باطِلٌ، لنهيِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- عنِ الذهبِ بالوَرِقِ، إلّا هاءً وهاءً، وعن بيع أحدِهِما بالآخرِ غائبًا بناجِزٍ. قال: ولو أخذ بذلك قِيمة للعَشَرة دراهِم لاسْتِهلاكها، كان جائزًا؛ لأنَّ القِيمةَ غيرُ البَيعْ، وإنَّما وردَ النَّهيُ عنِ البَيع، لا عنِ القِيمةِ. واحتَجُّوا بحديثِ ابنِ عُمرَ: كنتُ أبِيعُ الإبِلَ بالبَقِيع، فآخُذُ منَ الدَّنانيرِ دراهِم ... الحديثَ (٨) . على ما نَذكُرُهُ هاهُنا إن شاءَ الله.

  7. ومِن هذا البابِ أيضًا: أن يبِيع السِّلعةَ بدنانيرَ، على أن يُعطِيهُ بها دراهِمَ.

    vol. 10, p. 47فقال مالكٌ (١) في مِثلِ هذا: لا يُلتَفتُ إلى اللَّفظِ الفاسِدِ، إذا كان يَعلَمُها (٢) حَلالًا، وكأنَّهُ باعَهُ السِّلْعةَ بتلك الدَّراهِم، التي ذكَرا أنَّهُ يأخُذُها في الدَّنانيرِ.

  8. وقال أبو حَنِيفةَ والشّافعيُّ (٣) ، فيمَنْ باعَ سِلْعةً بدنانيرَ معلُومةٍ، على أن يُعطِيهُ المُشترِي بها دراهِمَ، فالبيعُ فاسِدٌ. وهُو قولُ جُمهُورِ أهلِ العِلم؛ لأنَّهُ من بابِ بَيْعتينِ في بَيْعةٍ، ومن بابِ بيع صَرْفٍ (٤) لم يُقبَضْ.

  9. ومِن هذا البابِ أيضًا، الصَّرفُ يُوجَدُ فيه زُيُوفٌ، وهُو مِمّا اختَلفُوا فيه أيضًا.

    فقال مالكٌ (٥) : إذا وجَدَ في دراهِم الصَّرفِ دِرهمًا زائفًا، فرَضِي به جازَ، وإن ردَّهُ انتَقَضَ صرفُ الدِّينارِ (٦) كلِّهِ، وإن وجَدَ فيها أحَدَ عَشَرَ دِرهمًا ردِيئةً، انتقضَ الصَّرفُ في دِينارينِ، وكذلك ما زادَ على صَرْفِ دِينارٍ، انتقضَ الصَّرفُ في دِينارٍ آخر.

    وقال زُفَرُ والثَّورِيُّ: يَبْطُلُ الصَّرفُ فيما ردَّ، قلَّ أو كثُرَ (٧) .

  10. وقد رُوِي عنِ الثَّورِيِّ: أنَّهُ إن شاءَ اسْتَبدَلهُ، وإن شاءَ كان شَرِيكهُ في الدِّينارِ بحِسابٍ.

  11. وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ والأوزاعِيُّ واللَّيثُ بن سعدٍ والحسنُ بن حيٍّ: يستبدِلُهُ كلَّهُ (١) .

    vol. 10, p. 48
  12. وهُو قولُ ابنِ شِهاب، ورَبِيعةَ وكذلك قال الحسنُ وابنُ سِيرِين وقتادةُ: يرُدُّ عليه ويأخُذُ البَدَلَ، ولا ينتقِضُ من الصَّرفِ شيءٌ (٢) .

  13. وهُو قولُ أحمدَ بن حَنْبل (٣) ، وهُو أحدُ أقاوِيلِ الشّافعيِّ. واختارَهُ المُزنِيُّ، قِياسًا على العَيبِ يُوجَدُ في السَّلَم، أنَّ على صاحِبِهِ أن يأتِيَ بمِثلِهِ.

  14. وأقاوِيلُ الشّافعيِّ (٤) في هذه المسألةِ، أحدُها أنَّهُ قال: إذا اشْتَرى ذهَبًا بورِقٍ، عينًا بعَينٍ، ووجدَ أحدُهُما ببعضِ ما اشْتَرى عيبًا قبلَ التَّفرُّقِ أو بَعدهُ، فليسَ لهُ إلّا ردُّ الكلِّ، أوِ التَّمسُّكُ به. قال: وإذا تبايَعا ذلك بغيرِ عَينِهِ، فوجَدَ أحدُهُما، قبلَ التَّفرُّقِ، ببعضِ ما اشْتَرى عَيْبًا، فلَهُ البَدَلُ، وإن وجَدَهُ بعدَ التَّفرُّقِ، ففيها أقاوِيلُ، منها: أنَّها كالعَينِ، ومنها البَدلُ، ومنها ردُّ المعِيبِ بحِصَّتِهِ من الثَّمنِ. قال: ومتى افترَقَ المُضْطرِفانِ قبلَ التَّقابُضِ، فلا بيعَ بينهُما.

    وقال أبو حَنِيفةَ: إذا افتَرَقا، ئُمَّ وجدَ النِّصف زُيُوفًا أو أكثرَ فردَّهُ، بطلَ الصَّرفُ في المردُودِ، وإنْ كان أقلَّ من النِّصفِ اسْتَبدلهُ (٥) .

  15. وقد مَضَى القولُ مُجوَّدًا في تحرِيم الازدِيادِ في بيع الوَرِقِ بالوَرِقِ، والذَّهَبِ بالذَّهبِ، في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ، وهُو أمرٌ اجتمعَ عليه فُقهاءُ الأمصارِ من أهلِ

    vol. 10, p. 49الرَّأي والأثرِ، وكَفَى بذلك حُجّةً، مع ثُبُوتِهِ من جِهةِ نَقلِ الآحادِ العُدُولِ، عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

  16. وقد مَضَى القولُ في تحرِيم النَّسِيئةِ في الصَّرفِ، في بابِ ابنِ شِهاب، عن مالكِ بن أوَسِ بن الحَدَثانِ، من هذا الكِتابِ مُجوَّدًا أيضًا مُمهَّدًا، وفي ذلك البابِ أُصُولٌ من هذا البابِ.

  17. ولا خِلافَ بينِ عُلماءِ المُسلِمِينَ في تحرِيم النَّسِيئةِ في بَيع الذَّهبِ بالذَّهبِ، والوَرِقِ بالورِقِ، وبَيع الورِقِ بالذَّهبِ، والذَّهبِ بالورِقِ، فإنَّ الصَّرفَ كلَّهُ لا يجُوزُ إلّا هاءَ وهاءَ، قبلَ الافتِراقِ.

  18. هذه جُملةٌ اجتمَعُوا عليها، وثبتَ قولُهُ -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: "إلّا هاءَ وهاءَ" (١) بنقلِ الآحادِ العُدُولِ أيضًا.

  19. وما أجمَعُوا عليه من ذلك وغيرِهِ، فهُو الحقُّ، وكذلك كلُّ ما كان في معناهُ، ما لم يُخرِجهُ عن ذلك الأصلِ دَليلٌ يجِبُ التَّسلِيمُ لهُ، فقدِ اختَلفُوا من هذا الأصْلِ في المسائلِ التي أوردناها في هذا البابِ، على حَسَبِ ما ذكَرْناهُ عنهُم فيه، مِمّا نَزعُوا به، وذهَبُوا إليه، وبالله العِصْمةُ والتَّوفيقُ.

    قال أبو عُمر: حديثُ ابنِ عُمر في اقتِضاءِ الدَّنانيرِ من الدَّراهِم، والدَّراهِم من الدَّنانيرِ، جَعلَهُ قومٌ مُعارِضًا لحديثِ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ في هذا البابِ، لقولِه: "ولا تَبِيعُوا منها غائبًا بناجِزٍ" . وليسَ الحديثانِ مُتَعارِضَيْنِ عندَ أكثرِ الفُقهاءِ، لأنَّهُ مُمكِنٌ استِعمالُ كلِّ واحِدٍ منهُما، وحديثُ ابنِ عُمرَ مُفسَّرٌ، وحديثُ أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ مُجمَلٌ، فصارَ مَعناهُ: لا تَبِيعُوا منها غائبًا، ليسَ في ذِمّةٍ بناجِزٍ، وإذا حُمِلا على هذا، لم يتعارَضا.

  20. وهذا الحديثُ حدَّثناهُ: خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ بن (١) عُبيدِ بن آدم بن أبي إياسٍ، قال: حدَّثني ثابتُ بن نُعيم، قال: حدَّثنا آدمُ بن أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلَمةَ، قال: حدَّثنا سِماكُ بن حَرْبٍ، عن سعِيدِ بن جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: كنتُ أبِيعُ الإبِل بالبَقِيع، فآخُذُ مكانَ الدَّنانير دَراهِمَ، ومكانَ الدَّراهِم دَنانيرَ، فسألتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال: "لا بأسَ به إذا افْتَرقتُما وليسَ بينكُما شيءٌ" (٢) .

    vol. 10, p. 50
  21. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان وسعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ وجعفرُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلَمةَ، قال: حدَّثنا سِماكُ بن حَرْبٍ، عن سعِيدِ بن جُبَيرٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: كنتُ أبِيعُ الإبِل بالبقِيع بالدَّنانيرِ وآخُذُ الدَّراهِم، وأبِيعُ بالدَّراهِم وآخُذُ الدَّنانير، فأتيتُ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- وهُو في بيتِ حَفْصةَ فقلتُ: يا رسُول الله رُويدَك أسألْكَ، أبِيعُ الإبِل بالدَّنانيرِ، فآخُذُ الدَّراهِم، وأبِيعُ بالدَّراهِم، فآخُذُ الدَّنانير، وآخُذُ هذه من هذه؟ فقال: "لا بأسَ أن تأخُذها (٣) بسِعرِ يومِها" (٤) .

  22. وحدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا مُوسى بن إسماعيل ومحمدُ بن محبُوبٍ، المعنَى واحِدٌ، قالا: حدَّثنا حمّادٌ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عُمر، قال: كنتُ أبِيعُ الإبِلَ بالبقِيع، فذكرَهُ سواءً بمعناهُ إلى آخِرِهِ.

    vol. 10, p. 51قال أبو داود (١) : وحدَّثنا الحُسَينُ بن الأسودِ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ بإسنادِهِ ومَعناهُ، والأوَّلُ أتَمُّ، لم يذكُر: "بسِعرِ يومِكما (٢) " .

  23. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعِيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سابِقٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن سعِيدِ بن جُبير، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: كنتُ أبِيعُ الإبِلَ ببقِيع الغَرْقدِ، فكنتُ أبِيعُ البعِير بالدَّنانيرِ وآخُذُ الدَّراهِم، وأبِيعُ بالدَّراهِم وآخُذُ بالدَّنانير، فأتيتُ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- وهُو يُرِيدُ أن يدخُلَ حُجرَتهُ، فأخذتُ بثوبِهِ، فقلتُ: يا رسُولَ الله، إنِّي أبيعُ ببقِيع الغَرقدِ البعِيرَ بالدَّنانيرِ، وآخُذُ الدَّراهِمَ، وأبِيعُ بالدَّراهم، وآخُذُ الدَّنانيرَ، فقال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أخَذْتَ أحدَهُما بالآخرِ، فلا تُفارِقهُ وبينكَ وبينَهُ بيعٌ" (٣) .

    قال أبو عُمر: لم يروِ هذا الحديثَ أحدٌ غيرُ سِماكِ بن حربٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عُمرَ مُسندًا، وسِماكٌ ثِقةٌ عندَ قوم، مُضعَّفٌ عندَ آخرِينَ، كان ابنُ المُباركِ، يقولُ: سِماكُ بن حربٍ ضعِيفُ الحديثِ، وكان مذهبُ عليٍّ فيه نحو هذا، وقد رُوِي عنِ ابنِ عُمر مَعناهُ، من قولِهِ وفتواهُ (٤) .

  24. ورَوَى أبو الأحوصِ هذا الحديثَ عن سِماكٍ، فلم يُقِمهُ، قال فيه: عن سِماكٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عُمرَ: كنتُ أبِيعُ الذَّهب بالفِضّةِ، والفِضّةَ

    vol. 10, p. 52بالذَّهبِ، فأتيتُ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إذا بايَعتَ (١) صاحِبكَ، فلا تُفارِقهُ وبينكَ وبينهُ لَبْسٌ (٢) " (٣) .

  25. وكذلك رواهُ وكِيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عنِ ابنِ عُمرَ، كما قال أبو الأحوصِ (٤) .

  26. ولم يَقُصه فجوَّدهُ، إلّا حمّاد بن سلَمةَ وإسرائيلَ، في غير رِوايةِ وكِيع.

  27. وهذا الحديثُ مِمّا فاتَ شُعبةَ عن سِماكٍ، ولم يسمعهُ منهُ، فعزَّ عليه، وجَرَى بينهُ وبينَ حمّادِ بن سلمةَ في ذلك كلامٌ فيه بعضُ الخُشُونةِ، ثُمَّ سَمِعهُ منهُ بعدُ.

  28. ذكَرَ عليُّ بن المدِينِيِّ قال: قال أبو داودَ الطَّيالِسِيُّ: سمِعتُ خالد بن طَلِيقٍ وأبا الرَّبِيع يَسْألانِ شُعبةَ، وكان الذي يَسْألُهُ خالدٌ، فقال: يا أبا بسِطام، حدِّثني حديثَ سماكٍ، في اقْتِضاءِ الذَّهَبِ من الوَرِقِ، حديثَ ابنِ عُمرَ. فقال شُعبةُ: أصلَحكَ الله، هذا حديثٌ ليسَ يرفعُهُ أحدٌ إلّا سماكٌ، وقد حَدَّثنِيهِ قَتادةُ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عنِ ابنِ عُمرَ، ولم يرفعهُ. وأخبَرنيهِ أيُّوبُ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، ولم يرفعهُ. ورفعهُ سماكٌ، وأنا أفرقُ منهُ.

  29. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "بسِعرِ يومِكُما" فلم يُعوِّل عليه جماعةُ الفُقهاءِ، وقد ذكَرْنا ذلك عنهُم في هذا البابِ.

  30. وكان أحمدُ بن حَنْبل يقولُ: يأخُذُ الدَّنانيرَ من الدَّراهِم، والدَّراهمَ (٥) من الدَّنانيرِ، في الدَّينِ وغيرهِ، بالقِيمةِ.

    وقال إسحاقُ: يأخُذُها بقِيمةِ سِعْرِ يومِهِ.

  31. نافعٌ، عن أبي لُبابةَ، حديثٌ واحِدٌ وهُو ثامِنُ ستِّين

    اسمُ أبي لُبابةَ (١) هذا: بشِيرٌ، ويُقالُ: رِفاعةُ بن عبدِ المُنذِرِ. وقد ذكَرْناهُ في "الصَّحابةِ" (٢) ونَسبناهُ.

    vol. 10, p. 53
  32. مالكٌ (٣) ، عن نافع، عن أبي لُبابةَ: أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن قَتلِ الجِنّانِ (٤) التي في البُيُوتِ.

  33. هكذا قال يحيى، عن مالكٍ، عن نافع، عن أبي لُبابةَ. وتابَعهُ أكثرُ الرُّواةِ عن مالكٍ.

    وقال ابنُ وَهْبٍ: عن مالكٍ، عن نافع (٥) ، عنِ ابنِ عُمرَ، عن أبي لُبابةَ (٦) .

  34. والصَّحِيحُ ما قالهُ يحيى، وغيرُهُ، عن مالكٍ، عن نافع (٧) ، عن أبي لُبابةَ؛ لأنَّ نافعًا سمِعَ هذا الحديث مع ابنِ عُمرَ من أبي لُبابةَ، وكذلك سمِعَ حديثَ الصَّرفِ من أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ (٨) .

  35. وكان دُخُولُهُ عليه مع ابنِ عُمرَ، فحدَّثهُما بحديثِ الصَّرفِ المذكُورِ (١) .

    vol. 10, p. 54
  36. وفي رواية يحيى: نهى عن قتل الحيّات، وسائرُ رواته يقول: الجِنّانُ (٢) .

  37. والجِنّانُ: الحيّاتُ. أنشدَ نِفْطُوية للخَطَفَى جدِّ جرِيرٍ، واسمُهُ حُذيفةُ (٣) :

    يرفعن للَّيلِ إذا ما أسدَفا

    أعناقَ جِنّانٍ وهامًا رُجَّفا (٤)

  38. وعَنَقًا باقِي الرَّسِيم خَيْطَفا

    قال نِفطُوية: وبهذه الأبياتِ سُمِّي الخَطَفَى.

    قال: وقال قُطرُبٌ: السُّدفةُ من الأضْدادِ، تكونُ الظُّلمةَ، وتكونُ الضِّياءَ.

    قال أبو عُبَيدٍ: هي الضِّياءُ في لُغةِ قَيْسٍ، والظُّلمةُ في لُغةِ تمِيم.

    وقال ابنُ الأعرابيِّ: هي الظُّلمةُ يُخالِطُها الضِّياءُ.

    قال: والجِنّانُ: ضَربٌ من الحيّاتِ.

  39. وقولُهُ: رُجَّفًا (٥) ، أي: متحرِّكةً. والعَنَقُ: ضربٌ من السَّيرِ والرَّسِيمُ مِثلُهُ. والخَطَفا والخَيْطَفَى (٦) : هي السُّرعةُ.

    وقال الخليلُ بن أحمدَ (٧) : الجِنّانُ: الحيّةُ. قال: والجِنّانُ أيضًا أبو الجِنِّ، وجمعُهُ: الجِنّةُ، والجِنّانُ.

    vol. 10, p. 55وقال الشّاعر (١) :

    تبدَّلَ حالٌ بعدَ حالٍ عَهِدتُها ... تُناوحُ جِنّانٌ بهنَّ وخُيَّلُ

    قال ابنُ أبي ليلى: الجِنُّ: الذينَ لا يعترَضُونَ (٢) للنّاسِ. والخُيَّلُ (٣) : الذين يتخيَّلُونَ للنّاسِ ويُؤذُونهُم.

  40. ويُروَى عنِ ابنِ عبّاس: الجِنّانُ: مَسخُ الجِنِّ، كما مُسِختِ القِردةُ من بني إسرائيلَ (٤) .