جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم

284 paragraphs · vol. 2, p. 69

Page 7 of 8

  1. وذكَر ابنُ وَهْبٍ في "موطئه" ، عن سُليمانَ بن بلالٍ، عن ربيعةَ، قال: أخبرني إسماعيلُ بن عَمْرو بن قيسِ بن سعدِ بن عبادةَ، عن أبيه، أنّه وجَدُوا في كتابِ سعدِ بن عبادَةَ أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى باليمين مع الشاهدِ الواحد.

    قال ابنُ وَهْب: وحدَّثني ابنُ لَهِيعَةَ ونافعُ بن يزيدَ، عن عُمارةَ بن غَزِيّة، عن سعيدِ بن عَمْرو بن شُرَحْبيل بن سعيدِ بن سعدِ بن عبادةَ، أنّه وجَد في كتبِ آبائه: هذا ما رفَع - أو ذكَر - عَمْرُو بن حزمٍ والمغيرةُ بن شعبةَ، قالا: بَيْنا نحن عندَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - دخَل رجلانِ يختصمانِ، مع أحدِهما شاهدٌ له على حقِّه، فجعَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَمينَ صاحبِ الحقِّ مع شاهدِه، فاقتطَعَ بذلك حقَّه (٢) .

    vol. 2, p. 154
  2. وروَاه عبدُ الله بن عَمْرو بن العاص، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

  3. أخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ بن داودَ، قال: حدَّثنا عَمْرُو بن محمدٍ النَّاقِدُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عبدِ الله بن خالدٍ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثني مُطَرِّفُ بن مازنٍ، عن ابن جُرَيْج، عن عَمْرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قضَى باليمين مع الشاهد (٣) .

  4. أخبَرني أحمدُ بن محمد بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أبو يعقوبَ إسحاقُ بن أحمدَ البغداديُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ النُّفيليُّ، قال: حدَّثني محمدُ بن عبد الله بن عُبيدِ بن عُميرٍ الليثيُّ، عن عَمْرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قضَى باليمين مع الشاهد.

    vol. 2, p. 155
  5. وأخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الأُشنانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ النّفيْليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد الله بن عُبيدِ بن عُميرٍ، عن عَمْرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى باليمينِ مع الشاهد.

  6. وروَاه سُرَّق، رجل من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) ، عن النبيِّ عليه السلام.

  7. حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ بن داودَ المِنْقَريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسماءَ، قال: حدَّثنا جُوَيريةُ بن أسماءَ، عن يزيدَ بن عبدِ الله، عن رجلٍ من أهلِ مصرَ، أحسَبُه ابنَ البَيْلمانيِّ، عن سُرَّقٍ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى باليمينِ مع الشاهدِ الواحد.

  8. وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمْرِو بن عبد الخالق، قال: حدَّثنا محمدُ بن معمر،

    vol. 2, p. 156قال: حدَّثنا يحيى بن حمادٍ، قال: حدَّثنا جويريةُ بن أسماءَ. وأخبَرنا إسماعيلُ بن عبد الرحمن القرشيُّ (١) ، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بن بكرِ بن عِمْران، قال: حدَّثنا أبو الفتح محمدُ بن الحُسين الأزديُّ الحافظ الموصليُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحُسين بن عبد الصمدِ الجَرَاديُّ، والحَسَنُ بن محمدِ بن سعيدٍ الأنصاريُّ، وعبدُ الله بن زيادٍ الشعرانيُّ، وأبو عَروبةَ الحَرَّانيُّ، قالوا: حدَّثنا يحيى بنُ حكيمٍ المُقوِّمُ، قال: حدَّثنا أبو قُتيبةَ سَلْمُ بن قتيبةَ، قال: حدَّثنا جويريةُ بن أسماءَ، عن عبد الله بن يزيدَ مولى المُنبعِث، عن رجلٍ، عن سُرَّقٍ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قضَى بشهادةِ رجلٍ مع يمين الطالب (٢) .

  9. وأخبَرنا عبدُ الوارث بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالبٍ التَّمْتامُ، قال: حدَّثنا سَهْلُ بن بكَّارٍ، قال: حدَّثنا جويريةُ بن أسماءَ، عن عبد الله بن يزيدَ مولى المُنْبَعِث، عن رجلٍ من المصريين، عن رجلٍ كان بين أظهُرِهم من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يقالُ له: سُرَّق، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قضَى بيمينٍ وشاهدٍ (٣) .

  10. وأخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن شاذَانَ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارون، قال: حدَّثنا جُويريةُ بن أسماءَ، عن عبد الله بن يزيدَ مولى المُنْبَعِثِ، عن رجلٍ

    vol. 2, p. 157من أهلِ مصرَ، عن سُرَّقٍ مولى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قضَى باليمينِ مع الشاهد.

    وقال مرةً أخرى: قضَى بشهادةِ رجلٍ ويمين الطالب (١) .

    قال أبو عُمر: أصحُّ إسنادٍ لهذا الحديث إسنادُ حديثِ ابن عباسٍ. وأما حديثُ أبي هريرةَ وحديثُ جعفرِ بن محمدٍ وغيرها، فحسان. وإنّما ذكَرنا في هذا الباب الآثارَ المرفوعةَ لا غيرُ، ولو ذكَرنا الأسانيدَ عمن قضَى بذلك من الصحابة والتابعين وعُلماء المسلمين، لطال ذلك.

  11. وممن رُوِيَ عنه القضاءُ باليمين مع الشاهدِ منصوصًا من الصحابة: أبو بكرٍ وعُمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ، وأبيُّ بن كعب، وعبدُ الله بن عمرَ، وإن كان في الأسانيدِ عنهم ضعفٌ، فإنّا لم نذكُرْهم على سبيلِ الحجَّة؛ لأنّ الحجَّةَ قد لزِمَت بالسنة الثابتة، ولا تحتاجُ السُّنَّةُ إلى من يُتابِعُها؛ لأنّ مَن خالَفَها محجوجٌ بها. ولم يأتِ عن أحدٍ من الصحابةِ أنّه أنكَر اليمينَ مع الشاهدِ، بل جاءَ عنهم القولُ به. وعلى القول به جمهورُ التابعين بالمدينة: سعيدُ بن المُسيِّبِ، وأبو سلمةَ بن عبد الرحمن، والقاسمُ بن محمدٍ، وعروةُ، وسالم، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعُبيدُ الله بن عبد الله، وخارجةُ بن زيدٍ، وسُليمانُ بن يسارٍ، وعليُّ بن حُسينٍ، وأبو جعفرٍ محمدُ بن عليٍّ، وأبو الزِّناد، وعُمرُ بن عبد العزيز (٢) . ولم يُختلَفْ عن

    vol. 2, p. 158واحدٍ من هؤلاء في ذلك إلّا عُروةَ، فإنّه اختُلِفَ فيه عنه. وكذلك اختُلِفَ فيه عن ابن شهابٍ، فقال معمرٌ: سألتُ الزهريَّ عن اليمين مع الشاهد، فقال: هذا شيءٌ أحدَثَه الناسُ، لا بدَّ من شهيدين (١) . وقد رُوِيَ عنه أنّه أولَ ما وليَ القضاءَ حكَم بشاهدٍ ويمينٍ. وبه قال مالكٌ وأصحابُه، والشافعيُّ وأتباعُه، وأحمدُ بن حنبلٍ، وإسحاقُ بن راهُويَةَ، وأبو عُبيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ بن عليٍّ، وجماعةُ أهلِ الأثَر، وهو الذي لا يجوزُ عندي خلافُه؛ لتواتُرِ الآثارِ به عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعملِ أهلِ المدينة به قرنًا بعدَ قرن.

    وقال مالكٌ رحمه الله: يُقضَى باليمينِ مع الشاهدِ في كلِّ البلدان. ولم يحتَجَّ في "مُوَطَّئه" لمسألةٍ غيرها، ولم يختلَفْ عنه في القضاءِ باليمينِ مع الشاهدِ، ولا عن أحدٍ من أصحابِه بالمدينة ومصرَ وغيرهما. ولا يعرِفُ المالكيون في كلِّ بلدٍ غير ذلك من مذهبِهم، إلّا عندَنا بالأندلس؛ فإنّ يحيى بن يحيى ترَكه وزعَم أنّه لم يرَ الليثَ بن سعدٍ يُفتي به، ولا يذهَبُ إليه. وخالف يحيى مالكًا في ذلك مع خِلافِه السُّنةَ والعملَ بدار الهجرة، وقد كان مالكٌ يقول: لا يُقْضى بالعُهدةِ في الرقيق إلّا بالمدينةِ خاصةً، أو على مَن اشتُرطَتْ عليه، ويُقضَى باليمينِ مع الشاهدِ الواحد في كلِّ بلدٍ. وقد أفرَد الشافعيُّ، رحمه الله، لذلك كتابًا بيَّن فيه الحُجَّة على مَن رّدَّه وأكثرَ من ذلك أصحابُه.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثوريُّ، والأوزاعيُّ: لا يُقْضَى باليمين مع الشاهد الواحد. وهو قولُ عطاءٍ، والحكمِ بن عتيبةَ، وطائفةٍ. وزعَم عطاءٌ أنّ أوّلَ مَن قَضَى به عبدُ الملك بن مروانَ. وهذا غَلَطٌ وظَنٌّ لا يُغْني مِن الحقِّ شيئًا،

    vol. 2, p. 159وليس مَن نفَى وجَهِل كمَن أثْبَتَ وعَلِم، وقد ذكَرنا من سمَّيْنا من الصحابةِ والتابعين، وليس فيهم من يَدَعُ علمَه لعبدِ الملك بن مروان.

  12. وقد ذكَر عبدُ الرَّزَّاق (١) ، عن ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكةَ، أنّ مروانَ قضَى بشهادةِ ابن عمرَ وحدَه لبني صُهيبٍ؛ يعني مع أيمانهم.

  13. وزعَم بعضُ مَن ردَّ اليمينَ مع الشاهدِ أنّ الحديثَ المرويّ فيه منسوخٌ بقول الله عز وجل: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: ٢٨٢] . قالوا: ولم يقل: فإن لم يكن رجلٌ وامرأتان فشهادةٌ ويمينٌ. ومن حُجَّتِهم أيضًا أنّ اليمينَ إنّما جُعِلَتْ للنفي لا للإثبات، وجعَلها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على المدَّعَى عليه، فلا سبيلَ للمدعي إليها.

    قال أبو عُمر: وفي هذا إغفالٌ شديدٌ، وذهابٌ عن طريق النظرِ والعلم، وما في قول عزَّ وجلَّ: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} ما يُرَدُّ به قضاءُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في اليمين مع الشاهدِ، وإنّما في هذا أنّ الحقوقَ يُتَوَصَّلُ إلى أخذِها بذلك، وليسَ في الآية أنّه لا يُتَوَصَّلُ إليها ولا تُسْتَحَقُّ إلّا بما ذُكِرَ فيها لا غيرُ، واليمينُ مع الشاهدِ زيادةُ حكم على لسانِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، كنهيِه عن نكاح المرأةِ على عمتِها وعلى خالتِها (٢) ، مع قول الله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] ، وكنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن أكلِ لحوم الحُمُرِ الأهلية، وكلِّ ذي نابٍ من السباع (٣) ، مع قول الله عزَّ وجلَّ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} الآية [الأنعام: ١٤٥] . وكالمسح على الخُفَّين، والقرآنُ إنّما ورَد بغَسلِ الرجليْنِ أو مسحِهما. ومثلُ هذا كثيرٌ.

  14. ولو جاز أن يقالَ: إنّ القرآنَ نسَخ حكمَ رسول الله باليمين مع الشاهدِ، لجاز أن يُقالَ: إنّ القرآنَ في قوله عزَّ وجلَّ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: ٢٧٥] ، وفي قوله: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: ٢٩] ناسخٌ لنَهْيه - صلى الله عليه وسلم - عن المُزَابَنة (١) ، وبَيعْ الغَرَر (٢) ، وبَيعْ ما لم يُخلَقْ، إلى سائرِ ما نهَى عنه في البيوع، ولجاز أن يقال: إنّ قولَ الله عزَّ وجلَّ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: ١٠٣] ناسخٌ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صدقةَ في الخيل والرقيق" (٣) . وهذا لا يَسُوغُ لأحدٍ؛ لأنّ السنةَ مُبَيِّنةٌ للكتابِ زائدةٌ عليه ما أذِنَ الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في الحُكم به، ولو جازَ ذلك لارتفَعَ البيانُ، واللّهُ عزَّ وجلَّ يقول: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤] .

    vol. 2, p. 160
  15. واللّه عزَّ وجلَّ يفترِضُ في كتابه وعلى لسانِ رسولِه ما شاءَ، وقد أمَرَ اللهُ بطاعةِ رسولِه أمرًا مُطلقًا، وأخبَر أنّه لا ينطِقُ عن الهوى، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: ٤] . وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه" (٤) . وقال عزَّ وجلَّ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: ٣٤] . قالوا: القرآنُ والسنةُ. ومن جِهَةِ القياسِ والنظرِ أنّا وجَدْنا اليمينَ أقوَى من المرأتَيْن؛ لأنّهما لا مدخَلَ لهما في اللِّعان، واليمينُ تدخُلُ في اللِّعان، ولمّا ثبَت أن يُحكَمَ بشهادةِ امرأَتَيْن ورجلٍ في الأموال، كان كذلك اليمينُ مع شهادةِ الرجل.

  16. وفي الأصول أنّ مَن قوِي سببُه حلَف واستحَقَّ، ألَا تَرَى أنّ الشيءَ إذا كانَ في يَدِ أحدٍ، حَلَف صاحِبُ اليَدِ، فكذلك الشاهدُ الواحدُ.

    vol. 2, p. 161
  17. وما ذكَروا من أنّ الزيادةَ من حُكم النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - منسوخَة بآيةِ الدَّين، ينتقِضُ عليهم بالإقرارِ والنُّكُولِ، ومعاقدِ القُمُط (١) ، وأنْصابِ اللبِن، والجُذُوع الموضوعَة في الحيطان، فإنّهم قد حَكَموا بكلِّ ذلك، وليس مذكورًا في الآية، فإذا استجازُوا أنْ يستحسِنُوا ويزيدُوا على النصِّ ذلك كله استحسانًا، فكيف يُنكِرون الزيادةَ عليه بالأخبار الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن الخُلفاءِ وجمهورِ العلماء، وصحيحِ الأثرِ والنظر؟ والأمرُ في هذا أوضحُ من أنْ يُحتاجَ فيه إلى إكثارٍ، وفيما ذكَرنا منه كفايةٌ لمن فهِم، وباللّه التوفيق.

  18. أخبَرنا أبو القاسم خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الحسنُ بن رَشيقٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سعيدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبيد بن حِسَابٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، أنّ إياسَ بن معاويةَ أجازَ شهادةَ عاصمٍ الجَحْدريِّ وحدَه. يعني مع يمينِ الطالب (٢) .

  19. وذكر إسماعيلُ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، أنّ شُريحًا أجاز شهادةَ رجلٍ واحدٍ مع يمين الطالب (٣) .

    قال: وحدَّثنا سُليمانُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: حدَّثنا عبدُ المجيد بن وهبٍ، قال: شهدْتُ يحيى بن معمَرَ (٤) قضَى بذلك (٥) .

    vol. 2, p. 162قال: وحدَّثنا إبراهيمُ الهَرَويُّ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن عبد الله بن عُتْبَةَ بن مسعودٍ مثلَه (١) .

    قال: وأخبَرنا أبو موسى، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبد الله الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا الأشعثُ، عن الحسن مثلَه.

  20. فهؤلاء قضاةُ أهل العراقِ أيضًا، يقضون باليمين مع الشاهد في زمنِ الصحابةِ وصدرِ الأُمَّةِ، وحَسْبُكَ به عَمَلًا مُتوارَثًا بالمدينة.

    قال إسماعيلُ بن إسحاقَ: حدَّثنا إبراهيمُ الهَرَويُّ، قال: أخبَرنا هُشيم، قال: أخبَرنا المغيرةُ، عن الشعبيِّ قال: أهلُ المدينة يقولون: شهادةُ الشاهدِ ويمينُ الطالب (٢) .

    وقال مالكٌ: يحلِفُ مع شهادةِ المرأتَيْن؛ لأنّهما بمنزلَة الرجل، فلمّا حلَفَ مع الرجلِ حلَف معهما. وقال الشافعيُّ (٣) : لا يمينَ إلّا مع الشاهدِ الواحدِ العدلِ في الأموالِ خاصّةً إن شاء الله، واللّهُ الموفِّقُ للصواب.

  21. حديثٌ ثامنٌ لجعفرِ بن محمدٍ مُرْسَل

    مالكٌ (١) ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - غُسِّلَ في قَميصٍ.

    vol. 2, p. 163
  22. هكذا رواه سائرُ رواةِ "الموطَّأ" مرسلًا إلّا سعيدَ بن عُفَيرٍ، فإنَّه جعَله: عن مالكٍ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عائشة (٢) . فإن صَحَّتْ روايتُه، فهو متَّصلٌ. والحُكمُ عندي فيه أنّه مرسلٌ عند مالك؛ لرواية الجماعة له عن مالكٍ كذلك، إلّا أنّه حديثٌ مشهورٌ عند أهل السِّيَر والمغازي وسائرِ العلماء. وقد رُوِيَ مسندًا من حديث عائشة من وجه صحيح، والحمدُ للّه.

  23. ورواه الوُحَاظيُّ، عن مالكٍ، عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - غُسِّلَ في قميصٍ.

  24. وكذلك رواه الباغَنْديُّ، عن إسحاقَ بن عيسَى الطَّبَّاع، عن مالكٍ، عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ. إلّا أنّه خُولِفَ الباغَنْديُّ في ذلك عن إسحاق (٣) .

  25. فأمّا "الموطأُ" فهو فيه مرسلٌ إلّا في روايةِ سعيدِ بن عُفَيْرٍ؛ فإنّه رواه في "الموطأ" ، عن مالكٍ، عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن عائشةَ. وهو صحيحٌ عن عائشةَ من رواية غير مالكٍ.

  26. أخبَرنا عبدُ الوارث بن سفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عُبَيدُ بن عبد الواحد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال:

    vol. 2, p. 164حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يحيى بن عَبّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن عائشةَ. هكذا قال.

  27. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا النُّفَيْليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمد بن إسحاقَ، قال: حدَّثَني يحيى بن عَبّادٍ، عن أبيه عَبّاد بن عبد الله بن الزبير، قال: سمعتُ عائشةَ تقولُ: لمَّا أرادُوا غُسْلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: واللّه ما نَدري، أنُجَرِّدُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - من ثيابِه كما نُجَرِّدُ موتَانا، أم نَغْسِلُهُ وعليه ثيابُه؟ فلما اختلَفوا ألقَى اللهُ عليهم النَّومَ حتى ما منهم رجلٌ إلّا وذَقَنُه في صَدْرِه، ثم كلَّمَهم مكلِّم من ناحية البيت لا يَدْرونَ من هو؛ أنِ اغسلوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وعليه ثيابُه. فقاموا إلى رسول الله فغَسَلُوه وعليه قميصُه، يصُبُّونَ الماءَ فوقَ القميص وَيدْلُكونه بالقَميص دونَ أيديهم. وكانت عائشةُ تقول: لو استقبَلْتُ من أمري ما استَدْبَرْتُه ما غَسَلَه إلّا نساؤُه.

    قال أبو عُمر: السُّتة في الحيِّ والمَيِّتِ تحريمُ النَّظَر إلى عَوْرَتِهما، وحُرمةُ المؤمن مَيِّتًا كحُرمَتِه حيًّا في ذلك، ولا يجوزُ لأحدٍ أن يَغْسِلَ مَيِّتًا إلّا وعليه ما يَسْتُرُه، فإن غُسِّلَ في قميصه فحسنٌ، وإن سُتِرَ وجُرِّدَ عنه قميصُه، وسُجِّيَ بثوبٍ غُطِّيَ به رأسُه وسائرُ جِسْمِه إلى أطرافِ قدَمَيه، فحسنٌ، وإلا فأقلُّ ما يَلزَمُ

    vol. 2, p. 165من سُتْرته أن تُستَرَ عَورَتُه. ويَستحبُّ العلماءُ أن يُسترَ وجهُه بخرْقة، وعَورَتُه بأُخرى؛ لأنّ الميِّتَ ربما تغَيَّرَ وجهُه عندَ الموتِ لعلَّةٍ أو دمٍ، وأهلُ الجهلِ ينكرونَ ذلك ويتحدَّثونَ به. وقد رُويَ عن النبيِّ عليه السلام أنّه قال: "مَن غَسَّلَ ميِّتًا ثم لم يُفْشِ عليه، خرَجَ من ذُنُوبِه كيومَ وَلَدَتْه أُمُّه" (١) . ورُوِيَ: "الناظرُ من الرجال إلى فروجِ الرجال، كالناظر منهم إلى فروجِ النِّساء، والناظرُ والمنكشفُ ملعونٌ" (٢) . وقال ابنُ سيرينَ: يُسْتَرُ من الميِّتِ ما يُسْتَرُ من الحيِّ. وقال إبراهيمُ: كانوا يَكْرَهون أن يُغْسَلَ الميِّتُ وما بينَه وبينَ السماءِ فضاءٌ حتى يكونَ بينَه وبينَها سُتْرةٌ.

  28. أخبَرنا عبدُ الرحمن بن يحيى، قال: حدَّثنا عمرُ بن محمدٍ الجُمَحيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن زيادٍ سَبَلانُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ (٣) ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبد الله بن الحارث، أنّ عليًّا غَسَّل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه قميصُه، وعلى يدِ عليٍّ خِرْقَةٌ (٤) .

    قال أبو عُمر: هذا مُستَحْسَنٌ عندَ جماعةِ العلماء؛ أن يأخُذَ الغاسلُ خِرْقَةً فيَلُفَّها على يَدِه إذا أرادَ غَسْلَ فرجِ الميت؛ لئلّا يُباشِرَ فَرْجَه بيَدِه، بل يُدْخِلُ يَدَه ملفوفةً بالخِرْقةِ تحتَ الثوب الذي يَستُرُ عورتَه؛ قَميصًا كان أو غيرَه، فيَغْسِلُ

    vol. 2, p. 166فَرْجَه ويأمُرُ من يُوالي بالصبِّ عليه حتى يُنْقِيَ ما هنالكَ من قُبُلٍ ودُبُرٍ، وعلى ما وَصَفْنا من العمل في غُسْلِ الميِّتِ في باب أيُّوب. وإنْ لم يَلُفَّ على يدِه خِرْقَةً ودلَكه بالقميص، أجْزَأه إذا أنْقَى، ولا يُباشِرُ شيئًا من عَوْرَته بيدِه.

  29. ذكر عبدُ الرَّزَّاق (١) ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن ابن المسيِّب، قال: الْتَمَسَ علي - رضيَ الله عنه - من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما يُلْتَمَسُ من الميتِ فلم يَجِدْ شيئًا، فقال: بأبي أنتَ وأُمِّي، طِبْتَ حيًّا، وطبْتَ ميِّتًا (٢) .

    قال (٣) : وأخبَرنا ابنُ جُرَيْج، قال: سمِعْتُ محمدَ بن عليِّ بن حسينٍ يُخبِرُ، قال: غُسِّلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في قميصٍ، وغُسِّلَ ثلاثًا، كلّهُنَّ بماءٍ وسِدْرٍ، ووَليَ عليٌّ سُفْلته، والفَضلُ بن عبّاسٍ مُحتضِنٌ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - والعَبّاسُ يَصُبُّ الماءَ، وعليٌّ يَغْسِلُ سُفْلته، والفَضْلُ يقولُ: أرِحْني أرِحْني، قَطَعْتَ وَتِيني، أنِّي لأجِدُ شيئًا يتنَزَّلُ عليَّ. قال: وغُسِّلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من بئرٍ لسعدِ بن خَيثَمَة يقالُ لها: الغَرْسُ (٤) بقُباءٍ، كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يشْرَبُ منها (٥) .

  30. ورُوِيَ عن عليٍّ رحمه الله، أنّه قال: لما تُوفِّي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وسُجِّيَ بثوبٍ، هتَف هاتفٌ من ناحية البيت، يَسْمَعُونَ صَوْتَه، ولا يَرَوْن شخصه: السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه، السّلامُ عليكم أهلَ البيت الآيةَ {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: ١٨٥، الأنبياء: ٣٥، العنكبوت: ٥٧] . إنّ في الله خَلَفًا من كُلِّ هالكٍ،

    vol. 2, p. 167وعزاءً من كُلِّ مُصيبةٍ، ودَرَكًا من كلِّ فائتٍ، فباللّه فثِقُوا، وإيّاه فارْجُوا، فإنّ المُصابَ من حُرِمَ الثَّواب (١) .

    قال عليّ - رضيَ الله عنه -: وتَوَلَّى غُسْلَه - صلى الله عليه وسلم - العباسُ وأنا والفَضْلُ. قال عليٌّ: فلم أره يعتادُ فاه في الموتِ ما يَعْتادُ أفواهَ المَوْتَى. ثم لمّا فرَغ عليٌّ من غُسلِه، وأدْرَجَه في أكفانِه، كشَف الإزارَ عن وجهِه، ثم قال: بأبي أنتَ وأمِّي، طبْتَ حيًّا، وطِبْتَ ميِّتًا، انْقَطَعَ بمَوْتِكَ ما لم يَنْقَطِعْ بمَوْتِ أحَدٍ ممن سواكَ، من النُّبُوَّةِ والأنبياء، خَصَصْتَ حتى صِرْتَ مُسْليًا عمن سِواكَ، وعَمَمْتَ حتى صارَت المصيبَةُ فيك سواءً، ولولا أنَّكَ أمَرْتَ بالصَّبْرِ ونَهَيْتَ عن الجَزَع، لأنْفَدْنا عليك الشُّئون (٢) ، بأبي أنتَ وأمِّي، اذْكُرْنا عندَ ربِّكَ، واجْعَلْنا من هَمِّكَ. ثم نظَر إلى قَذاةٍ في عَيْنِه فلفِظها بلسَانِه، ثم رَدَّ الإزارَ على وجهه - صلى الله عليه وسلم -.

  31. وقد قال بعضُ الناس وقطَعَ: إنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يُنزعْ عنه ذلك القميصُ، وإنّه كُفِّنَ فيه مع الثلاثةِ الأثْوابِ السَّحُوليّة. وهذا ليس بشيءٍ، ومعلوم أنّ الثوبَ الذي يُغَسَّلُ فيه الميِّتُ ليس من ثيابِ أكفانِه، وثيابُ الأكفانِ غيرُ مبلولَةٍ، وقد قالت عائشةُ: كُفِّنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثةِ أثوابٍ بيضٍ سَحُوليّةٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامةٌ (٣) . تعني: ليس في أكفانه قميصٌ ولا عمامةٌ. وسيأتي القولُ في ذلك في موضِعِه من كتابِنا هذا إن شاء الله.

  32. وقد يجوزُ أن يكونَ قائلُ ذلك مال إلى روايةِ المُؤمَّلِ بن إسماعيلَ، عن الثوريِّ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كُفِّنَ في قميصٍ وثَوْبَيْنِ صُحارَّييْن (١) من عَمَلِ عُمان (٢) . وهذا خبرٌ غيرُ متَّصلٍ، وحديثُ عائشةَ صحيحٌ مسندٌ (٣) ، والحُجَّةُ به ألزمُ في العمل، وكلاهما لا يَقطعُ العُذْرَ، وباللّه العصمةُ والتوفيقُ. إلّا أنّ الحديثَ المُسندَ يُوجبُ العملَ، وتجبُ به الحُجَّةُ عندَ جميع أهل الحقِّ والسُّنّة.

    vol. 2, p. 168
  33. فإن احتجَّ مُحتَجٌّ بما حدَّثناه سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيبة (٤) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن إدريسَ، عن يزيدَ (٥) ، عن مِقْسَمٍ (٦) ، عن ابن عباسٍ، قال: كُفِّنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثةِ أثوابٍ؛ قميصِه الذي مات فيه، وحُلَّةٍ له نَجْرانِيّة (٧) .

  34. قيل له: هذا الحديثُ يدورُ على يزيدَ بن أبي زيادٍ، وليس عندَهم ممن يُحتَجُّ به فيما خُولِفَ فيه أو انفرَد به، ومنهم من لا يَحتَجُّ به في شيءٍ لضعفِه، وحديثُ

    vol. 2, p. 169عائشةَ حديثٌ ثابتٌ يُعارِضُه ويَدفَعُه، وقد رُوِيَ من حديث مِقْسَم، عن ابن عباسٍ، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كُفِّنَ في ثلاثة أثوابٍ، أحدُها قَميصه الذي غُسِّلَ فيه.

  35. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بن أبي أُسامَة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عيسى بن نَجيحٍ الطَّبَّاعُ وأبو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بن دُكَيْنٍ، قال إسحاقُ: حدَّثنا مالكٌ، وقال أبو نُعَيم: حدَّثنا سفيان؛ جميعًا عن هشام بن عروَةَ، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كُفِّنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثةِ أثوابٍ سَحُوليّةٍ كُرْسُفٍ، ليس فيها قميصٌ ولا عمامَةٌ (١) . وليس في حديث مالكٍ: كُرْسُف.

  36. وذكَر عبدُ الرَّزَّاق (٢) ، عن ابن جُرَيْج، عن صالحٍ مولَى التَّوأمة، أنّه سمِع ابنَ عباس يقول: غُسِّلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في قميص.

    قال (٣) : وأخبَرنا مَعْمَر والثَّوريّ عن منصور، قال: كان على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قميصٌ، فنودوا: ألا تنزعوهُ.

  37. حديثٌ تاسعٌ لجعفرِ بن محمدٍ مُرْسَل

    مالكٌ (١) ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - خَطَبَ خُطْبَتين يومَ الجُمُعة وجلَسَ بينهما.

    vol. 2, p. 170
  38. هكذا رواه جماعةُ رواةِ "الموطأ" مُرسلًا (٢) ، وهو يتصلُ من وجوهٍ ثابتةٍ من غير حديثِ مالكٍ (٣) .

  39. واختلَف الفقهاءُ في الجلوسِ بين الخطبتَين، هل هو فرضٌ أم سُنةٌ؟ فقال مالكٌ وأصحابُه، والعراقيُّون، وسائرُ فقهاءِ الأمصارِ إلّا الشافعيَّ: الجلوسُ بينَ الخُطبتَين سنةٌ، فإنْ لم يجلِسْ بينَهما فلا شيءَ عليه. وقال الشافعيُّ: هو فرض، وإن لم يجلسْ بينَهما صلَّى ظهرًا أربعًا (٤) .

  40. واختلَفوا أيضًا في الخُطبة، هل هي من فروضِ صلاةِ الجمُعة أم لا؟ وقد جاءَ فيها أيضًا عن أصحابِنا أقاويلُ مُضْطربةٌ. والخُطبةُ عندَنا في الجمُعةِ فرضٌ، وهو مذهبُ ابن القاسم، والحُجَّةُ في ذلك أنّها من بيانِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لمُجمَلِ الخطابِ في صلاةِ يوم الجمعة، قال اللهُ تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: ٩] . فأبان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ الجمُعة بفعلِه كيفَ هي، وأيَّ وقتٍ هي،

    vol. 2, p. 171وبيانُه لذلك فرضٌ كسائرِ بيانِه لمُجمَلات الكتابِ في الصلواتِ وركوعِها وسجودِها وأوقاتِها، وفي الزَّكواتِ ومقاديرِها، وغير ذلك ممَّا يطولُ ذكرُه.