عبد الله بن أبي بكر بن حزم

825 paragraphs · vol. 11, p. 5

Page 4 of 21

  1. ولكِنَّهُم يُعَدُّون فيمَنْ أوجَبَ الوُضُوءَ من مسِّ الذَّكرِ من الصَّحابةِ، مع:

    vol. 11, p. 40سعدِ بن أبي وقّاصٍ (١) ، وعبدِ اللَّه بن عُمرَ (٢) ، وسائرِ من أوجَبَ الوُضُوءَ من مسِّ الذَّكرِ منهُم.

    قال أبو عُمر: الشَّرطُ في مسِّ الذَّكرِ، أن لا يكونَ دُونهُ حائلٌ، ولا حِجابٌ، وأن يُمَسَّ بقصدٍ وإرادةٍ؛ لأنَّ العربَ لا تُسمِّي الفاعِلَ فاعِلًا، إلّا بقَصدٍ منهُ إلى الفِعلِ.

    vol. 11, p. 39
  2. وهذه الحَقِيقةُ في ذلك، والمعلُومُ في القَصدِ إلى المسِّ، أن يكونَ في الأغْلَبِ بباطِنِ الكَفِّ.

  3. وقد رُوي بمِثلِ هذا المعنى حديثٌ حسنٌ: أخبَرناهُ خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا سعيدُ بن السَّكنِ ومحمدُ بن إبراهيمَ بن إسحاق بن مِهران السَّرّاجُ، قالا: حدَّثنا عليُّ بن أحمد بن سُليمانَ البزّارُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ الهمدانيُّ، قال: حدَّثنا أصبَغُ بن الفَرج، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم، قال: حدَّثني نافعُ بن أبي نُعَيم ويزيدُ بن عبدِ الملكِ بن المُغيرةِ، عن سَعيدِ بن أبي سعيدٍ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أفْضَى بيدِهِ إلى فرْجِهِ، ليسَ دُونها حِجابٌ، فقد وجَبَ عليه الوُضُوءُ" (٣) .

    قال ابنُ السَّكنِ: هذا الحديثُ من أجودِ ما رُوي في هذا البابِ، لرِوايةِ ابنِ القاسم لهُ، عن نافع، عن أبي نُعيم. وأمّا يزيدُ فضعيفٌ.

    vol. 11, p. 41قال أبو عُمر: كان هذا الحديثُ لا يُعرَفُ إلّا ليزيد بن عبدِ الملكِ النَّوفليِّ هذا، وهُو مُجتَمعٌ على ضعفِهِ، حتّى رواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم صاحِبُ مالكٍ، عن نافع بن أبي نُعَيم القارئ (١) ، وهُو إسنادٌ صالحٌ صحيحٌ (٢) ، إن شاءَ اللَّه.

  4. وقد أثْنَى ابنُ مَعينٍ على عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم في حديثِهِ ووثَّقهُ، وكان النَّسائيُّ يُثْني عليه أيضًا في نَقلِهِ عن مالكٍ لحديثهِ، ولا أعلمُهُم يختلِفُونَ في ثِقتِهِ، ولم يَروِ هذا الحديث عنهُ، عن نافع بن أبي نُعيم ويزيد بن عبدِ الملكِ، إلّا أصبَغُ بن الفَرج.

  5. وأمّا سُحنُونُ، فإنَّما رواهُ عنِ ابنِ القاسم، عن يزيد وحدَهُ، وذكر عنِ ابنِ القاسم: أنَّهُ استَقرَّ قولُهُ: أنَّهُ لا إعادةَ على من مسَّ ذكَرهُ وصلَّى، لا في وَقتٍ، ولا في غيرِهِ، واختارَ ذلك سحنُونُ أيضًا.

  6. أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الحسنُ بن يحيى القُلْزُميُّ، قال: حدَّثنا أبو غسّان عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُف القُلْزُميُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ الهمدانيُّ، قال: حدَّثنا أصبَغُ بن الفرج، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن القاسم، عن نافع بن أبي نُعيم ويزيد بن عبدِ الملكِ، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أفْضَى بيَدِهِ إلى فرْجِهِ، ليسَ دُونهُ حِجابٌ، ولا سِترٌ، فقد وجَبَ عليه الوُضُوءُ" .

  7. وأمّا الحديثُ المُسندُ المُسقِطُ للوُضُوءِ من مسِّ الذَّكرِ: فحدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا (٣) محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤) :

    vol. 11, p. 42حدَّثنا هنّادُ بن السَّريِّ، عن مُلازِم بن عَمرٍو. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (١) . وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ. قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا مُلازِمُ بن عَمرٍو أبو داود (٢) الحَنفيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن بَدْرٍ، عن قَيْسِ بن طَلْقٍ، عن أبيه طَلْقِ بن عليٍّ، قال: قَدِمنا على رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فجاءَهُ رجُل كأنَّهُ بَدَويٌّ، فقال: يا رسُولَ اللَّه، ما تَرى في مسِّ الرَّجُلِ ذَكَرهُ بعدَما يتَوضَّأُ؟ فقال: "هل هُو إلّا بَضْعةٌ منكَ؟ " وقال أحمدُ بن شُعيبٍ في حديثِهِ: "وهل هُو إلّا مُضغةٌ منكَ، أو بَضْعةٌ منكَ؟ " .

    قال أبو داود (٣) : ورواهُ هشامُ بن حسّان (٤) ، والثَّوريُّ (٥) ، وشُعبةُ (٦) ، وابنُ عُيينةَ (٧) ، وجَريرٌ الرّازيُّ، عن محمدِ بن جابرٍ، عن قَيْسِ بن طَلْقٍ، عن أبيه.

    vol. 11, p. 43قال أبو عُمر: رواهُ أيُّوبُ بن عُتبةَ (١) ، قاضي اليَمامةِ أيضًا، عن قَيْسِ بن طَلْقٍ، عن أبيه (٢) .

  8. وهُو حديثٌ يَماميٌّ لا يُوجَدُ إلّا عندَ أهلِ اليَمامةِ، إلّا أنَّ محمد بن جابرٍ وأيُّوب بن عُتْبةَ يُضعَّفانِ، ومُلازِمُ بن عَمرٍو ثِقةٌ، وعلى حديِثِهِ عوَّل أبو داود والنَّسَويُّ جميعًا، وكلُّ من خرَّجَ في الصَّحيح ذكرَ حديث بُسْرةَ في هذا البابِ، وحديث طَلْقِ بن عليٍّ، إلّا البُخاريَّ، فإنَّهُما عندَهُ مُتعارِضانِ مَعلُولانِ، وعندَ غيرهُما صَحِيحانِ، واللَّه المُستعانُ (٣) .

  9. وقدِ استدلَّ جماعةٌ من العُلماءِ، على أنَّ الحديثَ في إيجابِ الوُضُوءِ من مَسِّ الذَّكرِ، ناسِخٌ لحديثِ سُقُوطِ الوُضُوءِ منهُ، بأنَّ إيجابَ الوُضُوءِ منهُ، إنَّما هُو مَأخُوذٌ من جِهةِ الشَّرع، لا مدخَلَ فيه للعَقلِ، لاجتِماعِهِ مع سائرِ الأعضاءِ، فمُحالٌ أن يُقال: إنَّما هُو بضعةٌ منكَ، والشَّرعُ قد وردَ بإيجابِ الوُضُوءِ منهُ، وجائزٌ أن يجِب منهُ الوُضُوءُ بعد ذلك القَولِ شرعًا، فتَفهَّم.

  10. وأمّا أقاويلُ الفُقهاءِ من الصَّحابةِ والتّابِعينَ ومن بعدَهُم من الخالِفينَ في

    vol. 11, p. 44هذا البابِ، فرُوي عن جَماعةٍ من الصَّحابةِ إيجابُ الوُضُوءِ من مسِّ الذَّكرِ، منهُم: عُمرُ بن الخطّابِ، وعبدُ اللَّه بن عُمرَ.

  11. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا الفَضْلُ بن الحُبابِ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا نافعُ بن عُمرَ، عنِ ابنِ أبي مُلَيكةَ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ صلَّى بالنّاسِ، فأهْوَى بيدِهِ فأصابَ فرجهُ، فأشارَ إليهم: أنِ امكُثُوا، فخرجَ فتوضَّأ، ثُمَّ رجعَ إليهم فأعادَ (١) .

  12. وأمّا ابنُ عُمر فمِن حديثِ مالكٍ في "المُوطَّأ" (٢) عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ. والزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه (٣) .

  13. وأمّا سعدُ بن أبي وقّاصٍ، فمِن رِوايةِ مالكٍ (٤) أيضًا، عن إسماعيل بن محمدِ بن سعدٍ، عن مُصعبِ بن سعدٍ، عن سعدٍ.

  14. هذه رِوايةُ أهلِ المدينةِ عنهُ في إيجابِ الوُضُوءِ منهُ.

  15. ورَوَى عنهُ أهلُ الكُوفةِ إسقاط الوُضُوءِ منهُ (٥) .

  16. ورُوي عن جماعةٍ من أصحابِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الوُضُوءُ من مَسِّ الذَّكرِ، منهُم: جابرُ بن عبدِ اللَّه، وزيدُ بن خالدٍ، وأبو هريرةَ (٦) .

    vol. 11, p. 45قال أبو بكرٍ الأثرمُ: سُئل أبو عبدِ اللَّه، عنِ الوُضُوءِ من مَسِّ الذَّكرِ، فقال: نعَمْ، نرَى الوُضُوءَ من مسِّ الذَّكرِ. قيلَ لهُ: فمن لم يرهُ، أتُعنِّفُهُ (١) ؟ قال: الوُضُوءُ أقوى. قيل لهُ: فمَنْ قال: لا وُضُوءَ. قال: الوُضُوءُ أكثرُ عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعن أصحابِهِ، والتّابِعينَ.

    قال أبو عُمر: أمّا التّابِعُونَ الذين رُوي عنهُمُ الوُضُوءُ من مسِّ الذَّكرِ، من كِتابِ الأثرم، وكِتابِ ابنِ أبي شَيْبةَ، وعبدِ الرَّزّاقِ: فسعيدُ بن المُسيِّبِ، وعَطاءُ بن أبي رباح، وطاوُوسٌ، وعُروةُ، وسُليمانُ بن يَسارٍ، وأبانُ بن عُثمان، وابنُ شِهاب، ومُجاهِدٌ، ومَكْحُولٌ، والشَّعبيُّ، وجابرُ بن زيدٍ، والحسنُ، وعِكرِمةُ. وبذلك قال الأوزاعيُّ، والشّافِعيُّ، واللَّيثُ بن سعدٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ وداودُ، والطَّبريُّ (٢) .

  17. واضطربَ مالكٌ (٣) في إيجابِ الوُضُوءِ منهُ، واستقرَّ قولُهُ: أن لا إعادةَ على من صلَّى بعدَ أن مسَّهُ قاصِدًا، ولم يتوضَّأ، إلّا في الوقتِ، فإن خرجَ الوقتُ، فلا إعادةَ عليه. وعلى ذلك أكثرُ أصحابِهِ، وكذلك اختلف أصحابُهُ فيمن مسَّ ذكرهُ ساهيًا ببطنِ كفِّهِ، فرَوَى ابنُ القاسم عنهُ: من مسَّ فرْجهُ في غُسلِ الجنابةِ، أنَّهُ يُعيدُ وُضُوءَهُ. وكذلك في سماع أشهب، وابنِ نافع، عن مالكٍ، فيمن مسَّ ذكرهُ وهُو يتوضَّأُ قبل أن يغسِلَ رِجليهِ: أنَّهُ ينتقِضُ وُضوؤه (٤) .

  18. ورَوَى ابنُ وَهْبٍ (٥) عنهُ: أنَّهُ لا يُعيدُ الوُضُوءَ، إلّا من تعمَّدَ مسَّهُ. قال

    vol. 11, p. 46ابنُ وَهْبٍ: قيلَ لمالكٍ: فإن مسَّهُ على غِلالةٍ خَفيفةٍ؟ قال: لا وُضُوءَ عليه، ومن لم يتَعمَّد مسَّهُ، فلا وُضُوءَ عليه.

  19. وذكرَ العُتْبيُّ، عن سُحنُون وابنِ القاسم ما قدَّمنا، من سُقُوطِ الوُضُوءِ منهُ.

  20. واختار ابنُ حبيبٍ (١) إعادةَ الوُضُوءِ في العَمْدِ وغيرِهِ، لمن لم يُصلِّ، فإن صلَّى أعادَ في الوقتِ على رِوايةِ ابنِ القاسم.

  21. ومالَ البَغداديُّون إلى رِوايةِ ابنِ وَهْب: أنَّ الوُضُوءَ منهُ استِحباب في العَمدِ دُونَ غيرِهِ. قال ابنُ وَهْبٍ: سُئلَ مالكٌ عنِ الوُضُوءِ من مَسِّ الذَّكرِ، فقال: حَسنٌ، وليس بسُنّةٍ، وأحَبُّ إليَّ أن يتوضَّأ من سماع ابنِ وَهْبٍ.

    قال أبو عُمر: وأمّا سائرُ من ذكَرْنا من العُلماءِ بالحِجازِ، فإنَّهُم يرونَ منهُ الإعادةَ في الوَقتِ وبعدَهُ، وذهبَتْ إليه (٢) طائفةٌ من المالكيِّين، منهُم: أصبغُ بن الفرج، وعيسى بن دينارٍ، واحتجُّوا بأنَّ عبد اللَّه بن عُمرَ أعادَ الصَّلاةَ والوُضُوءَ منهُ للصُّبح بعدَ طُلُوع الشَّمسِ (٣) . وهذه إعادةٌ بعد خُرُوج الوَقْتِ، وكان إسماعيلُ بن إسحاقَ وسائرُ البَغداديِّين من المالكيِّينَ، يجعلُونَ مسَّ الذَّكرِ من بابِ المُلامسةِ، فيقولُون: إنِ التذَّ الذي يَمسُّ ذكَرهُ، فالوُضُوءُ عليه واجِبٌ، وإن صلَّى دُونَ وُضُوءٍ، فالإعادةُ عليه في الوَقتِ وبعدَهُ، وإن لم يلتذَّ من مَسِّهِ، فلا شيءَ عليه، كالمُلامِسِ للنِّساءِ سَواءٌ في مذهبِهِم (٤) .

  22. وأمّا الذينَ لم يروا في مسِّ الذَّكرِ وُضُوءًا: فعليُّ بن أبي طالِبٍ، وعمّارُ بن

    vol. 11, p. 47ياسِرٍ، وعبدُ اللَّه بن مسعُودٍ، وعبدُ اللَّه بن عبّاسٍ، وحُذَيفةُ بن اليمانِ، وعِمرانُ بن حُصَينٍ، وأبو الدَّرداءِ (١) .

  23. واختُلِف فيه عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، فرُوي عنهُ: أنَّهُ لا وُضُوءَ على من مَسَّ ذكرهُ. هذه رِوايةُ أهلِ الكُوفةِ عنهُ.

  24. ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٢) ، عنِ ابنِ عُيينةَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن قَيْسِ بن أبي حازِم قال: سألَ رجُلٌ سعدَ بن أبي وقّاصٍ عن مَسِّ الذَّكرِ، أيتوضَّأُ منهُ؟ قال: إن كان منكَ شيءٌ نجِسٌ، فاقطعهُ.

  25. ورَوَى أهلُ المدينةِ (٣) عنهُ: أنَّهُ كان يتوضَّأُ منهُ (٤) .

  26. وكذلك اختُلِف فيه عن أبي هريرةَ وسعيدِ بن المُسيِّبِ، فرُوِيَ عنهُما القولانِ جميعًا (٥) .

  27. وقال ربيعةُ بن أبي عبدِ الرَّحمنِ وسُفيانُ الثَّوريُّ وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: لا وُضُوءَ في مسِّ الذَّكرِ (٦) .

  28. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٧) ، عنِ الثَّوريِّ، قال: دعاني وابنَ جُريج، بعضُ أُمرائهِم،

    vol. 11, p. 48فسألَنا عن مسِّ الذَّكرِ، فقال ابنُ جُرَيج: يتوضَّأُ. وقلتُ: لا وُضُوءَ عليه. فلمّا اختلفنا، قلتُ لابنِ جُريج: أرأيتَ لو أنَّ رجُلًا وضعَ يدَه في مَنيٍّ، قال: يَغْسِلُ يَدَهُ. قلتُ: فأيُّها أنجسُ المنيُّ، أم الذَّكرُ؟ قال: المنيُّ. قلتُ: فكيفَ هذا؟ قال: ما ألقاها على لسانِكَ إلّا شَيْطانٌ.

    قال أبو عُمر: إنَّما جازَتِ المُناظرةُ والقياسُ عندَهُما في هذه المسألةِ، لاختِلافِ الآثارِ فيها عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنَّهُ لم يأتِ عنهُ فيها عندَهُما شيءٌ يجِبُ التَّسليمُ لهُ من وجهٍ لا تعارُض فيه، واختلَفَ فيه الصَّحابةُ أيضًا، فمِن هاهُنا تناظرا فيها.

  29. والأسانيدُ عنِ الصَّحابةِ في إسقاطِ الوُضُوءِ منهُ، أسانيدُ صِحاحٌ، من نَقلِ الثِّقاتِ.

    قال أبو عُمر: تحصيلُ مَذهبِ مالكٍ (١) في ذلك: أنْ لا وُضُوءَ فيه؛ لأنَّ الوُضُوءَ عندَهُ منهُ استِحباب، لا إيجاب. بدليلِ أنَّهُ لا يَرى الإعادةَ على من صلَّى بعدَ أن مَسَّ ذكرهُ إلّا في الوقتِ. وفي (٢) سماع أشهب وابنِ نافع، عن مالكٍ: أنَّهُ سُئلَ عنِ الذي يَمسُّ ذكرهُ ويُصلِّي: أيُعيدُ الصَّلاةَ؟ فقال: لا أُوجِبُهُ أنا. فرُوجِعَ، فقال: يُعيدُ ما كان في الوَقتِ، وإلّا فلا (٣) .

    وقال الأوزاعيُّ: إن مَسَّ ذكرهُ بساعِدِهِ، فعليه الوُضُوءُ. وهُو قولُ عَطاءٍ. وبه قال أحمدُ بن حَنْبل (٤) .

    vol. 11, p. 49وقال اللَّيثُ: من مسَّ ما بينَ أليتيهِ، فعلَيهِ الوُضُوءُ (١) .

    قال اللَّيثُ: من مَسَّ ذكرَ البهائم، فعلَيهِ الوُضُوءُ.

    وقال مالكٌ واللَّيثُ: إن مسَّ ذكرهُ بذِراعِهِ وقَدَمِهِ، فلا وُضُوءَ عليه.

    وقال مالكٌ والشّافِعيُّ واللَّيثُ بن سعدٍ: لا يُجبِ الوُضُوءُ إلّا على من مسَّ ذكرهُ بباطِنِ كفِّهِ.

  30. وجُملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ (٢) : إن مَسَّ ذكرَهُ بظاهِرِ يَدِهِ، أو بظاهِرِ ذِراعيهِ، أو باطِنِهِما، أو مسَّ أُنْثَييهِ، أو شيئًا من أرفاغِهِ (٣) ، أو غيرِها، أو شيئًا من أعضائهِ سِوى الذَّكرِ، فلا وُضُوءَ عليه، ولا على المرأةِ عندَهُم وُضُوءٌ في مَسِّها فَرْجَها (٤) .

  31. وقد رُوي عن مالكٍ: أنَّ على المرأةِ الوُضُوءَ في مَسِّها فرْجها، إذا ألطفَتْ، أو قبضت والتذَّت (٥) .

  32. وكان مكحُولٌ وطاوُوسٌ وسعيدُ بن جُبيرٍ وحُميدٌ الطَّويلُ يقولُون: إن مسَّ ذكَرهُ غير مُتعمِّدٍ، فلا وُضُوءَ عليه. وبه قال داودُ.

    وقال الأوزاعيُّ والشّافِعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ: عمدُهُ وخطؤُهُ في ذلك سواءٌ، إذا أفضى بيدِهِ إليه (٦) .

  33. وجُملةُ قولِ الشّافِعيِّ (١) في هذا البابِ، ما ذكرهُ في كِتابِ الطَّهارةِ المِصريِّ، قال: وإذا أفْضَى الرَّجُلُ إلى ذكرِهِ، ليسَ بينهُ وبينهُ سترٌ، فقد وجبَ عليه الوُضُوءُ، عامِدًا كان أو ساهيًا، والإفضاءُ باليَدِ إنَّما هُو بباطِنِها، كما تقولُ: أفْضَى بيدِهِ مُبايِعًا، وأفضى بيديهِ إلى الأرضِ ساجِدًا، وسواءٌ قليل ما مسَّ من ذَكرِهِ أو كثيرُهُ، إذا كان بباطِنِ الكفِّ، وكذلك من مسَّ دُبُرهُ بباطِنِ الكفِّ (٢) ، أو فرجَ امرأتِهِ، أو ذكرَ غيرِهِ، أو دُبُرهُ، وسواءٌ مسَّ ذلك من حيٍّ أو ميِّتٍ، وحُكمُ المرأةِ في ذلك كلِّهِ كالرَّجُلِ، منْها ومن غيرِها.

    قال: ومن مسَّ ذكرهُ بباطِنِ كفِّهِ على ثَوْبٍ عامِدًا أو ساهيًا، أو مسَّهُ بظهرِ كفِّهِ، أو ذِراعِهِ عامِدًا أو ساهيًا، فلا شئَ عليه، لقولِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أفضى أحدُكُم. . . " (٣) . وكذلك المرأةُ.

    قال: وإن مسَّ شيئًا من هذا من بَهيمةٍ، لم يجِب عليه الوُضُوءُ من قِبَلِ أنَّ للآدميِّين حُرْمةً وتعبُّدًا.

    قال: ولا شيءَ عليه في مَسِّ أُنْثَييهِ ورُفغَيهِ، وأليتيهِ، وفَخِذيهِ.

    قال: وإنَّما قِسْنا الفرج بالفرج، وسائر الأعضاءِ غير باطِنِ الكفِّ، قياسًا على الفَخِذِ.

    قال أبو عُمر: أمّا قولُ الشّافِعيِّ في مَسِّ الرَّجُلِ فرجَ المرأةِ، ومسِّ المرأةِ فرجَ الرَّجُلِ، فقد (٤) وافقهُ على ذلك الأوزاعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ. ووافقهُ على

    vol. 11, p. 51قولِهِ في مَسِّ ذكَرِ الصَّبيِّ، والحيِّ، والميِّتِ: عطاءٌ، وأبو ثورٍ. ووافقهُ على إيجابِ الوُضُوءِ من مَسِّ الدُّبُرِ: عطاءٌ، والزُّهريُّ (١) .

    vol. 11, p. 50
  34. وكان عُروةُ يقولُ: من مسَّ أُنْثَييهِ فعليه الوُضُوءُ (٢) .

    قال أبو عُمر: النَّظرُ عِندي في هذا البابِ: أنَّ الوُضُوءَ لا يجِبُ إلّا على من مَسَّ ذكَرَهُ أو فرْجهُ، قاصِدًا مُفضيًا، وأمّا غيرُ ذلك منهُ، أو من غيرِهِ، فلا يُوجِبُه النَّظر (٣) .

  35. والأصلُ أنَّ الوُضُوءَ المُجتَمع عليه، لا ينتقِضُ إلّا بإجماع، أو بسنّةٍ ثابتةٍ، غيرِ محُتمِلةٍ للتَّأويلِ، فلا (٤) عيبَ على القائلِ بقولِ الكُوفيِّين، لأنَّ إيجابهُ من (٥) الصَّحابةِ لهم فيه ما تقدَّم ذِكرُهُ، وباللَّه التَّوفيقُ (٦) .

  36. حديثٌ خامِسٌ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عبدِ اللَّه بن واقِدٍ، أنَّهُ قال: نَهَى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أكلِ لُحُوم الضَّحايا بعدَ ثلاثةِ أيام. قال عبدُ اللَّه بن أبي بكر: فذكرتُ ذلك لعَمرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، فقالت: صدَقَ، سمِعتُ عائشةَ تقولُ: دَفَّ ناسٌ من أهلِ الباديةِ حضرةَ الأضْحَى في زَمَنِ رسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ادَّخِرُوا لثلاثٍ، وتَصدَّقُوا بما بَقِيَ" . قالت: فلمّا كان بعدَ ذلك، قيلَ لرسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: لقد كان النّاسُ ينتفِعُونَ بضحاياهُمْ ويَجْمُلُونَ (٢) منها الودَكَ، ويتَّخِذُونَ منها الأسقيةَ، فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وما ذاكَ؟ " أو كما قال. قالوا: نهيتَ عن لُحُوم الضَّحايا بعدَ ثلاثٍ. فقال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّما نَهَيتُكُم من أجْلِ الدّافّةِ التي دفَّتْ عليكُم، فكُلُوا، وتَصَدَّقُوا، وادَّخِرُوا" . يعني بالدّافّةِ: قومًا مَساكينَ قدِمُوا المدينةَ.

    قال أبو عُمر: عبدُ اللَّه (٣) بن واقِدٍ هذا، هُو عبدُ اللَّه بن واقِدِ بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، تابِعيٌّ، ثِقةٌ، شريفٌ جليلٌ، سمِعَ عبد اللَّه بن عُمرَ، وأُمُّهُ أمةُ اللَّه بنتُ عبدِ اللَّه بن عيّاشِ بن أبي ربيعةَ.

    vol. 11, p. 52
  37. ومات عبدُ اللَّه بن واقِدٍ في سنةِ سبعَ عشْرةَ ومئةٍ، في خِلافةِ هشام بن عبدِ الملكِ.

    قال أبو عُمر: وأمّا قولُ عائشةَ رضي اللَّه عنها في هذا الحديثِ: "دفَّ ناسٌ" . فمعناهُ عندَ أهلِ اللُّغةِ: دفَّ ناسٌ إلينا وأتونا، وأصلُهُ عندَهُم من دَفيفِ الطّائرِ، إذا حرَّكَ جناحيهِ ورِجلاهُ في الأرضِ، يُقالُ في ذلك: دَفَّ الطّائرُ، يدِفُّ دفيفًا.

    vol. 11, p. 53وقال الخليلُ (١) : والدّافّةُ، قومٌ يدِفُّونَ، أي: يسيرُونَ سيرًا ليِّنًا، وتَدافَّ القومُ، إذا ركِبَ بعضُهُم بعضًا في قِتالٍ، أو نحوِهِ.

  38. وأمّا قولهُا: "حَضرةَ الأضحى" فمعناهُ: في وقتِ الأضْحَى، وفي حينِ الأضْحَى.

  39. وأمّا قولُهُ: ويجمُلُون منها (٢) الوَدكَ. فمعناهُ يُذيبُونَ منها الشَّحم، والوَدَكُ: الشَّحمُ، يُقالُ منهُ: جملْتُ الشَّحمَ، وأجملتُهُ، واجتملْتُهُ، أي: أذبتَهُ، والاجتِمالُ: الادِّهانُ بالجميل، وهي الإهالةُ.

  40. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: نَهَى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أكلِ لُحُوم الضَّحايا بعدَ ثلاثٍ، فقد بانَ في هذا الحديثِ الوَجْهُ والعِلّةُ، التي من أجْلِها نَهَى رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أكلِ لُحُوم الضَّحايا بعدَ ثلاثٍ، وأنَّ ذلك إنَّما كان من أجلِ الدّافّةِ التي دفَّت عليهم من المساكينِ، ليُطعِمُوهُم ويُواسُوهُم.