عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر، أبو طوالة

119 paragraphs · vol. 11, p. 253

Page 2 of 3

  1. وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في الحائضِ تَطْهُرُ قبلَ الفَجْرِ، فلا تَغْتسِلُ حتّى يَطْلُع الفَجرُ، فإنَّ مالكًا (١) ، والشّافِعيَّ، والثَّوريَّ، وأحمد، وإسحاقَ، وأبا ثورٍ يقولُونَ: هي بمَنْزِلةِ الجُنُبِ، وتَغْتسِلُ وتصُومُ، ويُجزئها صَوْمُ ذلك اليوم (٢) .

    vol. 11, p. 262
  2. وقال عُبيدُ اللَّه بن الحَسَنِ العَنْبريُّ والحسنُ بن حيٍّ والأوزاعيُّ: تَصُومُهُ وتَقْضيهِ.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: إن كانت أيامُها أقلَّ من عَشَرةٍ، صامَتهُ وقَضَتهُ، وإن كانت أيامُها عَشَرةً، فإنَّها تَصُومُ، ولا تَقْضي.

    قال أبو عُمر: قدِ اتَّفقَ هؤُلاءِ كلُّهُم، على أنَّها تصُومُهُ، واختَلَفُوا في قَضائهِ، ولا حُجّةَ مع من أوجَبَ القَضاءَ فيه، وإيجابُ القضاء إيجابُ (٣) فرضٍ، والفَرائضُ لا تَثْبُت من جِهةِ الرَّأيِ، وإنَّما تَثبُت من جِهةِ التَّوقيفِ بالأُصُولِ الصِّحاح.

  3. ولا أدري، إن كان عبدُ الملكِ بنُ الماجِشُونِ يَرى صومَهُ أم لا؛ لأنَّهُ يقولُ: إنَّ يومَها ذلك يومُ فِطْرٍ. فإن كالت لا يَرى صومهُ، فهُو شاذٌّ، والشُّذُوذُ لا نُعرِّجُ عليه.

  4. ولا معنى لِما اعتلَّ به، من أنَّ الحيضَ يَنْقُضُ الصَّومَ، والاحتِلامُ لا ينقُضُهُ؛ لأنَّ من طَهُرت من حَيْضتِها، ليست بحائضٍ، والغُسلُ بالماءِ عِبادةٌ، ومعلُومٌ أنَّ الغُسلَ معنًى، والطُّهرُ غيرُهُ، فتَدبَّر.

  5. والصَّحيحُ في هذا البابِ، ما ذهَبَ إليه مالكٌ، والشّافِعيُّ، والثَّوريُّ، ومن تابَعهُم، وباللَّه التَّوفيقُ.

  6. حديثٌ ثانٍ لأبي طُوالةَ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ، عن أبي الحُبابِ سَعيدِ بن يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ اللَّه تَباركَ وتَعالى يقولُ يومَ القيامةِ: أينَ المُتحابُّونَ لجلالي؟ اليومَ أُظِلُّهُم في ظِلِّي، يَومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلِّي" .

    قال أبو عُمر: أبو الحُبابِ (٢) سعيدُ بن يَسارٍ، هذا مَدَنيٌّ تابِعيٌّ ثِقةٌ، لا يختلِفُونَ فيه، وهُو مولى الحَسنِ بن عليٍّ. وقيل: بل هُو مولى شُمَيسةَ: امرأةٍ كانت نَصْرانيّةً فأسْلَمت على يَدَيِ الحسنِ بن عليٍّ. وتُوُفِّي أبو الحُبابِ سنةَ سبعَ عشْرةَ ومئةٍ.

    vol. 11, p. 263
  7. وهذا الحديثُ في "المُوطَّأ" بهذا الإسنادِ عندَ جماعةِ رُواتِهِ فيما عَلِمتُ (٣) .

  8. وقد كان عندَ مالكٍ فيه إسنادٌ آخرُ، رواهُ إبراهيمُ بن طَهْمانَ، عن مالكٍ، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ: أينَ المُتحابُّونَ (٤) لجَلالي؟ اليومَ أُظِلُّهُم في ظِلِّي، يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلِّي" (٥) .

  9. ذَكَرهُ أبو داود، وقال: كان عِندهُ أيضًا عن مالكٍ حديثُ أبي طُوالةَ، عن أبي الحُبابِ.

    قال أبو عُمر: معنى هذا الحديثِ واضِحٌ في فضْلِ المُتحابِّين في اللَّه.

    vol. 11, p. 264
  10. ومعنى قولِهِ فيه، واللَّهُ أعلمُ: "أين المُتحابُّون لجلالي" : أينَ المُتحابُّونَ فيَّ (١) إجلالًا لي، ومحبّةً فيَّ؟

  11. فمِنْ إجلالِ اللَّه عزَّ وجلَّ، إجلالُ أولياءِ اللَّه ومحبَّتُهُم، كما جاءَ في الأثَرِ: "مِن إجْلالِ اللَّه عزَّ وجلَّ، إجْلالُ ذي الشَّيبةِ المُسْلِم، وحامِلِ القُرآنِ غيرِ الغالي فيه، ولا الجافي عنهُ" (٢) .

  12. وإذا كان ذِكرُهُم وذِكرُ فضائلهِم عمَلَ برٍّ، فما ظنُّكَ بحُبِّهِم، وإخلاصِ الوُدِّ لهم؟

  13. قرأتُ على أبي عُثمانَ سعيدِ بن نَصْرٍ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: سمِعتُ ابنَ أبي إسرائيلَ يقولُ: سمِعتُ سُفيان بن عُيينةَ يقولُ: عندَ ذِكْرِ الصّالحِين تَتَنزَّلُ الرَّحمةُ. قال: وسمِعتُ ابنَ أبي إسرائيلَ يقولُ: سمِعتُ سُفيان يقولُ: اسْلُكُوا سبيلَ الحقِّ، ولا تَسْتوحِشُوا من قِلّةِ أهْلِهِ.

  14. وذكَرَ أبو عُبيدٍ (٣) ، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن مُعاذٍ، عن عَوْفِ بن أبي جَميلةَ، عن زيادِ بن مِخراقٍ، عن أبي كِنانةَ، عن أبي موسى الأشْعَريِّ، قال: إنَّ من إجْلالِ اللَّه، إكرامَ ذي الشَّيبةِ المُسْلِم، وحامِلِ القُرآنِ غيرِ الغالي فيه ولا (٤) الجافي عنهُ، وذي السُّلطانِ المُقسِطِ ".

  15. وقد رُوِيَ مرفُوعًا عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّهُ قال: "مِن تَعظيم جَلالِ اللَّه، إكرامُ

    vol. 11, p. 265ثَلاثةٍ: الإمام المُقْسِطِ، وذي الشَّيبةِ المُسْلِم، وحامِلِ القُرآنِ غيرِ الغالي فيه، ولا الجافي عنهُ " من وُجُوهٍ فيها لينٌ (١) .

  16. وحَمَلةُ القُرآنِ، هُمُ العالمونَ (٢) بأحكامِهِ، وحلالِهِ وحرامِهِ، والعامِلُونَ بما فيه (٣) .

  17. ومِن أوثقِ عُرَى الإسلام: البُغضُ في اللَّه، والحُبُّ في اللَّه.

  18. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسْرُورٍ (٤) ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا عارِمٌ، قال: حدَّثنا الصَّعقُ بن حَزْنٍ، عن عَقِيلٍ (٥) الجَعْديِّ، عن أبي إسحاقَ، عن سُوَيدِ بن غَفَلةَ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا عبدَ اللَّه بن مَسْعُودٍ ". قلتُ: لبَّيكَ يا رسُولَ اللَّه، قال: " تَدْري أيُّ عُرَى الإيمانِ أوثقُ؟ " قال: قلتُ: اللَّهُ ورسُولُهُ أعلمُ، قال: " الوِلايةُ في اللَّه، الحُبُّ والبُغضُ فيه" (٦) .

  19. وذكَرَ يعقُوبُ بن شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو سَلَمةَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ،

    vol. 11, p. 266عن ثابتٍ، عن مُسلِم بن يَسارٍ، قال: ما من عملي شيءٌ إلّا وأنا أخافُ أن يكونَ قد دَخَلهُ ما يُفسِدُهُ، إلّا الحُبَّ في اللَّه (١) .

    قال: وحدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا عِمرانُ القَطّانُ، عن قَتادةَ، عن مُسلِم بن يَسارٍ، قال: مرِضتُ مَرْضةً، فلم يَكُن في عَملي شيءٌ أوثَقَ في نَفْسي من قوم كنتُ أُحِبُّهُم في اللَّه (٢) .

  20. وذكر ابنُ المُباركِ (٣) ، عن فُضَيلِ بن غَزْوانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ اللَّه في قولِهِ: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: ٦٣] ، قال: نزلَتْ في المُتحابِّينَ في اللَّه.

  21. وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن سُلَيمانَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن زكريّا، قال: حدَّثنا ليثٌ، عن عَمرِو بن مُرّةَ، عن مُعاويةَ بن سُوَيدِ بن مُقرِّنٍ، عنِ البَراءِ بن عازِب، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّ أوثَقَ عُرَى الإسلام، أن تُحِبَّ في اللَّه، وتُبغِضَ في اللَّه" (٤) .

    قال أبو عُمر: فمِن الحُبِّ في اللَّه، حُبُّ أولياءِ اللَّه، وهُمُ الأتْقِياءُ، العُلماءُ، الفُضلاءُ. ومن البُغضِ في اللَّه، بُغضُ من حادَّ اللَّه، وجاهَرَ بمَعاصيهِ، أو ألحَدَ في صِفاتِهِ، وكفَرَ به، وكذَّبَ رُسُلهُ، أو نحوَ هذا كلِّهِ.

  22. وأمّا قولُهُ: "في ظِلِّ اللَّه" فإنَّهُ أرادَ، واللَّهُ أعلمُ، في ظِلِّ عَرْشِهِ، وقد يكونُ الظِّلُّ،

    vol. 11, p. 267كِناية عنِ الرَّحمةِ، كما قال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ} (١) [المرسلات: ٤١] يعني بذلك ما هُم فيه من الرَّحمةِ والنَّعَيم، وقال: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: ٣٥] .

  23. وقد يكونُ كِنايةً عنِ العَذابِ، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} [الواقعة: ٤٣ - ٤٤] .

  24. ومن كان في ظِلِّ اللَّه يومَ الحِسابِ، وُقِيَ شرَّ هَوْلِ (٢) ذلك اليوم.

  25. جَعَلَنا اللَّهُ برَحمتِهِ من المُتحابِّينَ فيه ولِوَجهِهِ، المُسْتقِرِّينَ تحتَ ظِلِّهِ، يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، فإنَّ ذلك من أفْضَلِ الأْعمالِ، وأكْرَم الخِلالِ.

  26. أخبَرنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن الحُسَينِ بن صالح السَّبيعيُّ (٣) الحلبيُّ بدِمشقَ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ عليُّ بن إسماعيل بن سُليمانَ الشَّعيريُّ (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بن أبي الوَرْدِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا خَلَفُ بن خَلِيفةَ، قال: حدَّثنا حُميدٌ الأعرجُ، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عن عبدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أوْحَى اللَّهُ عزَّ وجلَّ إلى نَبِيٍّ من الأنبياءِ، أن قُل لفُلانٍ العابِدِ: أمّا زُهْدُكَ في الدُّنيا، فتَعجَّلتَ راحةَ نَفْسِكَ، وأمّا انْقِطاعُكَ إليَّ، فتَعزَّزتَ بي، فماذا عمِلتَ فيما لي عليكَ؟ قال: يا رَبِّ (٥) ، وماذا لكَ (٦) عليَّ؟ قال: هَلْ واليتَ لي وليًّا، أو عادَيتَ لي عدُوًّا؟ " (٧) .

  27. حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ بن العبّاسِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الرّافِقيُّ (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عامرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن عَمْرةَ ابنة عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، قالت: قَدِمَتِ امرأةٌ مُضْحِكةٌ من أهلِ مكّةَ، فنَزلَتْ على امْرأةٍ مُضْحِكةٍ من أهلِ المَدينةِ، ثُمَّ جاءَت عائشةَ تُسلِّمُ عليها، فقالت لها عائشةُ: أينَ نَزَلتِ؟ قالت: على فُلانةٍ. فقالت عائشةُ: صدَقَ اللَّهُ ورسُولُهُ، سَمِعتُ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "الأرواحُ جُنُودٌ مُجنَّدةٌ، فما تعارَفَ منها ائتلَفَ، وما تَناكَرَ منها اخْتَلَفَ" (٢) .

    vol. 11, p. 268
  28. ومن دُعاءِ الفَضْلِ الرَّقَاشيِّ: اللَّهُمَّ لا تُدْخِلنا النّارَ، بعدَ أن أسكنتَ قُلُوبنا توحيدَكَ، وأرجُو أن لا تَفعَلَ، وإن فعلتَ، لا تجمَعَنَّ (٣) بينَنا وبينَ قوم عادَيناهُم فيكَ.

  29. وأخبَرنا بعضُ أصحابِنا، قال: أمْلَى عليَّ أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن محمدٍ الأزديُّ، في مَسجِدِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من حِفْظِهِ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ أحمدُ بن إسحاقَ بن يزيدَ الحلبيُّ، قاضي حلَبَ، إملاءً من حِفْظِهِ بمِصْرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ الحميدِ الغَضائريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بن أبي الوَرْدِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا خَلَفُ بن خَلِيفةَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عن عبدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "أوْحَى اللَّهُ إلى نَبيٍّ من الأنْبِياءِ، أن قُلْ لفُلانٍ العابِدِ: أمّا زُهدُكَ في الدُّنيا، فتَعجَّلتَ راحتكَ،

    vol. 11, p. 269وأمّا انقِطاعُكَ إليَّ، فتَعزَّزتَ بي، فماذا عمِلتَ فيما لي عليكَ؟ قال: يا ربِّ، وما ذاك؟ فقال: هل واليتَ فيَّ وليًّا، أو عادَيتَ فيَّ عدُوًّا؟ " (١) .

    قال الأزْديُّ (٢) : هذا الحديثُ لم يُسنِدهُ إلّا محمدُ بن محمدِ بن أبي الوَردِ، والنّاسُ يُوقِفُونهُ على ابنِ مَسْعُودٍ.

    قال أبو عُمر: قد أخبَرنا به أبو القاسم خلفُ بن القاسم الحافِظُ، عن أبي جَعْفرٍ أحمد بن إسحاقَ بن يزيدَ الحلبيِّ (٣) ، عنِ الغضائريِّ، بإسنادِهِ هذا موقوفًا على ابنِ مَسْعُودٍ من قولِهِ، لم يرفعهُ.

  30. وأخبَرنا بعضُ أصحابِنا أيضًا، قال: أمْلَى عليَّ أبو بكرٍ محمدُ بن عبدِ الوهّابِ الإسْفرايينيُّ الحافِظُ في المسجِدِ الحَرام من حِفْظِهِ، قال: حدَّثنا أبو الفَضْلِ أحمدُ بن حَمْدُون الفقيهُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ الحَميدِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي الوَردِ، واسمُهُ محمدٌ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا خلفُ بن خليفةَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عن عبدِ اللَّه بن مسعُودٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أوحى اللَّهُ إلى نبيِّهِ أنْ قُل لفُلانٍ الزّاهِدِ: أمّا زُهدُكَ في الدُّنيا، فقد تعجَّلتَ راحةَ نفسِكَ، وأمّا انقِطاعُكَ إليَّ، فقد تعزَّزتَ بي، فماذا عمِلتَ فيما لي عليك؟ قال: وما لكَ عليَّ؟ قال: هل واليتَ فيَّ وليًّا، أو عادَيتَ فيَّ عدُوًّا؟ " (٤) .

    قال الإسْفَرايينيُّ: هذا حديثٌ غريبٌ، ورِجالُهُ ثِقاتٌ، تَفرَّدَ به ابنُ أبي الوردِ، عن سعيدِ بن منصُورٍ.

    قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: ورِجالُهُ ثِقاتٌ. فليسَ كما قال؛ لأنَّ حُميدًا الأعرجَ هذا الذي يروي عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، مُنكرُ الحديثِ عندَ

    vol. 11, p. 270جميع أهلِ العِلم بالنَّقلِ. وهُو: حُميدُ بن عليٍّ أبو يحيى الأعرجُ، لهُ عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ مناكيرُ، منها: عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "كلَّمَ اللَّه مُوسى يومَ كلَّمهُ، وعليه جُبّةُ صُوفٍ، وكِساءُ صُوفٍ، وسراويلُ صُوفٍ، وكُمّةُ (١) صُوفٍ، ونَعْلانِ من جِلدِ حِمارٍ غيرِ ذكيٍّ" .

  31. رواهُ أيضًا خلفُ بن خَلِيفةَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عنِ ابنِ مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) . وخَلَفُ بن خليفةَ ليسَ به بأسٌ، أصلُهُ الكُوفةُ، وسكَنَ واسِط، وإليها يُنْسبُ، وماتَ ببغدادَ سنةَ إحْدَى وثمانينَ.

  32. قَرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدَ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ محمدَ بن مُعاويةَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحَسَنِ بن عبدِ الجبّارِ الصُّوفيُّ، قال: حدَّثنا الهَيْثمُ بن خارِجةَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاشٍ، عن صَفْوانَ بن عَمرٍو، عن عبدِ الرَّحمنِ بن مَيْسرةَ، عنِ العِرْباضِ بن سارِيةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "قال اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: المُتحابُّونَ لجلالي (٣) في ظِلِّ عَرْشي، يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلالي (٤) " (٥) .

  33. وليسَ في الحديثِ حُكمٌ من أحكام الدُّنيا، ولا معنًى يُشْكِلُ، وقد مَضَى من بَسْطِ معناهُ بالآثارِ وغيرِها كِفايةٌ.

    vol. 11, p. 271
  34. وقد حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى بن سُليمان المروزيُّ، قال: حدَّثنا عاصِمُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا قَيْسٌ، عن عُمارةَ بن القَعْقاع، عن أبي زُرْعةَ بن عَمرِو بن جريرٍ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "للَّه عِبادٌ لا بأنبياءَ ولا بشُهداءَ، يَغبِطُهُمُ الأنبياءُ والشُّهداءُ بمَكانِهِم من اللَّه عزَّ وجلَّ" ، قالوا: يا نبيَّ اللَّه، من هُم، وما أعمالُهُم، لعلَّنا نُحِبُّهُم؟ قال: "قومٌ تحابُّوا برَوح اللَّه، من غيرِ أرْحام بينهُم، ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنها، واللَّه إنَّ وُجُوهَهُم نُورٌ، وإنَّهُم لعَلَى مَنابِرَ من نُورٍ، لا يخافُونَ إذا خافَ النّاسُ، ولا يَحْزنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ" . ثُمَّ قرأ: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (١) [يونس: ٦٢] .

  35. وحدَّثنا (٢) خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسَينِ الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن إسماعيل الشَّعِيريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعْلَى، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن ثابتٍ، عن أبي رافِع، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنَّ رجُلًا زارَ أخًا لهُ في قَرْيةٍ أُخرى" ، قال: "فأرْصَدَ اللَّهُ له على مَدْرَجَتِهِ (٣) مَلَكًا، فلمّا أتَى عليه، قال لهُ: أينَ

    vol. 11, p. 272تُريدُ؟ قال: أُريدُ أخًا لي في هذه القَرْيةِ. قال: هل لَهُ عليكَ من نِعْمةٍ ترُبُّها (١) ؟ قال: لا، ولكن أحْبَبتُهُ في اللَّه. قال: فإنِّي رسُولُ اللَّه إليكَ، أنَّهُ قد أحبَّكَ، كما أحْبَبتهُ فيه " (٢) .

  36. وحدَّثنا خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ بن صالح الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحَسَن (٣) بن محمدِ بن موسى بن أبي جَعْفرٍ البُطْنانيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الجَعْدِ، قال: حدَّثنا مُباركُ بن فَضالةَ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنَسِ بن مالكٍ قال: قال رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما تحابَّ رَجُلانِ في اللَّه قطُّ، إلّا كان أفْضَلُهُما أشدَّهُما حُبًّا لصاحِبِهِ" (٤) .

  37. حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن أبي عُبَيدٍ اللُّؤلُؤيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن عَوْنٍ، عن

    vol. 11, p. 273إبراهيمَ الهَجَريِّ، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ اللَّه، قال: الأرْواحُ جُنُودٌ مُجنَّدةٌ تَتلاقَى في الهَواءِ، فتَتشامُّ كما تَتَشامُّ الخيلُ، فما تَعارَفَ منها ائتلَفَ، وما تَناكرَ منها اختلَفَ، ولو أنَّ مُؤمِنًا جاءَ إلى مجلِسٍ فيه مئةُ مُنافِقٍ، ليسَ فيه إلّا مُؤمِنٌ واحِدٌ، لقُيِّضَ لهُ، حتّى يجلِسَ إليه. ولو أنَّ مُنافقًا جاء إلى مَجْلسٍ فيه مئةُ مُؤمنٍ، ليسَ فيه إلّا مُنافقٌ واحدٌ، لَقُيِّضَ لهُ حتّى يجلسَ إليه (١) .

  38. وقد رَوَى عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الأرواحُ جُنُودٌ مجُنَّدةٌ" (٢) جماعةٌ من الصَّحابةِ، منهُمُ: ابنُ مسعُودٍ، وغيرُهُ، إلّا أنَّ هذا اللَّفظ قولُ ابنِ مَسْعُودٍ.

  39. حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الرّافِقيُّ (٣) ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حَرْب، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ، عن أبيه (٤) قال: أتيتُ أبا إسحاقَ الهَمْدانيَّ، فقلتُ: أتَعرِفُني؟ قال: نعَمْ، ولَوْلا الحياءُ منكَ، لقبَّلتُكَ، سَمِعتُ أبا الأحْوَصِ يُحدِّثُ، عن عبدِ اللَّه، في قولِ اللَّه: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: ٦٣] : نزلَتْ في المُتحابِّينَ في اللَّه (٥) .

  40. وفي رِسالةِ سُفيانَ الثَّوريِّ إلى عبّادِ بن عبّادٍ، رواها الفِريابيُّ عنهُ، قال: المُتحابُّونَ في اللَّه، هُمُ المُواسُونَ فيه، والمُتَباذِلُونَ فيه، والمُؤثِرُونَ لإخوانِهِم على أنْفُسِهِم بأمْوالِهِم (٦) .