أبو الزناد عبد الله بن ذكوان

1,377 paragraphs · vol. 11, p. 287

Page 10 of 35

  1. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جَعْفرِ بنِ عُبيدِ الله، قال: حدَّثنا العبّاسُ بن محمدِ الدُّورِيُّ إملاءً، قال: حدَّثنا أبو عُبَيدٍ القاسمُ بن سلّام، قال: حدَّثنا محمدُ (١) بن كَثِيرٍ الطَّرسُوسِيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلَمةَ، قال: كان سُفيانُ الثَّورِيُّ عِندَنا بالبَصرةِ، فكان كثِيرًا ما يقولُ: لَيْتني قد مِتُّ، لَيْتني قدِ اسْتَرحتُ، لَيْتني في قَبْرِي. فقال لهُ حمّادُ (٢) بن سلمةَ: يا أبا عبدِ الله، ما كَثْرةُ تمنِّيكَ هذا الموتَ؟ والله لقد آتاكَ اللهُ القُرآنَ والعِلمَ. فقال لهُ سُفيانُ: يا أبا سَلَمةَ، وما تَدْرِي، لعَلِّي أدخُلُ في بدْعةٍ، لعلِّي أدخُلُ فيما لا يحِلُّ لي، لعلِّي أدخُلُ في فِتْنةٍ، أكُونُ قد مِتُّ، وسبَقتُ هذا (٣) .

    وقال يحيى بن يمانٍ: سمِعتُ سُفيانَ يقولُ: قد كنتُ أشْتَهِي أن أمرَضَ وأمُوتَ، فأمّا اليومَ فلَيْتني مِتُّ فُجاءةً؛ لأنني أخافُ أن أتحوَّلَ عمّا أنا عليه، من يأمَنُ البلاءَ بعدَ خليلِ الرَّحمنِ وهُو يقولُ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} (٤) [إبراهيم: ٣٥] .

    وقال يحيى بن يمانٍ، عن سُفيان: لمّا جاءَ البَشِيرُ يعقُوب قال لهُ: على أيِّ دِينٍ تركتَ يُوسُفَ؟ قال: على الإسْلام، قال: الآنَ تمَّتِ النِّعمةُ (٥) .

    vol. 11, p. 409
  2. (١) وفي هذا الحديثِ أيضًا من العِلم: إباحَةُ الخَبرِ بما يأتي بَعدُ، وبما يكونُ.

    vol. 11, p. 410
  3. وهذا غيرُ جائزٍ على القطع، إلّا لمن أظهَرهُ اللهُ على غَيْبه، ممَّنِ ارْتَضى من رُسُلِهِ، وبالله العِصْمةُ والتَّوفيقُ.

  4. أنشدنا غيرُ واحِدٍ لمنصُورٍ الفقِيهِ رحِمهُ الله:
  5. قد غلَبَ الغيُّ على الغيِّ ... وأصبَحَ النّاسُ كلا شيِّ

    وأصبحَ الميِّتُ في قَبرِهِ ... أحسَنَ أحوالًا من الحيِّ

    vol. 11, p. 411حديثٌ ثالثَ عشَرَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يقولنَّ أحدُكُم: يا خَيْبةَ الدَّهرِ، فإنَّ الدَّهرَ هُو الله" .

  6. (٢) هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" بهذا الإسنادِ عِندَ جماعةِ الرُّواةِ فيما علِمتُ.

  7. ورواهُ إبراهيمُ بن خالدِ بنِ عثمةَ، عن مالكٍ، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ. والصَّوابُ فيه إسنادُ "المُوطَّأ" .

  8. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ غُندَرٌ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن أبي عبّادٍ الصَّفّارُ، قال: حدَّثنا عبدُ السَّلام بن محمدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن خالدِ بنِ عَثمةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَسُبُّوا الدَّهر، فإنَّ اللهَ هُو الدَّهرُ" .

  9. وفي "المُوطَّأ" عِندَ جماعةِ رُواتِهِ في هذا الحديثِ: "لا يقولنَّ أحدُكُم: يا خَيْبةَ الدَّهرِ" . وقال فيه سعِيدُ بن هاشِم، بإسنادِ "المُوطَّأ" : "لا تسُبُّوا الدَّهرَ" .

  10. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بن جعفرِ بنِ محمدٍ التَّمِيمِيُّ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن يزِيدَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن هاشِم الفيُّومِيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تسُبُّوا الدَّهرَ، فإنَّ اللهَ هُو الدَّهرُ" (٣) .

    وقال فيه يحيى: "فإنَّ الدَّهرَ هُو الله" . وغيره كُلُّهم (٤) يقول: "فإنَّ اللهَ هُو الدَّهرُ" .

  11. وهذا الحديثُ قدِ اختُلِفَ في ألفاظِهِ عن أبي هريرةَ من رِوايةِ الأعْرَج وغير، فمنهُم من يقولُ فيه: "لا تَسُبُّوا الدَّهرَ، فإنَّ اللهَ هُو الدَّهرُ" .

    vol. 11, p. 412
  12. هكذا رواهُ ابنُ أبي الزِّنادِ، عن أبيهِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، وكذلك رواهُ ابنُ لِهيعةَ، عنِ الأعْرَج بإسنادِهِ سَواءً، وكذلك رواهُ ابنُ سِيرِينَ وغيرُهُ، عن أبي هريرةَ.

  13. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِث بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا هَوْذةُ بن خَلِيفةَ، قال: حدَّثنا عَوْفٌ، عن محمدٍ وخِلاسٍ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تسُبُّوا الدَّهرَ، فإنَّ اللهَ هُو الدَّهرُ" (١) .

  14. وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن أبي مَرْيمَ، قال: أخبَرنا محمدُ بن جَعْفرٍ، قال: أخبَرني العَلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ بنِ يَعقُوبَ مَوْلَى الحُرَقةِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "قال اللهُ عزَّ وجلَّ: اسْتَقرضتُ عَبدِي فلم يُقْرِضني، وشَتَمني، ولم يَنْبغِ لهُ أن يَشْتُمني، يقولُ: وادهراهُ، وادهراهُ (٢) ، وأنا الدَّهرُ، وأنا الدَّهرُ" (٣) .

    قال أبو عُمر: هذه ألفاظٌ إن صحَّتْ، فمَخْرجُها على مَعانٍ سنُبيِّنُها، والصَّحِيحُ في لفظِ هذا الحديثِ ما رواهُ ابنُ شِهابٍ وغيرُهُ من الفُقهاءِ ذوِي الألبابِ.

  15. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بن الصَّبّاح بنِ سُفيانَ وأحمدُ بن السَّرح، قالا: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: " [يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ] (٢) : يُؤذِيني ابنُ آدمَ، يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ، بيدِي الأمرُ، أُقلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ" .

    vol. 11, p. 413
  16. هكذا قال ابنُ عُيينةَ عنِ الزُّهرِيِّ، عن سعِيدٍ. وقال يُونُسُ بن يزِيد: عنِ الزُّهرِيِّ، عن أبي سلمةَ.

  17. وهُما جميعًا صحِيحانِ.

  18. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو الطّاهِرِ وزيدُ بن البِشرِ، قالا: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ، عن يُونُس بنِ يزِيد، عنِ الزُّهرِيِّ، قال: أخبَرني أبو سلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: قال أبو هريرةَ: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "قال اللهُ تباركَ وتعالى: يسُبُّ ابنُ آدمَ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ، بيدِي اللَّيلُ والنَّهارُ" (٣) .

  19. فمن أهلِ العِلم من يروِي هذا الخبر بنَصبِ الدَّهرِ على الظَّرفِ، يقولُ: أنا الدَّهرَ كلَّهُ بيدِي الأمرُ، أُقلِّبُ اللَّيل والنَّهار. ومنهُم من يروِيهِ بالرَّفع على معنى حديثِ مالكٍ ومن تابعهُ.

    vol. 11, p. 414
  20. والمعنى فيه: أنَّ أهلَ الجاهِلِيَّةِ كانوا يذُمُّونَ (١) الدَّهر في أشعارِهِم وأخبارِهِم، ويُضِيفُونَ (٢) إليه كلَّ ما يَصْنعُهُ اللهُ بهم، وقد حَكَى اللهُ عنهُم قولَهُم: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية: ٢٤] .

  21. فنَهَى اللهُ عن قولِهِم ذلك، ونَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عنهُ أيضًا بقولِهِ: "لا تَسُبُّوا الدَّهرَ" . يعني: لأنَّكُم إذا سَبَبتُمُوهُ وذَممتُمُوهُ لما يُصِيبُكُم فيه من المِحنِ والآفاتِ والمصائبِ، وقعَ السَّبُّ والذَّمُّ على الله، لأنَّهُ الفاعِلُ ذلك وحدَهُ لا شرِيك لهُ، وهذا ما لا يَسَعُ أحدًا جهلُهُ، والوُقُوفُ على معناهُ، لما يتعَلَّقُ به الدَّهرِيَّةُ أهلُ التَّعطِيلِ والإلحادِ.

  22. وقد نطقَ القُرآنُ، وصحَّتِ السُّنَّةُ بما ذكَرنا، وذلك أنَّ العربَ كان من شأنِها ذمُّ الدَّهرِ، عِندَما ينزِلُ بها من المكارهِ، فيقولُون: أصابَتْنا قوارِعُ الدَّهرِ، وبناتُ الدَّهرِ (٣) ، وأبادَنا الدَّهرُ، وأتى علينا الدَّهرُ، ألا ترى إلى قولِ شاعِرِهِم (٤) :

    رَمَتني بناتُ الدَّهرِ من حيثُ لا أرَى ... فكيفَ بمن يُرمَى وليس برامِ

    فلو أنَّها نبلٌ إذَنْ لاتَّقيتُها ... ولكنَّني أُرمَى بغيرِ سِهامِ

    vol. 11, p. 415فأفْنَى وما أفنَيْتُ (١) للدَّهرِ ليلةً ... ولم يُغنِ ما أفنيتُ سِلكَ نِظامِ

    (٢) وقال أبو العَتاهِيةِ، فذكرَ الزَّمان والدَّهر، وهُما سواءٌ، ومُرادُهُ في ذلك كلِّهِ ما يُحدِثُ اللهُ من العِبَرِ (٣) فيها لمنِ اعتبَرَ (٤) :

    إنَّ الزَّمان إذا رمَى لمُصِيبُ ... والعُودُ منهُ إذا عَجمتَ (٥) صلِيبُ

    إنَّ الزَّمانَ لأهلِهِ لمُؤَدِّبٌ ... لو كان ينفعُ فيهمُ التَّأدِيبُ

    كيفَ اغْتَررتَ بصرفِ دهرِكَ يا أخِي ... كيفَ اغتررتَ به وأنتَ لبِيبُ

    ولقد رأيتُكَ للزَّمانِ مُجرِّبًا ... لو كان يُحكِمُ رأيكَ التَّجرِيبُ

    وهذا المعنى في شِعرِهِ كثِيرٌ جِدًّا.

    وقال غيرُهُ، وهُو المُساوِرُ بن هِندٍ (٦) :

    بَلِيتُ وعِلمِي في البِلادِ مكانهُ ... وأفْنَى شبابِي الدَّهرُ وهُو جدِيدُ

    وقال غيرُهُ (٧) :

    حَنَتني حانِياتُ الدَّهرِ حتّى ... كأنِّي خاتِلٌ (٨) أدنُو لصيدِ

    قرِيبُ الخَطْوِ يَحسَبُ من يَراني ... ولستُ مُقيَّدًا إنِّي بقيدِ

    vol. 11, p. 416وقال امرُئُ القَيْسِ (١) :

    ألا إنّما ذا (٢) الدَّهرُ يومٌ وليلةٌ ... وليس على شيءٍ قَوِيم بمُسْتَمِرِّ

    وقال أيضًا (٣) :

    أُرجِّي من صُرُوفِ الدَّهرِ لينًا ... ولم تغفُلْ عنِ الصمِّ الهِضابُ

    وقال أبو ذُؤَيبٍ الهُذلِيُّ (٤) :

    أمِنَ المنُونِ وريبها تتفجَّعُ ... والدَّهرُ ليس بمُعتِبٍ من يجزَعُ

    وقال أرطاةُ بن سُهيَّةَ (٥) :

    عنِ الدَّهرِ فاصْفَح إنَّهُ غيرُ مُعتبِ ... وفي غيرِ من قدوارتِ الأرضُ فاطمَعِ

    وقال الراجِزُ (٦) :

    ألقى عليَّ الدَّهرُ رِجْلًا ويَدا ... والدَّهرُ ما أصلحَ يومًا أفسَدا

    يُصلِحُهُ اليومَ ويُفنِيهِ غَدا ... ويَسعدُ الموتُ إذا الموتُ عَدا

    وأشعارُهُم في هذا أكثرُ من أن تُحصى، خرجَتْ كلُّها على المجازِ والاستِعارةِ، والمعرُوفِ من مذاهِبِ العَربِ في كلامِها (٧) ؛ لأنَّهُم يُسمُّونَ الشَّيءَ، ويعبِّرُونَ عنهُ

    vol. 11, p. 417عنهُ بما يَقرُبُ (١) منهُ وبما هُو فيه، فكأنَّهُم أرادُوا ما يَنزِلُ بهم (٢) في اللَّيلِ والنَّهارِ من مَصائبِ الأيام، فجاءَ النَّهيُ عن ذلك تَنْزِيهًا لله، لأنَّهُ الفاعِلُ ذلك بهم في الحَقِيقةِ، وجَرَى ذلك على الألسِنةِ في الإسلام، وهُم لا يُرِيدُونَ ذلك، ألا تَرَى أنَّ المُسلِمِينَ الخِيارَ الفُضلاءَ اسْتَعملوا ذلك في أشعارِهِم، على دِينِهِم وإيمانِهِم، جَرْيًا في ذلك على عادتهِم، وعِلمًا بالمُرادِ، وأنَّ ذلك مفهُومٌ معلُومٌ لا يُشكِلُ على ذي لُبٍّ، هذا سابِقٌ البَرْبرِيُّ، على فضْلِهِ، يقولُ (٣) :

    المرءُ يجمعُ والزَّمانُ يُفرِّقُ ... وَيظلُّ يَرْقَعُ (٤) والخُطُوبُ تُمزِّقُ (٥)

  23. وهذا سُليمانُ العَدوِيُّ، وكان خيِّرًا مُتديِّنًا يقولُ:

    أيا دهر أعمَلتَ (٦) فينا أذاكا ... ووَلَّيتنا بعدَ وجهٍ قَفاكا

    جعلتَ الشِّرارَ علينا رُؤُوسًا ... وأجلَسْتَ سِفلتَنا مُستَواكا

    فيا دهرُ إن كُنتَ عادَيْتَنا ... فها قد صنَعتَ بنا ما كَفاكا

    وقالت صفِيَّةُ الباهِلِيَّةُ (٧) :

    أخْنَى (٨) عَلَى واحِدِي ريبُ المَنُونِ (٩) وما ... يُبقِي الزَّمانُ على شيءٍ ولا يَذَرُ (١٠)

  24. وروينا أنَّ مالك بن أنَسٍ رحِمهُ الله كان يُنشِدُ لبعضِ صالحِي أهلِ المدِينةِ:

    أخِي لا تعتقِد دُنيا ... قليلًا ما تُواتِيكا

    فكم قد أهلَكَتْ خِلًّا ... ألِيفًا لو تُنَبِّيكا

    ولا تَغرُركَ زَهْرتُها ... فتُلقِي السُّمَّ في فيكا

    في أبياتٍ كثِيرةٍ، فمرَّةً يُضِيفُونَ ذلك إلى الدَّهرِ، ومرَّة إلى الزَّمانِ، ومرَّةً إلى الأيام (١) ، ومرَّة إلى الدُّنيا، وذلك كلُّهُ مفهُومُ المعنى على ما ذكَرْنا وفسَّرنا، والحمدُ لله.

    vol. 11, p. 418
  25. (٢) وقال أبو العَتاهِيةِ (٣) :

    أيا عَجَبًا للدَّهرِ لا بل لرَيْبه ... تَخرَّمُ (٤) ريبُ الدَّهرِ كلَّ إخاءِ (٥)

    ومزَّقَ ريبُ الدَّهرِ كلَّ جَماعةٍ ... وكدَّرَ ريبُ الدَّهرِ كلَّ صفاءِ

    وقال آخرُ (٦) :

    يا دَهرُ ويحكَ ما أبقيتَ لي أحدا ... وأنتَ والِدُ سُوءٍ تأكُلُ الوَلَدا

    أستغفِرُ اللهَ بل ذا كلُّهُ قَدَرٌ ... رَضِيتُ بالله ربًّا واحِدًا صمدا

    لا شيءَ يبقَى سِوَى خيرٍ تُقدِّمُهُ ... ما دامَ مُلكٌ لإنسانٍ ولا خَلَدا

  26. ومِمّا يُنشدُ للمأمُونِ ويُروى لهُ من قولِهِ:
  27. أنا في عِلمِيَ بالدَّهـ ... ـرِ أبو الدَّهرِ وأُمُّهْ

    ليس يأتي الدَّهرُ يومًا ... بسُرُورٍ فيُتِمُّهْ

    فكما سرَّ أخاهُ ... فكذا سوف يغُمُّهْ

    ليس للدَّهرِ صدِيقٌ ... حامِدُ الدَّهرِ يذُمُّهْ (١)

  28. والأشْعارُ في هذا لا يُحاطُ بها كثرةً، وفيما لوَّحنا به مِنها كِفايةٌ، والحمد لله (٢) .

  29. حديثٌ رابع عَشَر لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "نارُ بني آدم التي يُوقِدُونَ جُزءٌ من سبعِينَ جُزءًا من نارِ جهنَّم" . فقالوا: يا رسُولَ الله: إن كانت لكافِيةً. قال: "إنَّها فُضِّلَتْ عليها بتِسعةٍ وسِتِّين جُزْءًا" .

    vol. 11, p. 420
  30. ليس في هذا الحديثِ ما يحتاجُ إلى القَولِ. وفيه إباحةُ الخَبرِ عنِ القِيامةِ، والآخِرةِ، وحالِ النّارِ، أجارَنا اللهُ مِنها، وزَحْزحنا عنها.

  31. وفيما نطقَ به القُرآنُ من الخَبرِ عنِ الآخِرةِ، والجنّةِ والنّارِ، ما فيه مُعتبر لأُولِي الأبصارِ.

  32. حدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بنِ عُثمانَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح (٢) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ يُونُس، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، عنِ الأعمشِ، عن زيدِ بنِ وَهْبٍ، عن عبدِ الله، قال: إنَّ نارَكُم هذه ليست مِئلَ نارِ جهنَّم، إنَّ نار جهنَّمَ (٣) لا تَنْفعُ أحدًا، وإنَّها لمّا نزَلَتْ (٤) ضُرِبَ البحرُ بها مرَّتينِ، ولولا ذلك لم تنفَعْ أحَدًا (٥) .

  33. (٦) ورَوَى الفَضْل (٧) بن دُكَينٍ، عن إسرائيلَ (٨) ، عن أبي إسحاقَ، عن عَوْنِ بنِ

    vol. 11, p. 421عبدِ الله، عن عبدِ الله، قال: إنَّ النّارَ التي خُلِقَ (١) مِنها الجانُّ، جُزءٌ من سبعِينَ جُزءًا من نارِ جهنَّم (٢) .

  34. وروى عُبيدُ الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عمّارٍ الدُّهنيِّ، عن مُسلِم البَطِينِ، عن سعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: إنَّ نارَكُم هذه جُزءٌ من سبعِينَ جُزءًا من النّارِ، وهذه النّارُ قد ضُرِبَ بها البحرُ حِينَ أُنزِلت سبعَ مرّاتٍ، ولولا ذلك ما انتُفِعَ بها.

  35. ورَوَى عبدُ الله بن نُميرٍ (٣) ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن نُفَيع (٤) بنِ الحارِثِ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: إنَّ نارَكُم هذه جُزءٌ من سبعِينَ جُزءًا من نارِ جَهنَّم، ولولا أنَّها أُطفِئَت بالماءِ مرَّتينِ، ما انتفعتُم بها، وإنَّها لتَدْعُو اللهَ أن لا يُعِيدَها في تلك النّارِ أبدًا (٥) .

  36. ورَوَى زيدُ بن الحُبابِ، عن محمدِ بنِ مُسلِم، عن مَيْسرةَ، عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ، أنَّ عليَّ بن أبي طالِبٍ سألَ رجُلًا من اليَهُودِ، لم يُرَ في اليهُودِ مِثلُهُ، عنِ النّارِ الكُبرَى، فقال الحَبْرُ: يبعثُ اللهُ الرِّيحَ الدَّبُورَ على البُحور، فتعودُ نارًا، فهي النّارُ الكُبرى.

  37. حديثٌ خامسَ عشَرَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تَسْألِ المرأةُ طلاقَ أُختِها لتَسْتفرِغ صَحْفتَها، ولتَنكِح، فإنَّما لها ما قُدِّرَ لها" .

    vol. 11, p. 422
  38. في هذا الخبَرِ من الفِقهِ: أنَّهُ لا يَنْبغِي أن تسأل المرأةُ زَوْجها أن يُطلِّق ضَرَّتها لتنفرِدَ به، فإنَّما لها ما سبقَ به القَدَرُ (٢) عليها، لا يَنقُصُها طلاقُ ضُرَّتِها شيئًا مِمّا جَرَى به القَدرُ لها، ولا يَزِيدُها.

  39. (٣) وقال الأخفشُ: كأنَّهُ يُرِيدُ أن تُفرِغَ صَحْفةَ تلك من خيرِ الزَّوج، وتأخُذ هِي وحدَها.

    قال أبو عُمر: وهذا الحديثُ من أحسنِ أحادِيثِ القَدَرِ عِندَ أهلِ العِلم والسُّنَّةِ (٤) ، وفيه أنَّ المرءَ لا ينالُهُ إلّا ما قُدِّر لهُ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: ٥١] . والأمرُ في هذا واضِحٌ لمن هداهُ الله (٥) ، والحمدُ لله.

  40. وفِقهُ هذا الحديثِ: أنَّهُ لا يجُوزُ لامرأةٍ، ولا لولِيِّها، أن يَشْترِطَ في عَقدِ نِكاحِها، طلاقَ غيرِها.