أبو الزناد عبد الله بن ذكوان
1,377 paragraphs · vol. 11, p. 287
Page 18 of 35
- vol. 11, p. 495
وروى محمُودُ بن خالدٍ، عنِ الأوزاعِيِّ، قال: لا وُضُوءَ من النَّوم، وإن توضَّأ ففضلٌ أخذَ به، وإن تركَ فلا حرجَ. ولم يَذْكُر عنهُ الفصلَ (٤) بينَ أحوالِ النائم.
-
وسُئلَ الشَّعبِيُّ عنِ النَّوم، فقال: إن كان غِرارًا، لم يَنقُضِ الطَّهارةَ (٥) .
قال أبو عُمر: الغِرارُ، هُو القليلُ من النَّوم، قال جرِيرٌ (٦) :
ما بالُ نومِكَ بالفِراشِ غِرارا ... لو كان قلبُكَ يستطِيعُ لطارا
vol. 11, p. 496وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: لا وُضُوءَ إلّا على من نامَ مُضطجِعًا أو مُتورِّكًا (١) .
وقال أبو يُوسُف: إن تعمَّدَ النَّوم في السُّجُودِ، فعليه الوُضُوءُ.
وقال الثَّورِيُّ، والحَسنُ بن حيٍّ: لا وُضُوءَ إلّا على منِ اضْطَجعَ.
-
وهُو قولُ حمّادٍ، والحكم وإبراهيمَ (٢) .
-
وجاءَ عن عُمرَ بنِ الخطّابِ: إذا نامَ أحدُكُم مُضطجِعًا فليتَوضَّأ (٣) .
-
ورَوَى أبو خالدٍ يزِيدُ (٤) الدّالانيُّ، عن قَتادةَ، عن أبي العالِيةِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّما الوُضُوءُ على من نامَ مُضطجِعًا" (٥) .
-
وهُو عِندَهُم حديثٌ مُنكرٌ، لم يروهِ أحدٌ من أصْحابِ قَتادةَ الثِّقاتِ، وإنَّما انفردَ به أبو خالدٍ الدّالانيُّ، وأنكَروهُ (٦) عليه، وليس بحُجَّةٍ فيما نقل.
وقال اللَّيثُ بن سعدٍ: إذا تصنَّعَ للنَّوم جالِسًا، فعليه الوُضُوءُ، ولا وُضُوءَ على القائم والجالِسُ، وإذا (٧) غلَبهُ النَّومُ تَوضَّأ (٨) .
vol. 11, p. 497وقال الشّافِعِيُّ (١) : على كلِّ نائم الوُضُوءُ، إلّا الجالِس وحدَهُ، فكلُّ من زالَ عن حدِّ الاسْتِواءِ ونامَ، فعليه الوُضُوءُ، وسواءٌ نامَ قاعِدًا أو ساجِدًا أو قائمًا أو راكِعًا أو مُضطجِعًا. وهُو قولُ الطَّبرِيِّ، وداود بنِ عليٍّ.
-
ورُوِي عن عليٍّ وابنِ مسعُودٍ وابنِ عُمرَ، أنَّهُم قالوا: من نامَ جالِسًا، فلا وُضُوءَ عليه (٢) .
-
ورُوِي عنِ ابنِ عبّاسٍ، أنَّهُ قال: وجبَ الوُضُوءُ على كلِّ نائم، إلّا من خفقَ برأسِهِ خَفْقةً أو خَفْقتينِ.
-
رواهُ هُشيمٌ، عن يزِيد بنِ أبي زِيادٍ، عن مِقْسم، عنِ ابنِ عبّاسٍ (٣) .
-
ورواهُ الثَّورِيُّ، عن يزِيد، عن مِقْسم، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: وجَبَ الوُضُوءُ على كلِّ نائم، إلّا من خفقَ خَفْقةً برأسِهِ (٤) .
وقال الحسنُ وسعِيدُ بن المُسيِّبِ: إذا خالَطَ النَّومُ قلبَ أحدِكُم واستحقَّ (٥) نومًا، فليتَوضَّأ (٦) .
-
ورُوِي ذلك عن أبي هريرةَ، وابنِ عبّاسٍ، وأنَسِ بنِ مالكٍ (٧) .
- vol. 11, p. 498
وبه قال إسحاقُ، وأبو عُبيدٍ، وهُو معنى قولِ مالكٍ.
-
وكان عبدُ الله بن المُباركِ يقولُ: إن نامَ ساجِدًا في صلاتِهِ، فلا وُضُوءَ عليه، وإن نامَ ساجِدًا في غيرِ صلاتِهِ، فعليه الوُضُوءُ، وكذلك إن تعمَّدَ النَّوم جالِسًا وهُو في صلاةٍ، فعليه الوُضُوءُ.
-
ورُوِي عن أبي موسى الأشعرِيِّ ما يدُلُّ على أنَّ النَّومَ عِندهُ ليس بحدَثٍ على أيِّ حالٍ كان، حتَّى يُحدِث النّائمُ حَدَثًا غير النَّوم؛ لأنَّهُ كان ينامُ ويُوكِّلُ من يحرُسُهُ (١) . ورُوِي عن عَبِيدةَ نحوُ ذلك (٢) .
-
ورُوِي عن سعِيدِ بنِ المُسيِّبِ: أنَّهُ كان ينامُ مِرارًا مُضطجِعًا ينتظِرُ الصَّلاةَ، ثُمَّ يُصلِّي ولا يُعِيدُ الوُضُوءَ للصَّلاةِ (٣) .
وقال المُزنيُّ (٤) صاحِبُ الشّافِعِيِّ: النَّومُ حدثٌ، وقليلُهُ وكثِيرُهُ يُوجِبُ الوُضُوءَ كسائرِ الأحداثِ.
قال أبو عُمر: حُجَّةُ من ذهبَ مذهب المُزنيِّ في النَّوم، حديثُ صفوان بنِ عسّالٍ، مع القِياسِ، على ما أجمعُوا عليه في أنَّ غلبةَ النَّوم وتمَكُّنهُ، يُوجِبُ الوُضُوءَ، إلّا شيءٌ رُوِي عن أبي موسى وعَبِيدةَ مُحتمِل للتَّأوِيلِ.
-
ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٥) ، عن مَعمرٍ، عن أيُّوب، عنِ ابنِ سيرِينَ، قال: سألتُ عَبِيدةَ: أيتوضَّأُ الرَّجُلُ إذا نامَ؟ قال: هُو أعلمُ بنفسِهِ.
- vol. 11, p. 499
وأمّا حديثُ صفوان بنِ عسّالٍ، فحدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١) : أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا خالدٌ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عاصِم، أنَّهُ سمِعَ زِرَّ بن حُبَيشٍ يُحدِّثُ، قال: أتيْنا رجُلًا يُدْعَى صفوانَ بن عسّالٍ، فقَعدتُ على بابه، فخرجَ فقال: ما شأنُكَ؟ قلتُ: أطلُبُ العِلم، قال: إنَّ الملائكةَ تَضَعُ أجنِحتَها لطالِبِ العِلم، رِضًى بما يطلُبُ (٢) . قال: عن أيِّ شيءٍ تسألُ؟ قلتُ: عنِ الخُفَّينِ، قال: كُنّا إذا كُنّا معَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، أمَرَنا أن لا ننزِعَ خِفافنا ثلاثًا، إلّا من جنابةٍ، ولكن من غائطٍ وبَوْلٍ ونَوْم.
قالوا: ففي هذا الحديثِ التَّسوِيةُ بين الغائطِ، والبَولِ، والنَّوم. قالوا: والقِياسُ أنَّهُ لمّا كان كثِيرُهُ وما غلبَ على العَقلِ منهُ حَدَثًا، وجبَ أن يكون قليلُهُ حَدَثًا.
قال أبو عُمر: هذا قولٌ شاذٌّ غيرُ مُستحسنٍ، والجُمهُورُ من العُلماءِ على خِلافِهِ، والآثارُ كلُّها عنِ الصَّحابةِ تدفعُهُ (٣) ، وقد يحتمِلُ قولُهُ؛ لكن من غائطٍ وبولٍ ونوم ثقِيلٍ غالِبٍ على النَّفسِ، والله أعلمُ.
-
وكذلك ما رُوِي عن أبي موسى - أنَّهُ كان يُوكِّلُ من يحرُسُهُ إذا نامَ، فإن لم يخرُج منهُ حَدَث، قامَ من نَومِهِ وصلَّى - قولٌ شاذٌّ أيضًا، والنّاسُ على خِلافِهِ.
- vol. 11, p. 500
وقد يُمكِنُ أن يحتجَّ من ذهَبَ هذا المذهبَ (١) بحديثِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، وحديثِ مُعاوِيةَ، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا حَيْوةُ بن شُرَيح، في آخرِينَ، قالوا: حدَّثنا بقِيَّةُ بن الولِيدِ، قال: حدَّثنا الوَضِينُ بن عَطاءٍ، عن محفُوظِ بنِ عَلْقمةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عائذٍ الأزدِيِّ، عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "وِكاءُ السَّهِ العَيْنانِ، فمن نامَ فليَتَوضَّأ" .
-
وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُصفَّى، قال: حدَّثنا بَقِيَّةُ، فذكر بإسنادِهِ مِثلهُ (٣) .
-
وبهذا الإسنادِ عن بَقِيَّةَ، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي مريمَ، عن عطِيَّةَ بنِ قَيْسٍ، عن مُعاوِيةَ بنِ أبي سُفيانَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "العينُ وِكاءُ السَّهِ، فإذا نامتِ العينُ، استطلَقَ الوِكاءُ" (٤) .
vol. 11, p. 501قال أبو عُمر: هذانِ الحديثانِ ليسا بالقوِيَّينِ، وأصحُّ ما في هذا البابِ - من جِهةِ الإسنادِ والعَمل -: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني نافِعٌ، عن عبدِ الله بنِ عُمر، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - شُغِلَ عنها ليلةً، يَعني العِشاءَ، فأخَّرَها حتَّى رقَدْنا في المسجِدِ، ثُمَّ اسْتَيقظنا، ثُمَّ رقَدْنا، ثُمَّ اسْتَيقظنا، ثُمَّ خرجَ علينا، فقال: "ليس أحدٌ يَنْتظِرُ الصَّلاةَ غيرُكُم" .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا شاذُّ بن فيّاضٍ، قال: أخبَرنا هشام الدَّستُوائيُّ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، قال: كان أصحابُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَنْتظِرُون العِشاءَ الآخِرةَ، حتَّى تخفِقَ رُؤُوسُهُم، ثُمَّ يُصلُّونَ ولا يتوضَّئُونَ.
قال أبو داود (٣) : ورواهُ شُعبةُ، عن قَتادةَ، وزاد فيه: كُنّا على عَهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. ورواهُ ابنُ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ بلفظٍ آخر، وشُعبةُ بلفظٍ آخرَ.
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،
vol. 11, p. 502قال (١) : حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ وداودُ بن شبِيبٍ، قالا: حدَّثنا حمّادٌ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: أُقِيمَتْ صلاةُ العِشاءِ، فقامَ رجُلٌ فقال: يا رسُولَ الله إنَّ لي حاجةً، فجعلَ يُناجِيهِ حتَّى نعسَ القومُ أو بعضُ القَوْم، ثُمَّ صلَّى بهم، ولم يَذكُر وُضُوءًا.
-
فهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّ النَّومَ إذا عرضَ للإنسانِ وهُو جالِسٌ، لا يُنقضُ وُضُوءُهُ، ويحتمِلُ مع هذا أن يكونَ ذلك النَّومُ كان خفِيفًا، والنَّومُ الذي رُوِي عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - - أنَّهُ كان ينامُ في صلاتِهِ حتَّى ينفُخَ، ثُمَّ يُصلِّي ولا يتوضَّأُ - رُوِي عنهُ أنَّهُ كان في سُجُود، وكان ابنُ عبّاسٍ يُنكِرُ أن يكونَ كان ذلك منهُ وهُو ساجِدٌ، وقال: كان النَّومُ منهُ - صلى الله عليه وسلم - وهُو جالِسٌ. كذلك حكى يحيى بن عبّادٍ، عن سعِيدِ بنِ جُبيرٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ (٢) .
قال أبو عُمر: ليس بنا حاجةٌ إلى هذا في النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّهُ محفُوظٌ مخصُوصٌ بأن تنامَ عيناهُ، ولا ينامَ قلبُهُ - صلى الله عليه وسلم - (٣) . وإنَّما النَّومُ المُوجِبُ للوُضُوءِ ما غلبَ على القلبِ، أو خالطهُ.
-
وقد رُوِي عن أبي هريرةَ، قال: منِ استحقَّ النَّومَ، فعليه الوُضُوءُ (٤) . وأبو
vol. 11, p. 503هريرةَ هُو الرّاوِي للخبرِ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "إذا استيقظَ أحدُكُم من نَوْمِهِ، فلا يَغْمِس يَدهُ في وضُوئهِ" (١) .
-
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢) ، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: قال عطاءٌ: إذا ملككَ النَّومُ فتوضَّأ، قاعِدًا أو مُضطجِعًا.
-
وعن مَعمرٍ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، قال: لقد رأيتُ أصحابَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُوقَظُونَ للصَّلاةِ، وإنِّي لأسمَعُ لبعضِهِم غَطِيطًا، يعني وهُو جالِسٌ، وما يتوضَّأُ. قال معمرٌ: فحدَّثتُ به الزُّهرِيَّ، فقال رجُلٌ عِندَهُ: أو خطِيطًا. فقال الزُّهرِيُّ: لا، قد أصابَ، غَطِيطًا (٣) .
-
وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٤) ، عن عَبدِ الله بنِ عُمرَ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ: أنَّهُ كان ينامُ وهُو جالِسٌ فلا يتوضَّأُ، وإذا نامَ مُضطجِعًا أعادَ الوُضُوءَ.
-
وعن مَعمرٍ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عنِ ابنِ عُمرَ مِثلُهُ (٥) .
-
فهذا عبدُ الله بن عُمر قد فرَّقَ بين النَّوم جالِسًا، ومُضطجِعًا.
-
وعبدُ الرَّزّاقِ (٦) ، عنِ الثَّورِيِّ، عنِ الأعْمَشِ، عن ثابتِ بنِ عُبَيدٍ (٧) ، قال: انتهيتُ إلى ابنِ عُمر وهُو جالِسٌ ينتظِرُ الصَّلاةَ، فسلَّمتُ فاستيقَظَ، فقال: أثابتٌ؟ قلتُ: نعم، قال: أسلَّمتَ؟ قلتُ: نعَمْ، قال: إذا سلَّمتَ فأسمِع، وإذا ردُّوا عليكَ فليُسمِعُوكَ. قال: ثُمَّ قامَ فصلَّى، وكان محُتبِيًا قد نامَ.
- vol. 11, p. 504
وعبدُ الرَّزّاقِ (١) ، عنِ ابنِ جُريج، عن إبراهيم بنِ ميسرةَ، أنَّ طاوُوسًا رقدَ يومَ الجُمُعةِ، والضَّحّاكُ يخطُبُ النّاسَ، قال: فلمّا صلَّينا وخرَجْنا، قال: ما قالَ حِينَ رَقدتُ؟
-
فهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّ من نامَ جالِسًا، لا شيءَ عليه.
-
وقد تأوَّلَ بعضُهُم قولهُ - صلى الله عليه وسلم - في حديث هذا البابِ: "فإن أحدَكُم لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يدُهُ" ، أنَّ ذلك على نَوم اللَّيلِ، والمعرُوفُ منهُ في الأغلبِ الاضْطِجاعُ والاسْتِثقالُ، فعلى (٢) هذا خرجَ الحديثُ، واللهُ أعلمُ.
-
وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "فلا يَغْمِس يَدهُ في وَضُوئهِ" . فإنَّ أكثرَ أهلِ العِلم ذهَبُوا إلى أن ذلك منهُ نَدْبٌ لا إيجابٌ، وسُنّةٌ لا فرضٌ.
-
وكان مالكٌ رحِمهُ اللهُ يَسْتحِبُّ لكلِّ من أرادَ الوُضُوءَ، أن يغسِلَ يَدهُ قبلَ أن يُدخِلها الإناءَ، وسواءٌ كان على وُضُوءٍ، أو على غيرِ وُضُوء.
-
ولقد رَوَى عنهُ أشهبُ في ذلك تأكِيدًا واستِحبابًا.
-
ورَوَى ابنُ وَهْبٍ، وابنُ نافِع، عن مالكٍ في المُتوضِّئ يخرُجُ منهُ رِيحٌ بحدَثانِ وُضُوئهِ وَيدُهُ طاهِرةٌ، قال: يغسِلُ يدَهُ قبلَ أن يُدخِلها الإناءَ، أحبُّ إليَّ (٣) .
قال ابنُ وَهْبٍ: وقد كان قال لي قبل ذلك: إن كانت يدُهُ طاهِرةً، فلا بأسَ أن يُدخِلها في الوَضُوءِ قبل أن يَغسِلها. ثُمَّ قال لي: أحبُّ إليَّ أن يغسِلَ يَدهُ إذا أحدثَ، قبلَ أن يُدخِلها في وَضُوئهِ، وإن كانت يدُهُ طاهِرةً.
- vol. 11, p. 505
وذكر ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ، قال: منِ استيقظَ من نومِهِ، أو مسَّ فرجهُ، أو كان جُنُبًا، أوِ امرأةً حائضًا، فأدخلَ أحدُهُم يَدهُ في وَضُوئهِ، فليس ذلك يضُرُّهُ، إلّا أن تكونَ في يَدِهِ نَجاسةٌ، كان ذلك الماءُ قليلًا أو كثِيرًا، ولا يُدخِلُ أحدٌ منهُم يدَهُ في وَضُوئهِ حتَّى يَغْسِلها.
قال أبو عُمر: الفُقهاءُ على هذا، كلُّهُم يستحِبُّونَ ذلك، ويأمُرُونَ به، فإن أدخلَ يَدهُ أحدٌ بعدَ قِيامِهِ من نومِهِ في وَضُوئهِ قبلَ أن يَغسِلها، ويدُهُ نظِيفةٌ لا نَجاسةَ فيها، فليس عليه شيءٌ، ولا يضُرُّ ذلك وَضُوءَهُ، وعلى ذلك أكثرُ أهلِ العِلم، فإن كانت في يَدِهِ نجاسةٌ، نُظِر إلى الماءِ، ورجعَ كلُّ واحِدٍ من الفُقهاءِ حِينئذٍ إلى أصلِهِ في الماءِ، على ما قدَّمنا عنهُم، في بابِ إسحاقَ من كِتابِنا هذا.
-
وكان الحسنُ البَصرِيُّ، فيما رَوَى عنهُ أشعثُ يقولُ: إذا استيقظَ أحدُكُم من النَّوم، فغمسَ يدَهُ في الإناءِ قبلَ أن يَغسِلها، أهراقَ الماءَ (١) .