أبو الزناد عبد الله بن ذكوان

1,377 paragraphs · vol. 11, p. 287

Page 26 of 35

  1. واستدلَّ به داودُ وأصحابُهُ، على أنَّ الصَّلاةَ في الجَماعةِ فرضٌ على كلِّ أحَدٍ في خاصَّتِهِ، كالجُمُعةِ، وأنَّها لا تُجزِئُ المُنفرِدَ، إلّا أن يُصلِّيَها في المسجِدِ معَ الجَماعةِ، أو يُصلِّيَها بَعْدَ أن يَفرُغَ الجماعةُ في المسجِدِ مِنها، كقولِنا في الجُمُعةِ سَواءً. واحتُجَّ بقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاةَ لجارِ المسجِدِ إلّا في المَسْجِدِ" (١) .

    vol. 11, p. 578
  2. وهذا عِندَنا محمُولٌ على الكمالِ في الفَضْلِ، كما قال: "لا دِينَ لمن لا أمانةَ لهُ" (٢) . وقال: "لا يزني الزّاني حِينَ يَزْني وهُو مُؤمِنٌ" ((٣) . أي: مُستكمِلٌ الإيمانَ.

  3. واحتجَّ أيضًا بحديثٍ عِتْبان بنِ مالكٍ وعَمرِو ابن أُمِّ مَكتُوم، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهما، أو لأحَدِهِما: "هل تَسْمعُ النِّداءَ؟ " ، قال: نعَمْ، قال: "ما أجِدُ لكَ رُخْصةً" (١) . وهذا محمُولٌ عِندَنا على الجُمُعةِ.

    واحتجَّ بحديثِ هذا البابِ قولِه: "لقد هَمَمتُ أن آمُرَ بحطَبٍ فيُحطَبَ ... " الحديثَ.

    قال: ومُحالٌ أن يُحرِقَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بُيُوتَ قوم، إلّا على تَركِ الواجِبِ. وهذا عِندَنا على أنَّ شُهُودَ الجَماعةِ من السُّننِ المُؤَكَّدةِ، التي تجِبُ عُقُوبةُ مَن أدمنَ التَّخلُّفَ عنها من غَيرِ عُذْرٍ.

    vol. 11, p. 579
  4. وقد أوجَبَها جَماعةٌ من أهلِ العِلم، فرضًا على الكِفايةِ. وهُو قولٌ حسنٌ صحِيحٌ، لإجماعِهِم على أنَّهُ لا يجُوزُ أن يُجتمَعَ على تَعطِيلِ المساجِدِ كلِّها من الجماعاتِ، فإذا قامَتِ الجماعةُ في المسجِدِ، فصلاةُ المُنفرِدِ في بيتهِ جائزةٌ، لقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "صلاةُ الجماعةِ تَفضلُ صلاةَ الفذِّ بخَمسٍ وعِشرِينَ دَرجةً" (٢) . ففي هذا الحديثِ جوازُ صلاةِ المُنفرِدِ، والخبرُ بأنَّ صلاةَ الجماعةِ أفْضَلُ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا وجدَ أحدُهُمُ الغائطَ، فليَبْدأْ به قبلَ الصَّلاةِ" (٣) . وقال: "إذا حَضَرتِ الصَّلاةُ والعَشاءُ، فابدؤُوا بالعَشاءِ" (٤) . وقال: "ألا صَلُّوا في الرِّحالِ" (٥) ، في المطَرِ.

  5. وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّ الجماعةَ ليست بفرِيضةٍ، وإنَّما هِي فضِيلةٌ، وقد ذكَرْنا هذه الآثارَ بأسانِيدِها في غيرِ موضِع من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.

    vol. 11, p. 580
  6. وقد قِيل: إنَّ معنى حديثِ هذا البابِ، إنَّما هُو في الجُمُعةِ لا في غيرِها من الصَّلواتِ الخمسِ في الجماعةِ.

  7. واستدلَّ القائلونَ بذلك، بما رواهُ معمرٌ وغيرُهُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ الله بنِ مسعُودٍ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد هممتُ أن آمُرَ رجُلًا يُصلِّي بالنّاسِ، ثُمَّ أنطلِقَ فأُحرِّقَ على قَوم بُيُوتَهُم، لا يشهدُونَ الجُمُعةَ" (١) .

  8. وقد جاءَ عنِ ابنِ مسعُودٍ في الصَّلواتِ الخمسِ غيرُ هذا، وترتِيبُ الآثارِ عنهُ في ذلك على فرْضِ الجُمُعةِ، وتأكِيدِ فضلِ الجَماعةِ، واللهُ أعلمُ.

  9. ويحتمِلُ أن يكونَ حديثُ ابنِ مسعُودٍ، مُفسِّرًا لحديثِ أبي هريرةَ، حديثِ هذا البابِ، فيكونَ قولُهُ في حديثِ هذا البابِ: "ثُمَّ آمُرَ بالصَّلاةِ فيُؤَذَّنَ لها" . أي: صلاةِ الجُمُعةِ.

  10. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٢) : حدَّثنا الفَضْلُ بن دُكَينٍ، عن زُهَيرٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ سمِعهُ منهُ، عن عبدِ الله، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -

    vol. 11, p. 581قال: لقوم (١) يتخلَّفُونَ عنِ الجُمُعةِ: "لقد هَممتُ أن امُرَ رجُلًا يُصلِّي بالنّاسِ، ثُمَّ أُحرِّق على قوم يَتخلَّفُونَ عنِ الجُمُعةِ بُيُوتهم" . وهذا بيِّنٌ في الجُمُعةِ.

  11. وأمّا التَّأكِيدُ في النَّدبِ إلى الجماعاتِ في الصَّلواتِ الخَمسِ؛ فأخبَرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاوِيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢) : أخبَرنا سُوَيدُ بن نصرٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الله بن المُباركِ، عنِ المسعُودِيِّ، عن عليِّ بنِ الأقمرِ، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ الله، أنَّهُ كان يقولُ: من سرَّهُ أن يَلْقَى اللهَ غدًا مُسلِمًا، فليُحافِظْ على هؤلاءِ الصَّلواتِ الخَمْسِ حَيْثُ يُنادَى بهنَّ، فإنَّ اللهَ شرَعَ لنبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - سُنَنَ الهُدى، وإنَّهُنَّ من سُنَنِ الهُدَى، وإنِّي لا أحسبُ مِنكُم أحدًا إَلّا لَهُ مَسْجِدٌ يُصلِّي فيه في بيتهِ، فلو صَلَّيتُم في بُيُوتِكُم، وتَرَكتُم مَساجِدكُم، تركتُم سُنّةَ نبِيِّكُم، ولو تَركتُم سُنّةَ نبِيَكم لضَلَلتُم. وذكر تمامَ الحديثِ.

  12. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا هارُونُ بن عبّادٍ الأزْدِيُّ، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، عنِ المسعُودِيِّ. فذَكَرهُ بإسنادِهِ مِثلهُ.

  13. وأخبَرنا سعِيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الله العَبْسِيُّ الكُوفيُّ، قال: حدَّثنا جَعفرُ بن عَوْنٍ، عن إبراهيمَ الهَجَرِيِّ، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ الله، قال: عليكُم بالصَّلواتِ

    vol. 11, p. 582الخَمْسِ حيثُ يُنادى بهنَّ، فإنَّها من سُنَّةِ نبِيِّكُم، ولو تركتُم سُنّةَ نبِيِّكُم لضللتُم، ولقد عَهِدتُنا وإنَّ الرَّجُل ليُهادَى بين الرَّجُلينِ، حتَّى يُقامَ في الصَّفِّ، ولقد رأيتُنا وما يَتَخلَّفُ عنها إلّا مُنافِقٌ مَعلُومٌ نِفاقُهُ (١) .

  14. فقد صرَّحت هذه الآثارُ عنِ ابنِ مسعُودٍ، بأنَّ شُهُودَ الجماعةِ سُنَّةٌ، ومن تَدبَّرها علِمَ أنَّها واجِبةٌ على الكِفايةِ، واللهُ أعلمُ.

  15. وعبدُ الله بن مَسْعُودٍ أحدُ الذين روَوْا عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "فضلُ الجميع (٢) على صلاةِ الفذِّ خمسٌ وعِشرُونَ دَرَجةً" (٣) .

  16. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) : حدَّثنا أحمدُ بن يُوُنس، قال: حدَّثنا زائدةُ، قال: حدَّثنا السّائبُ بن حُبَيشٍ، عن مَعْدانَ بنِ أبي طَلْحةَ اليَعْمُرِيِّ، عن أبي الدَّرداءِ، قال: سمِعتُ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "ما من ثلاثةٍ في قَرْيةٍ ولا بدوٍ لا تُقامُ فيهمُ الصَّلاةُ، إلّا قدِ اسْتَحوذَ عليهمُ الشَّيطانُ، فعليكَ بالجَماعةِ، فإنَّما يأكُلُ الذِّئبُ القاصِيةَ" . قال زائدةُ: قال السّائبُ: يعني (٥) : الجماعةَ.

  17. ورَواهُ ابنُ المُباركِ (١) ، عن زائدةَ بإسنادِهِ مِثلهُ سواءً. وقال: زائدةُ: قال السّائبُ: يعني بالجماعةِ، الصَّلاةَ في الجماعةِ.

    vol. 11, p. 583
  18. وأمّا قولُهُ: "والذي نفسِي بيد، لو يعلمُ أنَّهُ يجِدُ عظمًا سَمِينًا، أو مِرماتَينِ حَسَنتينِ، لشهِدَ العِشاءَ" .

  19. فهذا تَوْبِيخٌ منهُ لمن تأخَّر عن شُهُودِ العِشاءِ مَعهُ، وتَقْرِيعٌ وذمٌّ صَرِيحٌ، وعيبٌ (٢) صحِيحٌ، إذ أضافَ إليهم أنَّ أحدَهُم لو علِمَ أَنَّهُ يجِدُ من الدُّنيا العَرَض القليل، والتّافِهَ الحقِير، والنَّزرَ اليَسِير في المسجِدِ، لقَصَدهُ من أجلِ ذلك، وهُو يَتَخلَّفُ عنِ الصَّلاةِ فيه (٣) ، ولها من الأجرِ العَظِيم، والثَّوابِ الجَسِيم ما لا خَفاءَ به على مُؤمِنٍ، والحمدُ لله، وكَفَى بهذا توبِيخًا في أثرَةِ الطَّعام واللعب على شُهُودِ الصَّلاةِ في جماعةٍ (٤) .

  20. وهذا منهُ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما كان قصدًا إلى المُنافِقِينَ، وإشارةً إليهم، ألا ترى إلى قولِ ابنِ مسعُودٍ: ولقد رأيتُنا في ذلك الوَقْتِ، وما يتأخَّرُ عنها إلّا مُنافِقٌ مَعلُومٌ نِفاقُهُ؟ وما أظُنُّ أحدًا من أصحابه، الذين هُم أصحابُهُ حقًّا، كان يتخلَّفُ عنهُ، إلّا لعُذرٍ بيِّنٍ، هذا ما لا يشُكُّ فيه مُسلِم إن شاءَ الله.

  21. وضرَبَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالعَظْم السَّمِينِ، يُرِيدُ بُضْعةَ اللَّحم السَّمِينِ على عَظْمةٍ، المثلَ في التَّفاهةِ، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يُرِيدُ الشَّيءَ الكثِير، لم يُرِدِ القِنطارَ بعينِهِ. {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ} يُرِيدُ الشَّيءَ الحقِيرَ القليل، ولم يُرِدِ الدِّينارَ بعينِهِ. {لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: ٧٥] .

  22. وأمّا "المِرماتانِ" فقِيل: هُما السَّهمانِ. وقِيل: هُما حَدِيدتانِ من حَدائدَ، كانوا يلعبُونَ بها، وهي مُلسٌ كالأسِنَّةِ، كانوا يُثبِّتُونها في الأكوام والأغراضِ (١) . ويُقالُ لها، فيما زعمَ بعضُهُم: المداحي (٢) .

    وقال أبو عُبَيدٍ (٣) : يُقالُ: إنَّ المِرماةَ، ما بينَ ظِلْفيِ الشّاةِ. قال: وهذا حرفٌ لا أدرِي ما وجهُهُ، إلّا أنَّ هذا تفسِيرُهُ.

    vol. 11, p. 584
  23. ويُروى: المِرماتينِ بكسرِ المِيم وبفتحِها، واحِدُها مِرماةٌ، مِثل مِدْحاةٍ. ذكر ذلك الأخفشُ وغيرُهُ.

  24. حديثٌ سادسُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذي نَفْسِي بيد، لَوَدِدتُ أنِّي أُقاتِلُ في سبِيلِ الله فأُقتَلُ، ثُمَّ أحيا فأُقتَلُ، ثُمَّ أحيا فأُقتَلُ فكان أبو هريرةَ يقولُ ثلاثًا: أشهدُ لله" .

    vol. 11, p. 585
  25. في هذا الحديثِ إباحةُ اليمِينِ بالله على كلِّ ما يعتقِدُهُ المرءُ (٢) مِمّا يُحتاجُ فيه إلى يمِينٍ، ومِمّا لا يُحتاجُ إليها، ليس بذلك بأسٌ على كلِّ حالٍ، بدليلِ هذا الحديثِ؛ لأنَّ في اليمِينِ بالله توحِيدًا وتَعْظِيمًا، وإنَّما يُكرهُ الحِنْثُ والاستِخفافُ.

  26. وفيه إباحةُ تمنِّي الخيرِ والفَضْلِ من رحمةِ الله بما يُمكِنُ، وما لا يُمكِنُ.

  27. وهذا الحديثُ إنَّما مَعناهُ الذي من أجلِهِ خرجَ فضلُ الجِهادِ، وفضلُ القَتْلِ في سبِيلِ الله، وفَضْلُ الشَّهادةِ، وقد عَلِمنا أنَّ ذلك لا يُحِيطُ به كِتابٌ، فكيفَ أن يُجمع في بابٍ، والله المُوفِّقُ للصَّوابِ.

  28. حديثٌ سابعُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تَكفَّلَ اللهُ لمن جاهدَ في سَبِيلِهِ، لا يُخرِجُهُ من بيتِهِ إلّا الجِهادُ في سَبِيلِهِ، وتَصدِيقُ كلِماتِهِ، أن يُدخِلهُ الجنّةَ، أو يرُدَّهُ إلى مَسْكنِهِ الذي خرجَ منهُ، مع ما نالَ من أجْرٍ أو غَنِيمةٍ" .

    vol. 11, p. 586
  29. وفي هذا الحديثِ أيضًا أصلٌ عَظِيمٌ، وفضلٌ جسِيمٌ للمُجاهِدِ في سبِيلِ الله.

  30. وفيه: دليلٌ على أنَّ الأعمالَ لا يَزْكُو مِنها إلّا ما (٢) صَحِبتهُ النِّيَّةُ والإخلاصُ لله عزَّ وجلَّ، والإيمانُ به.

  31. وفي هذا الحديث: دليلٌ على أنَّ الغَنِيمةَ لا تُنقِصُ من أجرِ المُجاهِدِ شيئًا، وأنَّ المُجاهِد وافِرُ الأجْرِ، غنِمَ أو لم يَغْنم.

  32. ويَعضُدُ هذا ويَشْهدُ لهُ، ما اجتمَعَ على نقلِهِ أهلُ السِّيرِ والعِلم بالأثرِ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ضرَبَ لعُثمانَ، وطَلْحةَ، وسَعِيدِ بنِ زيدٍ بأسْهُمِهِم يومَ بَدْرٍ، وهُم غيرُ حاضِرِي القِتالِ، فقال كلُّ واحِدٍ منهُم: وأجْرِي يا رسُولَ الله، قال: "وأجْرُكَ" (٣) .

  33. وأجمعُوا أنَّ تحليلَ الغنائم لهذه الأُمَّةِ من فضائلِها.

    وقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لم تحِلَّ الغَنائمُ لقوم سُودِ الرُّؤُوسِ قبلَكُم" (٤) .

    vol. 11, p. 587وقال - صلى الله عليه وسلم -: "فُضِّلتُ بخِصالٍ ... " وذكر مِنها: "وأُحِلَّت لي الغَنائمُ" (١) . ولو كانت تُحبِطُ الأجرَ أو تُنقِصُهُ، ما كانت فضِيلةً لهُ.

  34. وقد ظنَّ قومٌ أنَّ الغَنِيمةَ تُنقِصُ من أجرِ الغانِمِينَ، لحديثٍ رَوَوهُ عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "ما من سَرِيَّةٍ أسْرَتْ فأخْفَقَتْ، إلّا كُتِبَ لها أجْرُها مرَّتينِ" (٢) . قالوا: وفي هذا الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّ العسكرَ إذا لم يغنمْ كان أعظمَ لأجرِهِ، واللهُ أعلمُ.

  35. واحْتَجُّوا أيضًا بما حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا أبو عَبدِ الرَّحمنِ المُقرِئُ، قال: حدَّثنا حَيْوةُ، عن أبي هانِئٍ حُميدِ بنِ هانِئٍ الخَوْلانيِّ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ الحُبُلِيِّ، عن عبدِ الله بنِ عَمرِو بنِ العاصِ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من غازِيةٍ تَغزُو في سبِيلِ الله، فتُصِيبُ غَنِيمةً، إلّا تَعجَّلوا ثُلُثَي أجْرِهِم من الآخِرةِ، وَيبْقَى لهمُ الثُّلُثُ، فإن لم يُصِيبُوا غَنِيمةً، تمَّ لهم أجرُهُم" (٣) .

  36. وهذا إنَّما فيه تعجِيلُ بعضِ الأجرِ، مع التَّسوِيةِ فيه للغانِم وغيرِ الغانِم، إلّا أنَّ الغانِمَ عُجِّلَ لهُ ثُلُثا أجرِهِ، وهُما مُسْتوِيانِ في جُملتِهِ، وقد عوَّضَ اللهُ من لم يَغْنمَ في الآخِرةِ، بمِقدارِ ما فاتَهُ من الغَنِيمةِ، واللهُ يُضاعِفُ لمن يَشاءُ، وهُو أفضلُ من رُجِيَ وتُوُكِّل عليه، لا إله إلّا هُو.

  37. حديثٌ ثامنُ ثلاثينَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يَضْحكُ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى رَجُلينِ، يَقتُلُ أحدُهُما الآخرَ، كِلاهُما يَدخُلُ الجنّةَ، يُقاتِلُ هذا في سبِيلِ الله فيُقتلُ، ثُمَّ يتُوبُ اللهُ على القاتِلِ، فيُقاتِلُ فيُسْتَشهدُ" .

    vol. 11, p. 588
  38. معنَى هذا الحديثِ عِندَ جماعةِ أهلِ العِلم، أنَّ القاتِلَ الأوَّل كان كافِرًا، وتَوْبتُهُ المذكُورةُ في هذا الحديثِ إسلامُهُ.

    قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: ٣٨] .

  39. وفي هذا الحديثِ دَليلٌ على أنَّ كلَّ من قُتِلَ في سبِيلِ الله، فهُو في الجنّةِ لا محَالةَ إن شاءَ الله.

  40. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، عن أبي العَجْفاءِ، عن عمرَ بنِ الخطابِ، فذكر حديثًا سَمِعهُ يقولُ: قال: وأُخرى تقُولُونها، يعني في مَغازِيكُم هذه لمن قُتِلَ: قُتِلَ فُلانٌ شهِيدًا، وماتَ فُلانٌ شهِيدًا، ولعلَّهُ أن يكون قَد أوقَرَ دَفَّتي راحِلتِهِ ذهبًا، أو وَرِقًا (٢) يَبْتغِي الدُّنيا، أو قال: التِّجارةَ، فلا تقُولوا ذاكُم، ولكنْ قُولوا كما قال النَّبيُّ عليه السَّلامُ: "من (٣) قُتِلَ في سبِيلِ الله أو ماتَ، فهُو في الجنّةِ" (٤) .