أبو الزناد عبد الله بن ذكوان

1,377 paragraphs · vol. 11, p. 287

Page 32 of 35

  1. ذكر ابنُ أبي شَيْبةَ، قال (٩) : أخبرنا ابنُ فُضَيل، عن أشْعَثَ، عن عِكرِمةَ، عن

    vol. 11, p. 648ابنِ عبّاسٍ - في قولِه: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} - قال: كان الرَّجُلُ إذا دَعا في الصَّلاةِ، رفَعَ صوتهُ، فنزلَتْ هذه الآيةُ.

    vol. 11, p. 647
  2. وكلُّ من رُوِي عنهُ أنَّها نزلت في القِراءةِ، فقد رُوِي عنهُ أنَّها نزلَتْ في الدُّعاءِ.

    قال أبو عُمر: هذا الحديثُ من أفْضَلِ ما يُروى في فَضلِ المُنتظِرِ للصَّلاةِ؛ لأنَّ الملائكةَ تَسْتغفِرُ لهُ، وفي استِغفارِها لهُ، دليلٌ على أنَّهُ يُغفرُ لهُ إن شاءَ الله، ألا تَرَى أنَّ طلبَ العِلْم من أفْضَلِ الأعمالِ، وإنَّما صار كذلك، واللّهُ أعلمُ، لأنَّ الملائكةَ تَضَعُ أجنِحتها لهُ بالدُّعاءِ والاستِغفارِ.

  3. وأمّا قولُ مالكٍ وتفسِيرُهُ: "ما لم يُحدِث" بأنَّهُ الحَدَثُ الذي ينقُضُ الوُضُوءَ. فقد خالَفهُ فيه غيرُهُ، وقال: هُو الكلامُ القَبِيحُ، والخوضُ فيما لا يصلُحُ من اللَّهوِ.

  4. والذي قالهُ مالكٌ هُو الصَّوابُ إن شاءَ الله؛ لأنَّ كلَّ من أحدَثَ وقعَدَ في المسجدِ، فليسَ بمُنتظِرٍ للصَّلاةِ، لأنَّهُ إنَّما يَنْتظِرُها من كان على وُضُوءٍ، وغيرُ نَكِيرٍ أن تترحَّمَ الملائكةُ على كلِّ مُنتظِرٍ للصَّلاةِ، وتدعُو لهُ بالمغفِرةِ والرَّحمةِ والتَّوفِيقِ والهِدايةِ، لفضلِ انتِظارِهِ للصَّلاةِ، إذا لم يحبِسْهُ غيرُها، على ما ذكَرْنا، إذا كان مُنتظِرًا للصَّلاةِ، لا يَمْنعُهُ أن ينصرِفَ إلى أهلِهِ إلّا الصَّلاةُ، وهذا أوْلَى بأن تَدْعُو لهُ الملائكةُ بالمغفِرةِ والرَّحمةِ، فرَحْمتُهُ وسِعَتْ كلَّ مؤمنٍ به (١) ، لا شرِيكَ لهُ.

  5. وقولُ مالكٍ يدُلُّ على أنَّ كلَّ من لم يُحدِث حَدَثًا ينقُضُ الوُضُوءَ، داخِلٌ في معنى هذا الحديثِ، وإن خاضَ في بعضِ ما يُخاضُ فيه من أخبارِ الدُّنيا، واللّهُ أعلمُ، إذا كان أصلُ عَقْدِهِ انتِظارَ الصَّلاةِ بعد الصَّلاةِ.

  6. حديثٌ تاسعُ أربعينَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يَعْقِدُ الشَّيطانُ على قافِيةِ رأسِ أحدِكُم إذا هُو نامَ ثلاث عُقَدٍ، يضرِبُ مكان كلِّ عُقْدةٍ: عليكَ ليلٌ طوِيلٌ فارقُد، فإنِ اسْتَيقظَ فذكر الله، انحلَّت عُقدةٌ، فإن تَوضَّأ انحلَّتْ عُقدةٌ، فإن صَلَّى انحلَّت عُقْدةٌ، فأصبَحَ نشِيطًا طيِّبَ النَّفسِ، وإلّا أصبَحَ خبِيثَ النَّفسِ كَسْلانَ" .

    vol. 11, p. 649
  7. هذا كما قال - صلى الله عليه وسلم -، واللّه أعلمُ كيف يَعقِدُ الشَّيطانُ عُقَدَه على (٢) رأسِ ابنِ آدم. وقيل: إنَّها كَعُقدِ السِّحرِ، من قولِ الله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: ٤] وهذا لا يَقِفُ على حَقِيقتِهِ أحَدٌ.

  8. والقافِيةُ: مُؤَخَّرُ الرَّأسِ، وهُو القَذالُ، وقافِيةُ كلِّ شيءٍ آخِرُهُ، ومنهُ قيل لنبِيِّنا - صلى الله عليه وسلم -: المُقفَّى؛ لأنَّهُ آخِرُ الأنبِياءِ، ومن هذا أُخِذَتْ قوافِي الشِّعرِ، لأنَّها أواخِرُ الأبيّاتِ.

  9. والمعنى عِندِي، واللّهُ أعلمُ، في هذا الحديثِ: أنَّ الشَّيطان يُنوِّمُ المرءَ، وَيزِيدُهُ ثِقلًا وكَسَلًا بسعيِهِ وما أُعطِي من الوَسْوسةِ، والقُدرر على الإغْواءِ والتَّضليلِ، وتزيِينِ الباطِلِ والعونِ عليه، إلّا عِبادَ الله المُخلَصِين.

  10. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ ذِكرَ الله يُطرَدُ به الشَّيطانُ.

  11. وكذلك الوُضُوءُ والصَّلاةُ، ويحتَمِلُ أن يكون الذِّكرُ: الوُضُوءَ والصَّلاةَ، لما فيهِما معنى الذِّكرِ، تُخَصَّ بهذا الفَضْلِ في طَرْدِ الشَّيطانِ، ويَحتملُ أن يكون كذلك سائرُ أعمالِ البِرِّ، واللّهُ أعلمُ.

  12. فمن قامَ من اللَّيلِ يُصلِّي انحلَّت عُقدُهُ، فإن لم يفعل أصبَحَ على ما قالَ - صلى الله عليه وسلم -، إلّا أَنَّهُ تنحلُّ عُقدُهُ بالوُضُوءِ للفرِيضةِ وصلاتِها، واللّهُ أعلمُ.

    vol. 11, p. 650
  13. وأمّا طردُ الشَّيطانِ بالتِّلاوةِ والذِّكرِ والأذانِ، فمُجتَمعٌ عليه، مَشهُورٌ في الآثارِ.

  14. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١) : أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا المُغِيرةُ بن مُسلِم، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دخَلَ الرَّجُلُ بيتَهُ، أو أوى إلى فِراشِهِ، ابتَدَرهُ مَلكٌ وشيطان، فيقولُ المَلَكُ: افتَحْ بخيرٍ، ويقولُ الشَّيطانُ: افتَحْ بشرٍّ، فإن ذكَرَ اللهَ طرَدَ المَلَكُ الشَّيطانَ وظَلَّ يَكْلَؤه وإن انتبَهَ من مَنامهِ قالا ذلك (٢) ، هُو قال: الحمدُ للّه الذي ردَّ إليَّ نَفْسِي بعدَ مَوْتِها، ولم يُمِتها في مَنامِها، الحمدُ للّه الذي: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} إلى آخِرِ الآيةِ [الحج: ٦٥] ، فإن هُو خرَّ من (٣) فِراشِهِ فماتَ، كان شهِيدًا، وإن قامَ فصَلَّى، صَلَّى في فضائلَ (٤) " .

  15. وروا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن حجّاج الصَّوّافِ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثلَهُ، إلّا أنَّهُ قالَ في آخِرِهِ: "فإن وقَعَ من سرِيرِهِ فماتَ، دخلَ الجنَّةَ" (٥) .

  16. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود (١) ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيم دُحيمٌ، قال: حدَّثنا الولِيدُ، قال: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، قال: حدَّثني عُمَيرُ بن هانئ، قال: حدَّثني جُنادةُ بن أبي أُميَّةَ، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من تَعارَّ من اللَّيلِ، فقالَ حِينَ يَسْتيقِظُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لا شرِيكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ، وهُو على كلِّ شيءٍ قدِير، سُبحانَ الله، والحمدُ لله، واللّه أكبرُ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلّا باللّه، ثُمَّ دَعا: ربِّ اغفِر لي، غُفِر لهُ" . قال الولِيدُ: أو قال: "دَعا، استُجِيبَ لهُ، فإن قامَ فصلَّى، قُبِلَتْ صَلاتُهُ" .

    vol. 11, p. 651
  17. وثبَتَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من وُجُوهٍ: أنَّهُ كان يقُومُ من اللَّيلِ، فيذكُرُ الله بأنواع من الذِّكرِ، ثُمَّ يَتَوضَّأُ ويُصلِّي.

  18. وفي هذا الحديثِ حضٌّ على قِيام اللَّيلِ؛ لأنَّ فيه أنَّهُ يُصبِحُ طيِّب النَّفسِ نَشِيطًا، بعدَ ذِكرِ الوُضُوءِ والصَّلاةِ.

  19. وقد زعمَ قومٌ، أنَّ في هذا الحديثِ ما يُعارِضُ قولَهُ - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقولنَّ أحدُكُم: خَبُثت نفسِي" . لقولِهِ في هذا الحديثِ: "وإلّا أصبَحَ خبِيثَ النَّفسِ" ، وليسَ ذلك عِندِي كذلك، لأنَّ النَّهيَ إنَّما وردَ عن إضافَةِ المرءِ ذلك إلى نفسِهِ،

    vol. 11, p. 652كراهِيةً لتِلك الكَلِمة، وتشاؤُمًا بها (١) إذا أضافها الإنسانُ إلى نفسِهِ، والحديثُ الثّاني إنَّما هُو خبرٌ عن حالِ من لم يذكُرِ اللهَ في ليله، ولا تَوضَّأ ولا صلَّى، أنَّه يُصبح (٢) خبِيثَ النَّفسِ، ذمًّا لفِعلِهِ، وعيبًا لهُ.

  20. ولِكلِّ واحِدٍ من الخَبَرينِ وجهٌ، فلا معنى أن يُجعلا مُتعارِضينِ؛ لأنَّ من شأنِ أهلِ العِلم، أن لا يجعلُوا شيئًا من القُرآنِ، ولا من السُّننِ، مُعارِضًا لشيءٍ مِنها، ما وجدُوا إلى اسْتِعمالِها وتخرِيج الوُجُوهِ لها سبِيلًا.

  21. والحديثُ حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو مُسلِم الكشِّيُّ، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن نُصَيرٍ (٣) ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ أبي عبدِ الله، عن هشام بن عُروةَ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يقولنَّ أحدُكُم: خَبُثَتْ نفسِي، ولكِنْ ليقُل: لَقِسَتْ نَفْسِي" (٤) .

  22. وحدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥) : أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيم. وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميدِيُّ،

    vol. 11, p. 653قالا: أخبرنا سُفيانُ، عن هشام بن عُروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقولنَّ أحدُكُم: خَبُثت نَفْسِي، ولكِن ليقُل: لَقِسَتْ نَفْسِي" .

  23. وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١) : أخبرنا محمدُ بن هشام، قال: أخبرنا عُمرُ بن عليٍّ، عن سُفيان بن حُسينٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقولنَّ أحدُكُم: خَبُثت نفسِي، ولكِن ليقُل: لقِسَتْ نَفْسِي" .

  24. هكذا رواهُ سُفيانُ بن حُسينٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ.

  25. ورواهُ يُونُسُ بن يزِيد وإسحاقُ بن راشِدٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي أُمامَةَ بن سَهْلِ بن حُنيفٍ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثلهُ سَواءً (٢) .

  26. ورواهُ ابنُ عُيينةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن أبي أُمامةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرسلًا (٣) .

    قال الخليلُ: لقِسَتْ نفسُهُ: إذا نازَعَتهُ إلى الشَّيءِ، وتَلاقسُوا: سبَّ بعضُهُم بعضًا.

  27. حديثٌ مُوَفِّي خمسينَ لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَقُلْ أحدُكُم إذا دَعا: اللَّهُمَّ اغْفِر لي إن شِئتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمني إن شِئتَ، ليعزِم المسألةَ، فإنَّهُ لا مُكْرِهَ لهُ" .

    vol. 11, p. 654
  28. هذا حديثٌ (٢) صحِيحٌ بيِّنٌ لا يَحتاجُ إلى تَفسِيرٍ، ولا إلى كلام وتأوِيل، لأَنَّهُ واضِحُ المعنى.

  29. ويَدخُلُ في معنَى قولِهِ: "اللَّهُمَّ اغْفِر لي إن شِئتَ (٣) ، وارحمني إن شِئتَ" كلُّ دعوةٍ، فلا يجُوزُ لأحَدٍ أن يقول: اللَّهُمَّ أعطِني كذا إن شِئتَ، وارحمني إن شئتَ وتجاوَزْ عنِّي، وهَبْ لي من الخَيرِ إن شِئتَ، من أمرِ الدِّينِ والدُّنيا، لنهيِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، ولأَنَّهُ كلامٌ مُستحِيلٌ لا وجهَ لهُ، لأَنَّهُ لا يفعلُ إلّا ما شاءَ، لا شرِيكَ لهُ.

  30. حديثٌ حادي خمسين لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يَتَعاقبُونَ فيكُم مَلائكةٌ باللَّيلِ، وملائكةٌ بالنَّهارِ، ويجتمِعُونَ في صلاةِ العَصْرِ، وصلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يعرُجُ الذين باتُوا فيكُم، فيسألُهُم، وهُو أعْلَمُ بهم: كيفَ تَرَكتُم عِبادِي؟ فيقولُونَ: تركناهُم يُصلُّونَ (٢) ، وأتيناهُم وهُم يُصلّونَ" .

    vol. 11, p. 655
  31. في هذا الحديثِ شُهُودُ الملائكةِ للصَّلواتِ، والأظهرُ أنَّ ذلك في الجماعاتِ، وقد يحتمِلُ الجماعاتِ وغيرَها.

  32. ومعنى: "يَتَعاقبُونَ" : تأتي طائفةٌ بإثرِ طائفةٍ، وبعدَها طائفةٌ (٣) ، وإنَّما يكونُ التَّعاقُبُ بينَ طائفتينِ، أو بينَ رجُلينِ، مرَّةً هذا، ومرَّةً هذا، ومنهُ قولُهُم: الأمِيرُ يُعْقِبُ البُعُوث، أي: يُرسِلُ هؤُلاءِ ندبًا (٤) شهرًا أو أشهُرًا، وهؤُلاءِ شهرًا أو أشهُرًا، ثُمَّ يرُدُّهُم، ويُعقِبُهُم بآخرِينَ، فهذا هُو التَّعاقُبُ.

  33. ومعنى هذا الحديثِ، أنَّ ملائكةَ النَّهارِ تنزِلُ في صلاةِ الصّبح، فيُحصُونَ على بني آدمَ، ويعرُجُ الذين باتُوا فيهِم ذلك الوقت، أي: يَصْعدُونَ، وكلُّ من صعِدَ في شيءٍ، فقد عرجَ، ولذلك قيلَ للدَّرج: المعارجُ، فإذا كانت صلاةُ العصرِ، نزلَتْ ملائكةُ اللَّيلِ مُعقبة (٥) فأحصَوْا علي بني آدمَ، وعرجَتْ ملائكةُ النَّهارِ، يَتَعاقبُونَ هكذا أبدًا، واللّه أعلمُ (٦) .

  34. وفي هذا الحديثِ أنَّهُم يجتمِعُونَ في صَلاةِ العصرِ وصلاةِ الفجرِ، وهُو أكملُ معنًى من الحديثِ الذي رُوِي: أنَّهُم يجتمِعُونَ في صلاةِ (١) الفجرِ خاصَّةً، وأظُنُّ من مالَ إلى هذه الرِّوايةِ، احتجَّ بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: ٧٨] .

    vol. 11, p. 656
  35. ومعنى {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} : القِراءةُ في صَلاةِ الفجرِ (٢) ؛ لأنَّ أهل العِلم قالوا في تأوِيلِ هذه الآيةِ: تَشْهدُهُ ملائكةُ اللَّيلِ ومَلائكةُ النَّهارِ، وليسَ في هذا دفع لاجتِماعِهِم في صلاةِ العَصْرِ، لأنَّ المسكُوتَ عنهُ، قد يكونُ في معنى المذكُورِ سَواءً، ويكونُ بخِلافِهِ، وهذا بابٌ من الأُصُولِ قد بيَّنّاهُ في غيرِ هذا الموضِع (٣) .

  36. ذكر بقِيُّ بن مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن وكِيع، قال: حدَّثنا جرِيرٌ، عن منصُورٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِهِ تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} . قال: صلاةُ الفجرِ يجتمِعُ فيها ملائكةُ اللَّيلِ، وملائكةُ النَّهارِ (٤) .

  37. وذكر ابنُ أبي شيبةَ، عن أبي أُسامةَ، عن زكرِيّا، عن أبي إسحاقَ، عن مسرُوقٍ مِثلهُ.

  38. وذكر ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ فُضيل، عن ضِرارِ بن مُرَّةَ، عن عبدِ الله بن أبي الهُذيلِ، عن أبي عُبيدةَ - في قولِهِ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} - قال: يَشْهدُهُ حرسُ اللَّيلِ، وحرسُ النَّهارِ من الملائكةِ في صَلاةِ الفجرِ (٥) .

  39. وذكر بَقِي بن مَخْلَد (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعفرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عَمرِو بن مُرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ الله، أَنَّهُ قال في هذه الآيةِ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} . قال: تداركَ الحَرَسانِ، اقرءُوا إن شِئتُم {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} . قال: تَنزِلُ ملائكةُ النَّهارِ، وتَصْعدُ ملائكةُ اللَّيلِ (٢) .

    قال أبو عُمر: قد يحتملُ أن يكون ذِكرُ قُرآنِ الفجرِ، من أجلِ الجَهْرِ؛ لأنَّ العصرَ لا قِراءةَ فيها تَظْهرُ، واللّهُ أعلم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "ويجتمِعُونَ في صَلاةِ العصرِ، وصلاةِ الفجرِ" (٣) . وهذا حديثٌ مُسندٌ صَحِيحٌ ثابتٌ، وهُو أولى من آراءِ الرِّجالِ، وألزمُ في الحُجَّةِ لمن قال به، واللّه المُستعانُ.

    vol. 11, p. 657
  40. حديثٌ ثاني خمسين لأبي الزِّنادِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، أن رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصِّيامُ جُنَّةٌ، فإذا كان أحدُكُم صائمًا، فلا يَرْفُثْ، ولا يَجْهل، فإنِ امرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتَمهُ، فليَقُل: إنِّي صائمٌ، إنِّي صائمٌ" .

    vol. 11, p. 658