إبراهيم بن عقبة

63 paragraphs · vol. 1, p. 258

Page 2 of 2

  1. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ البزّارُ (٢) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا يحيى البكّاءُ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، قال: قال عمرُ بنُ الخطّاب: تُكتَبُ للصَّغيرِ حسناتُه، ولا تُكتَبُ عليه سيِّئاتُه (٣) .

    vol. 1, p. 273
  2. واختلَف العلماءُ أيضًا في حَجِّ الصَّبيِّ؛ هل يُجزِئُه إذا بلَغ من حَجَّةِ الإسلام أم لا؟ فالذي عليه فقهاءُ الأمصارِ الذينَ (١) قدَّمنا ذِكْرَهم في هذا الباب، أنَّ ذلك لا يُجزِئُه إذا بلَغ من حجَّة الإسلام.

    vol. 1, p. 274
  3. ذكر أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ في كتابه في "شرح معاني الآثار" (٢) حديثَ إبراهيمَ بن عُقبةَ هذا عن كُريْب، عن ابنِ عباس، أنَّ امرأةً سألتِ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صبيٍّ: هل لهذا حَجٌّ؟ فقال: "نعم، ولكِ أجرٌ" . قال أبو جعفر: فذهَب قومٌ إلى أنَّ الصَّبيَّ إذا حَجَّ قبلَ بُلُوغِه، أجزأه من حَجّةِ الإسلام، ولم يكُنْ عليه أنْ يحُجَّ بعدَ بُلوغِه، واحتَجُّوا في ذلك بهذا الحديث.

    قال: وخالَفهم آخَرون، فقالوا: لا يُجزِئُه من حجةِ الإسلام، وعليه بعدَ بُلوغِه حجةٌ أخرى.

    قال: وكان من الحُجَّةِ لهم عندَنا على أهل المقالةِ الأولى أنَّ هذا الحديثَ إنّما فيه، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أخبَر أنَّ للصَّبيِّ حَجًّا، وهذا ممّا قد أجمعَ الناسُ عليه ولم يختلِفوا فيه؛ أنَّ للصَّبيِّ حَجًّا، وليس ذلك عليه بفريضة من جهةِ القياس؛ كما له صلاةٌ وليست الصلاةُ عليه بفريضة، فكذلك أيضًا قد يجوزُ أن يكونَ له حَجٌّ وليس الحجُّ عليه بفريضة، وإنّما هذا الحديثُ حُجَّةٌ على مَن زعَم أنَّه لا حَجَّ للصبيِّ، فأمّا مَن يقول: إنَّ له حَجًّا، وإنّه غيرُ فريضةٍ عليه. فلم يُخالِفْ شيئًا من هذا الحديث، وإنّما خالَف تأويلَ مخُالِفِه خاصّةً، وهذا ابنُ عباس هو الذي روَى هذا الحديثَ عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم قد صَرَفَ حَجَّ الصَّبيِّ إلى غير الفريضة، وأنّه لا يُجْزِئُه بعد بُلوغِه عن حجّةِ الإسلام، وقد زعَموا أنَّ مَن روَى حديثًا فهو أعلمُ بتأويلِه.

    vol. 1, p. 275قال (١) : أخبرنا محمدُ بنُ خُزيمة، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ رَجاء، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن أبي السَّفَر، قال: سمِعتُ ابنَ عباس يقول: أيُّما غُلام حَجَّ به أهلُه فماتَ فقد قَضى حجَّةَ الإسلام، فإنْ أدرَكَ فعليه الحَجُّ، وأيُّما عبدٍ حَجَّ به أهلُه فماتَ فقد قفَى حجَّةَ الإسلام، وإنْ عَتقَ فعليه الحَجُّ.

    قال (٢) : وحدَّثنا محمدُ بنُ خُزيمة، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلَمة، عن يونسَ بنِ عُبيد، عن عُبيدٍ (٣) صاحب الحُلَى (٤) ، قال: سألتُ ابنَ عبّاسٍ عن المَمْلوك إذا حَجَّ، ثم عَتقَ بعدَ ذلك؟ قال: عليه الحَجُّ. وعن الصَّبيِّ يَحُجُّ، ثم يحتَلِمُ؟ قال: يَحُجُّ أيضًا.

    قال أبو عُمر: على هذا جماعةُ الفقهاءِ بالأمصار، وأئمّةُ الأثَر، إلّا أنَّ داودَ بنَ عليٍّ خالفَ في المملوك، فقال: تجزِئُه عن حَجّةِ الإسلام، ولا تُجْزِئُ الصَّبيَّ. وفرَّق بينَ الصَّبيِّ والمملوك؛ لأنَّ المملوكَ مخاطَبٌ عندَه بالحَجِّ، فلَزِمَه فَرضُه، وليس الصَّبيُّ ممّنْ خوطِبَ به (٥) ؛ لقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رُفِعَ القلمُ عن الصَّبيِّ حتى يحتلِمَ" (٦) .

    vol. 1, p. 276قال أبو عمر (١) : وفي قولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رُفِعَ القلمُ عن الصَّبيِّ حتى يَحتَلِمَ" . دليلٌ واضح على أنَّ حَجَّ الصَّبيِّ تَطَوُّع، ولم يؤدِّ (٢) به فرضًا، لأنَّه محُالٌ أنْ يؤدِّيَ فرضًا مَن لم يَجبْ عليه الفرضُ، وأمّا المملوك، فهو عندَ جمهورِ العلماءِ خارجٌ من الخطاب العامِّ في قوله عزَّ وجلَّ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: ٩٧] . بدليل عدَم التَّصرُّف، وأنَّه ليس له أن يحُجَّ بغيرِ إذنِ سيِّدِه، كما خرَج من خطابِ الجُمُعة، وهو قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} الآيةَ [الجمعة: ٩] . عندَ عامّةِ العلماءِ إلّا مَن شَذَّ، وكما خرَج من خطابِ إيجابِ الشَّهادة؛ قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: ٢٨٢] ، فلم يَدخُلْ في ذلك العبدُ، وكما جازَ خروجُ الصَّبيِّ من قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} . وهو من الناس، بدليل رَفع القلم عنه، وخرجتِ المرأةُ من قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} ، وهي ممّن شَمِلَه اسمُ الإيمان، فكذلك خُروجُ العبدِ من الخطابِ المذكورِ بما ذكَرنا من الدَّليل، وهو قولُ فقهاء الحجاز، والعراق، والشَّام، والمغرب، ومثلُهم لا يجوزُ عليهم تحريفُ تأويل الكتاب البتَّة بحال.

  4. فإن قال قائلٌ ممن يرَى أنَّ حَجَّ الصَّبيِّ يُجزِئُ عنه إذا بلَغ: إنَّ الصَّبيَّ إنّما لم يجبْ عليه الحَجُّ لأنَّه ممّن لا يستطيعُ السَّبيلَ إليه، فإذا بُلِغَ به البيتُ وجَب عليه الحَجُّ، وأجزَأه، كسائرِ مَن لا يَلْزَمُه الحَجُّ من البالغين؛ لعدَم الاستِطاعة، فإذا وصَل إلى البيتِ لَزِمَه الحَجُّ، فإذا فعَلَه أجْزَأ عنه. قيل له: إنَّ الذي لا يَجدُ السَّبيلَ إلى الحَجِّ إنّما سقَط عنه الفرضُ لعَدَم الوُصولِ إلى البيت،

    vol. 1, p. 277فإذا وصَل إليه، تعيَّن عليه الفَرْضُ وارتفَعَتْ علَّتُه، وصار من الواجِدِين السَّبيل، فوجَب عليه الحَجُّ لذلك.

  5. وأما الصَّبيُّ ففَرْضُ الحَجِّ غيرُ واجبٍ عليه (١) ، كما لا تَجِبُ عليه الصَّلاةُ ولا الصِّيامُ، فهو قبلَ وُصولِه إلى البيتِ وبعدَ وُصولِه سواءٌ؛ لرَفْع القلم عنه، فإذا بلَغ الحُلُمَ فحينَئذٍ وجَب عليه الحَجُّ.

  6. أخبرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ (٢) ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا عفانُ بنُ مسلم. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو العباسِ محمدُ بنُ يونُسَ الكُدَيميُّ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عبادة، قالا جميعًا: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمة، عن عطاءِ بنِ السَّائب، عن أبي ظَبيان - قال في حديث عفّان: الجَنبيِّ. ثم اتَّفقا عن عليِّ بن أبي طالب، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "رُفِع القلمُ عن ثلاثة؛ عن النّائم حتى يستيقِظَ، وعن الصَّبيِّ حتى يبلُغَ، وعن المَجْنون حتّى يُفِيقَ" (٣) .

    قال يحيى بنُ معين (٤) : روايةُ حمّادِ بنِ سلمةَ عن عطاءِ بنِ السَّائبِ صَحيحَةٌ؛ لأنَّه سمِع منه قبلَ أن يتغيَّر، وكذلك سماعُ الثوريِّ وشعبةَ منه.

  7. وروى حمادُ بنُ سلمة، عن حمّادٍ، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة،

    vol. 1, p. 278أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "رُفِع القلمُ عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يَستيقظ، وعن المُبتلَى حتى يَبرَأ، وعن الصَّبيِّ حتى يَعقِلَ" (١) .

  8. وذكَر عبدُ الرَّزّاق، قال: أخبَر نا ابنُ جريجٍ، عن عطاء، قال: تَقضي حَجَّةُ الصغيرِ عنه، فإذا عقَل فعليه حَجَّةٌ واجبةٌ (٢) .

  9. وعن مَعْمَر، عن ابنِ طاووس، عن أبيه مثلَه (٣) .

  10. وذكَر الثَّوريُّ، عن أبي إسحاق، عن أبي السَّفَر، عن ابنِ عباسٍ مثلَ ما تقدَّمَ عنه من حديثِ الطَّحاويِّ في هذا الباب (٤) .

  11. وعن ابن عيينة، عن مُطرِّف، عن أبي السَّفَر، عن ابن عبّاس مثلَه (٥) .

  12. وعن الثوريِّ، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان، عن ابن عبّاسٍ مثلَه (٦) .

    vol. 1, p. 279قال أبو عُمر: لا خلافَ عَلِمتُه فيمَن شهِد مناسكَ الحَجِّ وهو لا يَنْوي حَجًّا ولا عُمرة، والقَلَمُ جارٍ عليه وله، أنَّ شُهودَها بغيرِ نيةٍ ولا قَصْدٍ غيرُ مُغْنٍ عنه، وخُصَّ الصَّبيُّ بما ذكَرنا، وإنْ لم يكُنْ له قَصْدٌ ولا نِيَّةٌ لِما وصَفنا.

  13. واختَلَف الفقهاءُ في المُراهقِ والعبد، يُحرِمان بالحَجِّ، ثم يَحتلِمُ هذا، ويعتِقُ هذا قبلَ الوقوفِ بعرفة.

    فقال مالكٌ وأصحابه (١) : لا سبيلَ إلى رفْضِ الإحرام لهذَين، ولا لأحد، ويتماديان على إحرامِهما، ولا يُجزِئُهما حَجُّهما عن حجةِ الإسلام.

    وقال أبو حنيفة وأصحابُه: إذا أحرَم بالحَجِّ مَن لم يبلُغْ من الغِلمان، ثم بلَغ قبلَ أن يقفَ بعرفة، فوقَف بها بعدَ بُلوغِه، لم يُجْزِئْه ذلك من حجةِ الإسلام، فإنْ جدَّد إحرامًا بعدَما بلَغ أجزأه (٢) .

    وقالوا: إن دخَل عبدٌ مع مولاه فلم يُحرِمْ من الميقات، ثم أذِن له فأحرَم من مكّةَ بالحَجِّ، فعليه الدَّمُ إذا أُعتِقَ لتَرْكِه الميقات، وليس ذلك (٣) على النصرانيِّ يُسلِم، ولا على الصَّبيِّ يَحتَلِمُ، لسُقوطِ الإحرام عنهما (٤) ، ويجبُ على السيِّد أن يأذَنَ لعبدِه في الحَجِّ إذا بلَغ معه، لأنَّ العبدَ لا يدخُلُ مكّةَ بغيرِ إحرام (٥) .

    vol. 1, p. 280وقال (١) أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا أحرَمَ الصبيُّ ثم بلَغ في حالِ إحرامِه، فإن جدَّد إحرامًا قبلَ وقوفِه بعرفَة أجزأه، وإنْ لم يجدِّدْ إحرامًا لم يجزئْه. قالوا: وأما العبدُ فلا يجزئُه من حجةِ الإسلام وإن جدَّد إحرامًا (٢) .

    قال أبو عُمر: إنما أوجَبوا الدمَ على العبد في تَرْكِه الميقاتَ على مذهبِهم؛ لأنه لا يجوزُ للعبدِ أن يدخُلَ مكةَ بغيرِ إحرام، وهو والحرُّ في ذلك سواء، وليس الصَّبيُّ ولا النصرانيُّ كذلك؛ لأنهما لا يلزَمُهما الإحرامُ لدخولِ مكة؛ لسقوطِ الفرضِ عن كلِّ واحدٍ منهما، الصبيُّ لصغرِه، والكافرُ لكفرِه، فإذا أسلمَ الكافرُ وبلَغ الصبيُّ بمكة، كان حكمُهما حكمَ المكيِّ ولا شيءَ عليهما في تركِ الميقات.

  14. وقال مالكٌ (٣) في النصرانيِّ يُسلِمُ عشيةَ عرفةَ فيحرِمُ بالحجِّ: يجزئُه حجُّه من فرضِه ولا دمَ عليه.

    قال أبو عُمر: هذا على أصلِه فيمن جاوزَ الميقاتَ وهو لا يريدُ الإحرام، ثم بدا له في الحجِّ فأحرم، أنه لا دمَ عليه، وإنما يلزَمُه الدمُ إذا أرادَ الحجَّ ولم يُحرِمْ من الميقات.

    وقال الثوريُّ: النصرانيُّ يسلِمُ بمكةَ هو بمنزلةِ المولودِ بمكة. قال: وأما العبدُ فيلزَمُه إن عَتقَ أن يخرُجَ إلى الميقات (٤) .

    vol. 1, p. 281وقال الشافعيُّ (١) : إذا أحرَمَ الصَّبيُّ، ثم بلَغ قبلَ الوُقوفِ بعرفَة، فوقَف بها مُحرِمًا، أجزَأه ذلك من حجةِ الإسلام، وكذلك العبدُ إذا أحرَم، ثم عَتقَ قبلَ الوُقوفِ بعرفة، فوقَف بها مُحرِمًا، أجزأه من حجةِ الإسلام، ولم يَحتَجْ إلى تجديدِ إحرام واحدٌ منهما.

    قال (٢) : ولو عَتقَ العبدُ بمزدلِفة، أو بلَغ الصَّبيُّ بها، فرجَعا إلى عرفةَ بعدَ العتقِ والبُلُوغِ فأدرَكا الوقوفَ بها قبلَ طلوع الفجر، أجزَأت عنهما من حجةِ الإسلام، ولم يكُنْ عليهما دَمٌ، ولو احتاطَا فأهْرَقا دمًا كان أحبَّ إليَّ. قال: وليس ذلك بالبَيِّن عندي.

    قال (٣) : فأمّا الغلامُ يبلُغُ والعبدُ يَعتِقُ والكافرُ يُسلِمُ بعرفةَ أو مزدلفةَ ولم يكنْ واحدٌ منهم أحرَم، ثم أحرَم بعدَ بلوغِه أو عِتقِه أو إسلامِه بمكةَ أو بعرفةَ أو بمزدلفة، فهؤلاء عليهم دمٌ واجبٌ لتركِ الميقات.

    قال أبو عُمر: قد قال بكُلِّ قولٍ من هذه الأقاويل الثلاثةِ جماعة من علماءِ التَّابعين وفُقهاءِ المسلمين، ومُراعاةُ عرفةَ بإدراكِ الوقوفِ بها ليلةَ النَّحْر قبلَ طلوع الفجرِ إجماعٌ من العلماء؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الحجُّ عرفاتٌ" (٤) . وسنذكُرُ هذا في

    vol. 1, p. 282بابِ ابنِ شهاب، عن سالم، ونذكُرُ هناك ما للعلماءِ من التَّنازع في كيفيّة فرضِ وقتِها، وأنّه لا حَجَّ لمن لم يَقفْ بها إن شاء اللَّه.

  15. فمِن حُجَّةِ مالكٍ ومَن قال بقوله: أمْرُ اللَّه عزَّ وجلَّ كلَّ مَن دخَل في حَجٍّ أو عمرةٍ بإتمام ما دخَل فيه؛ بقوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] .

  16. ومَن رَفَض إحرامَه فلم يُتِمَّ حَجَّه، ولا عُمْرَتَه.

  17. ومن حُجَّةِ أبي حنيفةَ أنَّ الحَجَّ الذي كان فيه لمّا لم يكُنْ يجْزِئُ عنه، ولم يكُنِ الفَرْضُ لازِمًا له حينَ أحرَمَ به، ثم لزِمه حينَ بلَغ، استحالَ أن يَشتغلَ عن فَرْضٍ قد تعيَّن عليه بنافلةٍ ويُعطِّلَ فرضَه، كمن دخَل في نافلةٍ وأُقيمَتْ عليه المكتوبة، وخشِيَ فوتَها، قطَع النافلةَ ودخَل في المكتوبة، واحتاجَ إلى الإحْرام عندَ أبي حنيفة؛ لأنَّ الحَجَّ عندَه مُفتَقِرٌ إلى النِّيَّةِ والإحرام، وهما من فرائضه عندَه.

  18. وأمّا الشافعيُّ فاحتجَّ بهذه الحُجَّةِ التي ذكَرناها لأبي حنيفة، واحتَجَّ في إسقاطِ تجديدِ النِّيَّةِ بأنّه جائز لكلِّ مَن نوَى بإهلالِه الإحرام، أن يصرِفَه إلى ما شاء من حَجٍّ أو عُمرة، بحديثِ عليٍّ؛ إذ قال له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ أقبَل من اليَمنِ مُهِلًّا بالحَجِّ: "بمَ أهلَلتَ؟ " . قال: قلت: لبيكَ اللهُمَّ بإهلالٍ كإهلالِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. فقال له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإنِّي أهللتُ بالحَجِّ وسُقتُ الهَديَ" . ولم يُنكِرْ عليه رسولُ اللَّه مقالتَه، ولا أمَره بتجديدِ نيّةٍ لإفرادٍ، أو قِرانٍ، أو مُتعَة.

  19. وذكَر البخاريُّ، قال (١) : حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ المفضَّل، عن حُميد، قال: حدَّثنا بكرٌ أنّه ذَكَرَ لابنِ عمرَ أنَّ أنسًا حدَّثهم أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أهَلَّ بعُمرةٍ وحجة، فقال: أهَلَّ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالحَجِّ، وأهلَلْنا به، فلمّا قَدِمنا مكة، قال:

    vol. 1, p. 283"مَن لم يكنْ معه هَدْيٌ، فليَجعَلْها عُمرةً" . وكان مع النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- هديٌ، فقدِم علينا عليُّ بنُ أبي طالب من اليَمَن حاجًّا، فقال له النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بمَ أهلَلْتَ؛ فإنَّ معنا أهْلَك؟ " . فقال: أهْلَلْتُ بما أهلَّ به النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال: "فأمسِكْ، فإنَّ معنا هَديًا" .

    قال البخاريُّ (١) : وحدَّثنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيم، عن ابنِ جُريج، عن عطاء، عن جابرٍ، قال: أمَر النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عليًّا أن يُقيمَ على إحْرامِه. قال جابر: وقَدِم عليٌّ من سِعايَتِه، فقال له النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بمَ أهْلَلْتَ يا عليُّ؟ " . قال: بما أهَلَّ به النبيُّ. قال: "فأهْدِ، وامكُثْ حَرامًا كما أنتَ" .

  20. وحديثُ أبي موسى عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بمثلِ معنَى حديثِ عليٍّ عنه في ذلك سواءٌ، وكلاهُما حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ.

  21. ذكر البخاريُّ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلم، عن طارقِ بنِ شهاب، عن أبي موسى، قال: بعَثني النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى قَوْمي (٣) باليَمَن، فجِئْتُ وهو بالبَطحاء، فقال: "بمَ أهْلَلْتَ؟ " . قلتُ: أهْلَلْتُ بإهلالِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال: "هل معك هَدْيٌ؟ " . قلتُ: لا. وذكَر الحديث.

  22. ففي هذين الحديثَيْن أنَّ عليًّا وأبا موسى لم يَنوِيا شيئًا مُعيَّنًا من حَجٍّ مُفرَد، ولا عمرة، ولا قِرَان، وإنّما أهلّا مُحْرِمَيْن، وعلَّقا النَّيَّة في عَمَلِهما بما نَواه وعَمِلَه

    vol. 1, p. 284غيرُهما؛ وهو رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدلَّ ذلك، واللَّهُ أعلمُ، على أنَّ النِّيَّةَ في الإحرام بالحَجِّ ليس كالنِّيَّة في الإحرام بالصلاة، ألا تَرى أنَّ الدُّخولَ في الصلاةِ مُفتقِرٌ إلى القولِ والنِّيَّة جميعًا، وهو التَّكبيرُ واعتقادُ تعيينِ الصلاةِ بعينِها؟ وليس الحجُّ كذلك، لأنَّه يَصِحُّ عندَهم بالنِّيَّة دونَ التَّلبية، ألا تَرى أنَّ الحَجَّ قد يُدخَلُ فيه بغيرِ التَّلبيةِ من الأعمال، مثلَ إشعارِ الهَدي، والتَّوجُّهِ نحوَ البيتِ إذا نَوى بذلك الإحرام؟ ومثلَ أن يقول: قد أحرَمتُ بالحَجِّ، أو بالعُمرة، أو نحوَ ذلك، ولا يصِحُّ الإحرامُ في الصَّلاة إلّا بالتكبير، فلهذا جازَ نقلُ الإحرام في الحَجِّ من شيءٍ إلى مثلِه، ويُصحِّحُ ذلك قولُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن لم يكنْ معه هَديٌ، فلْيجعَلْها عُمرة" . فأجازَ أنْ يدخُلَ فيه بوجهٍ ويصرِفَه إلى غيرِه، ولهذا قال: إنّه يدخُلُ فيه الصغير، ثم يبلُغُ فيَبني على ذلك في عملِه، إذا صَحَّ له الوقوفُ بعرفة؛ لأنَّه أصلُ الحَجِّ الذي يُبنَى عليه ما سِواه منه، والكلامُ في هذه المسألةِ يطول، وفيما لوَّحنا به مَقنَعٌ إن شاء اللَّه.

  23. وقد ذكَر الربيعُ في كتاب البُوَيطيِّ، عن الشّافعيِّ، قال: ولو لبَّى رجلٌ ولم يَنْوِ حَجًّا ولا عُمرةً، لم يكُنْ حاجًّا ولا معتمِرًا، ولو نَوَى ولم يُحرِمْ حتى قضَى المناسك، كان حَجُّه تامًّا (١) . واحتَجَّ بحديثِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الأعمالُ بالنِّيَّة" (٢) .

    قال: ومَن فعَل مثلَ فِعْل عليٍّ رضي اللَّه عنه حينَ أهَلَّ على إهلالِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أجزأتْه تلكَ النِّيَّة؛ لأنَّها وقَعَت على نِيَّةٍ لغيره قد تقدَّمت.

    vol. 1, p. 285قال أبو عُمر: فإن لم يكُنِ العبدُ أحرَم، ولا الصَّبيُّ، أو كان ذِمِّيٌّ دخَل مكةَ وهو كَرِيٌّ لبعضِ الحاجّ (١) ، فرُزِق الإسلام، فأسلَم وهو بعرفة، أو بمكةَ قبلَ عرفة، فإنَّه يُحرِمُ بالحَجِّ إن أراد الحَجَّ من مكة، أو بعرفة، فإن أدرَك الوقوفَ بعرفةَ قبلَ طُلوع الفجرِ من ليلةِ النَّحْر، فقد أدرَك الحَجَّ، ويُجْزِئُه ذلك من حجةِ الإسلام، ولا دَمَ عليه في قولِ مالك.

    وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: عليه دَمٌ لتَرْكِ الميقاتِ وحَجُّه تامٌّ (٢) . وسيأتي القولُ في النِّيَّةِ بالحَجِّ عندَ ذِكْرِ التلبيةِ به في حديثِ نافع (٣) ، عن ابنِ عُمرَ، من كتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه عزَّ وجلَّ.