حميد الطويل

193 paragraphs · vol. 2, p. 173

Page 2 of 5

  1. أخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَكْرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا زُهَيْرُ بن حَرْب، قال: أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الله الأسَديُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفر الرَّازيُّ، عن الرَّبيع بن أنس، عن جَدَّيْه (٢) ، قالا: سَمِعْنا أبا موسى يقولُ: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَقْبَلُ اللهُ صلاةَ رجل في جَسَدِه شيءٌ من خَلُوقٍ" .

    vol. 2, p. 190
  2. وروَى يَحْيَى بن يَعْمَرَ، عن عَمّار بن ياسِرٍ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال له وقد رأى عليه خَلُوقَ زَعْفَرانٍ قد خَلَّقَه به أهْلُه فقال له: "اذْهَبْ فاغْسِلْ هذا عنكَ، فإنّ الملائكةَ لا تَحْضُرُ جَنازةَ الكافرِ، ولا المتَضَمِّخَ بِالزَّعْفَرَانِ، ولا الجُنُبَ" . ورخَّصَ للجُنُبِ في أنْ يتَوَضَّأ إذا أرادَ النومَ (٣) .

  3. ولم يَسْمَعْه يَحْيَى بنُ يَعْمَرَ من عَمَّار بن ياسرٍ، بينَهما رَجُلٌ (٤) .

  4. وروَاه الحَسَنُ بن أبي الحَسَن، عن عَمَّار أيضًا - ولم يَسْمَعْ منه - أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثةٌ لا تقربُهم الملائكةُ: جيفةُ الكافرِ، والمتَضَمِّخُ بالخَلُوقِ، والجُنُبُ إلّا أن يتَوَضَّأ". ذكَرَ حديثَ عَمَّارٍ أبو داودَ (٥) وغيرُه.

  5. وذكروا أيضًا حديثَ الوليدِ بن عُقْبَةَ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ كان يُؤْتَى بالصِّبيانِ، فيمْسَحُ رُؤُوسَهم، ويَدْعُو لهم بالبركةِ، قال: فجِيءَ بي إليه وأنا مُخَلَّقٌ، فلم يَمَسَّنِي من أجلِ الخَلُوقِ (١) .

    vol. 2, p. 191
  6. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ الله بن حَكِيم، عن يوسفَ بن صُهَيْب، عن ابن بُرَيْدَةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاثةٌ لا تَقْرَبُهم الملائكةُ: المُتخَلِّقُ، والسَّكْرَانُ، والجُنُبُ" (٢) .

    قال أبو عُمر: عبدُ الله بن حَكِيمٍ هو أبو بكرٍ الداهِرِيُّ، مَدَنِيٌّ، مُجْتَمَعٌ على ضَعْفِه (٣) .

  7. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البَرْتِيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا عَطَاءُ بن السَّائِبِ، قال: حدَّثني يَعْلَى بن مُرَّةَ - هكذا في كتابِ قاسِمٍ - وقد حدَّثنا عبدُ الوارِثِ في ذلك الكتابِ، قال: حدَّثنا قاسِمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيْرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا يَحْيَى بن أبي بُكيرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن عَطَاءِ بن السَّائبِ، قال: سمعتُ رجلًا من آلِ أبي عَقيلٍ يُكْنَى أبا حَفْصِ بن عَمْرٍو،

    vol. 2, p. 192عن يَعْلَى بن مُرَّةَ أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رَآو مُتَخَلِّقًا فقال: "ألكَ امرأةٌ" " قال: قلتُ: لا. قال: " اذْهَبْ فاغْسِلْه عنك، ثم اغْسِلْه، ثم اغْسِلْه". قال: فذَهَبْتُ، فغَسَلتُه، ثم غسَلْتُه، ثم غسَلْتُه، ثم لم أعُدْ حتى السَّاعَةَ (١) .

    قال أبو عُمر: هذا هو الصَّوابُ، وأمّا عَطاءُ بن السَّائبِ، فلم يَسْمَعْ من يَعْلَى بن مُرَّةَ.

  8. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكير (٢) ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا مَخْلَدُ بن خالِدٍ، قال: حدَّثنا روحٌ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أبي عَرُوبَةَ،

    vol. 2, p. 193عن قتادةَ، عن الحَسَنِ، عن عِمْرانَ بن حُصيْنٍ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا أرْكَبُ الأُرْجُوَانَ، ولا ألْبَسُ المُعَصفَرَ، ولا ألْبَسُ القَمِيصَ المُكَفَّفَ بالحَرِيرِ" . قال: وأوْمَأ الحسنُ إلى جَيْبِ قَمِيصِه. قال: وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا وطِيبُ الرِّجالِ رِيحٌ لا لَوْنَ له، ألا وطِيبُ النساءِ لَوْنٌ لا رِيحَ له" . قال سعيدٌ: أُرَاه قال: إنّما حمَلُوا قولَه في طِيبِ النساءِ على أنَّها إذا أرادَتْ أنْ تخْرُجَ، فأمّا إذا كانت عندَ زوجِها، فلْتَطيَّبْ بما شاءَتْ.

    قال أبو عُمر: احْتَجَّ بحديثِ عِمْرانَ بن حُصيْنٍ هذا مَن كَرِهَ الخَلُوقَ للرِّجَالِ؛ لأنَّ لوْنَه ظاهِرٌ.

  9. فهذا ما بَلَغَنا في الخَلُوقِ للرِّجَالِ من الآثارِ المَرْفُوعةِ. وقد ذكَرْنا مذاهِبَ الفقهاءِ في ذلك.

  10. وأمّا المُعَصفَرُ المُفَدَّمُ المُشْبَعُ وغيرُه، فسيَأْتي ذكرُه وما للعلماءِ فيه من الرِّوايَةِ والذاهِب، في بابِ نافِع من هذا الكتابِ إنْ شاءَ اللهُ، عندَ نَهْيِه - صلى الله عليه وسلم - عن تَخَتُّمِ الذَّهَب، ولُبْسِ القَسِّيِّ (١) ، ولُبْسِ المُعَصْفَرِ، وقراءةِ القرآنِ في الرُّكُوع.

  11. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنّ مَن فعَلَ ما يجوزُ له فِعْلُه دونَ أنْ يُشاوِرَ السُّلْطانَ، خليفةً كان أو غيرَه، فلا حرجَ، ولا تَثْرِيبَ عليه، ألَا تَرَى أنّ عبدَ الرحمنِ بن عوفٍ تزَوَّجَ ولم يُشاوِرْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أعْلَمَه بذلكَ، ولم يكنْ من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إليه إنكارٌ ولا عتابٌ؟ وكان على خُلُقٍ عظيمٍ من الحِلْمِ والتَّجاوُزِ - صلى الله عليه وسلم -.

  12. وأمّا قولُه حينَ أخْبَرَه أنّه تزَوَّجَ: "كم سُقْتَ إليها؟ " قال: زِنَةَ نواةٍ من ذَهَبِ. فالنَّوَاةُ فيما قال أهلُ العلم: اسْمٌ لحَدِّ من الأوْزَانِ؛ وهو خَمْسَةُ دراهمَ، كما أَنّ الأُوقِيَّةَ أرْبَعُونَ درهمًا، والنَّشُّ عشرونَ درهمًا، ولا أعْلَمُ في شيءٍ من ذلك كلِّه

    vol. 2, p. 194خِلافًا إلّا في النَّواةِ، فالأكْثَرُ أنّها خَمْسَةُ دراهمِ. وقال أحمدُ بن حَنْبَل: وَزْنُ النَّوَاةِ ثلاثةُ دراهمَ وثُلُثٌ. وقال إسحاقُ: بل وَزْنُها خمْسَةُ دَرَاهِمَ (١) .

  13. وقد قيل: إنّ النَّوَاةَ المذكورةَ في هذا الحديثِ نَوَاةُ التَّمْرَةِ، وأرادَ وَزْنَها. وهذا عندِي لا وَجْهَ له؛ لأنّ وَزْنَها مَجْهُولٌ، وأجْمَعُوا أنّ الصداقَ لا يكونُ إلّا معلومًا؛ لأنه من بابِ المُعَاوَضاتِ. وقال بعضُ المالكيين: زِنَةُ النَّوَاةِ بالمدينةِ رُبُعُ دينارٍ، واحْتَجَّ بحديثٍ يُرْوَى عن الحَجَّاجِ بن أرْطاةَ، عن قتادةَ، عن أنَسٍ، أنّ عبدَ الرحمن بن عَوْفٍ تزَوَّجَ امرأةً من الأنصارِ، وأصْدَقَها زِنَةَ نواةٍ من ذَهَبٍ قُوِّمَتْ ثلاثَةَ دراهمَ وربعًا (٢) . وهذا حديثٌ لا تقومُ به حُجَّةٌ لضَعْفِ إسنادِه.

  14. وأجْمَعَ العلماءُ على أنّه لا تَحْدِيدَ في أكْثَرِ الصداقِ؛ لقولِ الله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: ٢٠] .

  15. واخْتَلَفُوا في أقلِّ الصداقِ؛ فقال مالك: لا يكونُ الصَّداقُ أقَلَّ من ربعِ دينارٍ ذهبًا، أو ثلاثةِ دراهمَ كَيْلًا (٣) . واعْتَلَّ بعضُ أصحابِنا لذلك بأنّها أقَلُّ ما بَلَغَه في الصداقِ، فلم يتَعَدَّه، وجعَلَه حدًّا إذا لم يكنْ فيه بُدٌ من الحَدِّ؛ لأنَّه لو تُرِكَ الناسُ وقليلَ الصداقِ كما تُرِكُوا وكثيرَه، لكان الفَلْسُ والدَّانِقُ ثَمَنًا للبُضْع، وهذا لا يَصلُحُ؛ لأنّه لا يُسَمَّى طَوْلًا ولا يُشْبِهُ الطَّوْلَ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ} [النساء:٢٥] ولو كان الطَّوْلُ فَلْسًا ونحوَه لكان كلُّ أحَدٍ مستطيعًا له، وفي الآيَةِ دليلٌ على مَنع استباحةِ الفُرُوجِ باليَسِيرِ، ثم جاءَ حديثُ عبدِ الرحمنِ بن عَوفٍ في وَزْنِ النَّوَاةِ، فجعَلَه حَدًّا لا يُتَجاوَزُ؛ لما يَعْضُدُه من القياسِ؛ لأنّ الفُروجَ لا تُسْتَباحُ بغيرِ بَدَلٍ، ولم يكنْ بُدٌّ من

    vol. 2, p. 195الصَّداقِ المُقَدَّرِ، كالنَّفْسِ التي لا تُسْتَباحُ بغيرِ بَدَلٍ، فقُدِّرَتْ دِيَتُها، وكان أشْبَهُ الأشْياءِ بذلك قَطْعَ اليَدِ؛ لأنّ البُضْمعَ عُضْوٌ واليَدَ عُضْوٌ يُسْتَباحُ بمُقَدَّرٍ من المالِ؛ وذلك ربعُ دينارٍ، فرَدَّ مالِكٌ البُضْعَ قِياسًا على اليَدِ، وقال: لا يجوزُ صَداقٌ أقَلُّ من ربعِ دينارٍ؛ لأنّ اليَدَ لا تُقْطَعُ عندَه من السَّارِقِ في أقَلَّ من ربع دينار.

    قال أبو عُمر: قد تقَدَّمَه إلى هذا أبو حنيفةَ، فقاسَ الصَّداقَ على قَطْعِ اليَدِ، واليَدُ عندَه لا تُقْطَعُ إلّا في دينارٍ ذَهَبًا أو عَشَرَةِ دراهمَ كَيْلًا. ولا صَداقَ عندَه أقَلُّ من ذلك (١) ، وعلى ذلك جماعَةُ أصحابِه، وأهلُ مذهبِه، وهو قولُ أكثرِ أهلِ بَلَدِه في قَطْع اليَدِ، لا في أقَلِّ الصَّداقِ.

  16. وقد قال الدَّرَاوَرْدِيُّ لمالكٍ رحمه اللهُ، إذْ قال: لا صداقَ أقَلُّ من ربعِ دينارٍ: تعَرَّقْتَ فيها يا أبا عبدِ الله (٢) . أي: سلَكْتَ فيها سبيلَ أهلِ العراقِ.

    وقال جمهورُ أهلِ العلمِ من أهلِ المدينةِ وغيرِهم: لا حَدَّ في قَليلِ الصداقِ كما لا حَدَّ في كثيره (٣) . وممَّنْ قال ذلك؛ سعيدُ بن المسَيِّبِ، والقاسمُ بن محمدٍ، وسُليمانُ بن يَسَارٍ، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ، وربيعةُ، وأبو الزِّنَادِ، ويزيدُ بن قُسَيْطٍ، وابنُ أبي ذِئْب. وهؤلاءِ أئمَّةُ أهلِ المدينةِ.

    قال سعيدُ بن المسَيِّب: لو أصْدَقَها سَوْطًا حَلَّتْ (٤) ، وأنْكَحَ ابْنَتَه من عبدِ الله بن وَداعَةَ بدرهَمين (٥) .

    وقال رَبِيعَةُ (٦) : يجوزُ النِّكاحُ بصداقِ دِرْهَم. وقال أبو الزِّنَادِ: ما ترَاضَى به الأهْلُون.

    vol. 2, p. 196وقال يَحْيَى بن سعيدٍ: الثوبُ والسَّوْطُ والنَّعْلان صَداق إذا رَضِيَتْ به.

  17. وأجاز الصداقَ بقليلِ المالِ وكثيرِه من غيرِ حَدٍّ: الحسنُ البَصْريُّ، وعَمْرُو بن دينارٍ، وعُثمانُ البَتِّيُّ، وابنُ أبي لَيْلَى، وسفيانُ الثوْرِيُّ، واللَّيْثُ بن سعدٍ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ وأصْحابُه، والحسنُ بن حَيٍّ، وعُبَيْدُ الله بنُ الحَسَنِ، وجماعةُ أهْلِ الحديثِ؛ منهم: وكِيعٌ، وَيحْيَى بن سعيدٍ القَطَّانُ، وعبدُ الله بن وَهْبٍ صاحبُ مالكٍ، كانوا يُجِيزُون النِّكاحَ بدرهمٍ ونصفِ درهم. وكان ابن شُبْرُمَةَ لا يُجِيزُ أنْ يكونَ الصَّداقُ أقَلَّ من خَمْسَةِ دراهمَ، ولا تُقْطَعُ اليَدُ عندَه في أقَلَّ من ذلك (١) .

    قال الشافعيُّ وأصحابُه: ما جازَ أن يكونَ أجرةً لشيءٍ أو ثَمَنًا له، جاز أن يكونَ صداقًا (٢) ، قياسًا على الإجارَاتِ؛ لأنّها مَنافعُ طارئةٌ على أعْيانٍ باقيةٍ، وأشْبَهُ الأشياءِ بالإجاراتِ الاستمتاعُ بالبُضْع، قالوا: وهذا أوْلَى من قياسِه على قَطْع اليَد. قالوا: ولا مَعْنَى لمَن شَبَّهَ المهرَ اليسيرَ بمهرِ البَغِيِّ؛ لأنَّ مَهرَ البَغِيِّ لو كان قِنْطارًا لم يَجُزْ ولم يَحِلَّ؛ لأنّ الزِّنَى ليس على شُرُوطِ النِّكاحِ: بالشُّهُودِ والوَلِيِّ والصَّداقِ المعلُوم، وما يَجِبُ للزَّوْجاتِ من حقوقِ العصمةِ، وأحكامِ الزَوجيةِ، وأنْشَدَ بعضُهم لبعضِ الأعراب (٣) :

    يقُولُون تَزْوِيجٌ وأشْهَدُ أنّه ... هو البيعُ إلّا أنّ مَن شاءَ يكذبُ

    وسنَزِيدُ هذا البابَ بيانًا في بابِ أبي حازِمٍ، عندَ قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "التَمِسْ ولو خَاتَمًا من حديدٍ" إن شاءَ اللهُ.

  18. أخبَرنا أحمدُ بن قاسِم وأحمدُ بن سعيدٍ، قالا: حدَّثنا ابن أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا

    vol. 2, p. 197ابن وَضَّاحٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرٍ بن أبي شَيْبَةَ يقولُ (١) : كان وَكِيعُ بن الجَرَّاحِ يَرَى التَّزوِيجَ بدرهم. قال ابن وَضَّاح: وكان ابن وَهْبٍ يَرَى التَّزْوِيجَ بدرهم.

  19. ورُويَ في هذا البابِ عن سعيدِ بن جُبيرٍ وإبراهيمَ اضْطِرابٌ؛ منهم مَن قال: أربعون درهمًا أقَلُّ الصَّداقِ، ومنهم مَن قال: خمسون درهمًا. وهذه الأقاويلُ لا دليلَ عليها من كتابٍ ولا سُنّةٍ ولا اتّفاقٍ، وما خَرَجَ من هذه الأصولِ ومعانِيها فليس بعلم، وبالله التوفيقُ.

  20. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنّ الوليمةَ من السُّنَّةِ؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: "أوْلِمْ ولو بشاةٍ" .

  21. وقد اخْتَلَف أهلُ العلمِ في وُجُوبِها؛ فذَهَب فقهاءُ الأمصارِ إلى أنّها سُنَّةٌ مسنونةٌ وليست بواجبةٍ (٢) ؛ لقولِه: "أوْلِمْ ولو بشاةٍ" . ولو كانت واجبةً لكانت مُقَدَّرَةً معلومًا مبلغُها، كسائرِ ما أوْصط اللهُ ورسولُه من الطَّعام في الكَفَّاراتِ وغيرِها. قالوا: فلمَّا لم يكنْ مُقَدَّرًا خرَجَ من حَدِّ الوُجُوبِ إلى حَدِّ النَّدْبِ، وأشْبَهَ الطَّعامَ لحادِثِ السُّرورِ، كطعامِ الخِتَانِ والقُدُومِ من السَّفَرِ، وما صُنِعَ شُكْرًا لله عزَّ وجلَّ.

    وقال أهلُ الظاهرِ (٣) : الوليمةُ واجبةٌ فَرْضًا؛ لأنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بها، وفَعَلَها، وأوْعَدَ مَن تخَلَّفَ عنها. وقد أوْضَحْنَا هذا المَعْنَى في باب ابن شِهَابٍ، عندَ قولِه - صلى الله عليه وسلم -: "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوليمةِ؛ يُدْعَى لها الأغنياءُ، ويُتْرَكُ المساكينُ، ومَن لم يَأْتِ الدَّعْوَةَ فقد عَمىَ اللهَ ورسولَه" (٤) ، والحمدُ لله (٥) .

  22. حديثٌ ثالثٌ لحُمَيْد عن أنس مُسنَدٌ صحيح

    مالك (١) ، عن حُميدٍ الطَّويلِ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن بيعِ الثمارِ حتى تُزْهِيَ. فقيل (٢) : يا رسولَ الله، وما تُزْهِي؟ قال: "حتى تَحْمَرَّ" . وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيتَ إن مَنَع اللهُ الثمرةَ، ففيمَ يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟ " .

    vol. 2, p. 198
  23. هكذا روَى هذا الحديث جَماعةُ الرواةِ في "الموطأ" ، لم يختَلفوا فيه فيما عَلِمتُ (٣) .

  24. وقولُه في هذا الحديثَ: "حتى تَحْمَرَّ" ، يدُلُّ على أنّ الثمارَ إذا بدَا فيها الاحمرارُ، وكانت ممّا تَطِيبُ إذا احْمَرَّتْ مثلَ ثمرِ النَّخلِ وشبهِها (٤) ، حَلَّ بَيعُها، وقبلَ ذلك لا يجوزُ بَيعُها، إلّا على القطعِ في الحينِ، على اختلافٍ في ذلك نذكُرُه إن شاءَ اللهُ.

  25. واحمرارُ الثمرةِ في النخلِ هو: بُدُوُّ صلاحِها، وهو وقتٌ للأمنِ من العَاهاتِ عليها في الأغلَبِ.

  26. وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: "أزْهَتْ" ، و "احمَرَّت" ، و "بَدَا صَلَاحُها" ألفاظٌ مختلفةٌ ورَدَت في الأحاديثِ الثابتةِ، معانيها كلُّها مُتَّفِقَةٌ، وذلك إذا بَدا طِيبُها ونُضْجُها، وكذلك سائرُ الثِّمارِ إذا بَدا صَلاحُ الجِنْسِ منها، وطاب ما يُؤْكَلُ منها الطِّيبَ المعهودَ (١) في التِّينِ والعِنَبِ وسائرِ الثِّمارِ، جاز بيعُها على التَّركِ في شَجَرِها حتى يَنْقَضِيَ أوانُها بطِيبِ جميعِها.

    vol. 2, p. 199
  27. ولا يجوزُ بيعُ شيءٍ من الثِّمارِ ولا الزَّرع قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه (٢) إلّا على القَطعِ. وقد اختلَف الفقهاءُ قديمًا وحديثًا في ذلك، وقد أرجَأْنَا القولَ فيه إلى بابِ نافعٍ، فهناك تَرَاه إن شاء اللهُ.

  28. وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم - "أرأيتَ إن مَنَع اللهُ الثمرةَ، ففيم يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟ " . فيزعُمُ قومٌ أنّه من قولِ أنسِ بن مالكٍ، وهذا باطلٌ بما رواه مالك وغيرُه (٣) من الحُفّاظِ في هذا الحديثِ؛ إذ جعَلوه مرفوعًا من قولِ النبيِّ (٤) - صلى الله عليه وسلم -، وقد روَى أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه.

  29. وتنازَع العُلماءُ في تأويلِ هذا الحديثِ؛ فقال قومٌ: فيه دليلٌ على إبطالِ قولِ مَن قال بوضعِ الجوائح؛ لأنّ نهيَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمرَةِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِها، وقولُه مع ذلك: "أرأيتَ إن مَنَعَ اللهُ الثمرةَ؟ " ، أي: إذا بعتُم الثمرةَ قبلَ بُدُوِّ طِيبِها (٥) ، ومنَعَها اللهُ، كنتُم قد ركِبتُم الغَرَرَ، وأخذتُم مالَ المبتَاعِ بالباطلِ؛

  30. لأنّ الأغلَبَ في الثِّمارِ أن تَلحَقَها الجوائحُ قبلَ ظهورِ الطِّيبِ فيها، فإذا طابَت، أو طابَ أوَّلُها، أُمِنت عليها العاهَةُ في الأغلبِ، وجاز بَيعُها؛ لأنّ الأغلبَ من أمرِها السلامةُ، فإن لَحِقَتْها جائحَةٌ حينئذٍ لم يكنْ لها حكمٌ، وكانت كالدارِ تُباعُ فتَنهَدِمُ بعدَ البيعِ قبلَ أن يَنتفِعَ المبتاعُ بشيءٍ منها، أو الحيوانِ يُباعُ فيموتُ بأثرِ قَبضِ مبُتاعِه له، أو سائرِ العُرُوضِ؛ لأنّ الأغلبَ من هذا كلِّه السلامةُ، فما خرَجَ من ذلك نادرًا لم يُلتفَتْ إليه، ولم يُعرَّجْ عليه، وكانتِ المصيبةُ من مُبتاعِه. وكذلك الثمرةُ إذا بِيعَت بعدَ بُدُوِّ صلاحِها، لم يُلتفَتْ إلى ما لَحِقَها من الجوائحِ؛ لأنّهم قد سَلِموا من عُظْمِ الغَرَرِ، ولا يكادُ شيءٌ من البُيُوعِ يَسلَمُ من قَليلِ الغَرَرِ، فكان معفُوًّا عنه. قالوا: فإذا بِيعَتِ الثمرةُ في وقتٍ يحلُّ بَيعُها، ثم لَحِقَتها جائحةٌ، كان ذلك كما لو جُدَّت (١) فتَلِفَتْ، كانت مُصيبتُها من المبتاع؛ واحتَجُّوا بحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن بَيعِ الثِّمارِ حتى يَبدُوَ صلاحُها. قيل له: وما بُدُوُّ صَلاحِها يا رسولَ الله؟ فقال: "إذا بَدَا صلاحُها ذهَبَت عاهتُها" ، وبحديثِ مالكٍ، عن أبي الرِّجَالِ، عن أُمِّه عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن بيعِ الثِّمارِ حتى تَنْجُوَ من العَاهَةِ " (٢) .

    vol. 2, p. 200
  31. وهذا معنَى قولِ ابن شِهَابٍ؛ ذكَرَ الليثُ بن سعدٍ، عن يُونُسَ، عن ابن شهابِ، قال: لو أنّ رجلًا ابتَاعَ ثمرًا قبلَ أن يَبدُوَ صَلاحُه، ثم أصابته عاهةٌ، كان مَا أصَابَه على ربِّه.

  32. أخبرني سالمُ بن عبدِ الله، عن ابن عمرَ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تَتَبايَعُوا الثَّمَرَ حتى يبدوَ صلاحُها، ولا تبيعوا الثمرَ بالتَّمْر" (٣) .

  33. وأخبَرنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: أخبَرنا الميمونُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن سلامةَ الطحاويُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن يحيى، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (١) : أخبَرنا محمدُ بن إسماعيلَ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن عُثمانَ بن عبدِ الله بن سُراقةَ، عن عبدِ الله بن عمرَ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن بَيعِ الثِّمارِ حتى تَذهبَ العَاهَةُ. قال عثمانُ بن سُراقَةَ: فسألتُ ابنَ عمرَ: متى ذلك؟ فقال: طُلُوعَ الثُّرَيَّا (٢) .

    vol. 2, p. 201
  34. وروَى المعَلَّى بن أسدٍ، قال: حدَّثنا وُهيبٌ، عن عِسْل بن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا طَلَعَتِ الثُّرَيَّا صباحًا رُفِعَتِ العاهةُ عن أهلِ البلدِ" (٣) .

  35. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالبٍ، قال: حدَّثنا حَرَمِيٌّ وعَفَّانُ، قالا: حدَّثنا وُهيبُ بن خالدٍ، عن

    vol. 2, p. 202عِسْلِ بن سفيانَ، عن عَطَاءٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ما طلَع النجمُ صباحًا قَطُّ وبقومٍ عاهَةٌ إلّا رُفِعَت عنهم أو خَفَّت" (١) .

    قال أبو عُمر: هذا كلُّه على الأغلَبِ، وما وقَع نادرًا فليس بأصل يُبنَى عليه في شيءٍ، والنجمُ هو الثُّرَيَّا، لا خِلافَ ههنا في ذلك، وطُلُوعُها صباحًا: لاثْنَتيْ عشْرةَ ليلةً تَمْضِي من شهرِ أيَّار، وهو شهرُ مَايُه (٢) .

  36. فنَهْيُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثِّمارِ حتى يبدُوَ صلاحُها معنَاه عندَهم: لأنّه من بُيوعِ الغَرَرِ؛ لا غيرُ، فإذا بدَا طرحُها ارتفَعَ الغَرَرُ في الأغلبِ عنها, كسائرِ البُيوع، وكانت المصيبةُ فيها من المبتاع إذا قبَضها، على أُصُولِهم في المبيعِ أنّه مَضمُونٌ على البائع حتى يَقْبضَه المبتاعُ، طَعامًا كان أو غيرَه. وهذا كلُّه قولُ الشافعيِّ وأصحابِه، والثوريِّ. وقولُ أبي حنيفةَ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ، فيمَن ابتاع ثمرةً من نخلٍ أو زرعٍ أو سائرِ الفواكِهِ والثمراتِ، فقبَضَ ذلك بما يُقْبَضُ به مثلُه، فأصابَته جائحةٌ فأهلكَته كلَّه أو بعضَه، كان ثُلُثًا أو أقلَّ أو أكثرَ، فالمصيبةُ في ذلك كلِّه، قلَّ أو كَثُر، من مالِ المُشتَرِي. وقد كان الشافعيُّ، رحِمه اللهُ، في العراقِ يقولُ بوضعِ الجَوائحِ، ثم رجَع إلى هذا القولِ بمصرَ، وهو المشهورُ عند أصحابِه من مذهبِه، لحديثِ حُميدٍ الطويل، عن أنسِ بنِ مالكٍ المذكورِ في هذا البابِ؛ ولأن حديثَ سُليمانَ بن عتيقٍ عن جابرٍ لم يثْبُتْ عَندَه فيه أمرُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -

    vol. 2, p. 203بوَضْع الجوائح، قال الشافعيُّ (١) : كان ابن عُيينةَ يُحدِّثُنا بحديثِ حُميدِ بن قيسٍ، عن سُليمانَ بن عَتيقٍ، عن جابرٍ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن بيعِ السِّنينَ، ولا يذكُرُ فيه وضعَ الجائحةِ. قال: ثم حدَّثنا بذلك غيرَ مرَّةٍ كذلك، ثم زادَ فيه وضعَ الجوائح، فذكَرنا له ذلك، فقال: هو في الحديثِ، واضطَربَ لنا فيه. قال الشافعيُّ: ولم يَثبُتْ عندي أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر بوضعِ الجَوَائح، ولو ثَبَت لم أعْدُه. قال: ولو كنتُ قائلًا بوضعِ الجَوائح لوضَعتُها في القليلِ والكثيرِ. قال: والأصلُ المُجْتَمَعُ عليه أنّ كلَّ مَن ابتاع ما يجوزُ بيعُه وقَبضُه، كانت المصيبةُ منه، ولم يَثْبُتْ عندَنا وضعُ الجوائح فيُخرِجَه من تلك الجُمْلَةِ.

    قال أبو عُمر: اختلفَ أصحابُ ابن عُيينةَ عنه في ذكرِ الجوائحِ في حديثِ سُليمان بن عَتيقٍ، عن جابرٍ؛ فبعضُهم ذكَر ذلك عنه فيه، وبعضُهم لم يذكُرْه، وممن ذكَره عنه في ذلك الحديثِ: أحمدُ بن حنبلٍ (٢) ، ويحيى بن معينٍ، وعليُّ بن حَربٍ الطَّائيُّ، وغيرُهم (٣) .

    وقالت طائفةٌ من أهلِ العلم: في قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيتَ إن مَنَع اللهُ الثمرةَ، فبِمَ يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟ " دليلٌ واضحٌ على أنّ الثمرةَ إذا مُنِعَت لم يَسْتَحِقَّ البائعُ ثَمنًا؛ لأن المبتاعَ قد مُنِع ممّا ابتاعَه. قالوا: وهذا هو المفهُومُ من هذا الخِطابِ. قالوا: وحُكمُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بهذا في الثِّمارِ أصلٌ في نفسِه، مُخالفٌ لحُكْمِه في سائرِ السِّلَعِ يجِبُ التَّسْلِيمُ له. واحتجُّوا بحَديثِ أبي الزُّبيرِ عن جابرٍ في ذلك.

  37. وهو ما حدَّثناه عبدُ الرحمنِ بن يحيى وخلَفُ بن أحمدَ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفِ بن عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عثمانَ الأعناقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن تَمِيمٍ القَفْصِيُّ، قال: حدَّثنا أنسُ بن عِيَاضٍ، قال: أخبَرني ابنُ جُرَيج، قال: أخبَرني أبو الزبيرِ، أنّه سمِع جابرَ بن عبدِ الله يقولُ: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن بِعْتَ من أخِيكَ ثمرًا (١) ، فأصابته جائِحَةٌ، فلا يَحِلُّ لك أن تأخُذَ منه شيئًا، بِمَ تأخُذُ مالَ أخيكَ بغيرِ حَقٍّ؟ " (٢) .

    قالوا: وهذا الحديثُ لم يُنْسَقْ على النهي عن بيعِ الثمارِ حتى يَبدُوَ صلاحُها، فيحتملَ من التأويلِ ما احتَملَه حديثُ أنس، بل ظاهرُه يدُلُّ في قولِه: "إن بِعْتَ من أخيكَ ثَمَرًا" أنّه البيعُ المباحُ بعدَ الإزهاءِ وبُدُوِّ الصَّلاحِ، لا يحتمِلُ ظاهِرُه غيرَ ذلك، وهو أوضَحُ وأبيَنُ من أن يُحتاجَ فيه إلى الإكثارِ.

    vol. 2, p. 204
  38. واحتَجُّوا أيضًا بحديثِ سُليمانَ بن عتيقٍ، عن جابرٍ؛ وهو ما حدَّثناه أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ بن عبدِ الرحمنِ الأمويُّ. وحدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل بن العباسِ؛ قالا جميعًا: حدَّثنا أحمدُ بن الحَسَنِ بن عبدِ الجبارِ الصُّوفيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن معينٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن سليمانَ بن عَتيقٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر بوضعِ الجَوائح، ونهَى عن بيع السِّنين (٣) .

  39. وحدَّثناه أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيَى بن عُمرَ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حرب، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن سُليمانَ بن عَتيقٍ، عن جابرِ بن عبدِ الله، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهَى عن بَيع السِّنينَ، وأمَر بوضعِ الجَوائح" (١) .

    vol. 2, p. 205
  40. وممّن قال بوضعِ الجوائحِ هكذا مُجمَلًا: أكثرُ أهلِ المدينةِ؛ منهم: يحيى بن سعيدٍ الأنصاريُّ (٢) ، ومالكُ بن أنسٍ وأصحابُه، وهو قولُ عمرَ بن عبدِ العزيزِ، وبوضعِ الجَوائحِ كان يقضِي رضي اللهُ عنه (٣) . وبه قال أحمدُ بن حنبلٍ، وسائرُ أصحابِ الحديثِ، وأهلُ الظاهرِ. إلّا أنّ مالكًا وأصحابَه وجُمهورَ أهلِ المدينةِ يُراعُون الجائحةَ، ويعتَبِرُون فيها أن تبلُغَ ثُلُثَ الثمرةِ فصاعدًا، فإن بلَغَتِ الثُّلُثَ فصاعدًا حَكَمُوا بها على البائِع، وجعَلوا المصيبةَ منه، وما كان دُونَ الثُّلُثِ ألْغَوه، وكانت المصيبَة عندَهم فيه من المبتاعِ، وجعَلوا ما دون الثُّلُثِ تَبَعًا لا يُلتَفتُ إليه، وهو عندَهم في حكمِ التافِه اليسيرِ؛ إذ لا تَخْلُو ثَمَرَةٌ من أن يتَعَذَّرَ القليلُ من طِيبِها، وأن يَلْحَقَها في اليَسِيرِ منها فسادٌ، فلمّا لم يُرَاعِ الجميعُ ذلك التَّافِهَ الحقِيرَ، كان ما دونَ الثُّلُثِ عندَهم كذلك.