عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني

97 paragraphs · vol. 12, p. 194

Page 2 of 3

  1. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بن إسحاق بن مِهران السَّرّاجُ وعبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ الله الخَصيبِيُّ القاضِي، قالا: حدَّثنا محمدُ بن عَبدُوسِ بن كامِلٍ السَّرّاجُ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جعفرٍ، عن مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي صَعْصَعةَ الأنصارِيِّ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: أخبَرني قَتادةُ بن النُّعمانِ، أنَّ رجُلًا قال: يا رسُولَ الله، إنَّ فُلانًا قامَ اللَّيلةَ يَقْرأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} يُردِّدُها، لا يزِيدُ عليها. كأنَّ الرَّجُل يَتَقالُّها، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نَفْسِي بيدِهِ، إنَّها لتَعدِلُ ثُلُث القُرآنِ" (١) .

    vol. 12, p. 207
  2. وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ (٢) بن محمدِ بن سهلِ (٣) بن منصُورِ بن الحجّاج النَّصِيبِيُّ وثوابةُ بن أحمدَ بن ثوابةَ الموصِليُّ وعليُّ بن

    vol. 12, p. 208الحسنِ بن علّان (١) الحرّانِيُّ وأبو يُوسُف يعقُوبُ بن مُسدَّدِ بن يَعقُوب القُلُوسِيُّ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن عليِّ بن المُثنَّى الموصِليُّ، قال (٢) : حدَّثنا أبو مَعْمرٍ الهُذلِيُّ إسماعيلُ بن إبراهيمَ القطِيعِيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جَعْفرٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ الأنصارِيِّ، عن أبيهِ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: أخبَرني قَتادةُ بن النُّعمانِ أخِي: أنَّ رجُلًا قامَ في زَمنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرأُ من السَّحرِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} يُردِّدُها (٣) لا يزِيدُ عليها، فلمّا أصبحَ أتَى رجُلٌ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسُولَ الله، إنَّ فُلانًا باتَ يَقْرأُ اللَّيلةَ من السَّحرِ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} يُردِّدُها لا يزِيدُ عليها، كأنَّ الرَّجُل يَتَقالُّها، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نَفْسِي بيدِهِ، إنَّها لتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ" . لفظُ الحديثِ لعبدِ الوهّابِ، وألفاظُهُم مُتقارِبةٌ، والمعنى واحِدٌ.

  3. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ (٤) ، قال: أخبرنا أبو يُعلى أحمدُ بن عليٍّ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ إسماعيلُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسماعيل (٥) بن جعفرٍ، قال: حدَّثني مالكُ بن أنَسٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، قال: حَدَّثني أخِي قَتادةُ بن النُّعمانِ، قال: قامَ رجُلٌ من اللَّيلِ يَقْرأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} السُّورةَ يُردِّدُها، لا يزِيدُ عليها، فلّما أصْبَحنا قال رجُل: يا رسُولَ الله، إنَّ رجُلًا

    vol. 12, p. 209قامَ اللَّيلةَ من السَّحرِ يَقْرأُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} لا يزِيدُ عليها، كأنَّ الرَّجُل يَتَقالُّها، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسِي بيدِهِ، إنَّها لتَعدِلُ ثُلُث القُرآنِ" (١) .

    قال أبو عُمر: هذا الحديثُ سَمِعهُ أبو سعِيدٍ وقَتادةُ جميعًا من النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ورِوايةُ "المُوطَّأ" وغيرُها تدُلُّ على ذلك (٢) .

  4. وحدَّثنا أحمدُ بن فتح وخلفُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا أحمدُ بن الحسنِ الرّازِيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن سعِيدِ بن بَشِيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن المُختارِ، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنَسٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن أبي صَعْصعةَ، عن أبيهِ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عن أخِيهِ قتادةَ بن النُّعمانِ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: " {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ" (٣) .

  5. وقد ذكَرْنا من الآثارِ (٤) المُتواتِرةِ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في أنَّ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدِلُ ثُلُث القُرآنِ، في باب ابنِ شهابٍ، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، ما فيه شِفاءٌ واكتِفاءٌ، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ونحنُ نقُولُ بما ثبتَ عنهُ، ولا نَعدُوهُ، ونَكِلُ ما جَهِلنا من مَعناهُ إليه - صلى الله عليه وسلم -، فبه عَلِمنا ما عَلِمنا، وهُو المُبيِّنُ عن الله

    vol. 12, p. 210مُرادهُ، والقُرآنُ عِندنا مع (١) هذا كلِّهِ كلامُ الله، وصِفةٌ من صِفاتِهِ ليسَ بمخلُوقٍ، ولا نَدْرِي لم تعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ، والله يتَفضَّلُ بما يشاءُ على عِبادِهِ.

  6. وقد قيل: إنَّ ذلك الرَّجُل مخصُوصٌ وحدَهُ بأنَّها تَعدِلُ ذلك لهُ، وهذه دعوى لا بُرهانَ عليها.

  7. وقد قيل (٢) : إنَّها لمّا تضمَّنتِ التَّوحِيد والإخلاصَ، كانت كذلك، فلو كانَ هذا الاعتِلالُ، وهذا المعنى صحِيحًا، لكانَتْ كلُّ آيةٍ تَضمَّنت هذا المعنى، يُحكَمُ لها بحُكمِها، وهذا (٣) لا يُقدِمُ العُلماءُ عليهِ من القِياسِ، وكلُّهُم يأباهُ، ويَقِفُ عِندَ ما رواهُ.

  8. حدَّثنا محمدُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال (٤) : حدَّثنا ابنُ الأعرابِيِّ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن مُدرِكٍ القاص (٥) ، قال: حدَّثنا الهَيْثمُ بن خارِجةَ، قال: حدَّثنا الولِيدُ بن مُسلِم، قال: سألتُ الأوزاعِيَّ، وسُفيان الثَّورِيَّ، ومالك بن أنسٍ، واللَّيث بن سَعْدٍ، عن الأحادِيثِ التي فيها الصِّفاتُ، فكلُّهُم قال: أمِرُّوها (٦) كما جاءَت بلا تفسِيرٍ.

    وقال أحمدُ بن حنبلٍ: يُسلَّمُ لها كما جاءَت، فقد تلقّاها العُلماءُ بالقبُولِ.

  9. وأمِّا قولُ الله عزَّ وجلَّ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (٧) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: ١٠٦] فمعناهُ: بخيرٍ منها لنا لا في نفسِها.

  10. والكلامُ في صفات (١) البارِي، كلامٌ يستبشِعُهُ أهلُ السُّنَّةِ، وقد سكتَ عنهُ الأئمَّةُ، فما أشكَلَ علينا من مِثلِ هذا البابِ وشِبهِهِ، أمْرَرناهُ (٢) كما جاءَ، وآمنّا (٣) به، كما نصنعُ بمُتشابِهِ القُرآنِ، ولم نُناظِر عليه؛ لأنَّ المُناظرةَ إنَّما تسُوغُ وتجُوزُ فيما تحتهُ عَملٌ، ويصحبُهُ قِياسٌ، والقِياسُ غيرُ جائزٍ في صِفاتِ البارِي تعالى؛ لأنَّهُ ليسَ كمِثلِهِ شيءٌ.

    قال مُصعبٌ الزُّبيرِيُّ: سمِعتُ مالك بن أنسٍ يقولُ: أدركتُ أهل هذا البلدِ، يعني: المدِينةَ، وهُم يكرهُونَ المُناظرةَ والجِدال إلّا فيما تحتهُ عملٌ. يُرِيدُ مالكٌ رحِمهُ الله: الأحكامَ في الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والطلاق (٤) ، والصِّيام، والبُيُوع، ونحوِ ذلك، ولا يجُوزُ عِندَهُ الجِدالُ فيما تَعتقِدُهُ الأفئدةُ، ممّا لا عملَ تحتهُ أكثرُ من الاعتِقادِ، وفي مِثلِ هذا خاصَّةً نَهَى السَّلفُ عن الجِدالِ، وتَناظرُوا في الفِقهِ، وتَقايسُوا فيهِ.

    vol. 12, p. 211
  11. وقد أوضَحْنا هذا المعنى في كِتابِ "بيانِ العِلم" (٥) فمن أرادهُ تأمَّلهُ هُناك، وبالله التَّوفِيقُ.

  12. أخبرنا أحمدُ بن محمدٍ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بن سَلَمةَ بن المُعلَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن الجارُودِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن منصُورٍ، قال: قُلتُ لأحمدَ بن حنبلٍ: حديثُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "من قرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فكأنَّما قرأ ثُلُث القُرآنِ" . فلم يُقِم لي على أمرٍ بيِّنٍ. قال: وقال لي إسحاقُ بن راهوية: إنَّما مَعنَى ذلك، أنَّ الله جعلَ لكلامِهِ فَضْلًا على سائرِ الكلام، ثُمَّ فضَّلَ بعضَ كلامِهِ على بَعضٍ، فجعلَ لبعضِهِ ثوابًا أضعافَ ما جعلَ لغيرِهِ من كلامِهِ،

    vol. 12, p. 212تحرِيضًا من النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُمَّتهُ على تَعليمِهِ وكَثْرةِ قِراءَتِهِ، وليسَ معناهُ أن لو قَرَأ القُرآنَ كلَّهُ، كانت قِراءةُ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تعدِلُ ذلك إذا قَرأها ثلاث مرّاتٍ، لا (١) ، ولو قَرَأها أكثر من مِئَتي مَرَّةٍ.

    قال أبو عُمر: من لم يُجِب في هذا أخلصُ ممَّن أجابَ فيه (٢) ، والله أعلمُ.

  13. حدَّثنا أحمدُ بن فتح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن زكرِيّا النَّيسابُورِيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله أحمدُ بن عليِّ بن سَهْلٍ المروزِيُّ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن الحسنِ القُرَشيُّ، قال: حدَّثنا سُليمُ (٣) بن مَنصُورِ بن عمّارٍ، قال: كتَب بشرٌ المرِّيسِيُّ (٤) إلى أبي رَحِمهُ الله: أخْبِرني عن القُرآنِ، أخالِقٌ أم مخلُوقٌ؟ فكتب إليه أبي: بسم الله الرَّحمنِ الرَّحِيم، عافانا الله وإيّاك من كلِّ فِتنةٍ، وجعَلَنا وإيّاك (٥) من أهلِ السُّنَّةِ، وممَّن لا يرغَبُ بدِينِهِ عن الجماعةِ، فإنَّهُ إن يفعَلْ، فأوْلَى بها نِعمةً، وإلّا يفعَلْ (٦) فهي الهلكةُ، وليسَ لأحدٍ على الله بعدَ المُرسلِينَ حُجَّةٌ، ونحنُ نرى أنَّ الكلامَ في القُرآنِ بدعةٌ تشارَكَ فيها السّائلُ والمُجِيبُ، تَعاطَى السّائلُ ما ليسَ لهُ، وتكلَّفَ المُجِيبُ ما ليسَ عليه، ولا أعلمُ خالِقًا إلّا الله، والقُرآنُ كلامُ الله، فانتهِ أنتَ والمُختلِفُونَ فيه، إلى ما سمّاهُ الله به، يمُن من المُهتدِينَ، ولا تُسمِّ القُرآن باسم من عِندِكَ، فتكونَ من الهالِكِينَ، جعَلَنا الله وإيّاك من الذين يَخْشونهُ بالغيبِ، وهُم من السّاعةِ مُشفِقُونَ.

  14. حديثٌ رابعٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صعصعةَ، عن سُليمان بن يَسارٍ، أنَّهُ (٢) قال: دخَلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بيت مَيْمُونةَ بنتِ الحارِثِ، فإذا ضِبابٌ فيها بَيْضٌ، ومَعهُ عبدُ الله بن عبّاسٍ، وخالدُ بن الوليدِ، فقال: "من أينَ لكُم هذا؟ " فقالت: أهْدَتهُ إليَّ أُختي هُزَيلةُ بنتُ الحارِثِ. فقال لعبدِ الله بن عبّاسٍ، وخالدِ بن الوليدِ: "كلا" . فقالا: ولا تأكلُ يا رسُولَ الله؟ فقال: "إنِّي تحضُرُني من الله حاضِرةٌ" . قالت ميمُونةُ: أنسقِيكَ يا رسُولَ الله من لَبنٍ عِندَنا؟ قال: "نعَمْ" فلمّا شرِبَ، قال: "من أينَ لكُم هذا؟ " . فقالت: أهْدَتهُ لي أُختي هُزَيلةُ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيتُكِ جارِيَتَكِ التي كُنتِ اسْتَأمرتِني في عِتْقِها، أعْطِيها أُختكِ، وصِلي بها رحِمَكِ تَرْعَى عليها، فإنَّهُ خيرٌ لكِ" .

    قال أبو عُمر: هكذا قال يحيى: فإذا ضِبابٌ، فيها بَيضٌ. وقال ابنُ القاسم: "فإذا بضِبابٍ، فيها بَيضٌ (٣) . وقال القعنبِيُّ، وابنُ نافِع، وابنُ بُكيرٍ، ومُطرِّفٌ: فأُتي بضِبابٍ. قال القَعْنبِيُّ: فيهِنَّ بَيضٌ. وقال غيرُهُ: فيها بَيضٌ.

    وقال يحيى: "أرأيتُكِ ". وقال غيرُهُ: " أرأيتِ ". وقال يحيى: " وصِلي بها رحِمَكِ ". وقال غيرُهُ: " وصِلِيها بها تَرْعَى عليها ".

    vol. 12, p. 213
  15. والمعاني في ذلك كلِّهِ مُتقارِبةٌ (٤) ، وكذلك ألفاظُ الرُّواةِ في "المُوطَّأ" في مُتُونِ الأحادِيثِ مُتقارِبةُ المعاني غيرُ مُتدافِعة.

  16. ولم تختلف الرّواةُ لـ "المُوطَّأ" في إسنادِ هذا الحديثِ وإرسالِهِ على حسَبِ ما ذكَرْناهُ عن يحيى، وقد رواهُ بُكيرُ بن الأشجِّ، عن سُليمان بن يَسارٍ، عن ميمُونةَ (١) .

    vol. 12, p. 214
  17. فأمّا ما في هذا الحديثِ من ذِكرِ الضَّبِّ، وامتِناع رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من أكلِهِ، وإذْنِهِ لخالدِ بن الولِيدِ، وعبدِ الله بن عبّاسٍ في أكلِهِ، فقد مَضَى هذا المعنى مُمَهَّدًا في حديثِ ابنِ شِهابٍ، عن أبي أُمامةَ، من كِتابِنا هذا، ومَضَى أيضًا في الضَّبِّ حديثُ مالكٍ (٢) ، عن (٣) عبدِ الله بن دِينارٍ، عن ابنِ عُمر، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

  18. وقد ذكَرْنا في بابِ عبدِ الله بن دِينارٍ ما لفُقهاءِ الأمصارِ من الاختِلافِ في أكلِ الضَّبِّ، وما نزعَتْ به كلُّ فِرقةٍ وذهبَتْ إليه من الآثارِ في ذلك، بأبسطِ ما يكونُ وأوضَحِهِ، فمن أرادَ الوُقُوف على ذلك تأمَّلهُ هُناك، فلا معنَى لإعادةِ ما مَضَى من ذلك هاهُنا.

  19. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: فقال: "إنِّي تحضُرُني من الله حاضِرةٌ" . فمعناهُ، إن صحَّتْ هذه اللَّفظةُ، لأنَّها لا تُوجَدُ في غيرِ هذا الحديثِ، مَعناها (٤) ما ظهَرَ في حديثِ ابن عبّاسٍ، وخالدِ بن الولِيدِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال فيهِ: "لم يكُن بأرضِ قَوْمِي فأجِدُني أعافُهُ" (٥) .

  20. وقد رُوِي عن عُمرَ بن الخطّابِ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قذِرَ الضَّبَّ فلم يأكلهُ.

  21. وقد بيَّنّا المعنى في ذلك كلِّهِ، في بابِ ابنِ شِهابٍ، وعبدِ الله بن دِينارٍ، والحمدُ لله.

  22. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامَةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بن عطاءٍ، قال: حدَّثنا

    vol. 12, p. 215سعِيدٌ، عن قتادةَ، عن سُليمان اليَشْكُرِيِّ، عن جابرِ بن عبدِ الله، عن عُمرَ بن الخطّابِ: أنَّ نبِيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يُحرِّم الضَّبَّ، ولكِن قذِرَهُ، وإنَّ اللهَ لينفَعُ به غير واحِدٍ، وإنَّهُ لطَعامُ الرِّعاءِ، ولو كانَ عِندِي لأكلتُهُ (١) .

  23. حدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سَعْد، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن مَرْزُوقٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن جَرِيرٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي بِشْرٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عبّاسٍ قال: أهدَتْ خالتي أُمُّ حُفَيدٍ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أقِطًا، وسَمْنًا، وأضُبًّا، فأكلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من الأقِطِ، والسَّمنِ، ولم يأكلْ من الأضُبِّ، وأُكِلَ على مائدةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو (٢) كانَ حرامًا، لم يُؤكل على مائدةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٣) .

  24. هذا الحديثُ من أصحِّ ما يُروى من المُسنداتِ في معنى حَدِيثِ هذا البابِ (١) المُرسلِ.

    vol. 12, p. 216
  25. وأظُنُّ أُمَّ حُفيدٍ المذكُورةَ في حديثِ ابنِ عبّاسٍ هذا، هي هُزَيلةُ بنت الحارث؛ لأنَّ أُمَّ ابنِ عبّاسٍ هي أُمُّ الفضلِ بنتُ الحارِثِ، أُختُ ميمُونةَ، وأُختُ هُزَيلةَ أُمِّ حُفيدٍ.

  26. فهُزيلةُ المذكُورةُ في حديثِ مالكٍ، هي أُمُّ حُفيدٍ، والله أعلمُ، ومن تدبَّر ذلك في الحديثينِ، لم يَخْفَ عليه إن شاءَ الله.

  27. وما نزعَ به ابنُ عبّاسٍ، فحُجَّةٌ واضِحةٌ، لأنَّهُ لو كانَ حرامًا، ما أُكِلَ على مائدةِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّما بُعِثَ آمِرًا بالمعرُوفِ، وناهِيًا عن المُنكرِ، ومُعلِّمًا - صلى الله عليه وسلم -.

  28. وقد تكرَّرَ هذا المعنى في غيرِ مَوْضِع من كِتابِنا هذا، بما فيه شِفاءٌ وبيانٌ، والله المُستعانُ.

  29. وفي هذا الحديثِ أيضًا: الأكلُ من الهديَّة (٢) ، وقبُولهُا.

  30. وفيه: أنَّ الصَّدقةَ على الأقارِبِ، وذَوِي الأرحام، أفضَلُ من العِتقِ.

  31. ولهذا ما سِيقَ هذا الحديثُ، وما كان مِثلهُ في مَعناهُ. وقد رُوِي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى من وُجُوهٍ مُتَّصِلةٍ، ومُنقطِعةٍ صِحاح.

  32. أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٣) : أخبرنا هنّادُ بن السَّرِيِّ، عن عَبْدَةَ، عن ابنِ إسحاقَ. وأخبرنا

    vol. 12, p. 217سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا يَعْلى، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ،، عن بُكَيرِ بن عبدِ الله بن الأشجِّ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن ميمُونةَ، قالت: كانَتْ لي جارِيةٌ فأعْتَقتُها، فدخَلَ عليَّ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبَرتُهُ بعِتقِها، فقال: "آجَرَكِ الله، أما إنَّكِ لو أعْطَيتها أخوالَكِ، لكانَ أعظَمَ لأجرِكِ" .

  33. ورواهُ ابنُ وَهْبٍ، عن عَمرِو بن الحارِثِ، عن بُكَيرٍ، عن كُريبٍ، عن ميمُونةَ (١) .

  34. والقولُ في إسنادِ هذا الحديثِ قولُ ابنِ إسحاقَ، والله أعلمُ (٢) .

  35. وعندَ ابنِ إسحاقَ في هذا الحديثِ إسنادٌ آخَرُ:
  36. أخبرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن

    vol. 12, p. 218شُعيبٍ، قال (١) : أخبرني محمدُ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحِيم، قال: حدَّثنا أسدُ بن موسى. ووجدتُ في أصلِ سَماع أبي بخطِّهِ رحِمهُ الله، أنَّ محمد بن أحمد بن قاسم حدَّثهُم، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا نصرُ بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا أسدُ بن موسى، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ محمدُ بن خازِم، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ميمُونةَ، أنَّها سألتِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خادِمًا، فأعْطاها خادِمًا، فأعْتَقتها، فقال لها: "ما فَعلتِ الخادِمُ؟ " . قُلتُ: يا رسُولَ الله أعْتَقتُها. قال: "أما إنَّكِ لو أعْطَيتِها أخوالَكِ، كان أعظَمَ لأجرِكِ" .

  37. أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله، قال: أخبرنا مَسْلمةُ بن القاسم، قال: أخبرنا محمدُ بن زبّانَ (٢) ، قال: أخبرنا محمدُ بن رُمح، قال: أخبرنا اللَّيثُ، عن يزِيد بن أبي حبِيبٍ، عن عِراكَ بن مالكٍ، أنَّ عُروةَ بن الزُّبيرِ أخبرهُ، أنَّ رجُلًا من بني غِفارٍ لحِقَ برسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فصَحِبهُ، وترَكَ أبوَيهِ، فقال لهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يَمهُنُ لأبوَيكَ؟ " . قال: أنا. فأخْدَمهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خادِمًا، فلبِثَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أيامًا، ثُمَّ سألهُ عن العَبْدِ ما فعَلَ؟ قال: أعْتَقتُهُ. قال: "لو أعْطَيتهُ أبوَيكَ، كان خيرًا لكَ" (٣) .

  38. أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ الدَّيْبُليُّ (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن صُبَيح، قال: حدَّثنا سُفيانُ (٢) بن عُيَينةَ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ: أنَّ ميمُونةَ أعْتَقَتْ جارِيةً لها، فقال لها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أفلا أعْطَيْتِها أُختَكِ الأعرابِيّةَ" (٣) .

    قال أبو عُمر: يعني هُزَيلةَ، وهي أُمُّ حُفَيدٍ، والله أعلمُ.

    vol. 12, p. 219
  39. حديثٌ خامِسٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصعةَ، أنَّهُ بَلَغهُ، أنَّ عَمرو بن الجمُوح وعبدَ الله بن عَمرٍو الأنصارِيَّينِ ثُمَّ السَّلَمِيَّينِ (٢) كانا قد حفَرَ السَّيلُ قَبْرَهُما، وكان قبرُهُما ممّا يلي السَّيل، وكانا في قَبرٍ واحِدٍ، وهُما ممَّنِ استُشهِدَ يومَ أُحُدٍ، فحُفِرَ عنهُما ليُغيَّرا من مَكانِهِما، فوُجِدا لم يَتَغيَّرا، كأنَّما ماتا بالأمسِ، وكان أحدُهُما قد جُرِحَ، فوَضَعَ يَدهُ على جُرحِهِ، فدُفِنَ وهُو كذلك، فأُمِيطَتْ يدُهُ عن جُرْحِهِ، ثُمَّ أرسِلَتْ، فرَجَعتْ كما كانت، وكان بينَ أُحُدٍ، وبينَ يومَ حُفِرَ عنهُما سِتٌّ وأربعُونَ سَنةً.

    vol. 12, p. 220
  40. هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" مَقطُوعًا، لم يُختَلف على مالكٍ فيه (٣) ، وهُو يتَّصِلُ من وُجُوهٍ صِحاح، بمعنًى واحِدٍ مُتقارِبٍ.

    قال أبو عُمر: عبدُ الله بن عَمرٍو هذا، هُو والِدُ جابرِ بن عبدِ الله، وهُو عبدُ الله بن عَمرِو بن حرام.