عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق يكنى أبا محمد، رضي الله عنهم

357 paragraphs · vol. 12, p. 225

Page 9 of 9

  1. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ وأحمدُ بن زُهَيرٍ (٤) ، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ: أنَّ أبا بكرٍ خرَجَ مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ومعهُ أسماءُ بنتُ عُمَيسٍ، حتَّى إذا كان بذي الحُلَيفةِ، ولدَتْ أسماءُ محمد بن أبي بكرٍ، فاسْتَفتى لها أبو بكرٍ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: مُرْها فلتَغْتسِل، ثُمَّ تُهِلَّ.

    vol. 12, p. 317
  2. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ (٥) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن محمدٍ الفَرْوِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمرَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عائشةَ، فذَكَرهُ.

  3. ولهذا الاختِلافِ في إسنادِ هذا الحديثِ أرسلهُ مالكٌ، واللّهُ أعلمُ، فكثِيرًا ما كان يصنعُ ذلك.

  4. وقد رَوَى قِصَّةَ أسماءَ هذه جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيهِ، عن جابرٍ في الحديثِ الطَّوِيلِ (١) ، وهُو حديثٌ صحِيحٌ.

    vol. 12, p. 318
  5. ورَوَى ابنُ عبّاسٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الحائضِ والنُّفساءِ هذا المعنى (٢) .

  6. وهُو صحِيحٌ مُجتَمعٌ عليه لا خِلافَ بين العُلماءِ فيه، كلُّهُم يأمُرُ النُّفساءَ بالاغتِسالِ، على ما في هذا الحديثِ، وتُهِلُّ بحَجِّها (٣) ، وعُمرتِها، وهي كذلك، وحُكمُها حُكمُ الحائضِ، تقضِي المناسِك كلَّها وتَشهَدُها، غير أنَّها لا تَطُوفُ بالبيتِ حتَّى تطهُرَ.

  7. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا محمدُ بن عيسى (٥) وإسماعيلُ بن إبراهيم أبو مَعْمرٍ، قالا: حدَّثنا مَرْوانُ بن شُجاع، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرِمةَ ومُجاهِدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "النُّفساءُ والحائضُ إذا أَتَتا على الوَقْتِ تَغْتسِلانِ، وتُحرِمانِ، وتَقْضِيانِ المناسِك كلَّها، غيرَ الطَّوافِ بالبيتِ" . قال أبو داودَ: ولم يذكُرِ ابن عِيسى: عِكرِمةُ ومُجاهِدٌ. قال: عن عطاءٍ، عن ابنِ عبّاسٍ.

    vol. 12, p. 319قال أبو عُمر: في أمرِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أسماءَ، وهي نُفساءُ بالغُسلِ عِندَ الإهلالِ (١) ، وقولِهِ في الحائضِ والنُّفساءِ: أنَّهُما تغتسِلانِ، ثُمَّ تُحرِمانِ. دليلٌ على تأكِيدِ الغُسلِ للإحرام، إلّا أنَّ جُمهُورَ أهلِ العِلم لا يُوجِبُونهُ، وهُو عِندَ مالكٍ وأصحابِهِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، لا يُرخِّصُونَ في تَرْكِها، إلّا من عُذْرٍ بيِّنٍ.

  8. ورَوَى ابنُ نافِع، عن مالكٍ (٢) : أنَّهُ استحبَّ الأخذَ بقولِ ابنِ عُمرَ في الاغتِسالِ للإهلالِ بذي الحُليفةِ، وبذي طُوًى، لدُخُولِ مكَّةَ، وعِندَ الرَّواح إلى عَرَفةَ. قال: ولو تَرَكهُ تارِكٌ من (٣) عُذرٍ، لم أر عليه شيئًا.

    وقال ابنُ القاسم (٤) : لا يترُكُ الرَّجُلُ ولا المرأةُ الغُسلَ عِندَ الإحرام إلّا من ضرُورةٍ.

    قال: وقال مالكٌ (٥) : إنِ اغتسَلَ بالمدِينةِ وهُو يُرِيدُ الإحرام، ثُمَّ مَضَى من فورِهِ إلى ذي الحُليفةِ فأحرمَ، فأرى غُسلهُ مُجزِيًا عنهُ.

    قال: وإنِ اغتسَلَ بالمدِينةِ غُدوةً، ثُمَّ أقامَ إلى العشِيِّ، ثُمَّ راح إلى ذي الحُليفةِ فأحرَمَ. قال: لا يُجزِئُهُ الغُسلُ إلّا أن يغتسِلَ، ويركَبَ من فَورِهِ، أو يأتي ذا الحُليفةِ فيَغْتسِل إذا أرادَ الإحرامَ.

    قال أحمدُ بن المُعذَّلِ، عن عبدِ الملكِ بن الماجِشُونِ: الغُسلُ عِندَ الإحرام لازِمٌ، إلّا أنَّهُ ليسَ في تركِهِ ناسِيًا، ولا عامِدًا دمٌ، ولا فِديةٌ. قال: وإن ذكَرهُ بعدَ الإهلالِ، فلا أرى عليه غُسْلًا، ولم أسمع أحدًا قالهُ. قال: والحائضُ تَغتسِلُ لأنَّها من أهلِ الحجِّ، وكذلك النُّفساءُ، تَغْتسِلانِ للإحرام، أو للوُقوفِ بعرَفةَ.

    vol. 12, p. 320وقال ابنُ نافِع، عن مالكٍ: لا تَغتسِلُ الحائضُ بذي طُوًى؛ لأنَّها لا تطُوفُ بالبيتِ.

  9. وقد رُوِي عن مالكٍ أنَّها تغتسِلُ كما تغتسِلُ غيرُ الحائضِ، وإن لم تَطُف.

  10. وذكَرَ ابنُ خُوَيْزمَنْداد: أنَّ مذهَبَ مالكٍ في الغُسلِ للإهلالِ: أَنَّهُ سُنَّةٌ. قال: وهُو أوكَدُ عِندهُ من غُسلِ الجُمُعةِ. قال (١) : ولا يجُوزُ تركُ السُّنَّةِ اختِيارًا. قال: ومن تَرَكهُ فقد أساءَ، وإحرامُهُ صحِيحٌ، كمن صلَّى الجُمُعةَ على غيرِ غُسلٍ.

    قال: وقال الشّافِعيُّ (٢) : يَنْبغِي لمن (٣) أرادَ الإحرامَ أن يغتسِلَ، فإن لم يَفْعل فقد أساءَ إن تَعمَّدَ ذلك، ولا شيءَ عليه.

    قال: وقال أبو حنِيفةَ والأوزاعِيُّ والثَّورِيُّ (٤) : يُجزِئُهُ الوُضُوءُ. وهُو قولُ إبراهيم (٥) .

    وقال أهلُ الظّاهِرِ: الغُسلُ عِندَ الإهلالِ واجِبٌ على كلِّ من أرادَ أن يُحرِمَ بالحجِّ، طاهِرًا كان أو غير طاهِرٍ.

  11. وقد رُوِي عن الحسنِ البَصْرِيِّ ما يدُلُّ على هذا المذهبِ. قال الحسنُ: إذا نَسِي الغُسلَ عِندَ إحرامِهِ، فإنَّهُ يَغتسِلُ إذا ذكَرَه.

  12. وقد رُوِي عن عطاءٍ إيجابُهُ، ورُوِي عنهُ أنَّ الوُضُوءَ يَكْفِي عنهُ (٦) .

  13. حديثٌ تاسعٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيهِ، عن عبدِ الرَّحمنِ ومُجمِّع ابني يزِيد بن جارِيةَ الأنصاريِّ (٢) ، عن خَنْساءَ بنتِ خِذام الأنصارِيَّةِ: أنَّ أباها زوَّجها وهي ثيِّبٌ، فكرِهَتْ ذلك، فجاءَتْ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرَتْ ذلك لهُ، فردَّ نِكاحَها.

    قال أبو عُمر (٣) : قد جَرَى من ذِكرِ خَنْساءَ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٤) ما فيه كِفايةٌ.

    vol. 12, p. 321
  14. وهذا حديثٌ صحِيحٌ مُجتَمعٌ على صِحَّتِهِ، وعلى القولِ به؛ لأنَّ القائلِينَ: لا نِكاحَ إلّا بولِيٍّ. يقولُونَ: إنَّ الثَّيِّبَ لا يُزوِّجُها وليُّها، أبًا كان أو غيرهُ إلّا بإذنِها ورِضاها. ومن قال: ليسَ للولِيِّ مع الثَّيِّبِ أمرٌ. فهُو أحْرَى باستِعمالِ هذا الحديثِ، وكذلك الذين أجازُوا النِّكاحَ بغيرِ وليٍّ.

  15. وقد ذكَرْنا القائلِينَ بهذه الأقوالِ كلِّها، وذكَرْنا وُجُوهَها، والاعتِلالِ لها، في بابِ عبدِ الله بن الفضلِ.

  16. ومدارُ هذا الحديثِ ومَعناهُ، الذي من أجلِهِ وردَ: أنَّ الثَّيِّبَ لا يجُوزُ عليها في نِكاحِها إلّا ما تَرْضاهُ.

  17. ولا أعلمُ مُخَالِفًا في أنَّ الثَّيِّب لا يجُوزُ لأبيها، ولا لأحدٍ من أولِيائها إكراهُها على النِّكاح، إلّا الحَسَن البصرِيَّ.

  18. فإنَّ أبا بكر بن أبي شيبةَ ذكرَ، قال (١) : حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن يُونُسَ، عن الحَسَنِ، أَنَّهُ كان يقولُ: نِكاحُ الأبِ جائزٌ على ابنتِهِ، بكرًا كانَتْ أو ثيِّبًا، أُكرِهَتْ (٢) ، أو لم تُكرَه.

    وقال إسماعيلُ القاضِي: لا أعلمُ أحدًا قال في الثَّيِّبِ بقولِ الحسنِ.

    vol. 12, p. 322
  19. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٣) : أخبرنا مَعْمرٌ، عن صالح بن كَيْسانَ، عن نافِع بن جُبَيرِ بن مُطعِم، عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليسَ للولِيِّ مع الثَّيِّبِ أمرٌ" .

    وقال ابنُ القاسم: قال لي مالكٌ في الأخ يُزوِّجُ أُختهُ: الثَّيِّبَ برضاها، والأبُ يُنكِرُ، أنَّ ذلك جائزٌ على الأبِ. قال مالكٌ: وما لهُ ولها، وهي مالكةُ أمرِها (٤) !

    وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ في الثَّيِّبِ: لا ينبغِي لأبيها أن يُزوِّجها حتَّى يَسْتأمِرها، فإن أمَرَتهُ زَوَّجها، وإن لم تأمُرهُ، لم يُزوِّجها بغيرِ أمرِها، فإن زوَّجها بغيرِ أمرِها، ثُمَّ بلَغَها، كان لها أن تُجِيزهُ فيجُوز، أو تُبطِلهُ فيبطُل (٥) .

    وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ (٦) : قولُ مالكٍ في هذه المسألةِ: أَنَّهُ لا يجُوزُ، إلّا أن يكون بالقُربِ. فإنَّهُ استحسَنَ إجازتهُ، لأنَّهُ كان في وَقْتٍ واحِدٍ، وفَوْرٍ واحِدٍ، وإنَّما أبْطَلهُ مالكٌ، لأنَّ عقدَ الولِيِّ بغيرِ أمْرِ المرأةِ، كأنَّهُ لم يَكُن، ولو بلَغَ المرأةَ فأنكرَتْ، لم يكُن فيه طلاقٌ، لأنَّهُ لم يَكُن هُناك نِكاحٌ.

  20. وذكر عن أبي ثابتٍ، عن ابنِ القاسم، قال (١) : ولقد سألتُ مالكًا عن الرَّجُلِ يُزوِّجُ ابنهُ البالِغ، المُنقطِع عنهُ، أوِ ابنتهُ الثَّيِّب، وهي غائبةٌ عنهُ، فيَرْضيانِ بما فعلَ أبوهُما، فقال مالكٌ: لا يُقامُ على هذا النِّكاح، وإن رَضِيا، لأنَّهُما لو ماتا، لم يكُن بينهُما مِيراثٌ.

    قال (٢) : وسألتُ مالكًا عن الرَّجُل زوَّجَ أُختهُ، ثُمَّ بلَّغَها، فقالت: ما وكَّلتُ، ولا أرْضَى، ثُمَّ كلِّمت في ذلك، فرضِيت. قال مالكٌ: لا أراهُ نِكاحًا جائزًا، ولا يُقامُ عليهِ، حتَّى يَسْتأنِفا نِكاحًا جدِيدًا، إن أحبَّت.

    وقال الشّافِعيُّ (٣) وأحمدُ بن حنبل: ومن زوَّج ابنتهُ الثَّيِّب بغيرِ أمرها، فالنِّكاحُ باطِلٌ، وإن رَضِيَتْ. قال الشّافِعيُّ: لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَقُل لخَنْساءَ: إلّا أن تُجِيزِي.

    قال أبو عُمر: ليسَ في حديثِ مالكٍ في هذا البابِ ذِكرُ من (٤) كانَتْ خَنْساءُ تحتهُ، حِينَ آمَتْ منهُ، ولا منِ الذي زَوَّجها منهُ أبوها، فكَرِهتهُ، ولا إلى من صارَتْ بعد ذلك.

    vol. 12, p. 323
  21. وكانت خَنْساءُ هذه تحت أُنيسِ بن قَتادةَ، فآمَتْ منهُ، قُتِلَ عنها يوم أُحُدٍ، فزوَّجها أبوها رَجُلًا من بني عَوْفٍ فكرِهتهُ، وشكَتْ ذلك إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فردَّ ذلك التَّزوِيج، ونكحَتْ أبا لُبابةَ بن عبدِ المُنذِرِ.

  22. قرأتُ على خلفِ بن القاسم، أنَّ أبا عليٍّ سعِيدَ بن السَّكنِ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغوِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمر بن أبانٍ الجُعفِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحِيم بن سُليمانَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن حجّاج بن

    vol. 12, p. 324السّائبِ، عن أبيهِ، عن جَدَّتِهِ خَنْساءَ بنتِ خِذام: أنَّها كانَتْ أيِّمًا من رجُل، فزوَّجها أبوها رَجُلًا من بني عَوْفٍ، فحنَّتْ إلى أبي لُبابةَ بن عبدِ المُنذِرِ، فارتفَعَ شأنُها إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمَرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أباها أن يُلْحِقها بهواها، فتزوَّجَتْ أبا لُبابةَ (١) .

  23. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٢) : أخبرنا مَعْمرٌ، عن سعِيدِ بن عبدِ الرَّحمنِ الجَحْشِيِّ، عن أبي بكر بن محمدٍ: أنَّ رجُلًا من الأنصارِ يُقالُ لهُ: أُنَيسُ بن قَتادةَ، تزوَّجَ خَنْساءَ بنت خِذام، فقُتِلَ عنها يوم أُحُدٍ، فأنكَحَها أبوها رجُلًا من بني عوفٍ، فجاءَت إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إنَّ أبي أنكحني رجُلًا، وإنَّ عمَّ ولدِي أحبُّ إليَّ منهُ، فجعلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمرَها إليها.

    قال (٣) : وأخبرنا ابنُ جُريج، قال: أخبَرنا عطاءٌ الخُراسانِيُّ، عن ابنِ عبّاسٍ، أنَّ خِذامًا أبا وَدِيعةَ أنكَحَ ابنتهُ رجُلًا، فأَتَتِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فاشْتَكَتْ إليه: أنَّها أُنكِحَتْ وهيَ كارِهةٌ. فانتَزَعها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من زَوْجِها، وقال: "لا تُكْرِهُوهُنَّ" . فنكَحَتْ بعدَ ذلك أبا لُبابةَ الأنصارِيَّ، وكانت ثيِّبًا. قال ابنُ جُريج: أُخبِرتُ أنَّها خَنْساءُ ابنةُ خِذام، من أهْلِ قُباءٍ.

    قال عبدُ الرَّزّاقِ (٤) : وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن أبي الحُوَيرِثِ، عن نافِع بن جُبَيرٍ، قال: آمَتْ خَنْساءُ بنتُ خِذام، فزوَّجها أبوها وهي كارِهةٌ، فأَتَتِ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إنَّ أبي زوَّجني وأنا كارِهةٌ، وقد مَلَكتُ أمْرِي، قال: "فلا نِكاحَ لهُ، انْكِحِي من شِئْتِ" . فردَّ نِكاحَهُ، ونكَحَتْ أبا لُبابةَ الأنصارِيَّ.

  24. حديثٌ عاشِرٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن القاسم مُرسلٌ، يتَّصِلُ من وجهٍ صالح

    مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم بن محمدِ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لِيُعزِّ المُسلِمِينَ في مَصائبِهِمُ المُصِيبةُ بي" .

    قال أبو عُمر: هذا الحديثُ رَوَتْه طائفةٌ عن مالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن أبيه (٢) .

    vol. 12, p. 325
  25. وقد رُوِي مُسندًا، من حديثِ سَهْلِ بن سعدٍ السّاعِدِيِّ؛ رواهُ سعِيدُ بن أبي مريم، عن موسى بن يَعقُوبَ الزَّمعِيِّ، عن أبي حازِم، عن سَهْلِ بن سعدٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٣) .

  26. ورُوِي من حديثِ المِسْوَرِ بن مخرمةَ (٤) ، وحديثِ عائشةَ مُسندًا، وسَنذكُرُ ذلك كلَّهُ في هذا البابِ إن شاءَ الله.

  27. وذكر محمدُ بن يُوسُف (٥) الفِريابِيُّ، قال: حدَّثنا فِطْرُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا عَطاءُ بن أبي رَباح، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أصابتْ أحدَكُم مُصِيبةٌ، فليَذْكُر مُصِيبتَهُ بي، فإنَّها من أعْظَم المَصائبِ" (٦) .

  28. وقد رُوِي عن مالكٍ، عن نافِع، عن ابنِ عُمرَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ولا يصِحُّ هذا الإسنادُ فيه عن مالكٍ (١) ، وإنَّما هُو لمالكٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، كما في "المُوطَّأ" .

    vol. 12, p. 326
  29. وصدَقَ - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ المُصِيبةَ به أعْظَمُ من كلِّ مُصِيبةٍ يُصابُ بها المُسلِمُ بعدَهُ إلى يوم القِيامةِ، انقطَعَ الوَحْيُ، وماتتِ النُّبُوَّةُ، وكان أوَّلُ ظُهُورِ الشَّرِّ بارتِدادِ العَرَبِ، وغيرِ ذلك ممّا يَطُولُ ذِكرُهُ، وكان أوَّل انقِطاع الخيرِ، وأوَّل نُقصانِهِ.

    قال أبو سعِيدٍ الخُدرِيُّ: ما نَفْضنا أيَدِينا من تُرابِ قَبرِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، حتَّى أنكَرْنا قُلُوبنا (٢) .

  30. ولقد أحسن أبو العَتاهِيةِ في نَظمِهِ معنى هذا الحديثِ، حيثُ يقولُ (٣) :

    اصبِر لكلِّ مُصِيبةٍ وتجلَّدِ ... واعلَمْ بأنَّ المرءَ غيرُ مُخلَّدِ

    أوَ ما تَرَى أنَّ المصائبَ جمَّةٌ ... وتَرَى المنِيّةَ للعِبادِ بمَرْصدِ

    من لم يُصَبْ ممَّن تَرَى بمُصِيبةٍ ... هذا سبِيلٌ لسْتَ فيه بأوحدِ

    وإذا ذكرتَ محمدًا ومُصابهُ ... فاجعَلْ مُصابَكَ بالنَّبيِّ محمدِ

  31. وأحسن الرّاجِزُ في قولِهِ:
  32. لو كُنت يا أحمدُ فينا حيّا ... إذَنْ رشَدْنا وفقَدْنا الغيّا

    بأبي (٤) أنت وأُمِّي من نبِيِّ ... لم تر عَيْناي ولا عينُ أبيِّ

    vol. 12, p. 327ما حلَّ من بعدِكَ في الإسلام ... من الأذَىَ والفِتَنِ العِظامِ

    أليسَ من بعدِكَ قلَّ العدلُ ... وكَثُر الجَوْرُ وشاع القَتْلُ (١)

  33. ولأبي العتاهِيةِ (٢) :
  34. لنا فِكْرةٌ في أوَّلِينا وعِبرةٌ ... بها يقتَدي ذو العَقْلِ مِنّا ويهتَدِي

    لِكلِّ أخِي ثُكلٍ عَزاءٌ وأُسوةٌ ... إذا كانَ من أهلِ التُّقى في محمدِ

    ورحِمَ اللهُ أبا العَتاهِيةِ، فلقد أحسن حيثُ يقولُ (٣) :

    لِمن تَبْتغِي الذِّكرَى بما هُو أهلُهُ ... إذا كُنت للبَرِّ (٤) المُطهَّرِ ناسِيا

    تكدَّر من بَعدِ النَّبيِّ محمدٍ ... عليه صلاةُ الله ما كانَ صافِيا

    فكم من مَنارٍ كان أوضَحهُ لنا ... ومن عِلم أضْحَى وأصبَحَ عافِيا

    ركنّا إلى الدُّنيا الدَّنِيَّةِ بعدَهُ ... وكشَّفتِ الأطماعُ مِنّا المساوِيا

    في شِعرٍ طوِيلٍ مُحكم عجِيبٍ لهُ رحمةُ الله عليه.

  35. ومن أحسنِ ما قيل في هذا المعنى، قولُ منصُورٍ الفقِيهِ (٥) :

    ألا أيُّها النَّفسُ النَّؤُومُ تنبَّهِي ... وألقِ إليَّ السَّمعَ إلقاءَ حازِمَهْ

    ضلالٌ وإذهانٌ (٦) وظنٌّ مُكذَّبٌ ... رَجاؤُكِ أن تَبْقَيْ على الدَّهرِ سالمهْ

    وقد غُصَّ بالكأسِ الكَرِيهةِ أحمدٌ ... ومات فمات الحقُّ إلّا معالِمهْ

    vol. 12, p. 328عليه سلامُ الله ما فَضَلَ النَّدَى (١) ... وصدَّق ذو الشُّحِّ المُطاعُ لوائمَهْ

    أخبَرنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ بكرٌ بن عبد الرَّحمن (٢) العطّارُ، قال: حدَّثنا يحيى بن عُثمان بن صالح، قال: حدَّثنا حسّانُ بن غالِبٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ بن سعدٍ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ، عن المِسْوَرِ بن مخرمةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من عَظُمَتْ مُصِيبتُهُ، فليذكر (٣) مُصِيبتهُ بي، فإنَّهُ سَتهُونُ عليه مُصِيبتُهُ" . هكذا كتَبتُهُ عن أبي القاسم رحِمهُ الله من أصلِهِ، وقرأتُهُ عليه: اللَّيثُ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ. وهُو غيرُ مُتَّصِلٍ.

  36. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف وسعِيدُ بن سيِّدِ بن سعِيدٍ، قالا: أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُبيدِ بن حِسابٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن جَعْفرٍ، قال: أخبرني مُصعبُ بن محمدِ بن شُرَحبِيل، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، قالت: أقبلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في مَرَضِهِ على النّاسِ، فقال: "أيُّها النّاسُ، من أُصِيبَ مِنكُم بمُصِيبةٍ، فليتعزَّ بمُصيبتهِ (٤) بي من مُصِيبتِهِ التي تُصِيبُهُ، فإنَّهُ لن يُصابَ أحدٌ من أُمَّتي بَعدِي بمِثلِ مُصِيبتِهِ بي" (٥) .

  37. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا نُعَيمُ بن حمّادٍ (١) ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَلْقمةَ بن مَرْثدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ (٢) بن سابِطٍ، قال: قال (٣) رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أصابَتْ أحَدَكُم مُصِيبةٌ، فليذكُر مُصابهُ بي، وليُعزِّهِ ذلك من مُصِيبته" (٤) .

    vol. 12, p. 329