عبد الرحمن بن حرملة بن عمرو الأسلمي، أبو حرملة
86 paragraphs · vol. 12, p. 330
Page 2 of 3
- vol. 12, p. 341
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا إسحاقُ الأزرقُ، قال: حدَّثنا زكرِيّا، عن أبي إسحاقَ، عن البَراءِ، قال: اعتمرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ الحَجِّ (٤) .
- vol. 12, p. 342
وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في وُجُوب العُمرةِ:
فذهَبَ مالكٌ إلى أنَّ العُمرةَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، وقال في "مُوطَّئهِ" (١) : ولا أعلمُ أحدًا مِنَ المُسلِمِينَ أرخَصَ في تركِها.
-
وهذا اللَّفظُ يُوجِبُها، إلّا أنَّ أصحابهُ وتحصِيل مذهبِهِ على ما ذكرتُ لك.
وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: العُمرةُ تطوُّعٌ (٢) .
وقال الثَّوريُّ والشافعيُّ (٣) والثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ: العُمرةُ فَرِيضةٌ واجِبةٌ.
-
وهُو قولُ ابن عبّاسٍ، وابنِ عُمرَ، وزيدِ بن ثابتٍ، ومَسْرُوقٍ، وعليِّ بن حُسَينٍ، وعَطاءٍ، وطاوُوسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وابنِ سِيرِين، وسعِيدِ بن جُبَيرٍ، وغيرِهِم. واختُلِف في ذلك عن ابن مسعُودٍ (٤) .
قال أبو عُمر: رُوِي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال لسائلٍ سألَهُ عن العُمرةِ: أواجِبةٌ هي؟ فقال: "لا، ولأن تَعْتمِر خيرٌ لكَ" .
-
انفردَ (٥) به الحجّاجُ بن أرطاةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرٍ، قال: قال: شابٌّ (٦) : يا رسُولَ الله العُمرةُ واجِبةٌ؟ قال: "لا، ولأن تَعتمِرَ خيرٌ لكَ" (٧) .
- vol. 12, p. 343
وما انفردَ به الحجّاجُ بن أرطاةَ فلا حُجّة فيه.
-
ورُوِي عنهُ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "العُمرةُ تَطوُّعٌ" (١) بأسانِيدَ لا تصِحُّ ولا تقُومُ بمِثلِها حُجَّةٌ.
-
ورُوِي عنهُ - صلى الله عليه وسلم - في إيجابِها أيضًا ما لا تَقُومُ به حُجَّة من جِهَةِ الإسنادِ (٢) .
-
وأمّا الصَّحابةُ، فرُوِي عن ابن عُمر (٣) ، وابنِ عبّاسٍ، وزيدِ بن ثابتٍ، إيجابُ العُمرةِ (٤) . ولا مُخالِف لهم من الصَّحابةِ، إلّا ما رُوِي عن ابن مسعُودٍ، على اختِلافٍ عنهُ.
-
واختلَفَ التّابِعُونَ في هذه المسألةِ: فأوجَبَها بعضُهُم، وهُمُ الأكثرُ، ولم يُوجِبها بعضُهُم. وأكثرُ أهلِ الحِجازِ على إيجابِها، وأهلُ الكُوفةِ لا يُوجِبُونها.
-
وأمّا قولُ الله، عزَّ وجلَّ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] . فمُحتمِلٌ للتَّأوِيلِ.
vol. 12, p. 344قالت طائفةٌ: {وَأَتِمُّوا} بمعنَى أقِيمُوا الحجَّ والعُمرةَ للّه. هكذا قال: السُّدِّيُّ (١) وغيرُهُ.
-
ومن حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المذهب: أنَّ قولهُ عزَّ وجلَّ: {وَأَتِمُّوا} بمعنى: أقِيمُوا، وأقِيمُوا بمعنى أتِمُّوا، قال الله عزَّ وجلَّ: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النساء: ١٠٣] ، بمعنَى أتِمُّوا. وقال: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} بمعنَى (٢) : أقِيمُوا الحجَّ والعُمرةَ للّه.
-
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا الثَّورِيُّ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ مسرُوقًا يقولُ: أُمِرتُم في القُرآنِ بإقامَةِ أربع: أقِيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا (٣) الزَّكاةَ، وأقِيمُوا الحجَّ والعُمرةَ (٤) .
-
حدَّثنا خلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا ابن المِسورِ وبُكيرُ بن الحسنِ، قالا: حدَّثنا يُوسُفُ بن يزِيد القَراطِيسِيُّ (٥) ، قال: حدَّثنا أسَدُ بن موسى، قال: حدَّثنا إسرائيلُ وأبو الأحْوَصِ، عن أبي إسحاقَ، عن مسرُوقٍ، قال: أُمِرتُم في كِتابِ الله بإقامةِ أربع: بإقامةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وإقامَةِ الحجِّ والعُمرةِ إلى بيتِ الله (٦) .
قال أسدٌ: وحدَّثنا زُهيرُ بن مُعاويةَ، عن أبي إسحاقَ، عن مسرُوقٍ، قال: أُمِرتُم في كِتابِ الله المُنزَّلِ بإقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وإقام الحجِّ والعُمرةِ (٧) . قال: والعُمرةُ من الحجِّ، بمَنزِلةِ الزَّكاةِ من الصَّلاةِ.
vol. 12, p. 345وقال آخرُونَ: إنَّما خُوطِبَ بهذا من دخلَ في الحجِّ والعُمرةِ، ولا خِلافَ أنَّ من دخلَ في واحِدةٍ منهُما، أنَّ عليه إتمامها.
-
وقد قيلَ في الآيةِ قولٌ ثالِثُ، رُوِي عن عليِّ بن أبي طالِبٍ وجماعةٍ، أنَّهُم قالوا في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} : إتمامُها أن تُحرِمَ من دُويرةِ أهلِكَ ومَوْضِعِك (١) .
-
وهذا في معنى قولِ من قال: الإتمامُ يَقَعُ على الابتِداءِ.
-
روى شُعبةُ، عن عَمرِو بن مُرَّةَ، عن عبدِ الله بن سَلِمةَ، أنَّ رجُلًا أتى عليًّا رضِي الله عنهُ فقال: أرأيتَ قول الله تبارك وتعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} ؟ فقال: إتمامُها أن تُحرِمَ بها من دُويرةِ أهلِكَ (٢) .
-
أخبرنا محمدُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن نافع أبو الحسنِ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ إسحاقُ بن أحمدَ (٣) الخُزاعِيُّ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ المخزُومِيُّ أبو عُبيدِ الله، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرِو بن دِينارٍ، عن طاوُوسٍ، قال: سمِعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ، في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} : واللّه إنَّها لقرِينتُها في كِتابِ الله (٤) .
- vol. 12, p. 346
وحدَّثنا محمدُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن نافع، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله (١) بن الولِيدِ العدَنِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّورِيُّ، عن ابن جُريج، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: ليسَ أحدٌ من خلقِ الله إلّا وعليه حَجَّةٌ وعُمرةٌ واجبتانِ (٢) .
-
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا ابن جُرَيج، قال: أخبرني نافعٌ مولى ابن عُمرَ، أنَّهُ سمِعَ عبد الله بن عُمرَ يقولُ، فذكرهُ حرفًا بحرفٍ، وزادَ: منِ استطاعَ إلى ذلك سبِيلًا (٣) .
-
وحدَّثنا محمدُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن نافع، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أحمد، قال: حدَّثنا أبو عُبيدِ الله المخزُوميُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن عبدِ الله بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم: أنَّ العُمرةَ هي الحجُّ الأصغرُ.
قال سُفيانُ: وقال عبدُ الله بن مسعُودٍ: أُمِرنا بإقامةِ (٤) : الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والحجِّ، والعُمرةِ.
قال: وحدَّثنا أبو عُبيدِ الله سعِيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ المخزُومِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ المجيدِ بن عبدِ العزيزِ بن أبي روّادٍ وهُشامُ بن سُليمان المخزُومِيُّ، عن ابن جُرَيج قال: قال عطاءٌ: ليسَ من خلقِ الله أحدٌ إلّا عليه حجَّةٌ وعُمرةٌ واجبتانِ لا بُدَّ منهُما، لمنِ اسْتَطاعَ إليهما سَبِيلًا، إلّا أهل مكَّةَ، فإنَّ عليهم حجَّةً، وليسَ عليهم عُمرةٌ، من أجْلِ طَوافِهِم بالبيتِ (٥) .
vol. 12, p. 347وقال عبدُ الرَّزّاقِ: أخبرنا ابن جُريج، عن عَطاءٍ، مِثلهُ سواءً.
-
أخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا حفصُ بن عُمر، عن شعبةَ، عن سَعِيدِ بن أبي بُردةَ، قال: سمِعتُ الشَّعبِيَّ قرأ: "وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةُ للّه" (١) رفعًا، وقال الشَّعبِيُّ: ولا أراها إلّا تطوُّعًا. قال سعِيدٌ: وسمِعتُ أبي قرأ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} نصبًا، وقال: لا أراها إلّا واجِبةً (٢) .
قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا من أئمَّةِ القُرّاءِ تَعلَّق بالشَّعبِيِّ في قِراءتِهِ هذه، ولا تابَعهُ عليها، والنّاسُ على نَصْبِ "العُمرة" عطفًا على "الحجِّ" .
-
وقِراءةُ الشَّعبِيِّ ليسَتْ بصحِيحةِ المعنى؛ لأنَّ الإتمامَ يجِبُ في العُمرةِ، كما يجِبُ في الحجِّ لمن دخلَ في واحِدٍ منهُما بإجماع، ولو صحَّت قِراءةُ الشَّعبِيِّ، كان فيها خِلافُ الإجماع، وما خالَفهُ مردُودٌ، ومعلُومٌ أنَّ الحجَّ للّه، كما العُمرةُ للّه، لأنّ القصدَ بهما وجهُ الله تعالى ذكرُهُ (٣) ، فلا وجهَ لقِراءةِ الشَّعبِيِّ، واللّه أعلمُ.
-
حدَّثنا محمدُ بن خلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن نافع، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن زُنبُور، قال: حدَّثنا الفُضَيلُ بن عِياضٍ، عن منصُورٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: العُمرةُ: الحجُّ الأصغرُ (٤) .
- vol. 12, p. 348
وذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، قال: العُمرةُ على النّاسِ، إلّا على أهلِ مكَّةَ.
قال: وأخبَرنا مَعْمرٌ والثَّورِيُّ، عن لَيْثٍ، عن عَطاءٍ وطاوُوسٍ ومُجاهِدٍ، قالوا (١) : العُمرةُ واجِبةٌ، وتُجزِئُ منها المُتعةُ.
قال: وأخبَرنا الثَّورِيُّ ومَعْمرٌ، عن داود بن أبي هِندٍ، قال: قُلتُ لعطاءٍ: العُمرةُ علينا فرِيضةٌ كالحجِّ؟ قال: نعم، قُلتُ: أتُجزِئُنا منها المُتعةُ؟ قال: نعم (٢) .
قال: وأخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم، عن أبيهِ، قال: المُتعةُ في الحجِّ تُقْضَى. قال مَعْمرٌ: وقال الزُّهرِيُّ: كان أهلُ الجاهِليّةِ يقولُونَ: العُمرةُ: الحجُّ الأصغرُ (٣) . قال معمرٌ: وقال قتادةُ: العُمرةُ واجِبةٌ (٤) .
قال: وحدّثنا ابن جُرَيج، عن عمر بن (٥) عطاءٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: العُمرةُ واجِبةٌ كوُجُوبِ الحجِّ (٦) .
قال: وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن يُونُس، عن الحسنِ وابنِ سِيرِينَ، قالا: العُمرةُ واجِبةٌ.
vol. 12, p. 349قال (١) : وأخبَرنا معمرٌ والثَّورِيُّ، عن ابن جُريج، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: العُمرةُ واجِبةٌ.
قال (٢) : وأخبَرنا عبدُ الملكِ بن أبي سُليمانَ، قال: سألتُ سعِيد بن جُبيرٍ عن العُمرةِ: أواجِبةٌ هي؟ فقال: نعم، فقال لهُ قيسُ بن رُومان: فإنَّ الشَّعبِيَّ يقولُ: ليسَتْ واجِبةً. فقال: كذَبَ الشَّعبِيُّ، إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقولُ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} .
قال أبو عُمر: فهؤُلاءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ العُمرةَ واجِبةٌ، فَرضًا كالحجِّ.
-
وخالَفهُم غيرُهُم، على ما قدَّمنا ذِكرهُ في هذا البابِ، فذَهبُوا إلى أنَّ العُمرةَ سُنَّةٌ أو تطوُّعٌ، على حسَبِ ما ذكرنا عنهُم.
-
ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا عُثمانُ بن مَطرٍ، عن سعِيدٍ، عن أبي مَعْشرٍ، عن إبراهيم، عن ابن مسعُودٍ، قال: الحجُّ فرِيضةٌ، والعُمرةُ تطوُّعٌ (٣) .
قال: وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن سِماكٍ (٤) ، عن إبراهيمَ، قال: العُمرةُ سُنَّةٌ وليسَتْ بفرِيضةٍ.
-
وأمّا اختِلافُهُم في جَوازِ العُمرةِ مِرارًا في سَنةٍ واحِدةٍ:
فقال مالكٌ (٥) : لا أرَى لأحدٍ أن يعتمِرَ في السَّنةِ مِرارًا، وكَرِه عُمرتينِ في سَنةٍ واحِدةٍ. ومنعَ منهما للحاجِّ ما لم يتحلَّل من آخِرِ عَملِهِ بمِنًى.
- vol. 12, p. 350
ومن حُجَّةِ من ذهَبَ مذهب مالكٍ في ذلك: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَعْتمِر عُمرتينِ في عام واحِدٍ، واعتَمرَ ثلاثَ عُمَر أو أربعًا، كلُّ عُمرةٍ منها في سَنةٍ (١) .
-
ومن حُجَّتِهِ في ذلك أيضًا: أنَّ عائشةَ كانت في آخِرِ أمْرِها إذا حجَّت، بَقِيت بمكَّةَ حتَّى يُهِلَّ المُحرِمُ، ثُمَّ تخرُجُ من مكَّةَ إلى المِيقاتِ، فتُهِلُّ منهُ بعُمرةٍ. فكان يقعُ حجُّها في عام (٢) ، وعُمرتُها في عام آخرَ.
وقال أبو حنِيفةَ وأصحابُهُ: العُمرةُ مُباحةٌ في السَّنةِ كلِّها، إلّا يوم عرفةَ، ويوم النَّحرِ، وأيّام التَّشرِيقِ. قال: والحاجُّ وغيرُهُ في ذلك سواءٌ (٣) .
-
وروى بِشْرُ بن الوليدِ، عن أبي يُوسُف، قال: لا بأسَ بالعُمرةِ يومَ عرفةَ (٤) .
وقال الثَّورِيُّ: يَعتمِرُ مَتَى شاءَ.
وقال الحسنُ بن صالح بن حيٍّ: يَعتمِرُ في السَّنةِ كلِّها، إلّا في أيّام التَّشرِيقِ.
وقال الشّافِعيُّ (٥) : لا بأس أن يعتمِرَ في السَّنةِ مِرارًا ومتى شاءَ، إلّا الحاجَّ، فإنَّهُ لا يعتمِرُ ما دام حاجًّا.
-
(٦) قال أبو عُمر: ذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا عُبيدُ الله وعبدُ الله ابنا عُمرَ، عن نافع: أنَّ عبد الله بن عُمرَ اعتمرَ في السَّنةِ مرَّتينِ (٧) .
vol. 12, p. 351قال: وأخبَرنا معمرٌ والثَّورِيُّ، عن صَدَقةَ بن يَسارٍ، عن القاسم بن محمدٍ، أنَّ عائشةَ اعْتَمرت. قال الثَّورِيُّ في حدِيثهِ: مِرارًا في السَّنةِ. وقال معمرٌ في حدِيثهِ: ثلاثَ مرّاتٍ في سنةٍ. قال صدقةُ: فقُلتُ للقاسم: أنكَرَ ذلك عليها أحدٌ؟ فقال: أعلى أُمِّ المُؤمِنِين عائشةَ؟
قال أبو عُمر: في قولِ صدقةَ بن يَسارٍ للقاسم بن محمدٍ: أنكَرَ ذلك عليها أحدٌ؟ دليلٌ على أنَّ الاختِلافَ بين السَّلفِ في هذه المسألةِ قَدِيمٌ معرُوفٌ.
قال: وأخبَرنا ابن عُيينةَ، عن يحيى بن سعِيدٍ، عن سَعِيدِ بن المُسيِّبِ، قال: اعْتَمرت عائشةُ في سَنةٍ ثلاثَ مرّاتٍ: من الجُحْفةِ مرَّةً، ومرَّةً من التَّنعِيم، ومرَّةً من ذِي الحُلَيفةِ (١) .
قال: وأخبَرنا مَعمرٌ، عن صَدَقةَ بن يَسارٍ، قال: سمِعتُ القاسم بن محمدٍ يقولُ: في كلِّ شَهْرٍ عُمرةٌ، وكان يكرهُ عُمرَتينِ في شَهْرٍ واحِدٍ.
قال: وأخبرنا معمرٌ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، قال: في كلِّ شهرٍ عُمرةٌ.
قال: وأخبرنا الثَّورِيُّ، عن منصُورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا لا يَعْتمِرُون في السَّنةِ إلّا مرَّةً واحِدةً (٢) .
قال أبو عُمر: لا أعلمُ لمن كَرِه العُمرةَ في السَّنةِ مِرارًا حُجَّةً من كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، يجِبُ التَّسلِيمُ لمِثلِها، والعُمرةُ فِعلُ خيرٍ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} [الحج: ٧٧] ، فواجِبٌ استِعمالُ عُمُوم ذلك، والنَّدبُ إليه، حتَّى يَمنَعَ منهُ ما يجِبُ التَّسلِيمُ لهُ.
- vol. 12, p. 352
وأمّا اعتِمارُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ الحجِّ.
-
فقد ذكَرْنا فيه حدِيث ابن جُريج، عن عِكرِمةَ بن خالدٍ، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - اعْتَمرَ قبلَ أن يحُجَّ (١) . وهُو أمرٌ مشهُورٌ عِندَ جميع أهلِ السِّيرِ والعِلم بالأثرِ، يُغني عن الإسنادِ، وحدِيثُ ابن عُمرَ هذا حدِيثٌ ثابتٌ من جِهَةِ الإسنادِ مُتَّصِلٌ.
-
وممّا يدُلُّكَ على أنَّهُ اعتمرَ قبلَ الحجِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ عُمرتهُ كانَتْ والمُشرِكُونَ بمكَّةَ يَومئذٍ:
أخبرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢) : أخبَرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، يعني ابن أبي خالدٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي أوفى، قال: اعتمرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فطافَ بالبيتِ، ثُمَّ خرجَ بينَ (٣) الصَّفا والمروةِ يطُوفُ، فجَعْلنا نستُرُهُ من أهلِ مكَّةَ، أن يَرْمِيهُ أحدُهُم، أو يُصِيبهُ بشيءٍ.
قال أبو عُمر: ولم يكُن في حَجَّةِ الوداع بمكَّةَ رجُلٌ مُشرِكٌ، وهذا أشهرُ من أن يحتاج إلى الاسْتِشهادِ عليه.
-
وقدِ اعتمرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قبلَ حجَّتِهِ عُمَرًا، قيل: ثلاثًا، وقيل: أربعًا. وسَنذكُرُ ذلك، وما جاءَ فيه من الأثرِ، في بابِ هشام بن عُروةَ، ونزِيدُ ذلك بيانًا في بابِ بلاغاتِ مالكٍ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله.
- vol. 12, p. 353
ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا هشامُ بن حسّان، عن محمدِ بن سِيرِينَ، عن كثِيرِ بن أفلحَ، قال: سُئل زيدُ بن ثابتٍ، عن رَجُلٍ اعتمرَ قبل أن يحُجَّ، فقال: صَلاتانِ، لا يضُرُّك بأيِّهِما بدأت (١) .
قال هشامٌ: وقال الحسنُ: نُسُكانِ لا يضُرُّكَ بأيِّهِما بدأت.
قال: وأخبرنا الثَّورِيُّ، عن سُليمان التَّيمِيِّ وسعِيدٍ (٢) الجُرَيرِيِّ، عن حيّان بن عُميرٍ، قال: سألتُ ابن عبّاسٍ: أأعتمِرُ قبلَ الحجِّ؟ فقال: نُسُكانِ لله عليكَ، لا يضُرُّكَ بأيِّهِما بدأتَ (٣) .
قال حيّانُ: وقال ابن عبّاسٍ: العُمرةُ واجِبةٌ.
قال: وأخبرنا ابن عُيينةَ، عن هشام بن حُجيرٍ، قال: قيلَ لابنِ عبّاسٍ: تَزعُمُ أنَّ العُمرةَ قبلَ الحجِّ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} . قال ابن عبّاسٍ: فكيفَ تَقْرأُ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: ١١] أفبالدَّينِ تَبْدأُ أم بالوصِيَّةِ، وقد بَدَأ بالوصِيَّةِ؟
- vol. 12, p. 354
حدِيثٌ خامِسٌ لعبدِ الرَّحمنِ بن حرملةَ
مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن حَرْملةَ الأسلمِيِّ، عن سَعِيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَزالُ النّاسُ بخيرٍ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ" .
-
لم يختلِفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحدِيثِ، بهذا الإسنادِ (٢) ، وهُو مُتَّصِلٌ في "المُوطَّأ" (٣) من حدِيثِ مالكٍ، عن أبي حازِم، عن سهلِ بن سعدٍ.
-
ويتَّصِلُ أيضًا من غيرِ رِوايةِ مالكٍ، من حدِيثِ سهلِ بن سعدٍ، وأبي هريرةَ:
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قالا حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أبي حازِم، قال: سمِعتُ سَهْل بن سعدٍ السّاعِدِيَّ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزالُ النّاسُ بخيرٍ ما عجَّلُوا الفِطْرَ" (٤) .