(سالم بن أبي أمية) أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله
295 paragraphs · vol. 13, p. 321
Page 2 of 8
- vol. 13, p. 339
أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ شُعَيب، قال (٢) : أخبرنا محمودُ بنُ غَيْلان، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: أخبرنا شعبةُ، قال: أخبَرني عثمانُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ مَوْهَب، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّه بنَ أبي قتادةَ يُحدِّثُ، عن أبيه، أنهم كانوا في مَسيرٍ لهم، بعضُهم مُحرِمٌ، وبعضُهم ليس بمحرم، قال: فرأيتُ حمارَ وَحْشٍ، فركِبْتُ فرسي، وأخَذْتُ الرُّمحَ، فاستَعَنْتُهم فأبَوْا أن (٣) يُعينوني، فاختَلَسْتُ سوطًا من بعضِهم وشدَدْتُ على الحمارِ فأصَبْتُه، فأكَلوا منه فأشفَقوا (٤) . قال: فسُئل عن ذلك النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "هل أشرْتُم أو أعَنْتُم؟ " قالوا: لا. قال: "فكُلوه" .
- vol. 13, p. 340
حديثٌ ثالثٌ لأبي النَّضْر
مالكٌ (١) ، عن أبي النَّضْر مولى عمرَ بن عبيدِ اللَّه، عن عُمَيرٍ مولى ابن عباس، عن أمِّ الفضل بنتِ الحارث، أنّ ناسًا اختلَفوا عندَها في يوم عرفةَ في رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فقال بعضُهم: هو صائمٌ، وقال بعضُهم: ليس بصائم. فأرْسَلَت إليه بقَدَح لبنٍ وهو واقفٌ على بعيرِه، فشرِب.
قال أبو عُمر: مَحمَلُ هذا الحديث عندَنا أنَّه كان بعرفة، وقد رُوِيَ ذلك منصوصًا، وإذا كان بعرفةَ فالفطرُ أفضلُ؛ تأسِّيًا برسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقوّةً على الدُّعاء، وقد قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أفضلُ الدُّعاءِ دُعاءُ يوم عرفةَ" (٢) . ونهَى عن صوم يوم عرفةَ بعرفة (٣) . وتخصيصُه بعرفةَ دليلٌ على أنَّ غيرَ عرفةَ ليست كذلك، وقد رُوِيَ عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- فضلُ صوم يوم عرفة، وأنه يُكَفِّرُ سنتَين (٤) ، واللَّهُ أعلم.
-
وقد رُوِيَ عن ميمونةَ في هذا الباب مثلُ حديثِ أمِّ الفضل سواءً:
حدَّثناه أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيْم، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا الدَّراوَرْديُّ، عن إبراهيمَ بنِ عقبة، عن كُرَيْب، عن ابنِ عباس، عن ميمونةَ، أنهم تَمارَوا في صيام رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-
vol. 13, p. 341يومَ عرفة، فقالت ميمونة: سأبْعَثُ إليه بشَراب، فإن كان مُفْطِرًا لم يرُدَّه. فبعَثَت إليه بقَدَح لبن، فشرِب والناسُ يَنْظُرون؛ يعني يومَ عرفة (١) .
-
وكان مالكٌ والثوريُّ والشافعيُّ، يَختارون الفطرَ يومَ عرفةَ بعرفة. قال إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْس (٢) ، عن مالك، أنه كان يأمُرُ بالفطرِ يومَ عرفةَ في الحجِّ، ويَذكُرُ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان ذلك اليومَ مُفْطِرًا.
وقال الشافعيُّ: أُحِبُّ صومَ يوم عرفةَ لغيرِ الحاجِّ، فأما مَن حجَّ فأحَبُّ إليَّ أن يُفْطِرَ، ليُقَوِّيَه الفطرُ على الدعاء (٣) .
قال أبو عُمر: قولُ الشافعيِّ أحسنُ شيءٍ في هذا الباب، وكان ابنُ الزُّبير وعائشةُ يصومان يومَ عرفة (٤) .
-
وعن عمرَ بنِ الخطاب وعثمانَ بنِ أبي العاص مثلُ ذلك، إلا أنه قد جاء عن عمرَ أنه لم يَصُمْ يومَ عرفة. وهذا عندي على أنه بعرفة؛ لئلا تَتضادَّ عنه الروايةُ في ذلك.
- vol. 13, p. 342
وروَى سفيانُ بنُ عيينة، عن عمرِو بن دينار، عن عطاء، عن عبيدِ بنِ عمير، أن عمرَ بنَ الخطاب لم يَصُمْ يومَ عرفة (١) .
-
وأما عثمانُ بنُ أبي العاص فكان يصومُه.
-
وذكَر الفاكهيُّ (٢) قال: حدَّثنا حسينُ بنُ حسنٍ ويعقوبُ بنُ حميد، قالا: حدَّثنا المعتمرُ بنُ سليمان، قال: سمِعتُ حميدًا يحدِّثُ عن الحسن، قال: لقد رأيتُ عثمانُ بنَ أبي العاص يُرَشُّ عليه ماءٌ في يوم عرفةَ وهو صائم.
-
وهذا يَحتَملُ أن يكونَ بغير عرفةَ أيضًا.
قال (٣) : وحدَّثنا يعقوبُ بنُ حميد، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن ابن جابر، عن أبيه، عن عطاء، قال: صيامُ يوم عرفةَ كصيام ألفِ يوم.
-
وهذا أيضًا بغير عرفة، واللَّهُ أعلم. وكان إسحاقُ بنُ راهُويَةَ يَميلُ إلى صومِه بعرفةَ وغيرِ عرفة (٤) .
vol. 13, p. 343وقال قتادة: لا بأسَ به إذا لم يَضعُفْ عن الدُّعاء (١) . وكان عطاءٌ يقول: أصومُه في الشتاء، ولا أصومُه في الصيف (٢) . وهذا لئلا يُضْعِفَه صومُه في (٣) الحرِّ عن الدُّعاء. واللَّه أعلم.
-
وكان ابنُ عمرَ يقول: لم يَصُمْه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا أبو بكر، ولا عمرُ، ولا عثمانُ، فأنا لا أصومُه.
-
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمر (٥) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن ابن عمرَ قال: حجَجْتُ مع النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يَصُمْه، ومع أبي بكرٍ فلم يصُمْهُ، ومع عمرَ فلم يَصُمْه، ومع عثمانَ فلم يَصُمْه، وأنا لا أصومُه، ولا آمُرُ بصيامِه، ولا أنهى عنه (٦) .
- vol. 13, p. 344
وهذا يُوضِحُ لك أنَّ ذلك كان في الحجِّ بعرفة؛ لِما ذكَرْنا. واللَّهُ أعلم.
-
أخبرنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيم. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ (١) ، قالا جميعًا: حدَّثنا الحارثُ بنُ عبيدٍ أبو قدامةَ الإياديُّ، قال: حدَّثنا هوذة (٢) بنُ شهابِ بن عبّاد العَصَريُّ، عن أبيه، عن جدِّه قال: مرَّ عمرُ بنُ الخطاب بأبياتٍ بعرفاتٍ فقال: ما هذه الأبيات؟ قلنا: لعبد القيس. فقال لهم خيرًا، ودعا لهم، ونهاهم عن صوم يوم عرفة. قال: وحجَّ أبي وطَليقُ بنُ محمدٍ الخُزاعيُّ، فاختلَفا في صوم يوم عرفة، فقال أبي: بيني وبينَك سعيدُ بنُ المسيِّب. فأتيْناه فقلتُ له: يا أبا محمد، إنا اختلَفْنا في صوم يوم عرفةَ فجعَلْناك بينَنا. فقال: أنا أُخبِرُكم عمَّن هو خيرٌ مني؛ عبدُ اللَّه بنُ عمرَ، كان لا يَصومُه، وقال: حجَجْتُ مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومع أبي بكر، ومع عمرَ، ومع عثمانَ، فكلُّهم كان لا يصومُه، فأنا لا أصومُه.
vol. 13, p. 345قال أبو عُمر: مَحملُ هذا عندي بعرفةَ خاصةً، واللَّه أعلمُ، والآثارُ تدُلُّ على ذلك، ألا ترَى أنَّ في هذا الحديث عن عمرَ أنه مرَّ بأبياتٍ بعرفاتٍ لعبدِ القيس، ومعلومٌ أن عمرَ إنما كان يأتي في خلافتِه عرفةَ في أيام الحجِّ خاصةً، ومثلُ هذا حديثُ ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن ابن عمرَ، أنه سُئِل عن صيام يوم عرفة، فقال: حجَجْتُ مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يصُمْه، وحجَجْتُ مع عمرَ فلم يَصُمْه، وحجَجْتُ مع عثمانَ فلم يَصُمْه، وأنا لا أصومُه، ولا آمُرُ به، ولا أنهى عنه. وهذا يُبيِّنُ أنَّ ذلك في أيام الحجّ، وأنه لا يَصِحُّ النهيُ عن صوم يوم عرفةَ إلا بعرفةَ في أيام الحجِّ، ومثلُ هذا أيضًا حديثُ يحيى بن أبي إسحاق، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن ابنِ عمرَ في ذلك.
-
حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ قراءةً منّي عليه، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي إسحاق، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيِّب عن صوم يوم عرفة، فقال: كان ابنُ عمرَ لا يَصُومُه. فقلت: غيرُه؟ فقال: حسبُكَ به شيخًا (١) .
-
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حَوْشَبُ بنُ عَقيل، عن مَهْديٍّ
vol. 13, p. 346الهجَريِّ، قال: حدَّثنا عكرمةُ، قال: كنا عندَ أبي هريرةَ في بيتِه، فحدَّثنا أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن صوم يوم عرفةَ بعرفة.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَير، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حَوْشَبُ بنُ عَقيل، عن مهديٍّ الهجَريِّ، قال: حدَّثنا عكرمةُ قال: كنا عندَ أبي هريرةَ في منزلِه، فحدَّثنا أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن صوم يوم عرفةَ بعرفة.
-
وروى حمادُ بنُ زيدٍ وإسماعيلُ بنُ عُلَيّة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أفطَر رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعرفة، وبعَثَت إليه أمُّ الفضل بلبنٍ فشرِبَه.
-
وفي حديثِ حمادِ بنِ زيد، عن أيوبَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس، قال: حدَّثتني أمُّ الفضل أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أفطَر بعرفة، أتَتْه (١) بلبنٍ فشرِبه.
-
وحدَّثناهُ أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامة، قال: حدَّثنا داودُ بنُ نوح، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه أفْطَر بعرفة، وأُتِيَ برُمّانٍ فأكلَه، وقال: حدَّثَتني أمُّ الفضل. فذكَره (٢) .
-
وحديثُ ابن عُلَيّة ذكَره ابنُ أبي شيبة (٣) عنه.
- vol. 13, p. 347
وهذا كلُّه يدُلُّ على أنَّ فِطْرَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ عرفةَ في حديثِ أمِّ الفضلِ كان بعرفة.
-
وقد ذهبَت طائفةٌ إلى تركِ صوْمِه بعرفةَ وغيرِ عرفةَ للدُّعاء، وقالوا: دُعاءُ يوم عرفةَ بعرفةَ وغيرِها دعاءٌ مَرْجُوٌّ إجابتُه مرغوبٌ فيه (١) . وممن ذهبَ إلى هذا عُبَيدُ بنُ عُمَيْر ومحمدُ بنُ المنكدر (٢) . وكان ابنُ عبّاس يقولُ لأصحابه: مَن صحِبَني من ذكَرٍ أو أُنثى فلا يَصُمْ يومَ عرفة (٣) .
-
وروَى سفيانُ، عن سالم، عن سعيدِ بنِ جبير، أنه قال: أُفْطِرُ يومَ عرفةَ لأتقَوَّى على الدعاء (٤) .
-
وهذا ممكنٌ أن يكونَ بعرفة؛ لأنه موضعُ الاجتهادِ في الدُّعاء مع ما فيه القومُ من النَّصَب والتعَب بالسفَر. وأما ما رُوِيَ في فضْل صوْمِه، وذلك يَدُلُّ على أنه بغيرِ عرفة، واللَّهُ أعلم.
-
فحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا
vol. 13, p. 348داودُ بنُ شابور، عن أبي قَزَعة، عن أبي الخليل، عن أبي حَرْملة، عن أبي قتادة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "صيامُ يوم عرفةَ يُكَفِّرُ هذه السنةَ والتي تَليها" (١) .
-
وهذا حديثٌ (٢) اختُلِف في إسنادِه اختلافًا يطولُ ذكرُه، وأبو الخليل وأبو حَرْملةَ لا يُحتَجُّ بهما، وطائفة تقول: أبو حَرْملة. وطائفةٌ تقول: حَرْملةُ بنُ إياسٍ الشَّيبانيُّ. ولكنه صحيحٌ عن أبي قتادةَ من وجوه:
روَى شعبة، عن غَيْلان بن جريرٍ المِعْوليِّ، عن عبدِ اللَّه بن مَعْبد الزِّمّانيِّ، عن أبي قتادة، قال: سُئِل رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن صوم عرفةَ (٣) ، فقال: "يُكَفِّرُ السنةَ الماضيةَ والباقِية" . ذكَره أبو بكر بنُ أبي شيبة، عن شبابة، عن شعبة (٤) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّار، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن غَيْلانَ بنِ جرير، سمِع عبدَ اللَّه بن مَعْبَد الزِّمّانيَّ، عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سُئِل عن صوم يوم عرفة، فقال: "يُكَفِّرُ السنةَ الماضية والباقية" . وسُئِل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: "يُكَفِّرُ السنةَ الماضية" (٥) . وهذا إسنادٌ حسنٌ صحيح، وهو يَعضُدُ ما تقدَّم.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبد العزيز، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ أحمدَ الواسطيُّ،
vol. 13, p. 349قال: حدَّثنا عمرُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ اللَّه، عن عياضِ بنِ عبدِ اللَّه بن أبي سَرح، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن قتادةَ بنِ النعمان، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "صومُ يوم عرفةَ كَفّارةُ سَنَتيْن؛ سنةٍ أمامَه، وسنةٍ خلفَه" (١) .
قال أبو عُمر: إسحاقُ هذا هو ابنُ أبي فَرْوة، وهو ضعيف، والفضائلُ يُتسامَحُ في أسانيدِها.
-
وذكر الفاكهيُّ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا المعتمرُ بنُ سليمان، قال: قرأتُ على فُضَيْل، عن أبي حَرِيز، أنه سمِع سعيدَ بنَ جبيرٍ يُحدِّثُ، أنَّ رجلًا سأل ابنَ عمرَ عن صوم يوم عرفة، فقال: كنا ونحن مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نَعْدِلُه بصوم سنة.
-
وهذا يوضِحُ لك ما ذكَرْناه، وبذلك يَصِحُّ استعمالُ الروايات كلِّها عن ابنِ عمرَ وغيرِه في هذا الباب.
-
وأما حديثُ عُقبةَ بن عامر في هذا الباب: فحدَّثناه أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمد، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّة، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاوية وأبو بكر بنُ أبي شيبة (٣) ، قالا: حدَّثنا وكيعُ بنُ الجرّاح، عن موسى بن
vol. 13, p. 350عُلَيِّ بن رباحٍ (١) ، عن أبيه عن عُقبةَ بن عامرٍ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنّ يومَ عرفةَ ويومَ النَّحْرِ وأيّامَ التَّشريقِ عيدُنا (٢) أهلَ الإسلام، وهي أيّامُ أكْلٍ وشُرْب" .
-
وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٣) ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مسَرّة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ حيُّونَ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يزيدَ المُقرئ، عن موسى بن عُلَيِّ بنِ رباح (٤) ، عن أبيه، عن عُقبةَ بنِ عامرٍ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه (٥) .
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ انفردَ به موسى بنُ عُلَيٍّ عن أبيه، وما انفرَدَ به فليس بالقويِّ. وذِكْرُ يوم عرفةَ في هذا الحديث غيرُ محفوظ (٦) ، وإنّما المحفوظُ
vol. 13, p. 351عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من وُجوهٍ: يومُ الفِطْر، ويومُ النَّحْر، وأيّامُ التّشْريقِ أيّامُ أكْلٍ وشَرْب.
-
وقد أجمعَ العلماءُ على أنّ يومَ عرفةَ جائزٌ صيامُه للمُتمتِّع إذا لم يجِدْ هدْيًا، وأنّه جائزٌ صيامُه بغير مكّةَ، ومَنْ كرِهَ صوْمَه بعرفةَ فإنّما كرِهَه من أجْلِ الضَّعْفِ عن الدُّعاء والعَمل في ذلكَ الموقفِ والنّصَبِ للَّه فيه، فإنّ صيامَهُ قادرًا على الإتيانِ بما كُلِّفَ منَ العمل بعرفةَ بغيرِ حرَجٍ ولا إثم.
-
وفي حديث موسى بن عُلَيٍّ هذا ذِكْرُ عرفةَ وهذا حُكْمُه، وذِكرُ يوم النّحْر، وقد أجمَعُوا على أنه لا يحِلُّ لأحدٍ صومُه، وذِكْرُ أيّام التّشْريقِ وقدِ اختَلفَ العلماءُ في صيامِها للمُتمتِّع وغيرِه على ما يأتي ذِكْرُه في موضعِه من هذا الكتاب إن شاء اللَّه.
- vol. 13, p. 352
حديثٌ رابعٌ لأبي النَّضْر
مالكٌ (١) ، عن أبي النَّضْر، عن أبي سَلَمة، عن عائشة، أنها قالت: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصومُ حتّى نقول: لا يُفْطِرُ، ويُفطِرُ حتّى نقولَ: لا يصومُ، وما رأيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- استكمَلَ صيامَ شهرٍ قطُّ إلا رمضانَ، وما رأيتُه في شهرٍ أكثرَ صيامًا منهُ في شعبان.
-
ليس في هذا الحديث معنى يُشكِلُ، ولا للعلماء فيه تنازُعٌ، وصيامُ غير شهرِ رمضانَ نافلةٌ وتطوُّعٌ، والصيامُ جُنّةٌ (٢) وفِعْلُ خيرٍ وعملُ بِرٍّ، فمَنْ شاءَ استقلَّ منه (٣) ، ومَنْ شاءَ استكْثَر. وباللَّه التوفيقُ (٤) .
- vol. 13, p. 353
حديثٌ خامسٌ لأبي النَّضْر
مالكٌ (١) ، عن عبدِ اللَّه بنِ يزيد، وأبي النَّضْر، عن أبي سلَمة، عن عائشة، أنّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصلّي جالسًا فيقرأُ وهو جالسٌ، فإذا بقيَ من قراءَتِه قدْرُ ما يكونُ (٢) ثلاثينَ أو أربعينَ آيةً، قام فقَرأ وهو قائمٌ، ثم ركَعَ وسجَدَ، ثم صنَعَ في الرَّكعةِ الثانيةِ مثلَ ذلك.
-
لا خلافَ فيمَن افتتحَ صلاةَ نافلةٍ قاعدًا أنّ له أنْ يقومَ فيها، واختَلفوا فيمَن افتَتحَها قائمًا ثم قعَدَ، وقد ذكَرْنا ذلك في باب هشام بنِ عُروة (٣) .
-
وهذا الحديثُ في الموطّأ لمالكٍ عن عبدِ اللَّه بنِ يزيدَ وأبي النّضْر جميعًا، عن أبي سلَمة، عن عائشة، وقال فيه عُبيد اللَّه بنُ يحيى بن يحيى، عن أبيه، عن مالك، عن عبدِ اللَّه بنِ يزيدَ، عن أبي النّضْر؛ فسقط له الواو، وإنّما هو: وعن أبي النّضْر -هذا ما لا خلافَ بينَ الرُّواة فيه- ولا إشكال (٤) ، وروايةُ عُبيدِ اللَّه عن أبيه وهَمٌ واضحٌ لا يُعرَّجُ عليه؛ ولا يُلتفَتُ إليه ولا إلى مثْلِه، واللَّهُ المستعان.
vol. 13, p. 354قال أبو عُمر: ومعنى هذا الحديثِ في النافلة، ولا يجوزُ لأحدٍ أن يُصلِّي في الفريضةِ جالسًا وهو على القيام قادِرٌ، وقد مضى القولُ في هذا المعنى مُكرّرًا في مواضعَ من هذا الكتاب؛ وجائزٌ أن يُصلّي المرْءُ في النافلةِ جالسًا صلاتَه كلَّها وبعضَ صلاتِه -إن شاء- على ما في هذا الحديث وغيرِه، ومَن تطوَّعَ خيرًا فهو خيرٌ له، وهو مخيَّرٌ في النافلةِ كيف شاءَ من (١) قيام وقُعود، وأما الفريضةُ، فإنّه إذا ضعُفَ عن إتمامِها (٢) -قائمًا قعَدَ وبنَى على صلاتِه- كالعُرْيانِ يجدُ ثوبًا في الصّلاةِ فيَستتِرُ (٣) به. ويبْني ما لمْ يطُلْ عملُه في ذلك، وهذا بابٌ ليس هذا موضعَ استيفاءِ القولِ فيه، وباللَّه التوفيق.