سهيل بن أبي صالح
191 paragraphs · vol. 13, p. 455
Page 2 of 5
- vol. 13, p. 469
وكذلك رواه حمادُ بنُ زيد، عن يونُس وهشام وسماكِ بنِ عطيّة، عن الحسن، عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرة؛ حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيان،
vol. 13, p. 470قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبيد، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيد (١) .
-
ورواه ابنُ عون، عن الحسن، عن عبدِ الرحمن بنِ سَمُرة، فجعَل الحِنْثَ قبلَ الكفّارة (٢) .
-
وأمّا روايةُ أبي موسى الأشعريِّ، فأحسنُ ما فيها وأصحُّه تقديمُ الكفّارةِ قبلَ الحِنْث.
-
حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا سُليمانُ بنُ حرب، قال: حدَّثنا حمّادُ، قال: حدَّثنا غَيْلانُ بنُ جرير، عن أبي بُردةَ بن أبي موسى، عن أبيه، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنِّي واللَّه، إن شاءَ اللَّهُ، لا أحلِفُ على يمينٍ فأرى غيرَها خيرًا منها، إلا كفَّرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خيرٌ" ، أو قال: "أتيتُ الذي هو خير وكفّرتُ عن يميني" .
قال أبو داود (٤) : أحاديثُ أبي موسى الأشعريِّ، وعَدِيِّ بن حاتم، وأبي هريرة، كذا رُوِيَ عن كلِّ واحدٍ منهم في بعض الرواياتِ الكفّارةُ قبلَ الحِنْث، وفي بعض الرواياتِ الحِنْثُ قبلَ الكفارة.
vol. 13, p. 471قال أبو داود (١) : وسمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول: إنْ شاءَ كفَّرَ بعدَ الحِنْث، وإن شاءَ كفَّرَ قبلَ الحنث.
قال أبو عُمر: وعلى هذا مذهبُ مالك والشافعيِّ وأصحابِهما، وهو الثابتُ في حديثِ عبدِ الرحمن بنِ سَمُرةَ وأبي هريرة، وليس في هذا الباب أعلى منهما، ولا تُقدَّمُ الكفارةُ إلا في اليمينِ باللَّه خاصة.
وقال مالكٌ وجمهورُ أصحابِه إلا أشهبَ: من كفَّرَ عن غيرِه بأمرِه أو بغيرِ أمرِه أجزأَه (٢) .
وقال أشهب: لا يُجزئُه إذا كفَّرَ عنه بغيرِ أمرِه؛ لأنّه لا نيةَ للحالفِ في تلك الكفارةِ. واختاره الأبهريُّ (٣) ؛ لأنَّ الكفارةَ فرضٌ لا يتأدَّى إلا بنيةٍ إلى أدائه. وهذا قولُ الشافعيِّ وأكثرِ الفقهاء، وقد ذكَرنا هذه المسألةَ في تكفيرِ الرجلِ عن غيرِه في بابِ ربيعةَ من هذا الكتاب (٤) .
-
وكان أبو حنيفةَ وأصحابُه لا يُجيزون الكفّارةَ قبلَ الحِنْث، لأنّها إنما تجِبُ بالحِنْث (٥) ، والعَجَبُ لهم أنهم لا تجبُ الزكاةُ عندَهم إلا بتمام مرورِ الحَوْل، ويُجيزون تقديمَها قبلَ الحَوْل من غيرِ أنْ يَرْووا في ذلك مثلَ هذه الآثار، ويأبَون
vol. 13, p. 472من تقديم الكفارةِ قبلَ الحِنْثِ معَ كثرةِ الروايةِ بذلك. والحُجّةُ في السُّنة، ومن خالَفها محجوجٌ بها، واللَّهُ المستعان.
-
وأمّا الأَيْمانُ؛ فمنها ما يُكفَّرُ بإجماع، ومنها ما لا كفّارةَ فيه بإجماع، ومنها ما اختُلف في الكفّارة فيه؛ فأما التي فيها الكفّارة بإجماع من علماءِ المسلمين، فهي اليمينُ باللَّه على المستقبَل من الأفعال؛ وهي تنقسمُ قسمين:
أحدُهما: أن يحلفَ باللَّه لَيفعَلَنَّ، ثم لا يفعَلُ.
-
والآخر: أن يحلفَ ألَّا يفعَلَ في المستقبل أيضًا، ثم يفعَلَ.
-
وأمّا التي لا كفّارةَ فيها بإجماع فاللغوُ، إلا أنَّ العلماءَ اختَلفوا في مرادِ اللَّه من لغوِ اليمينِ التي لا يؤاخِذُ اللَّهُ عبادَه بها ولم يُوجِبِ الكفّارةَ فيها؛ فقال قوم: هو أن يحلِفَ الرجلُ على الماضي في الشيء، يظنُّ أكثرَ ظنِّه أنه كما حلَف عليه، وأنه صادقٌ في يمينِه، ثم ينكشفُ له بخلافِ ذلك. هذا قولٌ رُوِيَ معناه عن جماعةٍ من السلف:
أخبرنا عبدُ الوارث (١) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا دُحَيْم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ نافع، قال: حدَّثنا أبو مَعشَر، عن محمدِ بنِ قيس، عن أبي هريرة، قال: إذا حلَف الرجلُ على الشيءِ لا يظنُّ إلا أنه إيّاه، فإذا ليس هو، فهو اللَّغوُ، وليس فيه كفّارة (٢) .
- vol. 13, p. 473
وروَى ابنُ المبارك، عن الحجّاج (١) ، عن الوليدِ بنِ العَيْزار، عن عكرمةَ، عن ابن عبّاس - في قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: ٢٢٥] - قال: هو الرجلُ يحلِفُ على الأمرِ يرى أنّه كذلك وليس كذلك.
-
وجاء عن الحسن، وإبراهيم، وسليمانَ بنِ يسار (٢) ، ومجاهد، وأبي مالك، وزُرارةَ بنِ أوفى، مثلُ ذلك. وإليه ذهَب مالكٌ وأصحابُه، والأوزاعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه، إلا أنَّ مالكًا وأصحابَه يقولون: إنَّ اللغوَ: أن يحلِفَ على الشيءِ الماضي يوقنُ أنه كما حلَفَ عليه، ولا يشُكُّ فيه، فإنْ شكَّ فيه، فهي عندَهم يمينٌ غَموسٌ حنيئذٍ، لا كفّارةَ فيها؛ لعِظَم إثمِها كاليمينِ الغموسِ الكاذبةِ سواءً (٣) .
وقال آخرون: اللغوُ قولُ الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه، وهو غيرُ معتقدٍ لليمين، ولا مريدٍ لها. هذا قولُ عائشة (٤) وجماعةٍ من التابعين، وفقهاءِ المسلمين، منهم الشافعيُّ (٥) .
-
واختُلفَ عن ابنِ عباس في ذلك؛ فرُوِيَ عنه كقولِ أبي هريرة (٦) ، ورُوِي عنه
vol. 13, p. 474كقولِ عائشة (١) ، وهو قولُ عطاء، والشَّعبيِّ، والقاسم بنِ محمد، وعِكرمةَ، والحسنِ البصريِّ (٢) .
-
وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ في اللَّغو قولٌ ثالث -إن صحَّ عنه- قال: لغوُ اليمين: أن تحلِفَ وأنت غضبان (٣) .
وقال مسروق: اللغوُ من اليمين: كلُّ يمينٍ في معصيةٍ وليس فيها كفّارة (٤) .
وقال سعيدُ بنُ جُبير: هو تحريمُ الحلال، مثلَ أن يحلِفَ فيما لا ينبغي له، أو يحرِّمَ شيئًا هو له حَلال، فلا يؤاخذُه اللَّهُ بتركِه، ويؤاخذُه إنْ فعَلَهُ (٥) .
- vol. 13, p. 475
وأما التي اختُلف في الكفّارة فيها، فهي اليمينُ الغَموسُ، وهي: أنْ يحلِفَ الرجلُ على الشيء الماضي وهو يعلمُ أنه كاذبٌ في يمينِه، يتعمَّدُ ذلك (١) ؛ فذهَب الأكثرُ من العلماء إلى أنْ لا كفّارةَ فيها على ما ذكَرنا في باب العلاءِ من كتابِنا هذا (٢) .
-
وذهَب قومٌ -منهم الشافعيُّ والأوزاعيُّ (٣) - إلى أنَّ فيها الكفّارةَ. وقال ابنُ خَوَيْزمَنْداد حاكيًا عن أصحابِ مالكٍ ومذهبِه: الأيمانُ عندَنا ثلاثة؛ لغوٌ، وغَموسٌ لا كفّارةَ فيهما، ويمينٌ معقودةٌ فيما يُستقبَلُ، فيها الاستثناءُ والكفّارة. قال: وصفةُ اللَّغوِ أنْ يحلِفَ الرجلُ على الماضي أو الحالِ في الشيءِ يظنُّ أنه صادق، ثم ينكشِفُ له بخلافِ ذلك، فلا كفّارةَ عليه.
قال: والغَموسُ هو: أن يعمِدَ للكذبِ في يمينِه على الماضي. قال: ولا لغوَ في عتقٍ ولا طلاق، وإنما اللغوُ في اليمينِ باللَّه، وفيها الاستثناء. قال: وقال أبو حنيفة والثوريُّ والليثُ والطبريُّ بقولنا؛ أنْ لا كفارةَ في الغَموس. قال: وقال الأوزاعيُّ والشافعيُّ: في الغموسِ الكفّارةُ (٤) .
وقال الشافعيُّ: اللَّغوُ: سبقُ اللسانِ باليمينِ من غيرِ قصدٍ ولا اعتقادٍ، وذلك سواءٌ في الماضي والمستقبَل. قال الشافعيُّ: ولو عقَد اليمينَ على شيءٍ يظنُّه
vol. 13, p. 476صِدقًا، فانكشَفَ له خلافُ ذلك، فإنَّ عليه الكفّارةَ، وسواءٌ في ذلك الماضي والمستقبَل (١) .
قال أبو عُمر: اختلافُ السلفِ في اللغوِ على أربعةِ أقاويل:
أحدُها: قولُ مالكٍ ومَنْ قال بقوله في الرَّجل يحلِفُ على الشيءِ يرَى أنّه كذلك وليسَ كذلك، على ما تَقَدَّم.
وقال بعضهم: هي اليمينُ في الغَضَب.
وقال بعضُهم: هي اليمينُ في المَعْصية.
وقال بعضُهم: هو قولُ الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه من غيرِ اعتقادِ يمين، وهو قولُ عائشةَ وابنِ عباس في رواية، وإليه ذهَب الشافعيّ. وقال الثوريُّ في "جامعه" -وذكَره المَرْوزيُّ (٢) عنه أيضًا-: قال سفيانُ الثوريُّ: الأيمانُ أربعةٌ؛ يمينان تُكفَّران، وهو أن يقولَ الرجل: واللَّه لا أفعَلُ فيفعَلُ، أو يقول: واللَّه لأفعَلَنَّ ثم لا يفعَلُ. ويمينان لا تُكفَّران؛ أن يقول: واللَّه ما فعَلتُ، وقد فعَل، أو يقول: واللَّه لقد فعَلتُ، وما فعَل.
قال المَرْوَزيُّ: أمّا اليمينان الأولتان، فلا اختلافَ فيهما بينَ العلماء أنه على ما قال سفيانُ، وأما اليمينان الآخرتان، فقد اختَلف أهلُ العلم فيهما؛ فإنْ كان الحالفُ على أنه لم يفعَلْ كذا وكذا، أو أنه قد فعَل كذا وكذا، عندَ نفسِه صادقًا يرى أنه على ما حلَف عليه -فلا أثمَ عليه (٣) في قول مالك، وسفيان، وأصحاب الرأي. وكذلك قال أحمدُ، وأبو عبيد، وأبو ثور. وقال الشافعيُّ: لا إثمَ عليه، وعليه الكفّارةُ. قال المَرْوَزيُّ: وليس قولُ الشافعيِّ في هذا بالقويّ.
vol. 13, p. 477قال: وإنْ كان الحالفُ على أنه لم يفعَلْ كذا (١) ، وقد فعَل كذا، متعمِّدًا للكذب، فهو آثمٌ ولا كَفّارةَ عليه في قولِ عامةِ العلماء؛ مالك، وسفيان، وأصحاب الرأي، وأحمدَ بنِ حنبل، وأبي ثور، وأبي عُبيد، وكان الشافعيُّ يقول: يكفِّرُ.
قال: وقد رُوِيَ عن بعضِ التابعين مثلُ قولِ الشافعيّ.
قال المَرْوَزيُّ: أميلُ إلى قولِ مالك (٢) ، وسفيان، وأحمد.
قال: وأمّا يمينُ اللغوِ التي اتَّفقَ عامةُ العلماء على أنها لغوٌ، فهو قولُ الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه في حديثِه وكلامِه غيرَ معتقدٍ لليمينِ ولا مُريدِها.
قال أبو عُمر: قد مضَى من قولِه وحكايتِه عن مالك، وسفيان، وأصحاب الرأي، وأحمد، وأبي عبيد، وأبي ثور، في معنى اللغوِ غيرُ هذا، والذي حكاه في الوجهين جميعًا في اللغوِ صحيحٌ، والذي عليه أكثرُ العلماءِ ما ذُكِر آخِرًا، وهو قولُ عائشةَ وابنِ عباس. وقد مضَى في اليمينِ الغموسِ من كشفِ مذهبِ الشافعيِّ وسائرِ العلماءِ في ذلك ما فيه كفايةٌ وبيان، في بابِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن من كتابِنا هذا (٣) ، فلا معنى لتكريرِ ذلك ها هنا، وباللَّه التوفيقُ والرشادُ لا شريكَ له.
-
وذكَر ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونُس، عن ابن شهاب، أنَّ عُروةَ بنَ الزُّبير حدَّثه أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قالت: أيمانُ اللغوِ ما كان في المراءِ والهزلِ في المزاحةِ والحديثِ الذي لا يَعْقِدُ عليه القلبُ، وأيمانُ الكفّارةِ كلُّ يمينٍ حلفَ
vol. 13, p. 478فيها على وجهٍ من الأمر في غضبٍ أو غيرِه؛ ليفعَلَنَّ أو ليترُكنَّ. فذلك عقدُ الأيمانِ التي فرَض اللَّهُ فيها الكفّارة (١) .
قال ابنُ شهاب: قال اللَّه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: ٨٩] . وسئل عن الأيمانِ: ما توكيدُها؟ فقال: توكيدُها ما حلَف عليه الرجلُ أن يفعَلَه جادًّا، ففي تلك الكفّارة، وما كان من يمينٍ لغو، فإنَّ اللَّهَ قد عفا عنها.
-
وذكَر بقيٌّ، عن وَهْب، عن خالد، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: لغوُ اليمين أن يقولَ: لا واللَّه، وبَلَى واللَّه؛ صِلةَ الحديث (٢) .
قال: وحدَّثنا هنّادٌ، عن أبي الأحوص، عن مغيرة، عن الشعبيِّ، قال: اللغوُ قولُ الرجل: لا واللَّه، وبَلَى واللَّه؛ يصلُ بها كلامَه، ما لم يكنْ شيءٌ يعقِدُ عليه قلبَه (٣) . وهو قولُ عكرمة، وأبي صالح، وأبي قلابة، وطائفة (٤) .
-
وكان (٥) سعيدُ بنُ جبيرٍ يذهبُ إلى أنَّ اللغوَ أن يحلِفَ الرجلُ فيما لا ينبغي
vol. 13, p. 479له أن يحلفَ عليه؛ مثلَ: أن يحرِّم شيئًا هو له حلال، فلا يؤاخذُه اللَّه بتركِه، ولكن يؤاخذُه إنْ فعلَه. رواه شعبةُ عن أبي بشرٍ عنه (١) .
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يعقوبَ بن جَهْوَر، قال: حدَّثنا أبو أميّةَ محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه ابنِ كُناسَة، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان أبي لا يحنَثُ حتى نزَلتْ كفّارةُ اليمين (٢) .
-
واختلفوا في الكفّارة إذا ماتَ الحالفُ؛ فقال الشافعيُّ وأبو ثور: كفّاراتُ الأيمانِ تُخرَجُ من رأسِ مالِ الميِّت (٣) .
وقال أبو حنيفة: تكونُ في الثُّلُث. وكذلك قال مالكٌ إنْ أوْصَى بها (٤) .
- vol. 13, p. 480
حديثٌ خامسٌ لسُهيل
مالكٌ (١) ، عن سُهَيل بن أبي صالح السَّمّان، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ سعدَ بنَ عبادةَ قال لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أرأيتَ لو أنّي (٢) وجَدتُ مع امرَأتي رجلًا، أأُمهِلُه حتى آتي بأربعةِ شهداء؟ قال: "نعم" .
قال أبو عُمر: في هذا الحديث النهيُ عن قتلِ مَن هذه حالُه، تعظيمًا للدم، وخوفًا من التطرُّق إلى إراقةِ دماءِ المسلمين بغير ما أباحَها اللَّهُ به من البيِّنات أو الإقرارِ الذي يقامُ عليه، وسدًّا لبابِ الافتِئاتِ على السلطانِ في الحدودِ التي جُعلتْ في الشريعةِ إليه، وأُمِر فيها بإقامةِ الحقِّ على الوجوه التي ورَد التوقيفُ بها، وقد مضَى في غيرِ موضع من كتابِنا هذا ذكرُها. وثبَت عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "لو أُعطِيَ قومٌ بدعواهم، لادَّعى أقوامٌ دماءَ أقوام وأموالَهم" (٣) .
-
وروَى مالكٌ (٤) رحمه اللَّه، عن يحيى بن سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن رجلًا من أهلِ الشام يُدعَى: ابنَ خَيْبَريٍّ، وجَد مع امرأتِه رجلًا، فقتَله، أو قَتَلَها، فأشكَل على معاويةَ القضاءُ فيه، فكتَب إلى أبي موسى الأشعريِّ يسألُ له عليَّ بنَ أبي طالب، فسأل أبو موسى عن ذلك عليَّ بنَ أبي طالب، فقال له عليُّ بنُ أبي طالب:
vol. 13, p. 481إنَّ هذا لشيءٌ ما هو بأرضي، عزَمتُ عليك لَتُخبِرَنِّي، فقال أبو موسى: كتَب إليَّ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ: أسألُك عن ذلك. فقال عليٌّ: أنا أبو الحسن، إن لم يأتِ بأربعةِ شهداءَ فليُعطَ برُمَّتِه (١) .
-
فأدخل مالكٌ في "موطئه" قولَ عليٍّ هذا بأثَرِ حديثِه المسنَدِ عن سُهيلٍ تفسيرًا له، وكشفًا عن معناه، وعملًا به، ولم يَزِدْ على ذلك في بابه، وهو كافٍ على ما وصَفنا، وعلى ذلك جمهورُ العلماء.
-
وزعَم أبو بكرٍ البزّارُ أن مالكًا انفرَد بحديثه عن سُهيلٍ في هذا الباب، وأنه لم يَروِه غيرُه، ولا تابَعه أحدٌ عليه. وأظنُّه لما رَأى حمادَ بنَ سلمةَ قد أرسَله وأسنَده مالكٌ، ظنَّ أنه انفَرد به، وليس كما ظنَّ البزّارُ.
-
وقد رواه سليمانُ بنُ بلال، عن سُهيلٍ مسنَدًا، عن أبيه، عن أبي هريرةَ كما رواه مالكٌ، ورواه الدَّراوَرْديُّ أيضًا عن سُهيل بإسنادِه نحوَ روايةِ سليمانَ بن بلال:
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ مَخلد، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلال، قال: حدَّثني سهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال سعدُ بنُ عبادةَ لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: لو وجَدتُ رجلًا مع أهلي لم أقْتُلْه حتى آتيَ بأربعةِ شهداءَ؟ قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم" . قال: لا، والذي بعَثك بالحقِّ،
vol. 13, p. 482إن كنتُ لأُعاجِلُه بالسيفِ قبلَ ذلك. قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اسمَعوا إلى ما يقولُ سيدُكم، إنه لَغيورٌ، ولأنا أغيَرُ منه، واللَّهُ أغيرُ منّي" (١) (٢) .
-
وذكر مسلمُ بنُ الحجّاج (٣) ، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز، يعني الدَّراوَرْديَّ، عن لمُمهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنَّ سعدَ بنَ عبادةَ الأنصاريَّ قال: يا رسولَ اللَّه، أرأيتَ الرجلَ يجِدُ مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه؟ قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا" ، قال سعد: بلى والذي أكرَمكَ بالحقِّ، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اسمَعوا إلى ما يقولُ سيدُكم" .
-
وذكر مسلمٌ (٤) أيضًا حديثَ مالكٍ وحديثَ سليمانَ بنِ بلال، عن سُهيل، على حَسب ما ذكَرناهما ها هنا.
-
وأما حديثُ حمّادِ بنِ سَلَمة، فأخبرناه خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف (٥) ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عبدِ اللَّه البالسيُّ،
vol. 13, p. 483قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُ جميل، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمة، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن سعدِ بنِ عُبادة، أنه قال: يا رسولَ اللَّه، أرأيتَ لو رأيتُ رجلًا مع امرأتي لا أُحَرِّكُه حتى أدعُوَ أربعةً من الشهداء؟ فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نعم" . فقال: والذي أنزَل عليك الكتاب، إذنْ لأُعجِلنَّه بالسيف. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن سعدًا لَغيورٌ، وإني لأغيَرُ منه، وإنّ اللَّه لأغيَرُ منا" (١) .
قال أبو عُمر: يريد، واللَّه أعلم، أن الغيرةَ لا تُبيحُ للغيورِ ما حُرِّم عليه، وأنه يلزَمُه مع غَيرتِه الانقيادُ لحكم اللَّه ورسولِه، وألّا يتعدَّى حدودَه، فاللَّهُ ورسولُه أغيَرُ. ولا خلافَ عَلِمتُه بينَ العلماءِ فيمَن قتَل رجلًا ثم ادَّعى أنه إنما قتَله لأنه وجَده مع امرأتِه بينَ فخِذَيها، أو نحوَ ذلك من وجوهِ زِناه بها، ولم يُعلَمْ ما ذكَر عنه إلا بدَعواه، أنه لا يُقبَلُ منه ما ادَّعاه، وأنه يُقتَلُ به، إلا أن يأتيَ بأربعةِ شهداءَ يشهَدون أنهم رأوا وَطْأَه لها، وإيلاجَه فيها، ويكونَ مع ذلك محصَنًا مسلمًا بالغًا، أو مَن يَحِلُّ دمُه بذلك (٢) .
-
وفي حديث مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن عليٍّ، في قصةِ ابنِ خَيْبَريٍّ الذي قدّمنا، بيانُ ما وصَفنا، وقد رواه عن يحيى بنِ سعيدٍ كما رواه مالكٌ سواء: معمرٌ، والثوريُّ، وابنُ جريج؛ ذكَره عبدُ الرزاق (٣) عنهم.
- vol. 13, p. 484
وذكَر عبدُ الرزاق (١) ، عن مَعْمَر، عن الزُّهريِّ، قال: سأل رجلٌ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: رجُلٌ يجدُ مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه؟ فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا، إلا بالبيِّنة" . فقال سعدُ بنُ عبادة: وأيُّ بينةٍ أبينُ من السيف؟ فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا تسمَعون ما يقولُ سيدُكم؟ " . قالوا: لا تلُمْه يا رسولَ اللَّه؛ فإنه رجلٌ غيورٌ، واللَّه ما تزوَّج امرأةً قطُّ إلا بِكْرًا، ولا طلَّق امرأةً قطُّ، فاستَطاع أحدٌ منّا أن يتزوَّجَها. فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يأبَى اللَّهُ إلّا بالبيِّنة" .
قال (٢) : وأخبرنا مَعْمَر، عن كثيرِ بنِ زياد، عن الحسنِ، في الرجل يجدُ مع امرأتِه رجلًا، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كفى بالسيف شا" ، يريدُ أن يقول: شاهدًا فلم يُتِمَّ الكلمةَ حتى قال: "إذن يَتَتايعَ فيه السَّكرانُ والغَيرانُ" . فسَّر أبو عُبيدٍ (٣) التتايُعَ؛ قال: التهافُتُ وفعلُ الشيء بغيرِ تثبُّت.
-
وذكر عبدُ الرزاق (٤) ، عن معمَر، عن أيوب، عن عكرمةَ، قال: لما نزلت: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ} [النور: ٦] ، قال سعدُ بنُ عبادة: أي لُكَعُ، إن تفخَّذها رجلٌ فذهَبتُ أن أجمعَ الشهداء، لم أجمَعْهم حتى يقضيَ حاجتَه! فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا تسمَعون إلى قول سيِّدِكم؟ " . وذكَر معنى حديثِ ابنِ شهابٍ إلى آخرِه، وقال: فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا، إلا بالبيِّنةِ التي ذكَر اللَّه" .
-
وقد روَى أهلُ العراق في هذه المسألةِ، عن عمرَ بنِ الخطاب، أنه أهدَر دمَه (٥) . ولم يصحَّ، وإنما يصحُّ عن عمرَ أنه أهدَر دمَ الذي أراد اغتصابَ الجاريةِ
vol. 13, p. 485الهُذَليةِ نفسِها، فرمَتْه بحجر، ففضَّتْ كبِدَه، فمات، فارتفَعوا إلى عمر، فقال: ذلك قتيلُ اللَّه، واللَّه لا يُودَى أبدًا (١) .
-
ذكَره معمرٌ، عن الزهريِّ، عن القاسم بنِ محمد، عن عُبيدِ بنِ عُمير. قال الزهريُّ: ثم قضَت القضاةُ بعدُ بأن يُودَى (٢) .
قال أبو عُمر: ففي هذا جاء عن عمرَ أنه أهدَر دمَه؛ لأنها دفَعته عن نفسِها، فأتَى دفعُها على رُوحِه، لا في الذي وجَد مع امرأتِه رجلًا.
-
وقد روَى الثوريُّ، عن مغيرةَ بنِ النعمان، عن هانئ بنِ حَرام، أنَّ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا فقتَلَهما، فكتَب عمرُ بكتابٍ في العلانيةِ أن أقِيدُوه، وكتابٍ في السِّرِّ أن أعطُوه الديةَ (٣) . وهذا لا يصِحُّ مثلُهَ عن عمر، واللَّه أعلم، ولم تكنْ في أخلاقِه المداهنةُ في دينِ اللَّه (٤) .
-
وقد روَى هذا الحديثَ قَبِيصةُ بنُ عقبة، عن الثوريِّ، عن المغيرةِ بنِ النعمان، عن مالكِ بنِ أنس (٥) ، عن هانئ بنِ حَرَام (٦) . وهانئُ بنُ حَرام أو حِزام مجهولٌ، وحديثُه هذا لا حُجَّةَ فيه؛ لضعفِه.
- vol. 13, p. 486
وذكَر وكيعٌ، عن أبي عاصم (١) ، عن الشعبيِّ، قال: كان رجلان أخَوان من الأنصار يقالُ لأحدهما: أشعَثُ، فغزا في جيشٍ من جيوشِ المسلمين. قال: فقالت امرأةُ أخيه لأخيه: هل لك في امرأةِ أخيك، معها رجلٌ يحدِّثُها؟ فصعِد، فأشرَف عليه وهو معها على فراشِها، وهي تنتِفُ له دجاجةً، وهو يقول:
وأشعَثَ غرَّه الإسلامُ مني ... خلوتُ بعِرسِه ليلَ التِّمامِ (٢)
أبِيتُ على حشاياها ويُمسي ... على دهماءَ لاحِقةِ الحزامِ (٣)
كأنَّ مواضعَ الرَّبَلاتِ (٤) منها ... فِئامٌ قد جُمِعْنَ إلى فئامِ
قال: فوثَب إليه الرجلُ فضرَبه بالسيفِ حتى قتَله، ثم ألقاه، فأصبَح قتيلًا بالمدينة، فقال عُمر: أنشُدُ اللَّهَ رجلًا كان عندَه من هذا عِلمٌ إلا قام به. فقام رجلٌ، فأخبَره بالقصة، فقال: سُحْقٌ وبُعْدٌ (٥) .
قال أبو عُمر: هذا خبرٌ منقطعٌ، وليس فيه شهادةٌ قاطعةٌ على معاينةِ القتل، ولا إقرارِ القاتل، فلا حجةَ فيه، وقد روَى هذا الخبرَ ابنُ جريج، عن عبدِ اللَّه بنِ عُبيدِ بنِ عُمير، فجعَله في غير هذه القصة، وأنشَد الأبياتَ:
vol. 13, p. 487وأشعَثَ غرَّه الإسلامُ مني ... لهوتُ بعِرسِه ليلَ التِّمامِ
أبِيتُ على ترائبِها ويَطوِي ... على حمراءَ مائلةِ الحزامِ
كأنَّ مواضعَ الرَّبَلاتِ منها ... فِئامٌ يَرجِعون إلى فئامِ (١)
-
وقد ذكَر عبدُ الرزاق (٢) ، عن ابن جُريج، [قال: أخبرني ابنُ أبي نَجيح] (٣) ، عن مجاهد، أنه كان ينكِرُ أن يكونَ عمرُ أهدَر دمَه إلا بالبيِّنة. قال ابنُ جريج: وقال عطاء: لا، إلا بالبيِّنة.
-
وقد جاء عن عمرَ -في رجلٍ وجَد رجلًا في دارِه ملفوفًا في حصيرٍ بعدَ العَتَمة- أنه ضرَبه مئةَ جلدة (٤) .
-
وأصَحُّ ما في هذا ما قاله عليٌّ رضي اللَّه عنه: إن لم يأتِ بأربعةِ شهداءَ فليُعْطَ برُمَّتِه (٥) ، وهو معنى حديثِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقولِه في ذلك: "لا، إلا بالبيِّنة" . وعلى هذا جمهورُ الفقهاء.
-
وقد قال ابنُ القاسم في هذه المسألة: لو كان المقتولُ بِكرًا حدُّه الجلد، فقتَله، ثم أتَى بأربعةِ شهداءَ أنهم رأوا ذلك كالمِروَدِ في المُكْحُلة، قال ابنُ القاسم: يُستحَبُّ في هذا أن تكونَ الدِّيةُ على القاتلِ في مالِه، يؤدِّيها إلى أولياءِ المقتول. وغيرُه يرَى عليه في ذلك القَوَد؛ لأنه قتَل مَن لم يجِبْ عليه القتل.
- vol. 13, p. 488
وذكَر عبدُ الرزاق (١) عن الثّوريِّ، قال: إذا قطَعَ رجلٌ يدَ السارق، أو قتَلَ الزانيَ قبلَ أنْ يبلُغَ السُّلطانَ؛ فعلَيه القِصاصُ. وليس على الزاني والسارقِ غيرُ ذلك، قد أُخِذَ منهُما الذي كان عليهما، قال: وإذا قُتِلَ المُرتَدُّ قبلَ رفْعِه إلى السُّلطان، فليس على قاتِلِه شيءٌ.