هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر
859 paragraphs · vol. 14, p. 22
Page 14 of 22
- vol. 14, p. 229
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، في الدَّم والعَذِرَةِ والبولِ ونحوِه: إن صلَّى وفي ثوبِه من ذلك مقدارُ الدِّرْهم جازَت صلاتُه. وكذلك قال أبو حنيفةَ في الرَّوْث: حتى يكونَ كثيرًا فاحشًا.
-
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، في بولِ ما يُؤكَلُ لحمُه: حتى يكون كثيرًا فاحشًا (١) .
-
وذهَب محمدُ بنُ الحسن (٢) إلى أن بولَ كلِّ ما يُؤكلُ لحمُه طاهرٌ كقول مالك.
وقال الشافعيُّ (٣) : بولُ ما يُؤكَلُ لحمُه نَجِسٌ.
قال أبو عُمر: اختلافُ العلماءِ في أبوالِ ما يُؤكلُ لحمُه وما لا يُؤكلُ من البهائم ليس هذا موضِعَ ذكرِه، ولا موضِعَ اختلافِ الحجَّةِ فيه.
وقال زُفَرُ في البول: قليلُه وكثيرُه يُفسِدُ الصلاة. وفي الدم: حتى يكونَ أكثرَ من قدرِ الدِّرْهم.
وقال الحَسَنُ بنُ حيٍّ في الدم في الثوب: يُعيدُ إذا كان مقدارَ الدرهم، وإن كان أقلَّ من ذلك لم يُعِدْ. وكان يقول: إن كان في الجسدِ أعاد، وإن كان أقلَّ من قدرِ الدرهم. وقال في البولِ والغائط: يُفسِدُ الصلاةَ في القليلِ والكثيرِ إن كان في الثوب.
وقال الثوريُّ: يَغسِلُ الرَّوْثَ والدم. ولم يَعرِفْ قدرَ الدِّرْهم.
vol. 14, p. 230وقال الأوزاعيُّ في البولِ في الثوب: إذا لم يَجدِ الماءَ تيمَّم وصلَّى، ولا إعادةَ عليه إن وجَد الماء.
-
ورُوِي عن الأوزاعيِّ أنه إن وجَد الماءَ في الوقتِ أعاد. وقال في القيءِ يُصيبُ الثوبَ ولا يَعلمُ به حتى يُصلِّي: مضَت صلاتُه. وقال: إنما جاءت الإعادةُ في الرَّجيع. قال: وكذلك في دم الحيضِ لا يُعيدُ. وقال في البول: يُعيدُ في الوقت، فإذا مضَى الوقتُ فلا إعادةَ عليه (١) .
قال أبو عُمر: أقاويلُ الأوزاعيِّ في هذا البابِ مضطربةٌ لا يَضبِطُها أصلٌ.
-
وقال اللَّيثُ في البولِ والرَّوْثِ والدم وبولِ الدابّةِ ودم الحيضِ والمنيِّ: يُعيدُ، فات الوقتُ أو لم يفُتْ. وقال في يسير الدم في الثوب: لا يُعيدُ في الوقتِ ولا بعدَه. قال: وسمِعتُ الناسَ لا يَرَون في يسيرِ الدم يُصلّى به وهو في الثوب بأسًا، ويَرَون أن تُعادَ الصلاةُ في الوقتِ من الدم الكثير. قال: والقَيْحُ مثلُ الدم (٢) .
قال أبو عُمر: هذا أصحُّ عن الليثِ مما قدَّمنا عنه، وقد أورَدْنا في هذا البابِ أقاويلَ الفقهاءِ وأهلِ الفُتْيا مجملةً ومُفسَّرةً بعدَ إيرادِ الأصلِ الذي منه تفرَّعت أقوالُهم من الكتابِ والسُّنّةِ والإجماع.
-
والذي أقول به: إنّ الاحتياطَ للصلاةِ واجب، وليس المرءُ على يقينٍ من أدائِها إلا في ثوبٍ طاهرٍ وبَدَنٍ طاهرٍ من النَّجاسة، وموضعٍ طاهر، على حدودِها، فلينظُرِ المؤمنُ لنفسِه ويجتهِدْ.
-
وأما الفتوَى بالإعادةِ لمَن صَلَّى وحدَه وجاء مُستفتيًا فلا، إذا كان ساهيًا ناسيًا؛ لأنَّ إيجابَ الإعادةِ فرضًا يَحتاجُ إلى دليلٍ لا تَنازُعَ فيه، وليس ذلك موجودًا
vol. 14, p. 231في هذه المسألة. وقد رُوِيَ عن ابن عمرَ وسعيدِ بنِ المسيِّب وسالم وعطاء وطاووس ومجاهد والشعبيِّ والزهريِّ ويحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ في الذي يُصلِّي بالثوبِ النَّجِس وهو لا يعلَمُ، ثم علِم بعدَ الصلاة، أنه لا إعادةَ عليه (١) . وبهذا قال إسحاق، واحتجَّ بحديثِ أبي سعيدٍ المذكورِ في هذا الباب.
قال أبو عُمر: والحديثُ حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سَلَمة، عن أبي نَعامةَ السعديِّ، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: بينما رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي بأصحابِه إذ خلَع نعلَيْه فوضَعهما عن يسارِه، فلما رأى ذلك القومُ ألقَوْا نِعالَهم، فلما قضَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلاتَه قال: "ما حمَلكم على إلقاءِ نعالِكم؟ " . قالوا: رأيناك ألقَيْتَ نعلَيْك فألقَيْنا نِعالَنا. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن جبريلَ أتاني فأخبَرني أنَّ فيهما قَذَرًا" . وقال: "إذا جاء أحدُكم المسجدَ فلينظرْ؛ فإن رأى في نعليْه قَذَرًا أو أذًى فلْيَمسحْ ولْيُصلِّ فيهما" .
-
وهكذا رواه أبو الوليدِ الطيالسيُّ (٣) ، ويزيدُ بنُ هارون (٤) ، وعفانُ بنُ مسلم (٥) ، عن حمادِ بنِ سَلَمةَ بإسنادِه مثلَه.
- vol. 14, p. 232
ورواه حمّادُ بنُ زيد، عن أيوب (١) ، عن أبي نَضْرَةَ مرسلًا (٢) .
-
ورواه أبانٌ، عن قتادة، عن بكر المزنيِّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه (٣) .
-
ففي هذا الحديثِ ما يَدُلُّ على جوازِ صلاةِ مَن صلَّى وفي ثوبِه نجاسة، إذا كان ساهيًا عنها غيرَ عالم بها، على ما ذهَب إليه هؤلاء من التابعين وغيرِهم، وفي ذلك دليلٌ على أن غَسْلَ النجاساتِ ليسَ بفَرض، واللهُ أعلم.
-
وقد احتجَّ بعضُ أصحابنا بحديثِ ابنِ مسعود، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا وضَعَ عُقبةُ بنُ أبي مُعَيطٍ سَلى (٤) الجَزُورِ على ظهرِه وهو يُصلِّي، فلم يَقطَعُ لذلك صلاتَه (٥) .
- vol. 14, p. 233
كان ذلك دليلًا على أن النَّجاسةَ ليس بفرضٍ غَسْلُها، ولو سَلِم له ظاهرُ هذا الحديثِ بأن يكونَ السَّلَى من جَزُورٍ غيرِ مُذكَّى، لَمَا كان غَسْلُ النَّجاساتِ سُنّةً ولا فرضًا، وقد أجمَعوا أن من شرطِ الصلاةِ طهارةَ الثيابِ والماءِ والبدنِ والموضع، فدلَّ على نسْخِ هذا الخبر، وفي هذا الحديث نظرٌ.
-
وقد رُوِيَ عن ابن مسعودٍ في ذلك نحوُ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ:
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (١) : حدَّثنا أبو غسّان مالكُ (٢) بنُ إسماعيلَ النَّهديُّ، عن زُهيرِ بنِ معاوية، قال: أخبَرنا أبو حمزة، عن إبراهيمَ بنِ يزيد، عن علقمة، عن عبدِ الله بنِ مسعود، قال: خلَع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - نعلَيْه وهو يُصلِّي، فخلَع مَن خلفَه، فقال: "ما حمَلكم على خَلع نِعالِكم؟ " . قالوا: يا رسولَ الله، رأيناك خلَعتَ فخلَعْنا. قال: "إن جبريلَ أخبَرني أن في إحداهما قَذَرًا، فإنما خلَعتُهما لذلك، فلا تخلَعُوا نِعالَكم" .
-
وأما قولُ مَن قال بالإعادةِ في الوقتِ لمَن صلَّى بثوبٍ نجس، فإنما ذلك استحبابٌ واستحسانٌ ليُدرِكَ فضلَ السُّنةِ والكمالَ في الوقت، على ما تقدَّم ذكرُنا له.
-
وروَى حمادُ بنُ زيد، عن هشام بنِ حسّانَ والأشعثِ الحُمرانيِّ، أن الحسنَ كان يقول: إذا رأى في ثوبِه دمًا بعدما صلَّى أنه يُعيدُ ما كان في الوقت، وإن كان في جلدِه أعاد وإن ذهَب الوقت.
vol. 14, p. 234قال حمادٌ: وقال هشام: إذا رأى دمًا أو جنابةً أو نجاسةً أعاد وإن ذهَب الوقت. وقاله أبو قلابة (١) . وهو قولُ أبي حنيفة، والشافعيِّ، وأحمدَ، وأبي ثور، والطبريِّ؛ لأنَّ الإعادةَ إذا وجَبتْ لم يُسقِطْها خروجُ الوقت (٢) .
-
ولا فرقَ في القياس بينَ البدنِ والثوب، وقد تقدَّمت الحجَّةُ في هذا الباب لكِلا القولَين (٣) .
-
والذي يَصِحُّ عندي في مذهبِ مالكٍ بما أقطَعُ على صحَّتِه عنه فيما دلَّ عليه عُظْمُ مذهبِه في أجوبتِه، أنه مَن صلَّى بثوبٍ نجِسٍ فيه نجاسةٌ ظاهرةٌ لا تَخفَى، فإنه يُعيدُ أبدًا، كمَن صلَّى بماءٍ قد ظهَرت فيه النجاسةُ فغيّرتْه، أو كمَن تيمَّم على موضع النجاسةُ فيه ظاهرةٌ غالبةٌ، ومَن صلَّى بثوبٍ قد استيقَنَ فيه نجاسة، إلا أنها غيرُ ظاهرةٍ فيه، أعاد في الوقت، وعليه أن يغسِلَه كلَّه لما يستقبَلُ، كمَن توضَّأ بماءٍ لم تُغيِّره النجاسةُ، أو تيمَّم على موضع لم تَظهَرْ فيه نجاسة. هذا عندي أصحُّ ما يَجيء على مذهبِ مالك، وما استوحِشُ ممّن خالَفني عنه في ذلك، وبالله العصمةُ والتوفيقُ لا شريكَ له.
-
وأما قولُ مَن راعَى (٤) في النجاساتِ قدرَ الدِّرهم، فقولٌ لا أصلَ له ولا معنى يَصحُّ؛ لأنَّ التحديدَ لا يثبُتُ إلا من جهةِ التوقيفِ لا من جهةِ الرأي.
- vol. 14, p. 235
وقياسُهم ذلك على حَلْقةِ الدُّبُرِ في الاستنجاء، مع إقرارِهم أن ذلك موضعٌ مخصوصٌ بالأحجار؛ لأنها لا تُزيلُ النجاسةَ إزالةً صحيحةً كالماء، وأنّ ما عدا المَخْرجَ لا يُطهِّرُه إلا الماء، أو ما يَعملُ عَمَلَ الماءِ عندَهم في إزالةِ عينِ النَّجاسة، قياسًا على غيرِ نظيرٍ ولا علَّةٍ معلولة، وبالله التوفيق.
-
وأما قوله: "ثم لتَنْضَحْه بالماء، ثم لتُصَلِّ فيه" فيَحتمِلُ أن يكونَ النَّضحُ هاهنا الغَسْلَ، على ما بيَّنّا في غيرِ موضع من كتابنا هذا. ويَحتملُ أن يكونَ النَّضْحُ الرَّشَّ لما شُكَّ فيه ولا يُرَى، فيقطَعُ بذلك الوسوسة، إذ الأصلُ في الثوبِ الطهارةُ حتى تُستيقَنَ النجاسةُ، فإذا استوقِنتْ لزِم الغسلُ والتطهيرُ. وأما الرَّشُّ، فلا يُزيلُ نجاسةً في النظر، وقد بيَّنّا أيضًا هذا المعنَى في مواضعَ من هذا الكتاب، ولولا أن السلفَ جاء عنهم النَّضْحُ ما قلنا بشيءٍ منه، ولكن قد جاءَ عن عُمرَ حينَ أجنَبَ في ثوبه: أغسِلُ ما رأيتُ، وأنضَحُ ما لم أرَ (١) . وعن أبي هريرةَ وغيرِه مثلُ ذلك (٢) . وذلك عندي، والله أعلمُ، قطعٌ لحَزازات النُّفوس ووَساوِس الشيطان.
- vol. 14, p. 236
روَى الأوزاعيُّ، عن عبدِ الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: إذا حاضت المرأةُ في الثوب، ثم طهُرَتْ فالتَتَّبِع (١) ما أصابَ ثوْبَها منَ الدَّم فلْتَغْسِلْهُ وتَنضَحْ باقِيَه، ثم تُصلِّي فيه.
-
وفي هذا الحديثِ وحديثِ أسماءَ المذكور في هذا الباب دليلٌ على أنّ قليلَ الماءِ يُطَهِّرُ النَّجاسةَ إذا غلَبَ عليها واستَهلَكها. ومعلومٌ أنّ دمَ الحيضِ في ذلك الثّوبِ قد طهَّرهُ ما دونَ القُلَّتَين، وقد بيَّنّا الصَّحيح عندنا في الماءِ من مذاهبِ العلماءِ في باب إسحاقَ بنِ أبي طلحة (٢) ، والحمدُ لله.
- vol. 14, p. 237
حديتٌ خامسٌ وثلاثونَ لهشام
مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن فاطمةَ بنتِ المنذر، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، أنها قالت: أتيتُ عائشة حين خسَفتِ الشمسُ، فإذا الناسُ قيامٌ يصلُّون، وإذا هيَ قائمةٌ تُصلِّي، فقلت: ما للناس؟ فأشارَت (٢) نحو السماء، وقالت: سُبحان الله! فقلت: آيةٌ (٣) ؟ فأشارَت برأسِها أن نَعَم. قالت: فقمتُ حتى تجلّاني الغَشْيُ، وجعلتُ أصُبُّ فوقَ رأسي الماء، فحمِدَ اللهَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأثنَى عليه، ثم قال: "ما مِن شيءٍ كنتُ لم أرَهُ إلا وقد رأيتُه في مقامي هذا، حتى الجنةَ والنارَ، ولقد أُوحيَ إليَّ أنكم تُفتَنونَ في القبور مِثْلَ أو قريبًا من فتنةِ الدّجّال - لا أدري أيَّتهما قالت أسماءُ - يُؤتَى أحدُكم فيقال له: ما عِلْمُك بهذا الرجل؟ فأمّا المؤمنُ أو الموقنُ - لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماءُ - فيقول: هو محمدٌ رسولُ الله، جاءنا بالبيِّنات والهدى، فأجَبْنا وآمَنّا واتَّبَعْنا. فيقال له: نَمْ صالحًا، قد عَلِمنا إنْ كنتَ لمؤمنًا. وأما المنافقُ أو المُرْتابُ - لا أدري أيَّهما قالت أسماءُ - فيقول: لا أدري، سمِعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه" .
-
قد مضَى معنَى الكُسُوف والخُسُوف في اللغة، فيما تقدَّم من حديث هشام (٤) ، ومضَت معاني صلاة الكُسُوف في باب زيدِ بنِ أسلم (٥) .
- vol. 14, p. 238
وفي هذا الحديث من الفقه: أنَّ الشمسَ إذا كسَفت بأقلِّ شيءٍ منها، وجَبت الصلاةُ لذلك على سنَّتِها؛ ألا ترى إلى قولِ أسماء: "ما للناس؟ " فأشارت لها عائشةُ إلى السَّماء، فلو كان كُسُوفًا بَيِّنًا ما خفيَ على أسماءَ ولا غيرِها حتى تحتاجَ أن يُشارَ إلى السماء.
وقالت طائفةٌ من أصحابنا وغيرهم: إنَّ الشمسَ لا يُصلَّى لها حتى تسوَدَّ بالكُسوفِ أو يسْوَدَّ أكثرُها؛ لِما رُوىَ في حديثِ الكُسُوف: "إنَّ الشمسَ كُسف بها وصارَت كأنها تَنُّومَةٌ" (١) ؛ أي: ذهَب ضوْؤها واسودَّت، والتَّنُّومُ: نباتٌ أسود. وهذا القولُ ليسَ بشيء؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: لا يُصلَّى لكُسوفِها حتى تَسودَّ. بل صَلَّى لها في كلتا الحالتَين، وليس في إحداهما ما يدفَعُ الأخرى، وليس ما ذُكر في الصِّحَّة كحديثِ أسماء.
-
وفيه أيضًا من الفقه: دليلٌ على أن خُسُوفَ الشمس يصلَّي لها في جماعة، وهذا المعنى وإن قام دليلُه من هذا الحديث، فقد جاء منصوصًا في غيرِه، والحمدُ لله، وهو أمرٌ لا خلافَ فيه، وإنما الاختلافُ في كيفيةِ تلك الصلاة.
-
وفيه دليلٌ على أن صلاةَ خُسُوفِ الشمسِ لا يُجهَرُ فيها بالقراءة، وقد ذكَرنا
vol. 14, p. 239الحُجَّةَ في أن القراءةَ في الكسوف سرًّا، واختلافَ العلماءِ في ذلك، ووجوهَ أقوالهم في باب زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتاب.
-
وفيه أنَّ المصلِّي إذا كُلِّم أشار ولم يتكلَّم؛ لأنَّ الكلامَ ممنوعٌ منه في الصلاة.
-
وفيه أن النساءَ يُسبِّحْنَ إذا نابهنَّ شيءٌ في الصلاة؛ لقول عائشةَ حينَ سألَتها أسماءُ: ما للناس؟ فقالت: سبحانَ الله. وأشارت بيدِها ولم تُصَفِّقْ، وفي هذا حُجَّةٌ لمالكٍ في قوله: إن النساءَ والرِّجالَ في هذا المعنى سواءٌ، مَن نابَه منهم شيءٌ في صلاتِه سبَّح ولم يُصفِّقْ، رجلًا كان أو امرأة (١) ، وقد ذكَرنا ما في هذه المسألة من الآثارِ واختلافِها، وما للعلماءِ من المذاهبِ فيها، في بابِ أبي حازم (٢) من كتابنا هذا. والحمدُ لله.
-
وفيه أن الإشارةَ باليدِ وبالرأس لا تضُرُّ المصلِّي ولا بأسَ بها. وأما قولها: "فقمتُ حتى تجلّاني الغَشْيُ" فمعناه: أنها قامَت حتى غُشِيَ عليها، أو كاد أن يُغشَى عليها من طُولِ القيام، وفي هذا دليلٌ على طولِ القيام في صلاةِ الكُسوف.
-
وأما قوله: "فحمِد اللهَ وأثنَى عليه" فذلك كان بعدَ الفراغ من الصلاة، وقد ذكَرنا اختلافَ الفُقهاءِ في الخُطْبةِ بعدَ الكُسوف، فيما تقدَّم من حديثِ هشام بنِ عُروةَ في هذا الكتاب (٣) .
-
وأما رؤيتُه - صلى الله عليه وسلم - للجنَّةِ والنار، فذلك ثابتٌ عنه في كثيرٍ من الآثار، ونحن لا نُكيِّفُ ذلك ولا نحُدُّه.
-
وأما قوله: "أُوحيَ إليَّ أنكم تُفتَنون في قبورِكم" ، فإنه أراد فتنةَ الملَكين مُنكَرٍ ونَكير، حين يَسألان العبدَ: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيُّك؟ والآثارُ
vol. 14, p. 240في هذا متواترة (١) ، وأهلُ السُّنةِ والجماعةِ كلُّهم على الإيمانِ بذلك، ولا ينكرُه إلا أهلُ البِدَع.
-
وفي قوله: "مثلَ أو قريبًا من فتنةِ الدَّجّال" دليلٌ على أنهم كانوا يُراعون الألفاظَ في الحديث المُسنَد، وهذا في طائفةٍ من أهل العلم، وطائفةٌ يُجيزون الحديثَ بالمعاني، وهذا إنما يصحُّ لمن يعرفُ المعانيَ ومذاهبَ العرب، وهو مذهبُ ابن شهاب، وعطاء، والحسن، وجماعةٍ غيرهم (٢) ، وكان مالكٌ لا يجيزُ الإخبارَ بالمعاني في حديثِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لمَن قدَر على الإتيانِ بألفاظِه.
- vol. 14, p. 241
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّف، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عمر، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ مسكين، قال: أخبَرنا يوسفُ بنُ عَمْرو، عن ابنِ وَهْب، قال: سمِعتُ مالكًا وسُئل عن المسائل إذا كان المعنى واحدًا والكلامُ مختلف، فقال: لا بأسَ به إلا الأحاديثَ التي عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشر، قال: حدَّثنا ابنُ أبي دُلَيم (١) ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ البشر، قال: سمِعتُ ابنَ وَهْب يقول: سأل مالكًا رجل، فقال: الكتابُ يُعرَضُ عليك، فينقلبُ به صاحبُه، فيبيتُ عندَه، أيجوزُ أن أحدِّثَ به؟ قال: نعم (٢) .
قال أبو عُمر: هذا خلافُ روايةِ أشهب؛ لأنَّ أشهبَ روَى في مثل هذا المعنى: أخشَى أن يُزادَ في كُتبه بالليل. ومحملُ الروايتَين عندي على أن الثقةَ جائزٌ أن يعارَ الكُتبَ، ثم يُحدِّثَ بما استعارَ من ذلك، وأما غيرُ الثقةِ المأمونِ عليها فلا.
-
وأما الفتنةُ فلها في كلام العرب وجوهٌ كثيرة؛ منها: أن يُفتنَ الرجلُ في دينِه ببَلْوى من سلطانٍ غالب، أو بهوًى يصرفُه عن الصوابِ في الدين، أو بحُبِّ يَشغَلُ قلبَه حتى يركبَ ما لا يحلُّ له، فهذه فتنةٌ تُشرَبُها القلوبُ كما أُشرِبَ بنو إسرائيلَ حبَّ العِجْل وفُتنوا به، والفتنةُ الحرْقُ بالنار، وللفتنةِ وُجوهٌ كثيرة.
-
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنكم تُفتَنون في قُبورِكم كفتنةِ الدجّال أو قريبٍ منها" فالفتنةُ هاهنا معناها الابتلاءُ والامتحانُ والاختبار، ومن ذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ
vol. 14, p. 242لموسى: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: ٤٠] ؛ أي: ابتليناك ابتلاءً واختبَرناك اختبارًا، وفي عذاب القبر نزلت: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: ٢٧] .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مرزوق، قال: أخبرنا شعبةُ، عن علقمةَ بنِ مَرْثَد، عن سعدِ بنِ عُبيدة، عن البراءِ بنِ عازب عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} . قال: "في القبرِ إذا سُئل: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيُّك؟ " (١) .