هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، أبو المنذر

859 paragraphs · vol. 14, p. 22

Page 20 of 22

  1. وهذا لم يُختلفْ في إرسالِه في "الموطأ" (٣) ، وهو مسندٌ صحيحٌ من حديثِ ابنِ عُمر، وابنِ مسعود، ومعاوية، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بمنًى ركعتين.

    vol. 14, p. 325
  2. فحديثُ ابنِ عُمرَ رواه سالمٌ (٤) ، ونافع (٥) .

  3. وحديثُ ابنِ مسعودٍ رواه أبو إسحاقَ السَّبيعيُّ (٦) وإبراهيمُ النخَعيُّ (٧) ، عن عبدِ الرحمن بنِ يزيد، عن ابنِ مسعود.

  4. وحديثُ معاويةَ رواه ابنُ إسحاق، عن يحيى بن عَبّادِ بنِ عبدِ الله بنِ الزُّبير، عن أبيه، عن معاوية (١) .

    vol. 14, p. 326
  5. وفي حديثِ مالكٍ هذا من الفقه: قَصْرُ الصلاةِ في السفر.

  6. وفيه أنَّ الإمامَ المسافرَ لا يُتِمُّ بمنًى، وهذا إذا لم ينْوِ إقامةً، فإن نوَى إقامةً لزِمه الإتمام، وهذا عندَنا إذا نوَى إقامةَ أربع فصاعدًا.

  7. وفيه أنَّ عُثمانَ أتمَّ بعدَ تقصيرِه وعِلْمِه بأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكرٍ وعُمرَ قصَرُوا في مثل ما أتمَّ هو فيه، فدلَّ ذلك على إباحةِ القَصْرِ والتمام عندَه، وقد تأوَّل قومٌ على عثمانَ في إتمامِه ذلك تأويلات:

    منها: أنه نَوَى الإقامةَ واتخَذ دارًا بمكةَ وأهلًا. وهذا لا يُعرفُ، بل المعروفُ أنَّهُ لم يكن له فيها أهلٌ ولا مالٌ. وقيل: كان قد اتخَذ أهلًا بالطائف. وقيل: لأنه كان أميرَ المؤمنين، فكانت أعمالُه كأنها دارُه. وهذا كلُّه لا يصحُّ في نظر، ولا يثبُتُ في خبر، وقد كان المُقامُ بمكةَ بعدَ تمام الحجِّ عندَ عثمانَ مكروهًا، وعلى ذلك جماعةٌ من أهلِ العلم؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يُقِمْ فيما بعدَ تمام حَجَّتِه، ولا أبو بكر، ولا عُمر، ولهذا قال مَن قال (٢) من السلف: الجوارُ بمكةَ بِدْعةٌ.

  8. وقد ذكَر مالكٌ في "الوطأ" (٣) أنه بلَغه أن عثمانَ بنَ عفانَ كان إذا اعتَمر ربما لم يحطُطُ عن راحلتِه حتى يَرجع. وهذا يدُلُّك على أنه لم يتخِذْ بمكةَ أهلًا قطُّ، واللهُ أعلم.

  9. ومنها: أنه إنما فعَل ذلك من أجل أعرابيٍّ صلَّى معه فقصَر العامَ كلَّه في أهلِه، ثم أخبَره من قابل بما صنعَ، فعزَّ على عثمانَ فِعْلُه ذلك فأتمَّ، وهذا أيضا ضعيفٌ من التأويل.

    vol. 14, p. 327
  10. ومنها: أنه أخَذ بالإباحة في ذلك، وهذا أصحُّ ما فيه، واللهُ أعلم.

  11. وقد مضَى القولُ في قصْرِ الصلاةِ في السَّفَر وفي أحكامِها، واختلافِ العلماءِ فيها بمنًى وغيرها، ممهَّدًا مَبْسوطًا بعلَلِ كلِّ فرقةٍ ووجوهِ قولها، في بابِ ابنِ شهاب، عن رجلٍ من آلِ خالدِ بنِ أَسِيد، من هذا الكتاب (١) ، وفي بابِ صالحِ بنِ كيسانَ أيضًا (٢) ، فلا معنى لتكريرِ ذلك هاهنا.

  12. حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ مَرْوان، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى بالقُلْزُم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ الجارود، قال (٣) : حدَّثنا عبدُ الله بنُ هاشم، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عُمر قال: صلَّيتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - رَكْعتين (٤) ، ومع أبي بكرٍ رَكْعتين، ومع عُمرَ رَكْعتين، ومع عثمانَ رَكْعتين صدرًا من إمارته، ثم أتمَّها عثمان.

  13. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمد، حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان بنِ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسف (٥) ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٦) : حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى،

    vol. 14, p. 328حدَّثنا عبيدُ الله، قال: أخبرني نافعٌ، عن ابنِ عُمرَ قال: صلَّيتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمنًى رَكْعتين، ومع أبي بكرٍ وعمر، ومع عثمانَ صدرًا من إمارته، ثم أتمَّها.

    قال البخاريُّ (١) : وقد روَى حفصُ بنُ عاصم، عن ابن عمر: صحِبتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لا يزيدُ في السفرِ على رَكْعتين، وأبا بكرٍ وعُمرَ وعثمانَ كذلك.

    قال أبو عُمر: حديثُ حفصِ بنِ عاصم هذا عن ابنِ عمرَ حدَّثناه عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ محمدٍ الجُمَحيُّ بمكة، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبد العزيز (٢) ، قال: حدَّثنا القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ حفصِ بنِ عاصم بنِ عُمرَ بنِ الخطاب، عن أبيه، قال: صحِبتُ ابنَ عُمرَ بطريقِ مكةَ، فصلَّى بها الظهرَ رَكْعَتَين، ثم أقبَل وأقبَلْنا معه حتى جاء رَحْلَه، فجلَس وجلَسنا معه، فحانَتَ منه التفاتة نحوَ الموضع حيثُ صلَّى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنعُ هؤلاء؟ فقلت: يُتمُّون. فقال: يا ابنَ أخي، إنِّي صحِبتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في السفرِ فلمْ يزِدْ على رَكْعَتَين حتَّى قبَضَه اللهُ، ثم صحِبتُ أبا بكرٍ فلمْ يزِدْ على رَكْعَتَين حتَّى قبَضَه اللهُ، وصحِبتُ عُمرَ بنَ الخطابِ فلمْ يزِدْ على رَكْعَتَين حتَّى قبَضَه اللهُ، ثم صحِبتُ عثمانَ فلمْ يزِدْ على رَكْعَتَين حتَّى قبَضَه اللهُ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (٣) [الأحزاب: ٢١] .

  14. في هذا الحديث أن عثمانَ لم يُتمَّ في سفرِه حتَّى مات، وهذا يعارِضُ روايةَ مَن روَى أنه أتمَّ شطرَ إمارته، وتلك الروايةُ أوْلى من جهةِ الأثرِ ومن جهةِ النظر؛ لأنها زيادة.

  15. وفيه دليلٌ على أن القَصْرَ سُنّةٌ مَسْنُونةٌ، ولو كان فَرْضًا ما ترَكهم ابنُ عُمرَ والإتمام، ولغيَّر ذلك عليهم وأمَرهم بالإعادة، لإفسادِهم صلاتَهم، ولو كان كذلك ما وَسِعَه السُّكوتُ عليه، ولكن لمّا عرَف أن القَصْرَ أفضل، وأن الأخْذَ بالسُّنةِ أوْلى، ندَبَهُم إلى التأسِّي برسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لِما في ذلك من الفَضْل، وسواءٌ كان القصرُ رُخصةً أو لم يكُنْ، هو أفضلُ، لأنه سُنّةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

    vol. 14, p. 329
  16. ورَوَيْنا عن ابنِ مسعودٍ نحوَ هذا المعنى الذي جاءَ عن ابنِ عُمرَ فيما ذكرنا:

    حدَّثنا قاسمُ بنُ محمد (١) ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُطَيس، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: أخبرني سليمانُ، عن عُمارةَ بنِ عميرٍ أو إبراهيم (٢) ، عن عبدِ الرحمن بنِ يزيد، عن عبدِ الله قال: صلَّينا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكرٍ ومع عمرَ بمنًى (٣) رَكْعتين، فليْت حظَّنا من أربع ركعتانِ متقبَّلتان (٤) . وهذا يدُلُّ على الإباحةِ أيضًا، واللهُ أعلم.

  17. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمّد، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (٥) : أخبَرنا إسماعيلُ بنُ

    vol. 14, p. 330إبراهيم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيدِ بنِ جُدْعان، عن أبي نَضْرةَ، قال: مرَّ عِمْرانُ بنُ حُصينٍ بمَجْلِسِنا، فقام إليه فتًى من القوم فسألَهُ عن صلاةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في الغزوِ والحجِّ والعُمرة، فجاء فوقَف علينا، فقال: إن هذا سألني عن أمر، فأردتُ أن تسمَعوه - أو كما قال - غزوتُ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يُصَلِّ إلا رَكْعتَين حتى رجَع إلى المدينة، وحجَجتُ معه فلم يصلِّ إلا رَكْعتين حتى رجَع إلى المدينة، وشهِدتُ معه الفتحَ فأقام بمكةَ ثمانيَ عشرةَ ليلةً لا يُصلِّي إلا رَكْعتَين، ثم يقولُ لأهل البلد: "صلُّوا أربعًا فإنَّا سفْرٌ" . واعتمرتُ معه ثلاثَ عُمَرٍ لا يصلِّي إلا رَكْعتين، وحجَجتُ مع أبي بكرٍ الصديق وغزوتُ فلم يُصَلِّ إلا رَكْعتَين حتَّى رجَع إلى المدينة، وحجَجتُ مع عُمرَ بنِ الخطاب حَجّاتٍ فلم يصلِّ إلا رَكْعتَينِ حتَّى رجَع إلى المدينة، وحجَّ عثمانُ سبعَ سنينَ من إماريه لا يُصلِّي إلا ركعتَين، ثم صلَّاها بمنًى أربعًا.

    قال الطحاويُّ (١) : في هذا الحديثِ معنًى لا يوجدُ في غيرِه، وهو قولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل البَلَدِ (٢) الذين صلَّى بهم فيه هذه الصلاة: "صلُّوا أربعًا فإنَّا سَفْرٌ" . وهي سنةٌ يتفِقُ أهلُ العلم عليها، ولم نجدْها (٣) في غيرِ هذا الحديث، وهذه السنَّةُ مما تفرَّد به أهلُ البصرةِ دونَ مَن سواهم.

  18. حديثٌ حادٍ وخمسونَ لهشام بنِ عُروة

    مالكٌ (١) ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الاستطابةِ فقال: "أولا يجِدُ أحدُكم ثلاثةَ أحجار؟ " .

    vol. 14, p. 331
  19. هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ جماعةُ الرواةِ مرسلًا (٢) ، إلا ما ذكَره سُحنونٌ في روايةِ بعضِ الشيوخ عنه، عن ابن القاسم، عن مالك، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن أبي هريرة. وقد روَى ابنُ بُكير أيضًا في "الموطأ" هكذا: عن مالك، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن أبي هريرة. وهذا غلطٌ فاحشٌ، ولم يَروِه أحدٌ كذلك، لا من أصحاب هشام، ولا من أصحابِ مالك، ولا رواه أحدٌ عن عُروة، عن أبي هريرة، وإنما رواه بعضُ أصحابِ عُروة، عن عُروة، عن عائشة: وهو مُسلمُ بنُ قُرْط (٣) .

  20. وأما هشامُ بنُ عُروة، فاختُلِف عليه فيه:

    فطائفةٌ تَرويه عنه، عن أبيه مرسلًا كما رواه مالكٌ.

  21. وطائفةٌ تَرويه عنه، عن عَمْرِو بنِ خُزيمةَ المُزَنيِّ، عن عُمارةَ بنِ خزيمةَ بنِ ثابت، عن خزيمةَ بنِ ثابت.

  22. وطائفة تَرويه عنه، عن أبي وَجْزَة، عن عُمارةَ بنِ خُزيمة، عن أبيه خُزيمةَ بنِ ثابت:

    حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ الرحمن (٤) ومحمدُ بنُ إبراهيم، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ

    vol. 14, p. 332مُطَرِّف (١) ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن صالح، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ الجُعفيُّ، قال: حدَّثنا زائدة (٢) ، عن هشام بنِ عُروة، عن عَمْرِو بنِ خُزيمة المُزَني، عن عُمارةَ بنِ خُزيمة بن ثابتٍ الأنصاريِّ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاثةُ أحجار ليس فيهن رَجيعٌ" ؛ يعني: الاستطابة، وفي إسنادِ هذا الحديثِ اضطرابٌ (٣) .

  23. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٤) : حدَّثنا عبدةُ بنُ سُليمان، عن هشام بنِ

    vol. 14, p. 333عُروة، عن عَمْرِو بنِ خُزيمة، عن عُمارةَ بنِ خُزيمةَ بنِ ثابت، عن خُزيمةَ بنِ ثابت، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الاستطابة: "ثلاثةُ أحجارٍ ليس فيها رجيعٌ" .

  24. وكذلك رواه أبو معاوية (١) ، وابنُ نُمَير (٢) ، وأبو أسامة (٣) ، عن هشام بنِ عُروةَ بمثلِ هذا الإسناد.

  25. ورواه عبدُ الرزاق، عن ابنِ عُيينة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبي وَجْزَةَ، عن خُزيمةَ بنِ ثابت، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مثلَه.

  26. ورواه إبراهيمُ بنُ المنذر الحِزاميُّ، عن ابنِ عُيينة، عن هشام بنِ عُروة، عن أبي وَجْزَة، عن عُمارةَ بنِ خزيمة بنِ ثابت، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مثلَه (٤) .

  27. ورواه الحُميديُّ (١) ، عن ابنِ عُيينةَ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مرسلًا بمثلِ روايةِ مالك.

    vol. 14, p. 334
  28. وكذلك رواه ابنُ جُريج، عن هشام، عن أبيه مرسلًا مثلَ روايةِ مالك.

  29. ورواه مَعْمر، عن هشام بنِ عُروة، عن رجلٍ من مُزَينة، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال في الاستطابة: "ثلاثةُ أحجارٍ عندَ الخلاءِ ليس منهن رجيعٌ" (٢) . والرَّجيعُ الذي يُنْتِنُ.

  30. ورواه المفضَّلُ بنُ فَضالة، عن هشام بنِ عُروة، عن عَمْرِو بنِ جَرْهد، عن عُمارةَ بنِ خُزيمة.

  31. أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زَبّانَ، قال: حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن صالح، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بنُ فَضالة، عن هشام بنِ عُروة، أن عَمْرَو بنَ جَرْهدٍ المُزَنيَّ أخبَره، أن عُمارةَ بنَ خُزيمةَ الأنصاريَّ أخبَره، عن أبيه خزيمةَ بنِ ثابت، عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ثلاثةُ أحجارٍ ليس فيها رَجيعٌ" ؛ يعني في الاستطابة (٣) .

  32. وروَى ابنُ المباركِ عن هشام بنِ عُروةَ الحديثين جميعًا، فدلَّ على أنهما حديثان، وبان به ذلك، والحمدُ لله.

  33. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيان، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا نُعيمُ بنُ حماد، قال: حدَّثنا ابنُ المبارك (٤) ،

    vol. 14, p. 335قال: أخبَرنا هشامُ بنُ عُروة (١) ، عمّن حدَّثه، عن عُمارةَ بنِ خزيمةَ بنِ ثابت، عن أبيه قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الاستطابةُ بثلاثةِ أحجارٍ ليس فيها رجيعٌ" . قال هشامُ بن عُروة: يعني الحَجرَ مرتين.

    قال ابنُ المبارك: وأخبرنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أوَلا يجِدُ أحدُكم ثلاثةَ أحجار؟ " .

    قال أبو عُمر: جوَّد ابنُ المباركِ هذا الحديثَ بالإسنادين، وما زال مجوِّدًا رضي الله عنه.

  34. وقد ذكَر عبدُ الرزاقِ عن ابن عُيينةَ الحديثين جميعًا، عن هشام، عن أبيه مرسلًا. وعن هشام، عن أبي وَجْزة، عن خُزيمة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    قال أبو عُمر: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس فيها رَجِيعٌ" . يَرُدُّ قولَ الطبريِّ، حيثُ قال: كلُّ طاهرٍ وكلُّ نَجسٍ أزال النجْوَ أجزَأ. ويردُّه أيضًا حديثُ ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إذ رمَى بالرَّوْثةِ وقال: "هي رِجْسٌ - أو - رِكْسٌ" (٢) . والذي عليه جمهورُ الفقهاءِ أنه لا يجوزُ الاستنجاءُ بغيرِ الطاهرِ من الأحجارِ وما قام مقامَها.

  35. وقد مضَى في بابِ ابنِ شهاب (٣) ما للعلماءِ في هذا الباب كلِّه من التنازع واختلافِ المذاهب، والحمدُ لله.

  36. وأما روايةُ مسلم بنِ قُرطٍ عن عُروةَ في هذا الحديث، فأخبرنا عبدُ الله بنُ

    vol. 14, p. 336محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسة (١) ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا سعيدُ بنُ منصورٍ وقُتيبةُ بنُ سعيد، قالا: حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمن، عن أبي حازم، عن مُسلم بنِ قُرط، عن عُروة، عن عائشة، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ذهَب أحدُكم إلى الغائطِ فليذهبْ معه بثلاثةِ أحجار يستطيبُ بها، فإنها تُجزئُ عنه" .

  37. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٣) : أخبرني قُتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمن وعبدُ العزيزِ بنُ أبي حازم، عن أبي حازم، عن مسلم بنِ قُرط، عن عُروة، عن عائشة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه.

    قال أبو عُمر: روَى في هذا الباب جماعة من الصحابة، فيهم أبو أيوب (٤) ، وسَلْمان (٥) ، وأبو هُريرة (٦) ، وأثبتُها حديثُ أبي هريرةَ وسَلْمان، وكلُّها حِسانٌ.

    vol. 14, p. 337قال الأخفش: الاستطابةُ الاستنجاءُ بالأحجار، يقال منه: استطاب الرجلُ وأطاب: إذا استنجَى، ويقال: رجلٌ مُطيبٌ: إذا فعَل ذلك، قال الشاعر، وهو الأعشى (١) :

    يا رَخَمًا قاظ على مَطْلوبِ ... يُعْجِلُ كفَّ الخارِئ المُطِيبِ

    وأما (٢) قوله: قاظ. فإنه أراد: قام عليه في القَيظِ في اليوم الصائف.

    قال أبو عُمر: الاستطابةُ والاستنجاءُ والاستجمار، معنى هذه الثلاثةِ الألفاظِ واحدٌ، وقد فسَّرنا معنَى الاستجمارِ في اللغةِ والفقهِ وما للعُلماءِ في الاستنجاءِ من المذاهبِ في أصولِ مسائلِه وفروعِها مبسوطًا مُمهَّدًا في بابِ ابنِ شهاب، عن أبي إدريسَ الخولانيِّ (٣) ، فلا وجهَ لتكرير ذلك هاهنا.

  38. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الفوارسِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ السِّنديِّ، قال: حدَّثنا الربيعُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثني عُثمانُ بنُ أبي سَوْدة، قال: حدَّثني أبو شعيبٍ الحَضْرميُّ،

    vol. 14, p. 338قال: سمِعتُ أبا أيوبَ الأنصاريَّ الذي نزَل عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا تغوَّط أحدُكم فليَستنجِ بثلاثةِ أحجار، فإن ذلك طَهورُه" (١) .

  39. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا بُكيرُ بنُ الحَسَن الرازيُّ، قال: حدَّثنا بكارُ بنُ قُتيبةَ القاضي، قال: حدَّثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنا لكم مثل الوالدِ أعلِّمُكم، فإذا أتى أحدُكم الغائطَ فلا يستقبلِ القبلةَ ولا يستدبِرْها، وإذا استطاب فلا يَستطِبْ بيمينِه" . وكان يأمرُ بثلاثةِ أحجار، وينهَى عن الرَّوْثِ والرَّمَّة (٢) .

  40. وقرأتُ على عبدِ الوارث بنِ سفيان، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز (١) ، قال: حدَّثنا هُدْبةُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ الجَعْد، قال: حدَّثنا قتادةُ، قال: حدَّثني خلّادُ بنُ السائبِ الجُهَنيُّ، عن أبيه السائب، أن نبيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دخَل أحدُكم الخلاءَ فلْيَتمسَّحْ بثلاثةِ أحجار" .

    قال أبو عُمر: هذه الآثارُ كلُّها، المرسَلُ منها والمسنَدُ، وهي صحاحٌ كلُّها، تُوجِبُ الاقتصارَ على ثلاثةِ أحجارٍ في الاستنجاءِ دونَ تقصيرٍ عن هذا العَدَد، وهذا موضع اختلَف فيه العلماء:

    فذهَب مالكٌ، وأبو حنيفة، وأصحابُهما، إلى أنه جائزٌ الاستنجاءُ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ إذا ذهَب النَّجْوُ (٢) . هذا هو المشهورُ من مذهبِ مالك؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن استجمَر فلْيُوتِرْ" (٣) . والوَترُ قد يكونُ واحدًا، وثلاثةً، وخمسةً، وأكثرَ من ذلك.

    vol. 14, p. 340وقال الشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وجماعة: لا يحوزُ أن يُقتصرَ على أقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ في الاستنجاء. وذكَر أبو الفرج أنه مذهبُ مالك، واحتجَّ له بحديثِ أبي هريرةَ المذكورِ في هذا البابِ وحديثِ سَلْمان (١) .

    vol. 14, p. 339