زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
1,580 paragraphs · vol. 3, p. 5
Page 14 of 40
- vol. 3, p. 255
وروَى الليثُ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، قال: سألتُ ابنَ شهابٍ عن جلدِ الميْتَةِ، فقال: حدَّثني عبيدُ الله بن عبدِ الله، عن ابن عباسٍ، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وجَد شاةً ميِّتةً أُعْطِيَتْها مَولاةٌ لميمونةَ من الصَّدقة، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "هلّا انْتَفَعْتم بجِلْدِها؟ " . قالوا: إنّها مَيْتةٌ. قال: "إنّما حُرِّم أكلُها" (٣) . قال ابنُ شهابٍ: فلذلك لا نرى منها بالسِّقاء بأسًا، ولا ببَيْع جلدِها، وابْتِياعِه، وعمَل الفِراء منها.
قال أبو عُمر: هكذا روَى هذا الحديثَ معمرٌ، ويونسُ، ومالكٌ (٤) ، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ابن عباسٍ في قصَّة شاةِ ميمونةَ، لم يَذكُروا
vol. 3, p. 256الدِّباغَ، وذَكَر الدِّباغَ فيه ابنُ عُيينةَ (١) ، والأوزاعيُّ (٢) ، وعُقيلٌ (٣) ، والزُّبَيْديُّ (٤) ، وسُليمانُ بن كثير (٥) ، وزيادةُ مَنْ حَفِظَ مَقبُولةٌ. وذِكْرُ الدِّباغِ أيضًا موجودٌ في هذه القصَّة من حديثِ عطاءٍ، عن ابن عباسٍ.
-
روَى ابنُ عُيينةَ، عن عَمْرو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ بشاةٍ مطروحةٍ منَ الصَّدقة، قال: "أفَلا أخَذوا إهابَها فدَبَغُوه فانتفَعُوا به؟ " (٦) .
وقال ابنُ جُريج، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ قال: أخبَرَتْني ميمونةُ أن شاةً ماتَتْ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ألَا دَبَغْتم إهابَها؟ " (٧) .
- vol. 3, p. 257
فجاء ذكرُ الدِّباغ في هذا الحديث عن ابن عباسٍ من وُجوهٍ صحاحٍ ثابتةٍ. وكان ابنُ شهابٍ يذهَبُ إلى ظاهرِ الحديث في قوله: "إنّما حُرِّم أكْلُها" . وكان الليثُ بن سعدٍ يقولُ بقولِ ابن شهاب في ذلك؛ ذكَر الطحاويُّ، قال: وقال الليثُ بن سعدٍ: لا بأسَ ببَيْعِ جلودِ الميْتةِ قبلَ الدِّباغ إذ ثبَتَ أنّ (١) رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ في الانتفاعِ بها، والبيعُ من الانتفاع. قال أبو جعفر الطحاويُّ (٢) : ولم نَجِدْ عن واحدٍ من العلماءِ جوازَ بيعِ جُلودِ الميْتةِ قبلَ الدِّباغ إلّا عن اللَّيث.
قال أبو عُمر: يَعْني من الفقهاء أئمَّة الفَتوَى بالأمصارِ بعدَ التابعين، وأمّا ابنُ شهاب فذلك عنه صحيحٌ على ما تقدَّم ذِكْرُه (٣) ، وهو قولٌ يَأباه جمهورُ العُلماء (٤) .
-
وقد ذكَر ابنُ عبد الحكم عن مالكٍ ما يُشْبِهُ مذهبَ ابن شهابٍ في ذلك، وذكَره ابنُ خُوَيْزِمَنْدَادَ في كتابه عن ابن عبدِ الحكم أيضا، قال: مَن اشتَرى جلدَ ميْتةٍ فدبَغه، وقطَّعه نِعالًا، فلا يَبِعْه حتى يُبَيِّنَ. فهذا يَدُلُّ على أن مذهبَه جوازُ
vol. 3, p. 258بيعِ جلدِ الميتةِ قبلَ الدِّباغِ وبعدَ الدِّباغ. قال ابنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: وهو قولُ الزهريِّ والليثِ بن سعدٍ. قال: والظاهرُ من مذهبِ مالكٍ غيرُ ما حكاه ابنُ عبدِ الحكم: وهو أنّ الدّباغَ لا يُطَهِّرُ جلدَ الميْتةِ، ولكنْ يُبيحُ الانتفاعَ به في الأشياء، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُؤكلُ فيه، هذا هو الظاهرُ من مذهب مالكٍ.
-
وفي "المدوَّنة" (١) لابن القاسم: من اغْتَصَب جلدَ ميْتةٍ غيرَ مدبوغ فأتلَفه، كان عليه قيمَتُه، وحكَى أنّ ذلك قولُ مالكٍ. وذكَر أبو الفَرج أن مالكًا قال: مَن اغْتصَب لرجلٍ جلدَ مَيْتةٍ غيرَ مَدْبوغ، فلا شيءَ عليه. قال إسماعيلُ: إلّا أن يكونَ لمجوسيٍّ (٢) .
قال أبو عُمر: ليس في تَقصيرِ مَن قصَّر عن ذكرِ الدِّباغ في حديث ابن عباسٍ حُجّة على مَن ذكَره؛ لأنّ من أثبَت شيئًا هو حجّةٌ على مَن لم يُثْبِتْه، والآثارُ المتواتِرَة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بإباحةِ الانتفاع بجلدِ الميتَةِ بشرطِ الدِّباغ كثيرةٌ جدًّا؛ منها ما ذكَرنا عن ابن عباسٍ، من روايةِ ابن وَعْلَة، ومن روايةِ عطاءٍ. ومنها حديثُ عائشةَ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر أن يُسْتَمْتَع بجُلودِ الميتةِ إذا دُبِغَت. رواه مالكٌ (٣) ، عن يزيدَ بن قُسَيْطٍ، عن محمدِ بن عبد الرحمن بن ثَوبانَ، عن أُمِّه، عن عائشةَ.
-
وروى إسرائيلُ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ، عن الأسود، عن عائشةَ قالت: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "دباغُ جلْدِ الميْتةِ ذَكاتُها" (٤) .
- vol. 3, p. 259
ورواه شريكٌ، عن الأعمش، عن عُمارةَ بن عُمَيْرٍ، عن الأسود، عن عائشة (١) .
- ومنها حديثُ ميمونةَ من غير حديثِ ابن عباس:
-
روَى ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عَمرُو بن الحارث والليثُ بن سَعْد، عن كثيرِ بن فَرْقَدٍ، أنّ عبدَ الله بنَ مالكِ بن حُذافَةَ حدَّثه، عن أُمِّه العاليةِ بنتِ سُبَيْع، أنَّ مَيمونةَ زوجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حدَّثَتْها، أنّه مرَّ برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - رجالٌ من قريشٍ يَجُرُّون شاةً لهم مثلَ الحِمارِ، فقال لهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو اتَّخَذْتم إهابَها؟ " قالوا: إنّها مَيْتةٌ. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يُطَهِّرُها الماءُ والقَرَظُ" (٢) .
- vol. 3, p. 260
وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارث بن سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدِ بن شاكرٍ وأحمدُ بن زهيرٍ (١) ، قالا: حدَّثنا الحسينُ بن محمدٍ المروَزيُّ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن الأعمش، عن عُمارةَ بن عُمَيْر، عن الأسود، عن عائشةَ، قالت: سُئِلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن جلودِ الميْتةِ، فقال: "دِباغُها طَهورُها" . خالَف شريكٌ إسرائيلَ في إسنادِه (٢) .
-
ورَواه منصورٌ، عن الحَسَن، عن جَوْن بن قتادةَ، عن سلمةَ بن المُحبِّق (٣) .
-
ورواه شعبةُ (٤) ، وهشامٌ (٥) ، وغيرُهما، عن قتادةَ، عن الحَسَن، عن جَون بن
vol. 3, p. 261قَتادةَ، عن سلمةَ بن المُحبِّق، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في غزوةِ تَبوكَ أتى أهلَ بيتٍ، فدَعا بماءٍ عندَ امرأةٍ، فقالت: ما عندي ماءٌ إلّا في قِربةِ مَيْتةٍ. فقال: "أوَ ليسَ قد دَبَغْتِيها (١) ؟ " . قالت: بَلى. قال: "فإنَّ ذَكاتَه دِباغُه" .
-
هذا لفظُ حديث هشام. وفي حديث شعبةَ: "دِبَاغُه طَهورُه" . وفي رواية منصورٍ، عن الحَسَن، قال: "ذكاةُ الأديمِ دِباغُه" .
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، عن مِسعَرٍ، عن عَمْرو بن مُرَّةَ، عن سالم بن أبي الجَعْد، عن أخيه، عن ابن عبّاسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في جِلْدِ الميْتةِ: "إنّ دِباغَه أذهَبَ خَبَثَه ورِجْسَه، أو نَجَسَه" (٢) .
-
والآثارُ بهذا أيضًا عن الصحابةِ والتابعين وعُلماءِ المسلمين كثيرةٌ جدًّا، فلا وجهَ لمن قصَّر عن ذكر الدِّباغ، ولا لمن ذهَب إلى ذلك، ويقالُ لمن قال بما رُويَ عن ابن شهابٍ من إباحةِ الانتفاع بجلودِ الميْتةِ قبلَ الدِّباغ: أتقول: إنّ جلدَ الشاةِ لا يموتُ بموتِ الشاةِ، وإنّه كاللَّبنِ أو الصُّوف؟ فإن قال: نعم، بانَ جَهلُه، ولَزِمَه مثلُ ذلك في اللَّحم والشَّحْم، ومعلومٌ أنّ الجِلْدَ فيه دسَمٌ ووَدَكٌ، وأكْلَه لمن شاء
vol. 3, p. 262ممكِنٌ كإمكانِ اللَّحم والشَّحم، ولا فرقَ بين الجِلْدِ واللَّحم في قياسٍ ولا نظرٍ ولا معقول؛ لأنّ الدَّمَ جارٍ (١) في الجلدِ كما هو جارٍ في اللَّحم. وإن قال: إنّ الجلدَ يموتُ بموتِ الشاةِ كما يموتُ اللحمُ. قيل له: فاللهُ عزَّ وجلَّ قد حَرَّم الميْتةَ، وتَحريمُه على الإطلاقِ إلّا أن يَخُصَّ شيئًا من ذلك دليل، وقد خَصَّ الجلدَ بعد الدِّباغ، والأصلُ في الميْتةِ عمومُ التحريم، ولم يُخَصَّ إهابُها بشيءٍ يَصِحُّ وَيثْبُتُ إلّا بعدَ الدِّباغ، ألا ترَى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ذكاةُ الأديم طَهورُه" ؟ وقوله عليه السلام: "دِباغُه أذْهَب خَبَثَه ونَجَسَه" . وفي هذا دليلٌ بَيِّن على أنّه قبلَ الدِّباغ رِجْسٌ نَجِسٌ غيرُ طاهرٍ، وما كان كذلك لم يَجُزْ بَيْعُه ولا شِراؤُه، والأمرُ في هذا واضحٌ، وعليه فقهاءُ الحجاز، والعراق، والشام، ولا أعلمُ فيه خلافًا إلّا ما قد بيّنّا ذِكرَه عن ابن شهابٍ، واللَّيثِ (٢) ، وروايةً شاذّةً عن مالكٍ.
-
وفي هذه المسألة قولٌ ثالثٌ قالت به طائفةٌ من أهل الأثَرِ، وذَهب إليه أحمدُ بن حنبل (٣) ، وهو في الشُّذوذِ قريبٌ من القولِ الأوّل، وذلك أنّهم ذهَبوا إلى تحريم الجلدِ وتَحرِيم الانتفاع به قبلَ الدِّباغ وبعدَه.
-
واحتَجُّوا من الأثَرِ بما حدَّثناه أبو محمدٍ عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن داسَةَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ سليمانُ بن الأشعثِ، قال (٤) :
vol. 3, p. 263حدَّثنا حفصُ بن عمرَ النَّمَريُّ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن الحَكَم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عُكَيْم، قال: قُرِئَ علينا كتابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بأرضِ جُهينةَ وأنا غلامٌ شابٌّ: "ألّا تَسْتَمْتِعوا من الميْتَة بإهابٍ ولا عَصَبٍ" .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ مولَى بني هاشم، قال: حدَّثنا الثَّقفيُّ،
vol. 3, p. 264عن خالدٍ، عن الحَكَم بن عُتيبةَ: أنّه انطلَقَ هو وناسٌ معه إلى عبدِ الله بن عُكَيْم، رجلٍ من جُهينةَ، قال الحكمُ: فدخَلوا وقعَدْت على الباب، فخرَجوا إليَّ فأخْبَروني أنّ عبدَ الله بن عُكَيْم أخبَرهم أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كتَب إلى جُهينةَ قبل مَوتِه بشهرٍ: ألّا يَنْتَفِعوا من الميْتَةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ.
قال أبو عُمر: هكذا قال خالدٌ الحذَّاءُ، عن الحَكَم، قال: انطَلَقْتُ مع الأشْياخ حتى أتَيْنا عبدَ الله بن عُكَيمٍ. وهذا لفظُ حديثِ مُعتَمرٍ بن سُليمانَ، عن خالدٍ (١) ، والمعنى واحدٌ.
-
وقال شُعبةُ، عن الحَكَم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، على ما تقدَّم.
-
وكذلك رَواه منصورُ بن المعتمرِ، عن الحَكَم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عُكَيْم (٢) .
-
ورواه القاسمُ بن مُخَيْمِرَة، عن عبد الله بن عُكَيْم، قال: حدَّثنا مَشْيَخةٌ لنا، أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كتب إليهم: ألّا يَنْتَفِعُوا من الميْتَةِ بشيءٍ (٣) . وهذا اضطرابٌ كما ترَى يُوجبُ التَّوقُّفَ عن العملِ بمثلِ هذا الخَبَر.
vol. 3, p. 265وقال أبو داودَ: سألتُ يحيىَ بنَ مَعينٍ عن هذا الحديث، فضعَّفه وقال: ليس بشيءٍ، إنّما يقولُ: حدَّثني الأشْياخُ (١) .
قال أبو عُمر: ولو كان ثابتًا لاحْتَمَل ألّا يكونَ مُخالفًا للأحاديثِ التي ذُكِرَتْ من رواية ابن عباس (٢) ، وعائشةَ (٣) ، وسلمةَ بن المحَبِّق (٤) ، وغيرِهم، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه أباحَ الانتفاعَ بجلُود الميْتةِ إذا دُبِغَتْ، وقال: "دِباغُها طَهُورُها" ، لأنّه جائزُ أن يكونَ معنى حديثِ ابن عُكَيم ألّا يَنْتَفِعوا من الميْتةِ بإهابٍ قبلَ الدِّباغ، وإذا احتملَ ألّا يكونَ مُخالفًا له، فليس لنا أن نجعَلَه مُخالفًا، وعلينا أن نَسْتَعملَ الخَبَرْين ما أمكَن استعمالُهما، ومُمكِنٌ استِعمالهُما بأن نَجْعَلَ خبرَ ابنِ عُكَيْم في النَّهْي عن جُلود الميتةِ قبلَ الدِّباغ، ونَستَعْمِلَ خبرَ ابن عباسٍ وغيرِه في الانتفاع بها بعدَ الدِّباغ، فكأنّ قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَنْتَفعوا من الميْتةِ بإهابٍ" : قبلَ الدِّباغ، ثم جاءَتْ رخصةُ الدِّباغ.
-
وحديثُ عبدِ الله بن عُكَيْم وإن كان قبلَ موتِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بشهر كما جاء في الخبر (٥) ، فممكنٌ أن تكونَ قصَّةُ ميمونَةَ وسَمماعُ ابن عباسٍ منه قوله: "أيُّما إهابٍ دُبغَ فقد طَهُر" . قبلَ موتِه بجُمُعةٍ أو دونَ جُمُعةٍ، واللهُ أعلم.
- vol. 3, p. 266
وقد رُوِيَ من حديثِ ابن عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مثلُ حديثِ ابنِ عُكَيْم (١) ، وإسنادُه ليس بالقويِّ.
-
قال بعضُ من ذهَب مذهبَ ابن حنبلٍ في هذا الباب: قد رُوي عن عمرَ، وابن عمرَ، وعائشةَ، رحِمهم اللهُ، كراهيةُ لباسِ الفِراءِ من غيرِ الذَّكيِّ (٢) . قال: وذلك دليلٌ على أنّ الدِّباغَ لا يُطَهِّرُ الجلدَ ولا يُذهِبُ نَجاسَتَه. وذكَر ما رواه إسحاقُ بن راهُويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَديٍّ، عن الأشعثِ، عن محمدٍ، قال: كان ممن يَكْرَهُ الصلاةَ في الجلدِ إذا لم يكنْ ذكيًّا: عُمرُ، وابنُ عُمرَ، وعائشةُ، وعِمْرانُ بن حُصَيْن، وأُسيرُ بن جابرٍ (٣) .
قال: وروَى الحَكَمُ وغيرُه، عن زيدِ بن وَهْبٍ، قال: أتانا كتابُ عمرَ بنِ الخطاب ونحن بأذْرَبيجانَ: ألّا تَلْبَسُوا إلّا ذَكيًّا (٤) .
قال: وكانت عائشةُ تَكْرَهُ الصلاةَ في جلودِ الميتَةِ، وتَكْرَهُ لباسَ الفِراء منها، وقال لها محمدُ بن الأشعث: ألَا نُهْدي لك من الفِراء التي عندَنا؟ فقالت: أخشَى أن تكونَ مَيْتةً، فقال: ألا نَذْبَحُ لكِ من غَنَمِنا؟ قالت: بلى (٥) .
- vol. 3, p. 267
واحتجَّ بأنَّ الله عزَّ وجلَّ حرَّم الميْتَةَ تحريمًا مُطلقًا لم يَخُصَّ منها شيئًا دونَ شيءٍ، فكان ذلك واقعًا على اللَّحم والجِلْدِ جميعًا.
-
واحتجَّ أيضًا بقولِ الله عزَّ وجلَّ لموسى عليه السلامُ: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه: ١٢] ، وبقولِ كعبٍ وغيرِه: كانت نَعْلا موسى من جِلْد حمارٍ مَيِّتٍ (١) .
-
هذا كلُّه ما احتَجَّ به بعضُ من ذَهَب مذهبَ أحمدَ بن حنبل في هذا الباب، وقال: إنّ حديثَ ابن عباسٍ مُختَلَفٌ فيه؛ لأنّ قومًا يقولون: عن ابن عباسٍ، عن ميمونةَ. وقومًا يقولون: عن ابن عباسٍ، عن سَوْدَة (٢) . ومرَّة جعلوا الشاةَ لسَوْدَةَ، ومرَّةً جعَلوها لميمونةَ، ومرّةً جعلوها لمولاة مَيمونةَ. ومرةً قالوا: عن ابن عباسٍ: سمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال أبو عُمر: هذا كلُّه ليس باختلافٍ يَضُرُّ؛ لأنّ الغَرَضَ صحيحٌ، والمَقْصِدَ واضحٌ ثابتٌ، وهو أنّ الدِّباغَ يُطَهِّرُ إهابَ الميتةِ، وسواءٌ كانت الشاةُ لميمونةَ، أو لمولاةٍ لها (٣) ، أو لسَوْدَةَ، أو لمن شاء اللهُ، ومُمكِنٌ أن يكونَ ذلك كلُّه أو بعضه. ومُمكنٌ أن يَسمعَ ابنُ عباسٍ بعدَ ذلك من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ما حَكاه عنه ابنُ وَعْلَةَ قولَه: "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُرَ" . وذلك ثابتٌ عنه - صلى الله عليه وسلم -، وإذا ثبَت ذلك فقد ثبَت تَخصيصُ الجلدِ بشرطِ الدِّباغِ من جملَةِ تحريم الميْتةِ، والسُّنَّةُ هي المبيِّنةُ عن الله مرادَه من مُجمَلاتِ خِطابِه. وأمّا ما رُوِيَ عن عمرَ، وابن عُمرَ،
vol. 3, p. 268وعائشةَ، في كراهيةِ لباس ما لم يكنْ ذكيًّا من الفِراءِ، فمَحْمَلُ ذلك عندَنا على التَّنزُّه والاختيارِ والاستحباب؛ لأنّهم قد رُوِي عنهم خلافُ ما تقدَّم، وتَهذيبُ الآثار عنهم أن تُحْمَلَ على ما ذكَرنا.
-
روَى شعبةُ، عن محمدِ بن عبد الرحمن، عن أبي يحيى (١) الهلاليِّ، عن أبي وائلٍ، عن عُمرَ، قال: دِباغُ الأديمِ ذَكاتُه (٢) .
-
وروَى هشامٌ وهمّامٌ، عن قتادةَ، عن حسَّانَ بن بلالٍ، عن ابن عمرَ، قال: دِباغُ الأديمِ ذَكاتُه (٣) .
-
وروَى جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسود، عن عائشةَ، أنّه سألها عن الفِراءِ، فقالت: لعلَّ دِباغَه طَهورُه (٤) . وهذا أشْبَهُ عن عائشةَ وأوْلى؛ لأنَّ الأعمشَ يَرْوي عن إبراهيمَ وعُمارةَ بن عُمير جميعًا، عن الأسودِ، عن عائشةَ،
vol. 3, p. 269عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "دباغُ الأديمِ ذكاتُه" (١) . وأكثرُ أحوالِ الرِّواية عن عمرَ، وابن عمرَ، وعائشةَ، أنْ تُحمَلَ على الاختلاف فتُسْقِطُها، والحُجَّةُ فيما ثبَت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - دونَ غيرِه. وأمّا ما ذكَروه من نَعْلَي موسى - صلى الله عليه وسلم - فلا حجَّةَ فيه؛ لأنّهما لم يكونا من جلدٍ مدبوغٍ، وإنّما كانت الحجَّةُ تَلْزَمُ لو أنّهما كانتا من جلدِ مَيْتَةٍ مَدْبوغ، هذا على أنّ في شريعَتِنا ومنهاجِنا الذي أُمِرنا باتِّباعه قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طَهُر" (٢) .
-
وذكر الأثْرَمُ، قال: سمِعتُ أبا عبدِ الله سُئل عن رجلٍ صلَّى بقومٍ (٣) وعليه جلُودُ الثَّعالب، أو غيرُها من جُلود الميتةِ المدبوغة، فقال: إن كان لَبِسَه وهو يتَأوَّلُ: "أيُّما إهابٍ دُبغ فقد طهُر" . فلا بأسَ أن يُصَلَّى خلفه. قيل له: فتَراه أنت جائزًا؟ قال: لا، نحن لا نَراه جائرا؛ لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَنْتَفِعوا من الميْتَةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ" (٤) ، ولكنَّه إذا كان يتأوَّلُ، فلا بأسَ أن يُصَلَّي خَلْفَه (٥) . فقيل له: كيف وهو مُخطِئٌ في تَأويلِه؟ فقال: وإن كان مُخطِئًا في تأويلِه، فليس مَن تأوَّل كمَن لا يتَأوَّلُ. ثم قال: كلُّ من تأوَّل شيئًا جاءَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعن أصحابِه، أو عن أحدِهم، فيَذهَبُ إليه، فلا بأسَ أنْ يُصَلَّى خلفَه، وإن قُلْنا نحن خلافَه من وجهٍ آخرَ؛ لأنّه قد تأوَّل. قيل له: فإنَّ من الناسِ من يقولُ: ليس جلدُ الثَّعالبِ بإهاب. فنفَض يَدَه، وقال: ما أدري أيُّ شيءٍ هذا القولُ؟ ثم قال أبو عبد الله: مَن تأوَّل فلا بأسَ أنْ يُصَلَّى خلفَه (٦) . يعني: إذا كان تأويلُه له وجهٌ في السُّنَّة.
vol. 3, p. 270قال أبو عُمر: ما أنكَره أحمدُ من قولِ القائل: إنّ جُلودَ الثعالبِ لا يُقالُ للجلدِ منها: إهابٌ. هو قولٌ يُحكَى عن النَّضر بن شُمَيل، أنّه قال: إنّما الإهابُ جلدُ ما يُؤكَلُ لحمُه من الأنعام، وأمّا ما لا يُؤكَلُ لحمُه فإنّما هو جلدٌ ومَسْكٌ (١) . وقد أنكَرت طائفة من أهلِ العلم قولَ النَّضر بن شُميل هذا، وزعَمت أن العربَ تُسَمِّي كلَّ جلدٍ إهابًا، واحتَجَّت بقولِ عَنْترة (٢) :
فشَكَكْتُ بالرُّمح الطَّويل إهَابَه ... ليس الكَريمُ على القَنا بمُحَرَّمِ
واختَلَف الفقهاءُ أيضًا بعدَ ما ذكَرْناهُ في حُكْم طَهارةِ الجِلْدِ المذكورِ بعدَ الدِّباغ، هل هي طهارةٌ كاملةٌ في كلِّ شيءٍ كالمُذَكَّى؟ أو هي طهارَةُ ضرورةٍ تُبيحُ الانتفاعَ به في شيءٍ دونَ شيءٍ؟ فذكَر أبو عبدِ الله محمدُ بنُ نصرٍ المرْوَزِيُّ قال: وإلى جوازِ الانتفاع بجلودِ الميْتَةِ بعدَ الدِّباغ في كلِّ شيءٍ من البيع وغيرِه، وكراهيةِ الانتفاع بها قبلَ الدِّباغ، ذهَب أكثرُ أهلِ العلم من التابعين، وهو قولُ يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ وعامَّةِ علماءِ الحجاز.
وقال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْب، عن حَيوةَ بن شُريح، عن خالدِ بن أبي عِمْرانَ، قال: سألتُ القاسمَ وسالمًا عن جُلُود الميتةِ إذا دُبِغت، أيَحِلُّ ما يُجْعَلُ فيها؟ قالا: نعم، ويَحِلُّ ثمَنُها إذا بَيَّنْتَ ممّا كانت (٣) .
vol. 3, p. 271قال: وحدَّثنا إبراهيمُ بن الحسنِ العلّافُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، قال: لا يُختلَفُ عندَنا بالمدينة أنّ دِباغَ جلودِ الميتةِ طَهورُها. قال: وقد رُوي عن الزهريِّ مثلُ ذلك.
-
حدَّثنا محمدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا الوليدُ بن الوليدِ بن زيدٍ العَنْسِيُّ (١) ، مولًى لهم، دمَشْقيٌّ، قال: سألتُ الأوزاعيَّ عن جلودِ الميتة، فقال: حدَّثني الزُّهريُّ أنّ دِباغَها طَهورُها (٢) .
قال أبو عبد الله: وكذلك قال الأوزاعيُّ والليثُ بن سعدٍ، وهو قولُ سفيانَ الثوريِّ وأهل الكوفة، وكذلك قال الشافعيُّ وأصحابُه، وابنُ المبارك، وإسحاقٌ بن إبراهيمَ، وهو قولُ مالك بن أنسٍ، إلّا أنّ مالكًا من بين هؤلاء كان يُرَخِّصُ في الانتفاع بها بعدَ الدِّباغ، ولا يرَى الصلاةَ فيها، وَيكْرَهُ بَيعَها وشِراءَها.
قال أبو عبد الله: وسائرُ مَن ذكَرنا جعَلها طاهرةً بعدَ الدِّباغ، وأطلَق الانتفاعَ بها في كلِّ شيءٍ، وهو القولُ الذي نَخْتارُه، ونَذهبُ إليه.
قال أبو عُمر: قولُه: أطلَق الانتفاعَ بها في كلِّ شيءٍ، يعني: الوُضوءَ فيها، والصلاةَ فيها، وبيعَها وشِراءَها، وسائرَ وُجوهِ الانتفاع بها وبثَمنِها كجلودِ المذكَّاةِ سواءً، وعلى هذا أكثرُ أهل العلم بالحجاز والعراق من أهل الفقهِ والحديث. وممّن قال بهذا: الثوريُّ، والأوزاعيُّ، وعبيدُ الله بن الحسن العَنْبَريُّ، والحسنُ بن حَيٍّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأصحابُهما. وهو قولُ داودَ بن عليٍّ والطبريِّ.
- vol. 3, p. 272
وإليه ذهَب ابنُ وَهْبٍ صاحبُ مالكٍ. كلُّ هؤلاء يقولون: دِباغُ الإهاب طَهورُ؛ للصلاةِ، والوضوء، والبيع، وكلِّ شيء (١) .
-
ذكر ابن وَهْب في "مُوطَّئه" ، عن ابن لَهيعةَ وحَيْوةَ بن شُريحٍ جميعًا، عن خالدِ بن أبي عِمْرانَ، قال: سألتُ القاسمَ بن محمد وسالمَ بن عبدِ الله عن جُلُود الميتةِ إذا دُبِغَت؛ أيَحِلُّ ما جُعِلَ فيها؟ قالا: نعم، وَيحِلُّ ثمَنُها إذا بَيَّنْتَ ممّا كانت (٢) .
قال ابنُ وَهْب: وأخبَرنا محمدُ بن عَمْرٍو، عن ابن جُريج، قال: قلتُ لعطاءٍ (٣) : الفَرْوُ من جُلُودِ الميتةِ، يُصَلَّى فيه؟ قال: نعم، وما بَأْسُه وقد دُبغ (٤) .
قال ابن وَهْبٍ: وسمِعْتُ الليثَ بن سعدٍ يقولُ: لا بأسَ بالصلاة في جُلُودِ الميْتةِ إذا دُبِغَتْ، ولا بأسَ بالنِّعال من جلودِ الميتةِ إذا دُبِغَتْ، ولا بأسَ بالاسْتِقاءِ بها، والشُّرْبِ منها، والوضوءِ فيها.
قال أبو عُمر: فهذه الروايةُ عن اللَّيثِ خلافُ ما تقدَّم عنه في أول هذا الباب، وإذا كان يُجيزُ الانتفاعَ بها قبلَ الدِّباغ، فهو أحرَى وأولَى بمثل هذا مِن القول فيها بعدَ الدِّباغ.
قال ابنُ وَهْب: وقال يحيى بن سعيدٍ: لقد بلَغني أنّ بعضَ الناسِ يرَى بيعَها وإنْ لم تُدْبَغْ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر أنْ يُنْتَفَعَ بها.
vol. 3, p. 273قال أبو عُمر: هذا القولُ مأخوذٌ واللهُ أعلمُ عن ابن شهابٍ، وقد مضَى القولُ بما فيه كفاية. والحمدُ لله.
-
ومن حُجَّةِ من ذهَب إلى أنّ الطهارةَ بالدِّباغ في جُلودِ الميْتةِ طَهارةٌ كامِلةٌ في الأشياء الرَّطْبةِ واليابسة، وأجاز الشُّربَ منها والاستقاءَ بها، والصلاةَ عليها، وسائرَ ما يجوزُ في الجُلود المذَكَّاة، ما حدَّثنا عبدُ الوارث بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ (١) ، قال: حدَّثنا يحيى بن أيوبَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن ربيعةَ، أنّ أبا الخير حدَّثه، قال: حدَّثني ابنُ وَعْلَةَ السَّبَئيُّ، قال: سألْتُ عبدَ الله بن عباسٍ، فقلتُ: إنّا نكونُ بالمغرب، فيَأتينا المجوسُ بالأسْقيةِ فيها الماءُ والوَدَكُ (٢) ؟ فقال: اشْرَبْ. فقُلْتُ: رَأي تَراه؟ فقال ابنُ عباسٍ: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "دِباغُها طَهورُها" (٣) .
-
وحدَّثنا عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجهم، قال: حدَّثنا يَعلَى بن عُبَيْدٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن القَعْقاع بن حَكيمٍ، عن عبدِ الرحمن بن وَعْلَةَ، قال: سألْتُ ابنَ عباسٍ عن جلودِ الميْتَةِ، فقال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "دِباغُها طَهورُها" (٤) .
- vol. 3, p. 274
وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا مُطَّلبُ بن شُعيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيْثُ، قال: حدَّثني هشامٌ، قال: حدَّثني زيدُ بن أسلَمَ، عن ابن وَعْلَةَ السَّبَئيِّ، أنّه قال: سألتُ عبدَ الله بن عباس عن أسقيةٍ نَجِدُها بالمغرب في مغازِينا، فيها السَّمْنُ والزَّيتُ لعلَّها تكونُ مَيْتةً، أفنَأْكلُ منها؟ قال: لا أدْري، ولكن سمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "أيُّما إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُرَ" (١) .
-
فهذه الآثارُ كلُّها عن ابن عباسٍ تَدُلُّ على أنّه فَهِمَ من الخبرِ معنَى عمومِ الانتفاع به، وحمَل الحديثَ على ظاهرِه وعُمومِه، وإنّما سُئِل عن الشربِ فيها ونحوِ ذلك، فأطْلَق الطهارةَ عليها إطلاقًا غيرَ مُقَيَّدٍ بشيءٍ، ولم تَختَلِفْ فَتْوَى ابن عباسٍ وأصحابِه: أنّ دِباغَ الأديم طَهورُه. وكذلك لم يَختَلِفْ قولُ ابن مسعودٍ وأصحابه في ذلك (٢) . وكان مالكٌ وأصحابُه حاشا ابنَ وهبٍ يَرَوْن أن يُنْتَفَعُ بجلودِ الميتةِ إذا دُبِغَتْ في الجلوس عليها، والعمل والامتهانِ في الأشياءِ اليابسةِ؛ كالغَرْبَلةِ وشِبْهها، ولا تُباعُ، ولا يُتَوضَّأُ فيها، ولا يُصَلَّى عليها؛ لأنّ طَهارتَها ليست بطهارةٍ كاملةٍ (٣) . ومن حُجَّتِهم أنّ اللهَ عزَّ وجلَّ حرَّم الميْتةَ، فثَبَت تحريمُها بالكتاب، وأباحَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الاستِمتاعَ بجِلْدِها والانتفاعَ به بعدَ الدِّباغ.
-
وروَى مالكٌ (٤) ، عن يزيدَ بن قُسَيْطٍ، عن محمدِ بن عبد الرحمن بن ثَوبانَ،
vol. 3, p. 275عن أُمِّه، عن عائشةَ، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر أنْ يُسْتَمْتَعَ بجلودِ الميْتةِ إذا دُبِغَتْ. وفَهِمَتْ عائشةُ المُرادَ من ذلك، فكانت تَكْرَهُ الفِراءَ من الجُلودِ التي ليست مُذكّاةً.
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا مطرِّفٌ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن القاسم بن محمدٍ، أنّه قال لعائشةَ: ألَا نَجْعَلُ لكِ فَرْوًا تَلْبَسِينَه؟ قالت: إنِّي لأكْرَهُ جلودَ الميْتةِ. قال: إنّا لا نَجْعَلُه إلّا ذَكِيًّا. فجعَلْناه، فكانت تَلْبَسُه (١) .