زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
1,580 paragraphs · vol. 3, p. 5
Page 17 of 40
- vol. 3, p. 311
وعن ابن جُرَيْج (١) ، قال: أخبرني ابنُ أبي حُسين، أنّ ابنَ شهابٍ أخبَره، أنّ عثمانَ كان يُصَدِّقُ الخيلَ، وأنّ السائبَ بن يزيدَ أخبَره أنّه كان يأتي عمرَ بن الخطاب بصَدقةِ الخيل. قال ابنُ أبي حسين: قال ابنُ شهابٍ: لم أعْلَمْ أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سَنَّ صدقةَ الخيل.
-
وقد ذكَر معمرٌ (٢) ، عن أبي إسحاقَ وغيرِه كلامًا معناه: عن عُمرَ، أنّ أهلَ الشام ألحُّوا عليه في أخذِ الصدقةِ من خَيْلهم وعَبيدِهم، فكان يأخُذُها منهم، وكان يَرْزُقُهم مثل ذلك من الأجربة (٣) . قال: فلمّا كان معاويةُ حسَب ذلك، فإذا الذي كان يُعطِيهم أكثرُ من الذي كان يأخُذُ منهم فتَرَك ذلك ولم يأخُذْ منهم شيئًا ولم يُعطِهم شيئًا.
قال أبو عُمر: الخبرُ في صدقةِ الخيل عن عُمرَ غيرُ (٤) صحيحٍ من حديثِ الزهريِّ، وقد رُوِي من حديثِ مالكٍ أيضًا.
-
حدَّثني محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عمرَ الحافظ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الشافعيُّ، قال: حدَّثنا معاذُ بن المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن أسماءَ، قال: حدَّثنا جُوَيْرِيةُ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، أنّ السائبَ بن يزيدَ أخبَره قال:
vol. 3, p. 312لقد رأيتُ أبي يُقَيِّمُ الخيلَ، ثم يَدْفَعُ صدقتَها إلى عمرَ رضي اللهُ عنه (١) . وهذا حُجَّةُ أبي حنيفةَ ومعنى قوله، واللهُ أعلمُ. تفَرَّدَ به جُوَيرِيةُ عن مالكٍ.
-
وأمّا قولُه: "ورجلٌ ربَطها فَخْرًا ورياءً ونِواءً لأهل الإسلام" فالفخرُ والرِّياءُ معروفان، وأمّا النِّواءُ، فهو مصدرُ: ناوَأْتُ الرَّجل (٢) مُناوأةً وبواءً، وهي المُساماةُ (٣) ، قال أهلُ اللغة: أصلُه من: ناءَ إليكَ ونُؤْتَ إليه، أي: نهَض إليكَ ونَهَضْتَ إليه، قال بشرُ بن أبي خازم (٤) :
بَلَّتْ قُتيبةُ في النِّواءِ بفارسٍ ... لا طائشٍ رَعِشٍ ولا وقَّافِ
وقال أعشَى باهِلَة (٥) :
إمّا يُصِبْكَ عدوٌّ في مُناوَأةٍ ... يومًا فقد كنتَ تستَعْلي وتَنْتَصِرُ
وقال أوسُ بن حُجرٍ (٦) :
إذا أنتَ ناوأتَ الرِّجالَ فلم تَنُؤْ ... بقَرْنَيْنِ عَزَّتْكَ القرونُ الكَواملُ
vol. 3, p. 313إذا ما استوَى قَرْناكَ لم يَهْتَضِمْهُما ... عزيزٌ ولم يَأكُلْ ضعيفَكَ آكلُ
ولا يَستَوي قرنُ النِّطاحِ الذي به ... تَنوءُ وقَرنٌ كلَّما قُمْتَ مائلُ
وقال جرير (١) :
إني امرُؤٌ لم أُرِدْ فيمن أناوِئُه ... للناسِ ظُلْمًا ولا للحربِ إدْهَانا
وأمّا قولُه: "الآيةُ الجامعةُ الفاذَّةُ" ، فالفاذُّ: هو الشّاذُّ، والفاذَّةُ: الشَّاذَّةُ، قال ابنُ الأعرابيِّ: يقالُ: ما يَدَعُ في الحرب فلانٌ شاذًّا ولا فاذًّا؛ أي: أنّه شُجاعٌ لا يَلْقاه أحدٌ إلّا قتَله، ويقال: فاذَّةٌ وفَذَّةٌ، وفاذٌّ وفَذٌّ، ومنه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "صلاةُ الجماعةِ تَفْضُلُ صلاةَ الفَذِّ" (٢) .
قال أبو عُمر: يعني، والله أعلمُ، أنّها آيةٌ منفرِدةٌ في الخيرِ والشَّرِّ، ولا أعلم آيةً أعمُّ منها؛ لأنّها آيةٌ تَعُمُّ كلَّ خيرٍ وكلَّ شرٍّ. فأمّا الخيرُ، فلا خلافَ بين المسلمين أنّ المؤمِنَ يرَى في القيامةِ ما عَمِل من الخَيْر، ويُثابُ عليه. وأمّا الشَّرُّ، فللّه أن يَعفوَ، وله أن يُعاقِبَ، قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: ١١٤] ، ولما نزَلتْ: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: ١٢٣] بكى أبو بكرٍ، وقال: يا رسولَ الله، أكلُّ ما نعملُ نُجزَى به؟ فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا بكرٍ، ألستَ تَمرَضُ؟ ألستَ تَنْصَبُ؟ ألستَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ؟ فذلك ما تُجزَوْن به في الدنيا" (٣) .
vol. 3, p. 314وقال - صلى الله عليه وسلم -: "المرضُ كفَّارةٌ" (١) . و "ما يُصيبُ المؤمنَ من مصيبةٍ إلّا كفِّر بها من خطاياه" (٢) .
-
وقولُه في الحُمُر في هذا الحديث مثلُ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "في كلِّ ذي كَبِدٍ رَطبةٍ أجرٌ" (٣) .
-
وكان الحُمَيْديُّ رحمه الله يقولُ: إن اتَّخَذْت حمارًا فانظُرْ كيف تتَّخِذُه، أما الخيلُ فقد جاء فيها ما جاء.
- vol. 3, p. 315
وفي هذا الحديث، واللهُ أعلمُ، دليلٌ على أنّ كلامَه ذلك في الخيل كان بوحيٍ من الله؛ لأنّه قال في الحُمُرِ: "لم يُنْزَلُ عليَّ فيها شيءٌ إلّا الآيةُ الجامعةُ الفاذّةُ" . فكأنّ قولَه في الخيلِ نزَل عليه، واللهُ أعلمُ، ألا ترَى إلى قولِه: "لقد عُوتِبْتُ الليلةَ في الخيلِ" (١) . وهذا يَعضُدُ قولَ من قال: إنّه كان (٢) لا يتكلَّمُ في شيءٍ إلّا بوحي، وتَلا: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: ٣ - ٤] ، واحتجَّ بقولِه: "أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه" (٣) ، وبقولِ عبدِ الله بن عمرٍو: يا رسولَ الله، أكتُبُ كلَّ ما أسمَعُ منك؟ قال: "نعم" . قال: في الرِّضا والغضب؟ قال: "نعم، فإنِّي لا أقولُ إلّا حقًّا" (٤) .
- vol. 3, p. 316
حديثٌ تاسع عَشَر لزَيْد بن أسْلَم مُسْنَد
مالكٌ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن رجلٍ من بني الدِّيل يقالُ له: بُسْرُ بن مِحْجَنٍ، عن أبيه مِحْجَنٍ، أنّه كان في مجلسٍ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأُذِّنَ بالصَّلاة، فقامَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلّى ثم رجَع، ومحْجَنٌ في مجلسِه (٢) ، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما منَعكَ أن تُصَلِّيَ مع الناس؟ ألستَ برجلٍ مُسلم؟ " قال: بلى يا رسولَ الله، ولكنِّي قد صَلَّيْتُ في أهلي، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جِئْتَ فصلِّ مع الناس، وإن كنتَ قد صلَّيْتَ" .
-
اختَلَف الناسُ عن زيدِ بن أسلَمَ في اسْم هذا الرجل؛ فقال مالكٌ وأكثرُ الرُّواة عن زيدٍ فيه: بُسْرُ بن مِحْجَنٍ - بالسِّين المُهملة - كذلك هو في "الموطَّأ" عندَ جمهورِ رواتِه (٣) ، وقال فيه بشرُ بنُ عمرَ الزَّهْرانيُّ (٤) : عن مالكٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن بِشْرِ بن مِحْجَنٍ. فقيلَ له في ذلك، فقال: كان مالكُ بن أنسٍ يَرْوِي هذا الحديثَ قديمًا عن زيدِ بن أسلمَ، فيقولُ فيه: بِشْر. فقيلَ له: هو بُسْرٌ، فقال: عن بُسْرٍ أو بِشْرٍ. وقال بعدَ ذلك: عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابنِ مِحْجَنٍ. ولم يقل: بُسْرٌ ولا بِشْرٌ.
وقال فيه الثوريُّ (٥) ، عن زيدِ بن أسلمَ: بشرٌ - بالشِّين المَنقوطةِ - وكان أبو نُعيم يقولُ بالسين كما قال مالكٌ ومن تابَعه.
- vol. 3, p. 317
ورواه الدَّراوَردِيُّ (١) ، عن زيدِ بن أسلمَ، فقال فيه: عن بشرٍ. بالمنقوطةِ كما قال الثَّوريُّ.
-
ورواه ابنُ جُرَيج (٢) ، عن زيدِ بن أسلمَ، فقال فيه: بُسْرٌ، كما قال مالكٌ.
-
وروَى هذا الحديثَ أيضًا حَنْظلةُ بن عليٍّ الأسلميُّ (٣) ، عن بِشْرِ بن مِحْجَنٍ، ولم يَذْكُرْ أباه.
-
ورَواه عبدُ الله بن جعفرٍ بن نَجِيح (٤) ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن بِشْرِ بن مِحْجَنٍ، عن أبيه - بالمنقوطة - كما قال الثَّوريُّ في رواية أصحابِ الثَّوريِّ عنه. وقد قيلَ فيه عن الثّوريِّ: بُسْرٌ أيضًا (٥) .
- vol. 3, p. 318
وحدَّثني أحمدُ بن عبد الله، قال: حدَّثنا الميمونُ بن حمزةَ الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن سلامةَ الأزديُّ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ بن أبي داودَ البُرُلُّسيَّ (١) يقولُ: سمعتُ أحمدَ بن صالحٍ في المسجدِ الجامعِ بمصرَ يقولُ: سألتُ جماعةً من وَلَده ومن رَهْطِه فما اختلَف عليَّ منهم اثنان أنّه بِشْرٌ كما قال الثَّوريُّ (٢) .
قال أبو عُمر: في هذا الحديث وُجوهٌ من الفقه:
أحدُها: قولُه - صلى الله عليه وسلم - لمِحْجَنٍ الدِّيليِّ: "ما منعكَ أن تُصَلِّي مع النّاسِ؟ ألستَ برجلٍ مُسلم؟ " ، وفي هذا، واللهُ أعلمُ، دليلٌ على أنّ من لا يُصلِّي ليس بمُسلم وإنْ كان مُوحِّدًا، وهذا موضعُ اختلافٍ بين أهل العلم، وتقريرُ هذا الخطاب في هذا الحديثِ أنّ أحدًا لا يكونُ مُسلمًا إلّا أنْ يُصلِّيَ، فمَن لم يُصَلِّ فليسَ بمُسلم.
-
وفيه أنّ مَن أقرَّ بالصلاةِ وبعملِها وإقامَتِها أنّه يُوكَلُ إلى ذلك إذا قال: إنِّي أُصلِّي؛ لأنّ مِحْجَنًا قال لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: قد صَلَّيْتُ في أهلي، فقَبِل منه.
-
ولا حُجَّة في هذا الحديث لمن قال: إنّ الإقرارَ بالصَّلاة دُونَ إقامتِها يَحْقِنُ الدَّمِ؛ لأنّه لم يقلْ: إنِّي مؤمنٌ بالصلاةِ مُقِرٌّ بها، غيرَ إنِّي لا أُصلِّي، بل قال لي: قد صَلَّيْتُ. والظاهرُ أنّه لم يُنْجِه إلّا قولُه لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: قد صَلَّيْتُ في أهلي.
- vol. 3, p. 319
واختلَف العلماءُ في حكم تاركِ الصَّلاةِ عامدًا وهو على فعلِها قادرٌ؛ فرُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وأبي الدَّرْداء، تَكفيرُ تاركِ الصَّلاةِ؛ قالوا: من لم يُصلِّ فهو كافرٌ (١) .
-
وعن عمرَ بن الخطّاب، أنّه قال: لا حظَّ في الإسلام لمن ترَك الصلاة (٢) .
-
وعن ابن مسعودٍ: مَن لم يُصلِّ فلا دِينَ له (٣) .
-
وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ، والحكمُ بن عُتيبةَ، وأيُّوبُ السَّخْتيانيُّ، وابنُ المباركِ، وأحمدُ بن حنبلٍ، وإسحاقُ بن راهُويَة: من ترَك صلاةً واحدةً متَعَمِّدًا
vol. 3, p. 320حتى يَخرجَ وقتُها لغيرِ عُذْرٍ، واصلى من قضائِها وأدائِها وقال: لا أُصلِّي، فهو كافرٌ، ودمُه ومالُه حلالُ، ولا يَرِثُه ورَثَتُه من المُسلمينَ، ويُسْتَتابُ فإنْ تاب، وإلّا قُتِل، وحكمُ مالِه ما وصَفنا كحُكم مالِ المُرتَدِّ (١) . وبهذا قال أبو داودَ الطَّيالسيُّ، وأبو خَيثمةَ، وأبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٢) .
وقال إسحاقُ بن راهُويةَ: وكذلك كان رأيُ أهل العلم من لَدُن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى زماننا هذا: أنّ تاركَ الصلاةِ عمدًا من غير عُذْرٍ حتى يَذهبَ وقتُها كافرٌ إذا أبَى من قَضائِها وقال: لا أُصَلِّيها. قال إسحاقُ: وذهابُ الوقتِ أن يُؤخِّرَ الظهرَ إلى غُروب الشَّمسِ، والمغربَ إلى طُلوع الفَجْر. قال: وقد أجمَع العلماءُ على أنّ من سبَّ الله عزَّ وجلَّ، أو سبَّ رسولَه - صلى الله عليه وسلم -، أو دفَع شيئًا أنزَله اللهُ، أو قتَل نبيًّا من أنبياءِ الله، وهو مع ذلك مُقِرٌّ بما أنزَل اللهُ - أنّه كافرٌ، فكذلكَ تاركُ الصلاةِ حتى يَخرُجَ وقتُها عامدًا. قال: ولقد أجمَعوا في الصلاةِ على شيءٍ لم يُجمِعوا عليه في سائرِ الشَّراع؛ لأنّهم بأجمَعِهم قالوا: مَن عُرِف بالكُفر ثم رَأوْه يُصلِّي الصلاةَ في وقتِها، حتى صلَّى صلواتٍ كثيرةً في وقتِها، ولم يَعلَموا منه إقرارًا باللِّسان، أنّه يُحْكَمُ له بالإيمان، ولم يَحْكُموا له في الصوم والزكاةِ والحجِّ بمثلِ ذلك. قال إسحاقُ: فمَن لم يَجعَلْ تاركَ الصلاةِ كافرًا فقد ناقَض وخالَف أصْلَه وقولَ غيرِه. قال: ولقد كفَر إبليسُ إذْ لم يَسجُد السجدةَ التي أُمِرَ بسُجودِها. قال: وكذلك تاركُ الصلاةِ عمدًا حتى يَذهبَ وقتُها كافرٌ إذا أبَى من قَضائِها (٣) . وقال أحمدُ بن حنبل: لا يُكَفَّرُ أحدٌ بذنبٍ إلا تاركُ الصلاةِ عمدًا، ثم ذكَر اسْتِتابتَه وقتلَه (٤) .
- vol. 3, p. 321
وحُجَّةُ من قال بهذا القول ما رُوِيَ من الآثارِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في تَكفير تاركِ الصلاةِ " منها حديثُ جابرٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه قال: " ليسَ بينَ العبدِ وبينَ الكفرِ - أو قال: بينَ الشركِ - إلّا تركُ الصلاة " (١) . وحديثُ بُريد عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: " العهدُ الذي بَيْنَنا وبينَهم الصلاةُ، فمَن ترَكها فقد كَفَر " (٢) . وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: " مَن ترَك صلاةَ العصرِ - يعني مُتعَمِّدًا - فقد حَبِط عملُه" (٣) .
-
هذا كلُّه ممّا احتجَّ به إسحاقُ بن راهُويَة في هذه المسألةِ لقوله المذكور، واحتجَّ أيضًا بأنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا غزَا قومًا لم يُغِرْ عليهم حتى يُصْبحَ، فإذا أصبح كان إذا سمِع أذانًا أمسَك، وإذا لم يَسمعْ أذانًا أغارَ ووضَع السيفَ (٤) .
- vol. 3, p. 322
واحتجَّ أيضا بقول الله عزَّ وجلَّ: {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: ٥٩] ، وبقولِه عزَّ وجلَّ: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الروم: ٣١] ، وبقوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [فاطر: ١٨] ، وبقوله عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [الأعراف: ١٧٥] ، وبآياتٍ نحو هذا كثيرةٍ وآثار.
-
واحتجَّ غيرُه ممّن ذهَب مذهبَه في هذه المسألة بحديث أبي هريرة (١) ، قال: "من ترَك الصلاةَ حُشِرَ مع قارونَ وفرعونَ وهامانَ" (٢) ، وبحديثِ أنسٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "من صَلَّى صلاتَنا واستقبَل قِبْلتنا فذلك المسلمُ" (٣) .
قالوا: هذا دليلٌ على أنّ من لم يُصلِّ صلاتَنا، ولم يَستقبِلْ قبلتَنا فليس بمسلم. وبما رواه شَهْرُ بن حَوْشَب، عن أمِّ الدَّرداءِ، عن أبي الدَّرْداءِ، قال:
vol. 3, p. 323أوصَاني خَليلي أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - بسبعٍ: "لا تُشرِكْ بالله شيئًا وإنْ قُطِّعتَ وإن حُرِّقْتَ، ولا تَتْرُكْ صلاةً مكتوبةً متعمِّدًا، فمن ترَكها فقد بَرِئَتْ منه الذِّمّةُ، ولا تَشْرَبِ الخمرَ؛ فإنّها مفتاحُ كلِّ شرٍّ، وأطِعْ والديكَ وإن أمَراكَ أنْ تَخْرُجَ لهما من دُنياكَ فافْعلْ، ولا تُنازع الأمرَ أهلَه وإنْ رأيتَ أنّك أنتَ، ولا تَفِرَّ من الزَّحفِ؛ فإنّ فيه الهلَكَةَ، وأنْفِقْ على أهلِكَ من طَوْلِكَ، وأخِفْهُمْ في الله، ولا تَرْفَعْ عَصاكَ عنهم" (١) . وبما رُوِيَ عن الصحابةِ الذين قدَّمْنا الذكرَ عنهم بذلك.
-
وجَدْتُ في كتاب أبي، رحِمه اللهُ، بخطِّه أنّ أحمدَ بن سعيد بن حَزْم حدّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بن بدر الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو شُريح محمدُ بن زَكرِيا كاتِبُ العُمَريِّ، قال: حدَّثنا الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي الزُّبير، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "بينَ العبدِ وبينَ الكفرِ تركُ الصلاةِ" (٢) . ورواه ابنُ جُريج، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، مثلَه (٣) .
- vol. 3, p. 324
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن ربيعةَ، عن ابن جُرَيْج، فذكَره.
-
وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٢) : أخبَرنا الحسينُ بن حُرَيْثٍ، قال: حدَّثنا الفضلُ بن موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن عبدِ الله بن بُريدةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّ العهدَ الذي بينَنا وبينهم الصلاةُ، فمَن ترَكها، فقد كَفَر" .
-
وذكَر إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي بكرٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُريعٍ، قال: حدَّثنا المسعوديُّ، قال: أنبأَني الحسنُ بن سعدٍ (٣) ، عن عبد الرحمن بن عبد الله، قال: قيل لعبد الله: إنّ الله يُكثرُ ذكرَ الصلاةِ في القرآن: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: ٢٣] ، {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: ٩] . فقال عبدُ الله: على مواقيتِها. فقال: ما كنّا نرَى إلّا أنْ تُتْرَكَ. فقال عبدُ الله: تَرْكُها الكفرُ (٤) .
- vol. 3, p. 325
وفي هذه المسألة قولٌ ثانٍ؛ قال الشافعيُّ: يقولُ الإمامُ لتاركِ الصلاة: صلِّ. فإنْ قال: لا أصلِّي. سُئِلَ؛ فإنْ ذكَر عِلَّةً بجسمِه (١) أُمِرَ بالصلاةِ على قدرِ طاقَتِه، فإنْ أبَى من الصلاةِ حتى يَخرُجَ وقتُها قتَله الإمامُ، وإنّما يُسْتَتابُ ما دام وقتُ الصلاةِ قائمًا، فيُستَتابُ في أدائِها وإقامَتِها، فإنْ أبَى قُتِلَ ووَرِثه وَرَثَتُه (٢) . وهذا قولُ أصحابِ مالكٍ ومذهبُهم، وبعضُهم يروِيه عن مالك (٣) .
-
وروَى محمدُ بن عليٍّ البَجَليُّ (٤) ، قال: حدَّثنا يونسُ بن عبد الأعلى، قال: سمِعْتُ ابنَ وَهْبٍ يقولُ: قال مالكٌ: مَن آمَن بالله وصَدَّق المرسلينَ وأبَى أنْ يُصلِّي قُتِلَ (٥) . وبه قال أبو ثورٍ وجميعُ أصحابِ الشَّافعيِّ، وهو قولُ مكحولٍ، وحمادِ بن زيدٍ، ووكيع.
-
ومن حجَّةِ مَن ذهَب هذا المذهبَ أنّ أبا بكرٍ الصديقَ استَحَلَّ دماءَ مانعِي الزّكاة، وقال: والله لأُقاتِلَنَّ من فرَّق بين الصلاةِ والزَّكاةِ. فقاتلَهم على ذلك في جمهورِ الصحابةِ، وأراقَ دماءَهم لمَنْعِهم الزَّكاةَ وإباءَتِهم من أدائِها. فمَن امتنَع من الصلاةِ وأبَى من إقامَتِها كان أحرَى بذلك، ألا ترَى أنّ أبا بكرٍ شَبَّهَ الزَّكاةَ بالصلاةِ، ومعلومٌ أنّهم كانوا مُقِرِّين بالإسلام والشهادةِ، يُوَضِّحُ لكَ ذلك قولُ عمرَ لأبي بكرٍ: كيف تُقاتِلُهم وقد قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ
vol. 3, p. 326الناسَ حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالُوها عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم، إلّا بحَقِّها، وحسابُهم على الله"؟ فقال أبو بكرٍ: هذا من حقِّها، والله لو مَنَعُوني عَنَاقًا أو عِقالًا ممّا كانوا يُعْطُون رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتَلْتُهم على ذلك (١) .
-
ولو كفَر القومُ، لقالَ أبو بكرٍ: قد ترَكوا لا إلهَ إلا اللهُ، وصارُوا مُشرِكين. وقد قالوا لأبي بكرٍ بعدَ الإسار: ما كفَرنا بعدَ إيمانِنا، ولكن شَحَحنا على أموالِنا. وذلك بَيِّنٌ في شِعْرِهم؛ قال شاعرُهم (٢) :
ألا فاصْبَحِينا قبلَ نائِرَةِ الفجرِ (٣) ... لعَلَّ مَنايانَا قريبٌ وما نَدْرِي
أَطَعنا رسولَ الله ما كان بَيْنَنا ... فيا عجبًا ما بالُ مُلْكٍ أبي بكرِ
فإنَّ الذي سأَلوكمُ فمَنَعْتُمُ ... لكالتَّمْرِ أو أشهَى إليهم من التَّمْرِ
فرأى أبو بكرٍ في عامّة الصحابةِ ومعه عمرُ قتالهَم، وبعَث (٤) خالدَ بن الوليد وغيرَه إلى قتالِ مَن ارْتَدَّ.
- vol. 3, p. 327
هذا كلُّه احتجَّ به الشِّافعيُّ رحِمه اللهُ، وقال: ففي هذا دلالةٌ على أنّ مَن امتَنع ممّا افترَض اللهُ عليه كان على الإمام أخْذُه به وقتالُه عليه، وإنْ أبَى ذلك على نفسه.
-
وأمّا تَوْريثُ ورثتِهم أموالَهم فلأنّ عمرَ بن الخطّاب لمّا وُلِّيَ رَدَّ على وَرَثَةِ مانعِي الزَّكاةِ كلَّ ما وُجِدَ من أموالِهم بأيدِي الناس.
-
وقد كان أبو بكرٍ سبَاهم كما سبَى أهلَ الرِّدَّة، فخالَفه في ذلك عمرُ لصلاتِهم وتوحيدِهم، ورَدَّ إلى ورَثَتِهم أموالَهم في جماعةِ الصحابة، ولم يُنْكِرْ ذلك عليه أحدٌ.
وقال أهلُ السِّيَر: إنّ عمرَ لمّا وُلِّيَ أرسَل إلى النِّسوةِ اللَّاتي كان المسلمون أحْرَزُوهنَّ (١) ، فخيَّر هنَّ أنْ يَمْكُثْنَ عندَ من هُنَّ عندَه بتَزْويجٍ وصداقٍ، أو يَرْجِعْنَ إلى أهْلِيهِنَّ بالفِداء، فاخْتَرْن أنْ يَمْكُثْنَ عندَ من كُنَّ عندَه، فمكَثنَ عندَهم بتزويجٍ وصَداقٍ. قال: وكان الصَّداقُ الذي جعَل لمَن اختارَ أهلَه عَشْرَ أواقٍ لكلِّ امرأةٍ، والأُوقيَّةُ أربعون درهمًا. فاحْتَجَّ الشَّافعيُّ بفعلِ عمرَ هذا في جماعةِ الصحابةِ أيضًا من غيرِ نكيرٍ.
-
وروَى سفيانُ بن عُيينةَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن محمدِ بن طلحةَ بن يزيدَ، قال: قال عمرُ بن الخطّاب: لأنْ أكونَ سألتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثلاثٍ أحبُّ إليّ من حُمْرِ النَّعَم: الخليفةِ بعدَه، وعن قوم أقرُّوا بالزَّكاةِ ولم يُؤَدُّوها، أيَحِلُّ لنا قتالُهم؟ وعن الكَلالة (٢) .
- vol. 3, p. 328
وروَى حمّادُ بن زيدٍ، عن عَمْرِو بن مالكٍ النُّكْريِّ، عن أبي الجَوْزاء، عن ابن عبّاس، قال: قواعدُ الدِّين ثلاثةٌ: شهادةُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، والصلاةُ وصومُ رمضانَ. ثم قال ابنُ عبّاسٍ: تَجِدُه كثيرَ المالِ ولا يُزَكِّي، فلا يُقالُ لذلك: كافرٌ، ولا يَحِلُّ دَمُه، وتجدُه (١) كثيرَ المالِ لا يحُجُّ، فلا نَراه بذلكَ كافرًا ولا يحلُّ دمُه (٢) . وقد ذكَوْنا هذا الحديثَ بإسنادِه في كتابِ الزَّكاةِ من كتابِ "الاستذكار" .
-
ومن حُجَّتِه أيضًا ما حدَّثناه عبدُ الله بن محمدِ بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفر بن حمدانَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن أحمدَ بن حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، قال (٣) : حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخبَرنا هشامُ بن حسّانَ، عن الحسن، عن ضَبَّةَ بن مِحْصَنٍ، عن أُمِّ سلمةَ، قالت: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّه سيكونُ أمراءُ تَعْرفون وتُنْكِرون، فمَن أنكَر فقَدْ برئَ، ومن كَرِه فقد سلِم، ولكنْ مَن رَضِيَ وتابَع" . قالوا: يا رسولَ الله، ألا نُقاتِلُهم؟ قال: "لا، ما صَلَّوا الخَمْسَ" .
- vol. 3, p. 329
وفيه دليلٌ على (١) أنّهم إنْ لم يُصلُّوا الخمسَ قُوتِلوا، ومن حُجَّتِهم أيضًا قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "نُهِيتُ عن قتلِ المصلِّين" (٢) ، وفي ذلك دليلٌ على أنّ من لم يُصَلِّ لم يُنْهَ عن قَتْلِه، واللهُ أعلمُ، ألا ترَى إلى قولِه - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِه الذين شاوَرُوه في قتلِ مالكِ بن الدُّخْشُم: "أليس يصلِّي؟ " . قالوا: بلى، ولا صلاةَ له (٣) . فنَهاهُم عن
vol. 3, p. 330قتلِه لصَلاتِه، إذ قالوا (١) : بَلَى إنّه يُصَلِّي، ولو قالوا: إنّه لا يُصَلِّي، ما نَهاهم عن قتلِه، واللهُ أعلمُ. ولم يَحْتَجَّ عليهم في المنعِ من قتلِه إلا بالشَّهادةِ والصَّلاةِ؛ لأنّه قال لهم: "أليس يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله؟ " . قالوا: بلَى، ولا شهادةَ له. فقال: "أليس يُصَلِّي؟ " . قالوا: بلَى، ولا صلاةَ له. قال: "أولئك الذين نَهاني اللهُ عن قَتْلِهم" . وقد قال في غير ذلك الحديث: "نُهِيتُ عن قتلِ المصَلِّين" .
-
واضَلُّوا في دفعِ الآثارِ المرويَّةِ في تكفيرِ تاركِ الصلاةِ بأن قالوا: معناها فيمن ترَك الصلاةَ جاحِدًا لها، مُعانِدًا (٢) ، مُستكبِرًا، غيرَ مُقِرٍّ بفَرْضِها. قالوا: ويَلزَمُ مَن كَفَّرَهم بتلك الآثارِ وقَبِلَها على ظاهِرها فيهم أنْ يُكَفِّرَ الزَّانيَ، وشارِبَ الخمرِ، والسارقَ، والمُنْتَهِبَ، ومَن رَغِبَ عن نَسَبِ أبيه؛ فقد صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: "سبابُ المسلم فسوقٌ، وقِتَالُه كفرٌ" (٣) . وقال: "لا يَزْني الزَّاني حين يَزْني وهو مؤمنٌ، ولا يَسْرِقُ السارقُ حينَ يَسْرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا يَشرَبُ الخمرَ حينَ يَشْرَبُها وهو مؤمنٌ، ولا يَنتَهِبُ نُهْبَةً ذاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ الناسُ إليه فيها أبصارَهم حين يَنتَهِبُها وهو مؤمنٌ" (٤) .
vol. 3, p. 331وقال: "لا تَرْغَبوا عن آبائِكم، فإنّه كفرٌ بكم أن تَرْغَبوا عن آبائِكم" (١) . وقال: "لا تَرْجِعوا بَعدِي كفّارًا؛ يَضْرِبُ بعضُكم رقابَ بعضٍ (٢) . إلى آثارٍ مثلِ هذه لا يُخرجُ بها العلماءُ المؤمنَ من الإسلام، وإنْ كان بفعلِ ذلك فاسقًا عندَهم، فغيرُ نكيرٍ أنْ تكونَ الآثارُ في تاركِ الصلاةِ كذلك.
قالوا: ومعنى قوله: "سبابُ المسلم فُسوقٌ، وقتالُه كفرٌ": أنّه ليس بكفرٍ يُخرِجُ عن الملَّة، وكذلك كلُّ ما ورَد من تكفيرِ مَن ذكَرنا ممَّن يَضْرِبُ بعضُهم رقابَ بعضٍ، ونحو ذلك.