زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
1,580 paragraphs · vol. 3, p. 5
Page 3 of 40
- vol. 3, p. 34
وقد ذكَرْنا أسماءَ الفجرِ في اللُّغَةِ، وشواهدَ الشِّعْرِ على ذلك، والمَعْنَى فيه عندَ الفقهاءِ، في أولِ حديثٍ من مراسيلِ عطاءٍ، ومن بابِ يزيدَ أيضًا، والحمدُ للّه.
- vol. 3, p. 35
واختلَفوا في آخِرِ وقتِها؛ فذكَر ابن وَهْبٍ، عن مالكٍ، قال: وقتُ الصبحِ مِن حينِ يَطْلُعُ الفجرُ إلى طلوعِ الشمسِ.
وقال ابن القاسمِ، عن مالكٍ: وقتُ الصبحِ الإغْلاسُ والنُّجُومُ باديةٌ مشتبِكةٌ، وآخِرُ وقتِها إذا أَسْفَر (١) .
قال أبو عُمر: هذا عندَنا على الوقتِ المختارِ؛ لأنَّ مالكًا لَمْ يَخْتَلِفْ قولُه فيمن أدْرَك رَكْعةً منها قبلَ طُلوعِ الشمسِ، ممن له عُذْرٌ في سقوطِ الصلاةِ عند خروج الوقتِ، مثلَ الحائضِ تَطْهُرُ ومَن جَرَى مَجْرَاها، أنّ تلك الصلاةَ واجبةٌ عليها بإدراكِ مقدارِ رَكْعةٍ من وقتِها، وإنْ صَلَّتِ الرَّكْعةَ الثانيةَ مع الطُّلوعِ أو بعدَه.
وقال الثوريُّ: آخِرُ وقتِها ما لَمْ تَطْلُعِ الشمسُ، وكانوا يستحبُّون أن يُسْفِرُوا بها. ومثلُ قولِ الثوريِّ قال أبو حنيفةَ وأصحابُه.
-
وكذلك قال الشافعيُّ (٢) : آخِرُ وقتِها طلوعُ الشمسِ، إلّا أنّه يسْتَحِبُّ التَّغْلِيسَ بها، ولا تَفُوتُ عندَه حتى تَطْلُعَ الشمسُ قبلَ أنْ يُصَلِّيَ منها رَكْعةً بسجدتيها، فمَن لَمْ يُكْمِلْ منها ركعةً بسجدتيها قبلَ طُلوع الشمسِ فقد فاتَتْه.
وقال أحمدُ بن حنبلٍ مثلَ قولِ الشافعيِّ سَواءً، قال: وقتُ الصبحِ مِن طُلوع الفجرِ إلى أنْ تَطْلُعَ الشمسُ، ومَن أدْرَك منها ركعةً قبلَ طلوع الشمسِ فقد أدْرَكَها مع الضرورةِ. وهذا كقولِ الشافعيِّ سواءً (٣) .
- vol. 3, p. 36
ولا خلافَ بينَ العلماءِ في ذلك، إلّا أنّ منهم مَن جعَل آخِرَ وقتِها إدْرَاكَ رَكْعةٍ منها قبلَ طلوعِ الشمسِ لضرورةٍ وغيرِ ضرورةٍ. وهو قولُ داودَ وإسحاقَ (١) . وأما سائرُ العلماءِ فجَعَلوا هذا وقتًا لأصحابِ العُذْرِ والضَّروراتِ. وممن ذهَب إلى هذا: مالكٌ، والشافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ بن حنبلٍ.
-
واختلَفوا في أولِ وقتِ العصرِ وآخِرِه؛ فقال مالكٌ: أولُ وقتِ العصرِ إذا كان الظِّلُّ قامَةً بعدَ القَدْرِ الذي زالتْ عنه الشمسُ. وَيسْتَحِبُّ لمساجدِ الجماعاتِ أنْ يُؤَخِّرُوا ذلك قليلًا. قال: وآخِرُ وقتِها أنْ يكونَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْه.
-
هذه حكايةُ ابن عبدِ الحَكَم وابن القاسمِ (٢) عنه، وهذا عندَنا على وقتِ الاختيارِ؛ لأنَّه قد روي عنه أن مُدْرِكَ ركعةٍ (٣) منها قبلَ الغروبِ ممن كانتِ الصلاةُ لا تجبُ عليه لو خرَج وقتُها لحالَةٍ، كالمُغْمَى عليه عندَه والحائضِ ومَنْ كان مِثْلَهما، تجبُ عليه صلاةُ العصرِ فَرْضًا بإدْراكِ مقدارِ رَكْعةٍ منها قبلَ غروبِ الشمسِ، فدَلَّ ذلك على أنَّ وقتَها عندَه إلى غروبِ الشمسِ. وكذلك ذكَر ابن وَهْبٍ أيضًا عن مالكٍ: وقتُ الظهرِ والعصرِ إلى غروبِ الشمسِ. وهذا عندَنا أيضًا على أصحابِ الضرورات؛ لأنّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جمَع بينَ الصلاتين في السفرِ في وقتِ إحداهما لضرورةِ السفرِ، فكلُّ ضرورةٍ وعُذْرٍ فكذلك.
-
وسنذكُرُ وجهَ الجمع بينَ الصلاتينِ في السفرِ والمطرِ في بابِ أبي الزُّبَيْرِ إنْ شاءَ اللهُ.
- vol. 3, p. 37
وقد قال الأوزاعيُّ: إن ركَع رَكْعةً من العصرِ قبلَ غروبِ الشمسِ ورَكْعةً بعدَ غروبِها فقد أدْرَكَها. والصبحُ عندَه كذلك. وقال الثوريُّ: أولُ وقتِ العصرِ إذا كان ظِلُّك مِثْلَك، إلى أن يكونَ ظِلُّك مِثْلَيْك، وإنْ أخَّرْتَها ما لم تَصْفَرَّ الشمسُ أجْزَأَك.
وقال الشافعيُّ: أولُ وقتِها في الصيفِ إذا جاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَه بشيءٍ ما كان، ومَن أخَّرَ العصرَ حتى يُجاوِزَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَيْهِ في الصَّيْفِ، أو قَدْرَ ذلك في الشتاءِ، فقد فاته وقتُ الاختيارِ، ولا يجوزُ أنْ يقالَ: قد فاته وقتُ العصرِ مطلقًا. كما جاز على الذي أخَّرَ الظهرَ إلى أن جاوزَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَه. قال: وإنما قلتُ ذلك لحديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ -: "مَن أدْرَكَ رَكْعةً مِن العصرِ قبلَ أنْ تَغْرُبَ الشمسُ فقد أدركَها" (١) .
قال أبو عُمر: قولُ الشافعيِّ ههنا في وقتِ الظهرِ يَنْفِي الاشتراكَ بينها وبينَ العصرِ في ظاهرِ كلامِه، وهو شيءٌ يَنْقُضُه ما بنَى عليه مذهبَه في الحائض تَطْهُرُ، والمُغْمَى عليه يُفِيقُ، والكافرِ يُسْلِمُ، والصَّبِيِّ يَحْتَلِمُ؛ لأنَّه يُوجِبُ على كلِّ واحِدٍ منهم إذا أدْرَكَ رَكْعةً واحدةً قبلَ الغروبِ أنّ يُصَلِّيَ الظُّهرَ والعصرَ جميعًا. وفي بعضِ أقاويلِه: إذا أدْرَكَ أحَدُ هؤلاءِ مقدارَ تكبيرةٍ واحدةٍ قبلَ الغروبِ، لزِمه الظهرُ والعصرُ جميعًا. فكيف يَسُوغُ لمَن هذا مَذْهَبُه أن يقولَ: إن الظهرَ يَفُوتُ فَوَاتًا صحيحًا بمجاوزةِ ظِلِّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَه أكثرَ مِن فَواتِ العصرِ بمجاوزَةِ ظِلِّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْه؟ وأما قولُه في وقتِ العصرِ: إذا جاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْه فقد جاوز وقتَ الاختيارِ. فهذا أيضًا فيه شيءٌ؛ لأنه هو وغيرُه مِن العلماءِ يقولون: مَن صَلَّى العصرَ والشمسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ فقد صَلَّاها في وقتِها
vol. 3, p. 38المختارِ، لا أعْلَمُهم يختلِفون في ذلك (١) . فقِفْ على ما وصَفتُ لك، يَبِنْ لك بذلك سَعةُ الوقتِ المختارِ أيضًا، وباللّه التوفيقُ.
وقال أبو ثَوْرٍ: أوَّلُ وقتِها إذا صار ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَه بعدَ الزَّوَالِ، وزاد على الظِّلِّ زيادةً تتبَيَّنُ إلى أنْ تَصْفَرَّ الشمسُ، وهو قولُ داودَ.
قال أبو عُمر: أمّا قولُ الشافعيِّ وأبي ثَوْرٍ في أنّ وقتَ العصرِ لا يدخُلُ حتى يَزيدَ الظِّلُّ على القَامَةِ زيادةً تَظْهَرُ، فمُخالِفٌ لحديثِ إمامةِ جبريلَ عليه السلامُ؛ لأنّ حديثَ إمامةِ جبريلَ (٢) يَقْتَضِي أنْ يكونَ آخِرُ وقتِ الظهرِ هو أوَّلَ وقتِ العصرِ بلا فَصْلٍ، ولكنه مأخوذٌ مِن حديثِ أبي قتادةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "إنّما التفريطُ على مَن لَمْ يُصَلِّ الصلاةَ حتى يَدْخُلَ وقتُ الأُخرى" (٣) .
-
وقد بيَّنا اختِلافَ العلماءِ في هذا المعني، وذكَرْنا عِلَلَ أقاويلِهم فيه، في بابِ ابن شهابٍ، عن عُروةَ، من هذا الكتابِ.
-
وقال أحمدُ بن حنبلٍ في هذه المسألةِ مثلَ قولِ الشافعيِّ أيضًا، قال: وإذا زاد ظِلُّ كُلِّ شيءٍ على (٤) مِثْلِه شيئًا وجَبَتِ العصرُ، فإذا صار ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثْلَيْه خرَج وقتُ الاختيارِ، ومَن أَدْرَك منها ركعةً قبلَ أنْ تَغْرُبَ الشمسُ فقد أدْرَكَها. قال: وهذا مع الضرورةِ. هذه حكايةُ الخِرَقِيِّ عنه (٥) .
- vol. 3, p. 39
وأمّا (١) الأثْرَمُ فقال: سمِعتُ أبا عبدِ الله يقولُ: آخِرُ وقتِ الظهرِ هو أولُ وقتِ العَصْرِ. قال لي ذلك غيرَ مَرَّةٍ، وسمِعتُه يقولُ: آخِرُ وقتِ العصرِ تَغَيُّرُ الشمسِ. قيل له: ولا تقولُ (٢) بالمِثْلِ والمِثْلَيْنِ؟ قال: لا، هذا أكْثَرُ عندِي (٣) .
وقال أبو حنيفةَ: لا يَدْخُلُ وقتُ العصرِ حتى يَصيرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَيْه (٤) . فخالَفَ الآثارَ وجماعةَ العلماءِ في ذلك، وجعَل وقتَ الظهرِ إلى أنْ يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، وجعَل بَيْنَهما واسطةً ليست منهما، وهذا لَمْ يَقُلْه أحَدٌ. هذه روايةُ أبي يوسفَ عنه.
-
وللحسنِ (٥) بن زيادٍ اللُّؤْلُؤيِّ: أنَّ الظِّلَّ إذا صارَ مِثْلَه خرَج وقتُ الظهرِ، وإذا خرَج تَلَاهُ وقتُ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ.
وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ وزُفَرُ: آخِرُ وقتِ الظهر أن يَصيرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَه، وهو أوَّلُ وقتِ العصرِ إلى أنْ تتَغَيَّرَ الشمسُ (٦) .
وقال إسحاقُ بن راهُوْيَة: آخِرُ وقتِ العصرِ أن يُدْرِكَ المُصَلِّي منها ركعةً قبلَ الغروبِ (٧) . وهو قولُ داودَ، لكلِّ الناسِ؛ معذورٍ وغيرِ معذورٍ، والأفضلُ عندَهما أَوَّلُ الوقتِ.
vol. 3, p. 40قال أبو عُمر: فقد بان بما ذَكرْنا من أقاويلِ أئمةِ فقهاءِ الأمْصارِ، وما رَوَيْنا من الآثارِ في هذا البابِ، أنّ أول الوقتَ منه مختارٌ في الحَضَرِ للسَّعَةِ والرَّفاهِيَةِ، ومنه وقتُ ضرورةٍ وعُذْرٍ، ولا يَلْحَقُ الاثْمُ واللَّوْمُ حتى يَخْرُجَ الوقتُ كلُّه، واللّهُ أعلمُ.
-
وقد أفادنا قولُه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَن أدْرَكَ رَكْعةً من الصبحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ فقد أدْرَكَ الصَّبْحَ، ومَن أدْرَكَ ركعةً من العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشمسُ فقد أدْرَكَ العصرَ" معانِيَ ووُجُوهًا، منها أنّ المُدْرِكَ لرَكْعةٍ من الصبحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ، أو لرَكْعةٍ من العصرِ قبلَ غُروبِها، كالمُدْرِكِ لوقتِ الصَّبْح ولوقتِ العصرِ الوقتِ الذي لا يأْثَمُ بالتأخيرِ إليه، كأنه قد أدْرَك الوقتَ مِن أوَّلِه، وهذا لمن كان له عُذْرٌ مِن نسيانٍ أو ضرورةٍ، على ما قَدَّمْنا ذِكْرَه.
-
ومنها جوازُ صلاةِ مَن صَلَّى ذلك الوقتَ فَرْضَه، ممن نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها؛ لأنه المرادُ بالخطابِ المذكورِ، والمأمورُ بالبِدَارِ إلى إدراكِ بَقِيَّةِ الوقتِ، وإن كان غيرُه يدخلُ في ذلك الخطابِ بالمعنى، فإن هذا هو المشارُ إليه فيه بالنَّصِّ إن شاء اللهُ، واللّهُ أعلمُ.
-
ومنها أنه أفادنا في حُكْم مَن أسْلَمَ مِن الكفارِ، أو بلَغ مِن الصِّبْيانِ، أو طَهُرَ من الحُيَّضِ، في ذلك الوقتِ، أنه كمن أدْرَكَ الوقتَ بكمالِه في وجوبِ صلاةِ ذلك الوقتِ، وتَلْزَمُه تلك الصلاةُ بكمالِها، كما لو أدْرَكَ وقتَها من أوَّلِه ففَرَّطَ فيها.
-
وكذلك حُكْمُ المسافرِ يَقْدَمُ الحَضرَ، وحُكْمُ الحَضَرِيِّ يَخْرُجُ مسافرًا في بَقِيَّةٍ من الوقتِ، أو بعدَ دخولِ الوقتِ، وحُكْمُ المُغْمَى عليه يُفِيقُ.
-
وهذا الحديثُ أصْلُ هذا البابِ كلِّه، فقِفْ عليه، إلَّا (١) أن الفقهاءَ اختلَفوا هاهنا، فذهَب مالكٌ وأصحابُه إلى ظاهرِ هذا الحديثِ، فقالوا: مَن خرَج مسافرًا
vol. 3, p. 41وقد بقِيَ عليه من النهارِ مقدارُ رَكْعةٍ بعدَ أن جاوز بيوتَ مِصْرِه أو قَرْيَتِه، صلَّى العَصْرَ رَكْعتينِ، ولو خرَج وقد بقِيَ عليه مقدارُ ثلاثِ رَكَعاتٍ، ولم يكنْ صلَّى الظهرَ والعصرَ، صلَّاهما جميعًا مقصورتينِ. وهذا عندَه حُكْمُ المغربِ والعشاءِ، يُراعِي منهما مقدارَ رَكْعةٍ من كلِّ واحدةٍ منهما، على أصْلِه فيمن سافر وقد بقِيَ عليه مقدارُ ركعةٍ، أنه يَقْصُرُ تلك الصلاةَ، ولو قدِم في ذلك الوَقْتِ مِن سفرِه أتَمَّ.
وقال أبو حنيفةَ وأصْحابُه، والثوريُّ، والأوزاعيُّ: إذا خرَج من مِصْرِه قبلَ خروجِ الوقتِ صلَّى رَكْعتينِ، وإن قدِم قبلَ خروجِ الوقتِ آدمَّ. وهذا قولُ مالكٍ (١) .
وقال زُفَرُ: إن جاوز بيوتَ القرلة والمِصْرِ، ولم يَبْقَ من الوقت إلا رَكْعةٌ، فإنه مُفَرِّطٌ، وعليه أن يُصَلِّيَ العصرَ أربعًا، وإن قَدِم من سفرِه ودخَل مِصْرَه، ولم يَبْقَ من الوقتِ إلا رَكْعةٌ، أتَمَّ الصلاةَ.
وقال الحسنُ بن حَيٍّ، والليثُ، والشافعيُّ (٢) : إذا خرَج بعدَ دخولِ الوقتِ أتَمَّ، وكذلك إن قدِم المسافرُ قبلَ خَروجِ الوقتِ أتَمَّ. وستأتي زيادةٌ في هذا المعنى عن الشافعيِّ والليثِ ومن تابَعهما في آخِرِ هذا البابِ.
-
وأما اختلافُ الفقهاءِ في صلاةِ الحائضِ والمُغْمَى عليه ومَن جَرَى مَجْرَاهما؛ فقال مالكٌ: إذا طَهُرَت المرأةُ قبلَ الغروبِ، فإن كان بَقِيَ عليها من النهارِ ما تُصَلِّي خَمْسَ رَكَعاتٍ، صَلَّت الظهرَ والعصرَ، وإن لم يكنْ بَقِيَ من النهارِ ما تُصَلِّي خمسَ رَكَعاتٍ، صَلَّت العصرَ، وإذا طَهُرَتْ قبلَ الفجرِ، وكان ما بَقِيَ
vol. 3, p. 42عليها من الليلِ قَدْرَ ما تُصلِّي أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ثلاثًا للمغربِ ورَكْعةً من العشاءِ، صَلَّت المغربَ والعشاءَ، وإن لم يَبْقَ عليها إلّا ما تُصلِّي فيه ثلاثَ رَكَعاتٍ، صَلَّتِ العشاءَ. ذكَرَه أشهَبُ، وابن عبدِ الحكَمِ، وابن القاسمِ، وابن وهبٍ، عن مالكٍ (١) .
قال أشْهَبُ: وسئِل مالكٌ عن النَّصْرانيِّ يُسْلِمُ، والمُغْمَى عليه يُفِيقُ، أهما مثلُ الحائضِ تَطْهُرُ؟ قال: نعم، يَقْضِي كلُّ واحدٍ منهما ما لم يَفُتْ وقتُه، وما فات وقتُه لم يَقْضِه (٢) .
قال ابن وَهْبٍ: سألتُ مالكًا عن المرأةِ تَنْسَى وتَغْفُلُ عن صلاةِ الظهرِ، فلا تُصَلِّيها حتى تَغْشَاها الحَيْضَةُ قبلَ غروبِ الشمسِ؟ فقال مالكٌ: لا أرَى عليها قضاءً، إلا أن تَحيضَ بعدَ غروبِ الشمسِ، فإن حاضَتْ بعدَ غروبِ الشمسِ (٣) ، ولم تكنْ صَلَّتِ الظهرَ والعصرَ، رأيتُ عليها القضاءَ. وقال مالكٌ: إذا طَهُرَت قبلَ غروبِ الشمسِ، فاشْتَغلَتْ بالغُسْلِ، فلم تَزَلْ مجتهدةً حتى غَرَبَتِ الشمسُ، لا أَرَى أن تُصَلِّيَ شيئًا مِن صلاةِ النهارِ. وقال: المرأةُ الطَّاهِرُ تَنْسَى الظهرَ والعصرَ حتى تَصفَرَّ الشمسُ ثم تَحيضُ: فليس عليها قضاؤُهما، فإنْ لم تَحِضْ حتى غابتِ الشمسُ فعليها القضاءُ، ناسيةً كانت أو متعمِّدةً. قال مالكٌ: إذا رَأَتِ الطُّهْرَ عند الغروبِ، فأَرَى أن تَغْتَسِلَ، فإنْ فرَغَتْ مِن غُسْلِها قبلَ غروبِ الشمسِ، فإن كان فيما أدْرَكَتْ ما تُصلِّي الظهرَ ورَكْعةً من العصرِ، فَلْتُصَلِّ الظهرَ والعصرَ، وإن كان الذي بَقِيَ من النهارِ ليس فيه إلا قَدْرُ صلاةٍ واحدةٍ، صَلَّتِ العصرَ، وإن لم يَكُنْ بَقِيَ من النهارِ
vol. 3, p. 43إلا قَدْرُ رَكْعةٍ واحدةٍ، فَلْتُصَلِّ تلك الركعةَ، ثم تَقْضِي ما بَقِيَ من تلك الصلاةِ. وقال مالكٌ: مَن أُغْمِيَ عليه في وقتِ صلاةٍ فلم يُفِقْ حتى ذهَب وقتُها - ظهرًا كانت أو عصرًا - قال: والظهرُ والعصرُ وقتُهما في هذا إلى مَغِيبِ الشمسِ، فلا إعادةَ عليه. قال: وكذلك المغربُ والعشاءُ، وقتُهما الليلُ كلُّه (١) .
-
وقولُ الليثِ بن سَعْد في الحائضِ والمُغْمَى عليه كقولِ مالكٍ هذا سواءً.
-
وقال الأوزاعيُّ - وقد سُئِل عن الحائضِ تُصَلِّي رَكْعتينِ ثم تَحِيضُ -: وكيف وإن كانت أخَّرَتِ الصلاةَ؟ قال: إن أدركها المحيضُ في صلاةٍ انصرَفتْ عنها، ولا شيءَ عليها، وإن كانت أخَّرَتِ الصلاةَ حتى جاز الوقتُ ثم حاضتْ فعليها قضاؤُها (٢) ، وإن كانت أَخَّرت الصلاةَ ولم يَذْهَبِ الوقتُ فلا شيءَ عليها. قال: وإذا طَهُرَتِ المرأةُ بعدَ العصرِ فأخَذَتْ في غُسْلِها، فلم تَفْرُغْ منه حتى غابَتِ الشمسُ، فلا شيءَ عليها. ذكَره الوليدُ بن يزيدَ، عن الأوزاعيِّ (٣) .
وقال الشافعيُّ: إذا طَهُرَتِ المرأةُ قبلَ مغيبِ الشمسِ برَكْعةٍ، أعادَتِ الظهرَ والعصرَ، وكذلك إن طَهُرَتْ قبلَ الفجر برَكْعةٍ أعادَتِ المغرَب والعشاءَ. واحْتَجَّ بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أدْرَكَ رَكْعةً من الصُّبحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ فقد أدْرَكَ الصُّبحَ (٤) ، ومَن أدْرَكَ رَكْعةً من العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشمسُ فقد أدْرَكَ العصرَ" . وبجَمْعِه - صلى الله عليه وسلم - بينَ الصلاتين في أسْفَارِه وبعَرَفَةَ وبالمُزْدلفةِ في وقتِ إحداهُما.
- vol. 3, p. 44
يَعْنِي صلاتَي الليلِ وصلاتَي النهارِ؛ الظهرَ والعصرَ، والمغربَ والعشاءَ (١) . وهذا القولُ للشافعيِّ في هذه المسألةِ أشهرُ أقاويلِه عندَ أصحابِه فيها وأصَحُّها عندَهم، وهو الذي لم يَذْكُرِ البُوَيْطِيُّ (٢) غيرَه.
-
وللشافعيِّ في هذه المسألةِ قولانِ آخَرانِ؛ أحدُهما، مثلُ قولِ مالكٍ سواءً؛ في مراعاةِ قَدْرِ خَمْسِ رَكَعاتٍ للظهرِ والعَمْرِ، وما دونَ ذلك (٣) إلى رَكْعةٍ للعصرِ، ومقدارِ أربَعِ رَكَعاتٍ للمغربِ والعِشَاءِ، وما دونَ ذلك للعِشاءِ، وآخرُ الوقتِ عندَه في هذا القولِ لآخرِ الصلاتينِ. والقولُ الآخرُ، قاله في الكتابِ المِصريِّ؛ قال في المُغمَى عليه: إنّه إذا أفاقَ وقد بَقِيَ عليه مِن النهارِ قدرُ ما يُكَبِّرُ فيه تكبيرةَ الإحرامِ، أعادَ الظُّهرَ والعصرَ، ولم يُعِدْ ما قبلَهما؛ لا صُبْحًا ولا مَغْربًا ولا عشاء. قال: وإذا أفاق وقد بَقِيَ عليه من الليلِ قبلَ أن يَطلُعَ الفجرُ قدرُ تكبيرةٍ واحدةٍ، قضَى المغربَ والعشاءَ، وإذا أفاق قبلَ طلوعِ الشمسِ بقدرِ تكبيرةٍ قضَى الصُّبحَ، وإذا طَلعَتِ الشمسُ قبلَ أن يُفيقَ لم يَقضِها. قال: وكذلك الحائضُ والرَّجُلُ يُسلِمُ. وقال فيمن جُنَّ بأمرٍ لا يكونُ به عاصيًا فذَهب عقلُه: لا قضاءَ عليه، ومن كان زوالُ عقلِه بما يكونُ به عاصيًا، قضَى كلَّ صلاةٍ فاتتْه في حالِ زوالِ عقلِه، وذلك مِثلُ السَّكرانِ وشاربِ السُّمِّ والسكرانِ عامدًا لإذهابِ عقلِه (٤) .
vol. 3, p. 45قال أبو عُمر: قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أدْرَكَ رَكْعةَّ مَن الصُّبْحِ" . أو: "من العَصْرِ" على ما في هذا الحديثِ، يقتضِي فسادَ قولِ مَن قال: مَن أدرك تكبيرةً؛ لأن دليلَ الخِطابِ في ذلك أنَّ مَن لم يُدرِكْ من الوقتِ مقدارَ رَكْعةٍ فقد فاتَه، ومَن فاتَه الوقتُ بعُذرٍ يَسْقُطُ عنه فيه الصلاةُ، كالحائضِ وشِبهِها، فلا شيءَ عليه، واللهُ أعلمُ.
-
وما (١) احتَجَّ به بعضُ أصحابِ الشافعيِّ بذه القَولَة، حيثُ قالوا: إنّما أراد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بذِكرِ الرَّكْعةِ البعضَ من الصَّلاةِ؛ لأنَّه قد رُويَ عنه: "مَن أدرَكَ رَكْعتين من العَصْرِ" (٢) . فأشار إلى بعضِ الصلاةِ مرَّةً برَكْعةٍ ومرَّةً برَكْعتين، والتكبيرُ في حُكم الرَّكْعةِ؛ لأنّه (٣) بعضُ الصلاةِ، فمَن أدرَكها فكأنه أدرَك رَكْعةً من الصلاةِ - فليس بشيءٍ؛ لأنَّه يَنتَقضُ عليه أصلُه في الجُمُعةِ، ولم يَختَلِفْ قولُه فيها أنَّ مَن لم يُدركْ منها رَكْعةً تامةً فلم يُدرِكْها، وهو ظاهرُ الخبَرِ؛ لأنّ
vol. 3, p. 46قولَه في جماعةِ أصحابِه: من لم يُدرِكْ من صلاةِ الجُمُعةِ رَكْعةً بسجدتَيها أتَمَّها ظُهرًا. وهذا يقضِي عليه، على سائرِ أقوالِه، وهو أصَحُّها، واللهُ أعلمُ.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، وهو قولُ ابن عُليَّةَ (١) : مَن طهُرَ من الحُيَّضِ، أو بَلَغَ من الصِّبيانِ، أو أسلَم من الكُفارِ، لم يكنْ عليه أن يُصلِّيَ شيئًا ممّا فات وقتُه، وإنما يَقضِي ما أدرك وقتَه بمقدارِ رَكْعةٍ فما زاد. وهم لا يقولون بالاشتراكِ في الأوقاتِ؛ لا في صلاتَي الليلِ، ولا في صلاتَي النهارِ، ولا يَرونَ لأحدٍ الجمعَ بينَ الصلاتينِ، لا لمسافرٍ، ولا لمريضٍ، ولا لعُذرٍ من الأعذارِ، في وقتِ إحداهما، لا يجوزُ ذلك عندَهم في غيرِ عَرَفةَ والمزدلفةِ (٢) .
-
وسيأتي ذِكرُ مذاهبِ العلماءِ في الجمعِ بينَ الصلاتينِ في بابِ أبي الزُّبيرِ إن شاء اللهُ.
-
وقولُ حمادِ بن أبي سُليمانَ (٣) في هذه المسألةِ كقولِ أبي حنيفةَ. ذكَره غُندرٌ، عن شعبةَ، قال: سألتُ حمادًا عن المرأةِ تَطهُرُ في وقتِ العصرِ، قال: تُصلِّي العصرَ فقط (٤) .
- vol. 3, p. 47
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه فيمن أُغمِيَ عليه خمسَ صَلَواتٍ فأقلَّ منها ثم أفاقَ، أنّه يقضِيها، ومن أُغمِيَ عليه أكثرَ من ذلك ثم أفاق لم يَقضِه. وهذا قولُ الثوريِّ، إلا أنه قال: أحبُّ إليَّ أن يَقضِيَ (١) .
وقال الحَسَنُ بن حَيٍّ: إذا أُغمِيَ عليه خمسَ صَلَواتٍ فما دونَها، قضَى ذلك كلَّه إذا أفاق، وإن أُغمِيَ عليه أيامًا، قضَى خمسَ صَلَواتٍ فقط، ينظُرُ حينَ يُفيقُ فيقضِي ما يَلِيه (٢) .
-
وقال زُفرُ في المُغمَى عليه يُفيقُ، والحائضِ تطهُرُ، والنَّصرانيِّ يُسلِمُ، والصَّبيِّ يَحتَلِمُ: إنه لا يجبُ على واحدٍ منهم قضاءُ صلاةٍ إلا بأن يُدْركوا من وقتِها مقدارَ الصلاةِ كلِّها بكمالِها، كما لا يجبُ عليه من الصيام إلا ما أدرَك وقتَه بكمالِه (٣) .
قال أبو عُمر: قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أدرَك رَكْعةً" (٤) . على ما في حديثِ هذا البابِ يرُدُّ قولَ زُفَرَ هذا، واللّهُ المستعانُ.
وقال أبو ثَورٍ في المُغمَى عليه: لا يَقضِي إلا صلاةَ وقتِه، مثلَ أن يُفيقَ نهارًا قبلَ غروبِ الشَّمْسِ، فيقضيَ الظهرَ والعصرَ، ولا يُصلِّيَ الفجرَ، وإن أفاقَ قبلَ الفجرِ صلَّى المغربَ والعشاءَ لا غيرُ، وإن أفاقَ بعدَ طلوعِ الفجرِ، لم يجِبْ عليه من صلاةِ الليلِ شيءٌ، فإن أفاق بعدَ طلوعِ الشَّمْسِ، فليس عليه صلاةُ الصبح.
vol. 3, p. 48وقال أحمدُ بن حنبلٍ: إذا طهُرتِ الحائضُ، أو أسلَم الكافرُ أو بلَغ الصبيُّ، قبلَ أن تَغرُبَ الشمسُ، صلَّوُا الظهرَ والعصرَ، وإن كان ذلك قبلَ أن يَطلُعَ الفجرُ صلَّوُا المغربَ والعشاءَ (١) .
وقال أحمدَ بن حنبلٍ أيضًا في المُغمَى عليه: فإنّه (٢) يجبُ عليه عندَه أن يقضِيَ الصلواتِ كلَّها التي كانت في إغمائِه (٣) . وهو قولُ عُبيدِ الله بن الحَسَنِ العَنبَريِّ قاضي البَصْرةِ (٤) ، لا فَرقَ عندَهما بينَ النائم وبينَ المُغمَى عليه في أن كلَّ واحدٍ منهما يقضِي جميعَ ما فاته وقتُه وإن كثُرَ. وهو قولُ عطاءِ بن أبي رباحٍ. وروِي ذلك عن عمارِ بن ياسرٍ وعِمْرانَ بن حُصَينٍ.
-
وروَى ابن رُسْتُمَ، عن محمدِ بن الحسنِ: أن النائمَ إذا نام أكثرَ من يوم وليلةٍ فلا قضاءَ عليه (٥) .
قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا قال هذا القولَ في النائم غيرَ محمدِ بن الحَسَنِ، فإن صحَّ هذا عنه فهو خلافُ السنةِ؛ لأنه قد ثبَت عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَن نام عن صلاةٍ أو نَسيَها فلْيُصَلِّها إذا ذكَرها" (٦) . وأجمَعوا أنَّ من نامَ عن خمسِ صلواتٍ قضَاها، فكذلك في القياسِ ما زاد عليها. وأما قولُ مَن قال: يقضِي
vol. 3, p. 49المُغمَى عليه إذا أُغميَ عليه خمسَ صلواتٍ فدُونَ، ولا يقضِي أكثرَ. فقولٌ ضعيفٌ لا وجْهَ له في النَّظَرِ؛ لأنه تحكُّم لا يجبُ امتثالُه، إلا لو كان قولَ من يجبُ التسليمُ له. وأصحُّ ما في هذا البابِ في المُغمَى عليه يُفيقُ، أنه لا قضاءَ عليه لِما فاتَه وقتُه. وبه قال ابن شهابٍ، والحسنُ، واين سيرينَ، وربيعةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ. وهو مذهَبُ عبدِ الله بن عمرَ: أُغميَ عليه فلم يَقضِ شيئًا ممّا فات وقتُه (١) . وهذا هو القياسُ عندي، واللهُ أعلمُ؛ لأن الصلاةَ تجبُ للوقتِ، فإذا فات الوقتُ لم تَجبْ إلا بدليلٍ لا تنازُعَ فيه، ومن لم يُدركْ من الوقتِ مقدارَ رَكْعةٍ، وفاتَه ذلك بقَدَرٍ من الله، فلا قضاءَ عليه.
-
والأصولُ مختلفةٌ في قضاءِ ما يجبُ من الأعمالِ في أوقاتٍ معيَّنةٍ إذا فاتتْ أوقاتُها.
-
فمنها أنّ صومَ رمضانَ في وقتٍ بعينِه، فإذا منَع المسلمَ من صيامِه عِلَّةٌ، كان عليه أن يأتيَ بعدَّتِه من أيام أُخرَ.
-
ومنها أنّ أعمالَ الحجِّ أوقاتٌ معَيَّنةٌ، فإذا فات وقتُها لم تُعملْ في غيرِها؛ كالوقوفِ بعرفةَ وبمُزْدلفةَ، وغيرِ ذلك من أعمالِ الحجِّ، وكرَمْي الجِمارِ في أيامِها، وكالضحايا في أيامِها، لا يُعملُ شيءٌ من ذلك في غيرِها، قام دليلُ الإجماع على ذلك، وقام الدليلُ من القرآنِ على ما ذكَرنا في قضاءِ الصيام (٢) ، فلما احتمَلتِ الصلاةُ الوجهينِ جميعًا طلَبنا الدليلَ على ذلك، فوجَدْنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد بيَّنَ
vol. 3, p. 50مرادَ الله منها فيمَن نامَ أو نسِيَ أنه يَقضِي، ورأينا العاجزَ عن القيام في الصلاةِ أنه يَسقُطُ عنه، وكذلك إن عجَز عن الجلوسِ ونحوه حتى يُومئَ إيماءً، فإذا لم يقدِرْ على الإيماءِ فهو المُغْمَى (١) عليه، ووجَب سقوطُ ذلك عنه بخروج الوقتِ.
-
ودليلٌ آخرُ من الإجماعِ، وذلك أنهم أجمعَوا على أن المجنونَ المُطبَقَ لا شيءَ عليه بخروج الوَقْت من صلاةٍ ولا صيام، إذا أَفاقَ من جنونِه وإطباقِه، فكان المُغمَى عليه أشبهَ به منه بالنائمِ، إذ لا يجتَذِبُه غيرُ هذينِ الأصلينِ، ووجدناه لا يَنتَبِهُ إذا نُبِّه، فكان ذلك فرقًا بينَه وبينَ النائمِ. وفرق آخرُ: أن النومَ لذةٌ ونعمةٌ، والإغماءَ عِلَّةٌ ومرضٌ من الأمراضِ، فحالُه بحالِ مَن يُجَنُّ أشبَهُ منه بحالِ النائم.
-
ولقولِ أحمدَ بن حنبلٍ وعُبيدِ الله بن الحسنِ وجوهٌ في القياسِ أيضًا، مع الاحتياطِ واتِّباعِ رَجُلينِ من الصحابةِ.
-
وأما قولُ مَن قال: يقضِي خمسَ صلواتٍ ولا يقضِي ما زاد، فقولٌ لا بُرهانَ له به، ولا وَجْهَ (٢) يجبُ التسليُم له.
-
وقالت طائفةٌ من العلماءِ، منهم ابن عُليَّةَ، وهو أحدُ أقوالِ الشافعيِّ، وهو المشهورُ عنه في "البُويطيِّ" وغيرِه: إذا طهُرت الحائضُ في وقتِ صلاةٍ وأخَذتْ في غُسلِها، فلم تَفْرُغْ حتى خرَج وقتُ تلك الصلاةِ، وجَب عليها قضاءُ تلك الصلاةِ؛ لأنّها في وقتِها غيرُ حائضٍ (٣) ، وليس فوتُ الوقتِ عن الرجلِ بمُسقِطٍ عنه الصلاةَ إن اشتغل بوُضوئِه أو غُسْلِه حتى فاته الوقتُ، وكذلك الحائضُ إذا
vol. 3, p. 51طَهُرت، لا تسقُطُ عنها الصلاةُ من أجلِ غُسلها؛ لأن شُغلَها بالاغتسالِ لا يُضِيعُ عنها ما لزِمَها من فرضِ الصلاةِ، وإنما تسقُطُ الصلاةُ عن الحائضِ ما دامَت حائضًا، فإذا طهُرت فهي كالجُنُبِ، ولزِمَها صلاةُ وقتِها التي طهُرت فيه.
قال الشافعيُّ: وكذلك المُغمى عليه يُفيقُ، والنصرانيُّ يُسلمُ، قبلَ غروبِ الشَّمْسِ، أو قبلَ طلوعِ الفَجْرِ، أو قبلَ طلوعِ الشَّمْسِ برَكْعةٍ، ثم اشتغَل بالوضوءِ حتى خرَج الوقتُ. قال: ولا يقضِي أحدٌ من هؤلاء شيئًا من الصلواتِ التي فاتَ وقتُها (١) :
وقال الشافعي وابن عُليَّةَ: لو أنّ امرأةً حاضَت في أولِ وقتِ الظُّهرِ بمقدارِ ما يُمكنُها فيه صلاةُ الظهرِ، ولم تكنْ صلَّت، لَزِمها قضاءُ صلاةِ الظهرِ؛ لأن الصلاةَ تجبُ بأول الوقتِ، وليس تَسْقُطُ عنها، لما كان لها من تأخيرِ الصلاةِ إلى آخرِ وقتِها، ما وجَب عليها من الصلاةِ بأوله. قالوا: والدليلُ على أنّ الصلاةَ تجبُ بأولِ الوقتِ أن مسافرًا لو صلَّى في أولِ الوقتِ قبلَ أن يدخُلَ المصرَ، ثم دخَل المِصرَ في وقتِه أجزأَه. فإن حاضت وقد مضَى من الوقتِ قَدْرُ ما لا يُمكنُها فيه الصلاةُ بتمامِها، لم يجِبْ قضاؤُها؛ لأنه لم يأتِ عليها من الوقتِ ما يُمكنُها فيه الصلاةُ، كما لو حاضَت وهي في الصلاةِ في أولِ وقِتها، لم تكنْ عليها إعادتُها؛ لأن اللهَ منَعها أن تصلِّيَ وهي حائضٌ (٢) .
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: لم يجُزْ أن يُجعَلَ أولُ الوقتِ هاهنا كآخرِه (٣) ، فيلزمَها بإدراك رَكْعةٍ الصلاةُ كلُّها أو الصلاتان؛ لأن البناءَ في آخرِ
vol. 3, p. 52الوقتِ يَتهيَّأُ على الرَّكْعةِ، ولا يتَهيَّأُ البناءُ في أولِ الوَقْتِ؛ لأن تقديمَ ذلك قبلَ دخولِ الوقتِ لا يجوزُ.
-
وروى ابن وَهْبٍ عن اللَّيثِ، في الرجلِ يزُولُ عليه الشمسُ وهو يُريدُ سَفَرًا فلا يصلِّي حتى يخرُجَ، قال: يصلِّي صلاةَ المقيمِ؛ لأن الوَقْتَ دخَل عليه قبلَ الخروج، ولو شاء أن يُصلِّيَ صلَّى (١) .
-
والكلامُ في تعليلِ هذه المسائلِ يطولُ، وقد ذكَرنا منه أُصولَ معانيه، وما مدارُه عليه، والحمدُ للّه.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والأوزاعيُّ، وأصحابُهم: لا شيءَ على المرأةِ إذا حاضَتْ في بقيةٍ من الوقتِ. على ما قدَّمنا عنهم أنّ الحائضَ لا صلاةَ عليها، وقد كانت مُوسَّعًا لها في الوقتِ.
-
ومسائلُ هذا البابِ تكثر جدًّا، وهذه أُصولُها التي تُضبَطُ بها. وأصلُ هذا البابِ كلِّه الحديثُ المذكورُ في أولِه، وبالله العونُ والتوفيقُ لا شريكَ له.
-
وأما الوجهُ الثالثُ من معاني حديثِ هذا البابِ: وهو جوازُ مَن صلَّى صلاةَ الصبحِ عندَ طلوعِ الشمسِ، أو العصرِ عندَ غروبِ الشمسِ، ممّن نامَ أو نسِيَ، فإنّ العلماءَ اختلَفوا في ذلك؛ فقال الكوفيون؛ أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يقضِي أحد صلاةً عندَ طلوعِ الشمسِ، ولا عندَ قيام قائم الظهيرةِ، ولا عندَ غروبِ الشمسِ، غيرَ عصرِ يومِه خاصةً، فإنه لا بأسَ أن يُصليَها عندَ غروبِ الشَّمْسِ من يومِه؛ لأنه يخرُجُ إلى وقتٍ تجوزُ فيه الصلاةُ. قالوا: ولو دخَل في صلاةِ الفجرِ فلم يُكمِلْها حتى طلَعت عليه الشمسُ، بطَلت عليه، واستقبَلها
vol. 3, p. 53بعد ارتفاعِ الشمس. ولو دخَل في صلاةِ العصرِ فاصفرَّتِ الشمسُ، أتمَّها إذا كانت عصرَ يومِه خاصةً (١) .
-
واحتجُّوا لما ذهَبوا إليه في هذا الباب بحديثِ الصُّنابحيِّ (٢) ، وحديثِ عَمْرِو بن عَبَسَةَ (٣) ، وحديثِ عُقبةَ بن عامرٍ (٤) ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن الصلاةِ عندَ طلوعِ الشَّمْسِ، وعندَ غروبِها، وعندَ استوائِها. وجعَلوا نهيَه عن الصلاةِ في هذه الأوقاتِ نهيَ عمومٍ، كنهيِه عن صيام يوم الفطرِ ويوم النَّحرِ؛ لأنَّه لا يجوزُ لأحدٍ أن يقضِيَ فيها فرضًا من صيامٍ، ولا تطوُّعٌ بصيامِها، وهذا إجماعٌ. قالوا: فكذلك نهيُه عن الصلاةِ عندَ طُلوعِ الشمسِ وعندَ غروبِها واستوائِها، يقتضِي صلاةَ النافلةِ والفريضةِ.