زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه

1,580 paragraphs · vol. 3, p. 5

Page 30 of 40

  1. والحديثُ ثابِتٌ محفوظٌ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من حديثِ أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ، ومن حديثِ بلالٍ (٤) أيضًا، وغيرِهم. وقد روَاه داودُ بنُ قَيْسٍ، عن زيدٍ بنِ أسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسَارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

    vol. 3, p. 540
  2. وفيه من الفقهِ: أنَّ التَّمرَ كُلَّه جنسٌ واحدٌ؛ رديئَه وطيِّبَه، ورفيعَه ووَضيعَه، لا يجوزُ التَّفاضُلُ في شيءٍ منه، ويدخُلُ في معنَى التَّمرِ بالتَّمرِ كلُّ ما كان في معناه.

  3. وكذلك (١) التفاضلُ لا يجوزُ في الجنسِ الواحدِ من المأكولات المُدَّخرات، وهذا ومثله أصل في الربا.

    vol. 3, p. 541
  4. وقد ذكرنا أصول الفقهاء في ذلك فيما تقدّم من كتابنا هذا، فأغنى عن الإعادة هاهنا.

  5. فالجنسُ الواحِدُ مِن المأكولاتِ يدخُلُه الرِّبا مِن وجهينِ؛ لا يجوزُ بعضُه ببعضٍ مُتفاضِلًا، ولا بعضُه ببعضٍ نَسيئَةً، هذا إذا كان مَأكُولًا مُدَّخَرًا عندَ مالكٍ وأصحابِه، وعندَ الشافعيِّ، سَواءٌ كان المأكولُ مُدَّخَرًا أو لا يُدَّخَرُ مثلُه؛ القولُ فيه ما ذكَرنا. فأمَّا النَّسيئةُ في بعضِ ذلك ببعضٍ، فمُجتمَعٌ على تحريمِه. وسيأتِي ذكرُ أُصولِ الفقهاءِ فيما يدخُلُه الرِّبا مُجوَّدًا في بابِ ابنِ شهابٍ، عن مالكِ بنِ أَوْسِ بنِ الحَدَثَانِ إن شاءَ اللهُ.

  6. وفيه أنَّ من لم يعلَمْ بتحريم الشيءِ، فلا حَرَجَ عليه حتّى يعلَمَ، إذا كان الشيءُ ممَّا يُعذَرُ الإنسانُ بجهلِه مِن علم الخاصَّةِ؛ قال عزَّ وجلَّ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: ١٥] . والبيعُ إذا وقَعَ مُحرَّمًا، أو على ما لا يجوزُ فمفسوخٌ مردودٌ وإن جَهِلَه فاعلُه؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَن عَمِلَ عملًا على غيرِ أمرِنا، فهو رَدٌّ" (٢) ؛ أي: مردودٌ، فإن أُدرِكَ المَبِيعُ بعَينِه رُدَّ، وإن فاتَ رُدَّ مثْلُه في المَكيلِ والموزونِ، ويُفسَخُ البيعُ بينَ المُتبايعين فيه، وإن لم يكنْ مَكيلًا ولا موزونًا فالقيمةُ فيه عندَ مالكٍ أعدَلُ، وعندَ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ المِثْلُ أيضًا في كلِّ شيءٍ، إلَّا أن يُعدَمَ فيُنصَرَفَ فيه إلى القيمةِ (٣) .

  7. وفي اتِّفاقِ الفقهاءِ على أنَّ البيعَ إذا وقَع بالرِّبا مفسوخٌ أبدًا، دليلٌ واضحٌ على أنَّ بيعَ عاملِ رسولِ الله -صلي الله عليه وسلم- الصاعين بالصاع، في هذا الحديثِ، كان قبلَ نُزولِ آيةِ الرِّبا، وقبلَ أن يتقدَّمَ إليهم رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- بالنهي عن التفاضلِ في ذلك، ولهذا سأله عن فعلِه ليُعلِمَه بما أحدَثَ اللهُ من حُكْمِه، ولذلك لم يَأْمُرْ بفَسْخِ ما لم يتقدَّمْ للعبادِ فيه. واللهُ أعلمُ.

    vol. 3, p. 542
  8. وقد رُوي أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أمَرَ برَدِّ هذا البيع، وذلك محفوظٌ من حديثِ بلال، ومن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ أيضًا (١) ؛ روَى منصورٌ وقَيْسُ بنُ الرَّبيع، عن أبي حَمْزَةَ، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن بلالٍ قال: كان عندِي مِزْوَدٌ من تمرٍ دُونٍ قد تغَيَّرَ، فابتَعتُ تمَرًا أجوَدَ منه في السُّوقِ بنصفِ كَيْلِه، بعتُه صاعين بصاعٍ، وأتيتُ به النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "من أينَ لكَ هذا؟ " . فحدَّثتُه بما صنَعتُ، فقال: "هذا الرِّبا بعَينِه، انطَلِقْ فرُدَّه علَى صاحبِه، وخُذْ تَمرَكَ، وبِعْهُ بحِنْطَةٍ أو شعيرٍ، ثمَّ اشتَرِ من هذا التَّمرِ، ثمَّ ائتِنِي به" . ففعَلْتُ، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "التَّمرُ بالتَّمرِ مِثْلًا بمِثْلِ، والحِنْطَةُ بالحِنْطَةِ مِثْلًا بمِثْلٍ، والذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بوزْنٍ، والفضَّةُ بالفضَّةِ وَزْنًا بوزْنٍ، فما كان من فَضْلٍ فهو الرِّبَا، فإذَا اختلَفَتْ، فخُذُوا واحدًا بعشَرةٍ" (٢) .

  9. وفيه تَثبيتُ الوَكالةِ؛ لأنَّ خَيْبرَ كان الأمرُ فيها إليه، وعامِلُه إنَّما تصرَّفَ في ذلك بالوَكالةِ، ويوضِّحُ لك ذلك حديثُ بلالٍ المَذكُورُ في هذا البابِ، وحديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ وغير.

    vol. 3, p. 543
  10. حدَّثني سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسْحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن عبدِ المَجِيدِ بنِ سُهَيْلِ بن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوفٍ، عن سعيدِ بن المُسَيِّبِ، أنَّ أبا هريرةَ وأبا سعيدٍ حدَّثاه أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- بعَثَ أخَا بَنِي عَدِيِّ بن النَّجَّارِ إلى خَيْبرَ، فقَدِمَ عليه بتَمرٍ جَنِيبٍ -يَعْنِي طَيِّبًا- فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "أكُلُّ تَمرِ خَيْبَرَ هكذا؟ " . قال: لا يا رسولَ الله، إنَّا لنشترِي الصاعَ بالصَّاعين -والصَّاعين بالثلاثةِ- من الجَمْعِ. فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "لا تفعَلْ، ولكن بعْ هذا، واشتَرِ من ثمنِه هذا، وكذلك الميزانُ" (١) .

  11. وبإسنادِه عن عبدِ العَزيزِ بنِ محمدٍ، عن عبدِ المَجِيدِ بنِ سُهَيْلٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ، عن النبيِّ -صلي الله عليه وسلم- مثلُه (١) .

    vol. 3, p. 544
  12. أخبَرني أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بنُ مسَرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شَيْبَةَ، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الله بنُ نُميرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يَزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ قُسيْطٍ، عن عطاءِ بنِ يَسَارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: قسَمَ فينا رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- طعامًا من التَّمرِ مُختلِفًا، بعضه أفضَلُ من بعضٍ. قال: فذَهَبْنا نتزايَدُ منه بينَنا، فنَهانا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، إلَّا كيلًا بكيلٍ، يَدًا بيَدٍ.

  13. وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حَمْزَةَ الحُسَيْنِيُّ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ، قال: حدَّثنا المُزَنِيُّ، قال (٣) : حدَّثنا الشَّافعيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عن داودَ بنِ أبي هِنْدٍ، عن أبي نَضْرَةَ (٤) ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: أتَى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ بصَاعٍ مِن تَمْرٍ، وأَنا شاهِدٌ عندَه، فقال: "من أينَ لكَ هذا؟ هذا أطيَبُ من تَمرِنَا" . قال:

    vol. 3, p. 545أعطَيتُ صاعين، وأخَذتُ صاعًا من هذا. فقال رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "أَرْبَيْتَ، ولكنْ بعْ من تمَرِكَ بسلعةٍ، ثمَّ ابْتَعْ بها ما شِئْتَ من التَّمرِ" .

  14. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا جَعْفَرُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابِق، قال: حدَّثنا شَيْبَانُ، عن يَحْيَى بنِ أبي كَثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ (١) ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قال: كُنَّا نُرزَقُ تَمرَ الجَمْعِ على عهدِ رسولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، فكُنَّا نبتاعُ صاعًا بصاعين، فبلَغَ ذلك رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "لا صاعَيْ تَمرٍ بصاعٍ، ولا صاعَيْ حِنْطَةٍ بصاعٍ، ولا درهمَ بدرهمين" (٢) .

  15. حدَّثني عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ عبدِ الواحِدِ البَزَّارُ أبو محمدٍ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن مَسْرُوقٍ، عن بلالٍ، قال: كان عندِي مُدٌّ من تَمرِ رسولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، فوجَدتُ تَمرًا خَيْرًا منه، فاشْتَريتُ صاعًا بصاعين، فقال: "رُدَّه، ورُدَّ علينا تَمرَنا" (٣) .

    vol. 3, p. 546قال أبو عُمر: الحُكمُ فيما يُوزَنُ، إذا كان ممَّا يُؤكَلُ أو يُشرَبُ، كالحُكم فيما يُكَالُ ممَّا يُؤكَلُ أو يُشرَبُ سَواءً؛ لقولِ رسولِ الله -صلي الله عليه وسلم- في حديثِ سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ، المَذْكُورِ في هذا البابِ: "وكذلِكَ الميزانُ" (١) . وهو أمر مُجتمَع عليه، لا حاجةَ بنا إلى الكلام فيه؛ فما وُزِنَ من المأكولاتِ كُلِّها، جرَى الرِّبا فيها إذا كانت من جنسٍ واحدٍ في وجهَي التَّفاضُلِ والنَّسيئَةِ؛ فالتَّفاضُلُ في الموزونِ: الازديادُ في الوَزنِ، كما أنَّ التَّفاضُلَ في المَكيلِ: الازديادُ في الكيل، وإذا اختلَفتِ الأجناسُ، وكانت مَوزُونةً مَأكُولَةً مطعُومةً، فلا رِبًا فيها إلَّا في النَّسيئةِ، كالذَّهب والوَرِقِ والبُرِّ والفُولِ، وما كان مثلَ ذلكَ كلِّه سَواءٌ، إلَّا عندَ مَن جعَلَ العِلَّةً في الرِّبَا: الكيلَ والوَزنَ على ما يأتي ذكرُه في موضعِه (٢) إن شاءَ اللهُ تعالَى.

  16. حديثٌ ثامنٌ وثلاثونَ لزَيْد بن أسلَم مُرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ: أنَّ رجلًا مِن الأنصارِ مِن بَني حارثةَ كان يرعَى لِقْحَة بأحُدٍ، فأصابها الموتُ، فذَكَّاها بشِظاظٍ، فسئِلَ رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال: "ليس بها بأسٌ فكُلُوها" .

    vol. 3, p. 547
  17. هكذا روَاه جماعةُ رُوَاةِ "المُوَطأ" مُرْسَلًا (٢) ، ومَعناه مُتَّصل مِن وُجُوِهٍ ثابتةٍ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ولا أعْلَمُ أحدًا أسْنَدَه عن زيدِ بنِ أسلمَ، إلَّا جَريرَ بنَ حازمٍ، عن أيُّوبَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يَسَارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ.

  18. ذكَره البَزَّارُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: حدَّثنا حَبَّانُ بنُ هِلَالٍ، قال: حدَّثنا جَرِيرُ بنُ حازِم، عن أيُّوبَ (٣) .

  19. وذكَره أبو العَبَّاسِ محمدُ بنُ إسحاقَ السَّرَّاجُ في "تارِيخِه" (١) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحَسَنِ بنِ خِرَاشٍ، قال: حدَّثنا حَبَّانُ بنُ هِلَالٍ، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ حازِمٍ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، فلَقِيتُ زيدَ بنَ أسلمَ، فحدَّثني عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عن أبي سعيدٍ، الخُدْرِيِّ، قال: كانت لرجلٍ مِنَ الأنصارِ لِقْحَةٌ (٢) تَرْعَى في قُبُلِ أُحُدٍ، فعُرِض لها، فنَحَرَها بوَتِدٍ. فقلتُ لزَيْدٍ: وَتدٌ مِن حديدٍ أو خَشَبٍ؟ قال: لا، بل مِن خَشَبٍ، وأتّى النبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، فسَألَه، فأمَرَه بأكْلِهَا.

    قال أبو عُمر: واللِّقْحَةُ: النَّاقَةُ ذاتُ اللَّبَنِ، وقد تَقدَّمَ تفسيرُ ذلك فيما سَلَفَ مِن كِتابِنا هذا. والشِّظَاظُ: العُودُ الحَدِيدُ الطَّرَفِ. كذا قال أهلُ اللُّغَةِ (٣) .

    vol. 3, p. 548
  20. وقال يعقوبُ بنُ جَعْفَرٍ (٤) ، عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسَارٍ في هذا الحديثِ: فأخَذَها المَوْتُ، فلم يَجِدْ شيئًا يَنْحَرُها به، فأخَذَ وَتدًا، فوَجَأ به في لَبَّتِهَا حتى أهْرَاقَ دَمَها، ثم جاءَ إلى رسولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، فأخْبَرَه بذلك، فأمَرَه بأكْلِها.

  21. فعلى هذا الحديثِ، الشِّظَاظُ: الوَتِدُ، وذلك كلُّه معنًى مُتَقارِبٌ (١) . وقال ابنُ حَبِيبٍ: الشِّظَاظُ هو العُودُ الذي يُجْمَعُ به بينَ عُرْوَتَي الغِرَارَتَيْن على ظَهْرِ الدَّابَّةِ (٢) واسْتَشْهَدَ بقولِ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ:

    بحالِ العُرْوَتَيْنِ مِنَ الشِّظَاظِ

    قال أبو عُمر: وقال عنترةُ:

    إذا ضرَّجُوها ساعَةً بدمائِها ... وحُلَّ عن الكَوْمَاءِ عقدُ شِظَاظِها (٣)

    قال الخَلِيلُ (٤) : الظُّرَرَةُ والظُّرَرُ: حَجَرٌ له حَدٌّ. قال: والشِّظَاظُ: خشَبَةٌ عَقْفَاءُ مَحْدُودَةُ الطَّرَفِ، واللِّيطُ: قِشْرُ القَصبِ.

    vol. 3, p. 549
  22. والتَّذْكيةُ بالشِّظَاظِ إنَّما تكونُ فِيما يُنْحَرُ لا فِيما يُذْبَحُ، والنَّاقَةُ الشَّأْنُ فيها النَّحْرُ، وهو ذَكَاتُها، والشِّظَاُظ لا يُمْكِنُ به الذَّبْحُ؛ لأنَّه كطَرَفِ السِّنَانِ، وقد يُمْكِنُ الذَّبْحُ بفِلْقَةِ العُودِ؛ لأنَّ لها جانِبًا رَقِيقًا، وذلك يُسَمَّى الشَّطِيرَ. وفِلْقَةُ الحَجَر الرَّقِيقَةُ التي يُمْكِنُ الذَّكاةُ بها تُسَمَّى الظُّرَرَ، وهذانِ يُذْبَحُ بهما ولا يُمْكِنُ النَّحْرُ بهما،

    vol. 3, p. 550وأمَّا القَصَبةُ فيُمْكِنُ بها الذَّبْحُ والنَّحْرُ، وفِلْقَةُ القَصَبَةِ تُسَمَّى اللِّيطَةَ (١) . ورُوِي عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ آَنه قال: ما ذُبِحَ باللِّيطَةِ والشَّطِر والظُّرَرِ، فحِلّ ذَكِيٌّ (٢) .

    قال أبو عُمر: وفي هذا الحديثِ إباحَةُ تَذْكِيَةِ ما نزَلَ به المَوْتُ مِن الحَيوانِ المُبَاحِ أكْلُه، كانت البَهِيمَةُ في حالٍ تُرْجَى حَياتُها، أو لا تُرْجَى، إذا كانت حَيَّةً في وَقْتِ الذَّكاةِ؛ لأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يَسْألْ مُذَكِّيَها عن حالِها، ولم يُنْكِرْ عليه، بل قال: "ليس بها بَأْسٌ فَكُلُوها" . وقد قِيلَ له: أصابَها الموتُ. فعلى ظاهِرِ هذا الحديثِ، إذا سَلِمَ مَوْضِعُ الذَّكَاةِ مِن الآفَةِ، وكانت الحَياةُ مَوْجُودَةً في المُذَكَّى، جازَ تَذْكِيَتُه.

  23. أخْبَرَنِي خَلَفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا المُفَضَّلُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيادٍ، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ (٣) ، قال: سألتُ مالِكًا عن المُتَرَدِّيَةِ والمَفْرُوسَةِ (٤) تُدْرَكُ ذَكاتُها وهي

    vol. 3, p. 551تتَحَرَّكُ؟ قال: لا بَأْسَ، إذا لم يكنْ قطَعَ رَأْسها، أو نَثَرَ بَطْنَها. قال: وسمعتُ مالِكًا يقولُ: إذا غُيِّرَ ما بينَ المَنْحَرِ إلى المَذْبَحِ، لم تُؤْكَلْ (١) .

  24. واخْتَلَفَ العلماءُ في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: ٣] ، فقال قومٌ: هذا الاستثناءُ راجعٌ على كُلِّ ما أُدْرِكَ ذَكاتُه مِمَّا يَنْخَنِقُ ويُوقَذُ ويَتَرَدَّى ويُنْطَحُ وأكِيلَةِ السَّبُع، فمتَى أُدْرِكَ شيءٌ مِن هذه المَذْكُوراتِ وفيه حَياةٌ، كانت الذَّكَاةُ عامِلَةً فيه؛ لأنَّ حَقَّ الاستثناءِ أنْ يكونَ مَصْرُوفًا إلى ما تَقدَّمَ مِن الكلامِ، ولا يُجْعَلُ مُنْقَطِعًا إلَّا بدليلٍ يجبُ التَّسْلِيمُ له. ومِمَّنْ رُوِي عنه هذا المعنَى عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وأبو هريرةَ، وابنُ عبَّاسٍ، وجماعَةٌ مِن التَّابعين ومِن فقهاء المسلمين (٢) .

  25. روَى ابنُ عُيَيْنَةَ (٣) ، وشرِيكٌ، وجَرِيرٌ (٤) ، عن الرُّكَينِ بنِ الرَّبيعِ، عن أبي

    vol. 3, p. 552طَلْحَةَ الأسَدِيُّ، قال: سألتُ ابْنَ عَبَّاس عن ذِئْبٍ عَدَا على شَاةٍ، فشَقَّ بَطْنَها حتى انْتَثَرَ قُصْبُها (١) فأدْركْتُ ذَكاتَها فذَكَّيْتُها (٢) . فقال: كُلْ، وما انْتَثَرَ مِن قُصْبِها فلا تَأْكُلْ.

  26. وروَى حَمَّادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ وحُمَيْدٍ، عن الحسنِ، أنَّه قال فِيما أكلَ السَّبُعُ: إذا كانت تَطْرِفُ بعَيْنِها، أو تَرْكُضُ برِجْلِها، أو تَمْصَعُ (٣) بذَنَبِها، فذَكِّ وكُلْ (٤) .

  27. وذكَرَ ابنُ أبي شَيْبَةَ، عن ابنِ فُضَيْلٍ، عن أشْعَثَ، عن الحسَنِ، في قَوْلِه: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} . قال الحسنُ: أيَّ هذه الخَمْس (٥) أدْرَكْتَ ذَكاتَه، فكُلْ. فقلتُ: يا أبا سعيدٍ، كيفَ أعْرِفُ ذلك؟ قال: إذا طَرَفَتْ بعَيْنِها، أو ضرَبَتْ بذنبِها (٦) .

  28. وعن قتادةَ والضَّحَّاكِ بنِ مُزَاحِمٍ، مثلُ ذلك (٧) . وإلى هذا ذهبَ ابنُ حَبِيبٍ، وذَكَرَه عن أصْحابِ مالكٍ عنه؛ قال ابنُ حَبِيبٍ: إذا كانتِ الذَّبِيحَةُ تَطْرِفُ فهي ذَكِيَّة، ولو طَرَفَتْ بأحَدِ أطْرَافِها؛ بعَيْنٍ، أو رِجْلٍ، أو ذَنَبٍ، أو يَدٍ، مع مَجْرَى النَّفَسٍ، فهي ذَكِيَّة. قال: وهكذا فَسَّرَه لي أصْحابُ مالكٍ عنه. وذكَرَ ابنُ عبدِ الحَكَم عن مالِكٍ نحوَه.

    vol. 3, p. 553وقال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ: إذا كانت حَيَّةً وقد أخْرَجَ السَّبُعُ جَوْفَها، أُكِلَتْ، إلَّا ما بانَ منها. وهو قولُ ابنِ وَهْبٍ، والأشْهَرُ مِن مَذْهَبِ الشافعيِّ (١) . وقد تَقدَّمَ هذا مِن قولِ ابنِ عَبَّاسٍ.

  29. وقال المُزَنِيُّ، عن الشافعيِّ، في السَّبُعِ إذا شَقَّ بَطْنَ شَاةٍ، واسْتُيقِنَ أنَّها تموتُ إنْ لم تُذَكَّ، فذُكِّيَتْ: فلا بَأْسَ بأكْلِها. قال المُزَنِيُّ: وأحْفَظُ له قولًا آخَرَ؛ أنَّها لا تُؤْكَلُ، إذا بلَغَ منها السَّبُعُ أو التَّرَدِّي إلى ما لا حَياةَ معه. قال المُزَنِيُّ: وهو قولُ المَدَنيِّين. قال: وهو عندِي أقْيَسُ على أصْلِ الشافعيِّ؛ لأنَّ قَوْلَه في صَيْدِ البَرِّ إذا لم يَبْلُغْ منه السِّلاحُ مَبْلَغَ الذَّبْحِ، وأُمْكِنَتْ ذَكاتُه، فلم يُذَكِّه، أنَّه لا يَأْكُلُه. قال: وفي هذا دَلِيل؛ أنَّه لو بلَغَ ما يَبْلُغُ (٢) الذَّبْحُ أكَلَه. قال المُزَنِيُّ. ودليل آخَرُ مِن قَوْلِه أيضًا؛ قال في كتابِ الدِّماءِ: لو قطَعَ حُلْقُومَ رَجُلِ ومَرِيئَه، أو قطَعَ حِشْوَتَه، فأبَانَها مِن جَوْفِه، أو صَيَّرَه في حالِ المذبوحِ، ثم ضرَبَ آخَرُ عُنُقَه، فالأوَّلُ قاتِلٌ، دونَ الآخَرِ. قال: ففي هذا من قَوْلِه دَلالةٌ على ما وصَفْتُ لكَ أنَّه أصَحُّ في القياسِ مِن قولِه الآخَرِ (٣) .

    قال أبو عُمر: أكثرُ أصحابِ الشافعيِّ على قولِه الآخرِ، على خلافِ ما اختارَ المُزَنِيُّ، واحْتَجَّ منهم أبو القاسم القَزْويِنيُّ بقولِ الله تعالى بعدَ ذكرِ المنخنقةِ وما ذكرَ معها إلى قولِه: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} . قال: فمَعْنَى الآيةِ: أكْلُ المنخنقةِ، والمترديةِ، والنطيحةِ، وما أكَلَ السَّبُعُ، إذا ذُكِّيَ وفيه الحياةُ، كان التَّرَدَّي وأكْلُ السَّبُع بَلَغَ

    vol. 3, p. 554منها ما فيه البَقاءُ، أو ما لا بَقاءَ معه، إذا كان فيها مِن الحياةِ ما يُعْلَمُ به أنَّها لم تَمُتْ. قال: والزَّاعِمُ أنَّ المترديةَ وما أكَلَ السَّبُعُ وفيها الحَياةُ إذا ذُكِّيتْ لا تُؤْكَلُ في حال دون حال (١) ، مُدَّعِ على الكتابِ ما لم يَأتِ به الكِتابُ.

    قال أبو عُمر: وهذا أيضًا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ في هذه الآيةِ، وفي كُلِّ ما تُدْرَكُ ذَكاتُه وفيه حياةٌ -ما كانت الحياةُ- فإنَّه ذَكيٌّ، ومتى ذُكِّيَتْ وأُدْرِكَتْ قبلَ أنْ تموتَ، أُكِلَتْ عندَه.

    قال الطَّحاوِيُّ (٢) : ورُوِيَ عن أبي يوسف في "الإمْلاءِ" : إذا بلَغَ بها ذلك حالًا لا تعيشُ مِن مِثْلِه، لم تُؤْكَلْ. قال: وذكَرَ ابنُ سماعَةَ، عن محمدٍ أنَّه قال: إن كان تعيشُ معه اليومَ ونحوَه، والسَّاعتَيْن والثَّلاثَ ونحوَها، فذَكَّاهَا، حَلَّتْ، وإنْ كانت لا تَبْقَى إلَّا بَقاءَ المذبوحِ لم تُؤْكَلْ، وإنْ ذُبِحَتْ. قال: واحْتَجَّ محمدُ بنُ الحَسَنِ بأنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ كانت جراحُه مُتْلِفَةً، وصَحَّتْ عهودُه وأوامرُه، ولو قتَلَه قاتِلٌ، كان عليه القَوَدُ. وإلى هذا ذهَبَ الطَّحَاوِيُّ، وزَعَمَ أنَّهم لم يخْتَلِفُوا في الأنْعَام إذا أصابَتْها الأمْرَاضُ المُتْلِفَةُ التي قد تعيشُ معها مُدَّةً قصيرةً أو طويلةً، أنَّها تُذَكَّى، وأنَّها لو صارَتْ في حالِ النزوعِ والاضْطِرَابِ للموتِ، أنَّه لا ذَكاةَ فيها؛ فكذلك القياسُ يَنْبَغِي أنْ يكونَ حُكْمَ المترديةِ ونحوِها. وقال الأوْزَاعِيُّ: إذا كان فيها حياةٌ فذُبِحَتْ، أُكِلَتْ.

    قال أبو عُمر: وذهَب قومٌ مِن العلماءِ إلى أنَّ الاستثناءَ في قولِه عزَّ وجلَّ: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} . مُنْقَطِعٌ مِمَّا قبلَه، غيرُ عائدٍ على شيءٍ مِن المذكوراتِ؛ قالُوا:

    vol. 3, p. 555وذلك مَشْهُور مِن كلام العربِ، يجْعَلُون "إلَّا" بمَعْنَى "لَكِنْ" (١) ، ومن ذلك قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء: ٩٢] . يريدُ: وما كان لمؤمنٍ أنْ يقتُلَ مُؤْمِنًا الْبَتّة. ثم قال: {إِلَّا خَطَأً} ؛ أيْ: لكن إنْ قتَلَه خَطَأً.

  30. فالاستثناءُ هاهنا ليس من الأوَّل، وهذا مذْهَبُ الخليلِ وسِيبُويَةَ والفَرَّاءِ؛ كلّهم يجْعَلُونَ (١) "إلَّا" هاهُنا بمَعْنَى "لكن" ، وأنشَدَ بَعْضُهم لأبي خِرَاشٍ (٢) :

    أمْسَى سُقَامٌ خَلاءً لا أنِيسَ بهِ ... إلَّا السِّبَاعُ ومَرُّ الرِّيحِ بالغَرَفِ (٣)

    vol. 3, p. 556
  31. أرادَ: إلَّا أنْ يكونَ به السِّباعُ، أو: لكنْ به السِّباعُ وطردُ الرِّيحِ.

  32. وسُقامٌ: وادٍ لهُذَيْلٍ.

  33. ومثلُ هذا أيضًا قولُ الشاعرِ (٤) :

    وبَلْدَةٍ ليس بها أنيسُ

    إلّا اليَعَافيرُ وإلا العيسُ (٥)

  34. أرادَ: لكنْ بها اليَعافِيرُ، وبها العِيسُ، وليسَ بها أنِيسٌ مع هذا.

    vol. 3, p. 557وقال مُتَمِّمُ بنُ نُوَيْرَةَ (١) :

    وبعضُ الرِّجَالِ نَخْلَةٌ لا جَنَى لها ... ولا ظِلَّ إلَّا أنْ تُعَدَّ مِنَ النَّخْلِ

    يريدُ: لَكِنْ تُعَدُّ مِن النَّخْلِ. وقد يكونُ قولُه: لا أنِيسَ به إلَّا السِّبَاعُ. وليس بها أنِيسٌ إلا اليَعافِيرُ؛ أي: ليس بها أنيسٌ (٢) ، ولا اليعافيرُ ولا السِّبَاعُ، فتكونُ "إلَّا" بمَعْنَى "الواوِ" ، كما قِيلَ في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} [البقرة: ١٥٠] . أيْ: ولا الذين ظلموا، وكما قال الشاعرُ (٣) :

    ما بالمدينَةِ دارٌ غيرُ واحدةٍ ... دارُ الخليفةِ إلَّا دارُ مَرْوانَا

    أي: إلَّا دارُ الخَلِيفَةِ ودارُ مَرْوَانَ. هذا كلُّه قد قيلَ كما وصَفْنا في مَعْنَى ما ذكَرْنا وحقيقتِه، إلَّا أنْ يُحْمَلَ على صريح الاستثناءِ؛ إمَّا مُتَّصِلًا ردًّا للأوَّلِ على الآخِرِ، مُخْرِجًا له مِن جملتِه، وإمَّا مُنْقَطِعًا قد فُصِلَ الأوَّلُ مِن الآخرِ، كما قال النابغةُ (٤) :

    vol. 3, p. 558......... ... وما بالرَّبْعِ مِن أحَد

    إلَّا الأوارِيُّ لأْيًا ما أُبَيِّنُها ... ....................

  35. ومن هذا البابِ أيضًا -وهو كثيرٌ جدًّا- ومِن أبْدَعه قولُ جريرٍ (١) :

    مِنَ البِيضِ لم تَظْعَنَ بعيدًا ولم تَطَأْ ... على الأرضِ إلَّا ذَيْلَ بُرْدٍ مُرَحَّلِ

    فكأنه قال: لم تطأْ على الأرضِ، إلَّا أنْ تطَأَ ذَيْلَ البُرْدِ. والتَّرْحِيلُ: وَشْيٌ في حاشيةِ البُرْدِ.

  36. وقد قِيلَ في مَعْنَى قولِه عزَّ وجلَّ: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} ؛ أي: لكن الذين ظَلَمُوا منهم فإنَّهم يُحَاجُّونَكم. وقيل: إلَّا على الذين ظَلَمُوا. فعلى هذا يكونُ مَعْنَى الآية: إنَّ اللّهَ عزَّ وجلَّ حَرَّمَ الميتةَ والدَّمَ ولحمَ الخنزيرِ -والميتةُ هاهنا، التي تموتُ حَتْفَ أنْفِها- وحَرَّمَ التي تموتُ منخنقةً، وموقوذةً، ومترديةً، ومنطوحةً،

    vol. 3, p. 559وأكيلَةَ السَّبُع. فعَمَّ بهذا أجناسَ الميتةِ التي كانوا يأكلون، وأحَلَّ لهم ما ذَكَّوا مِن بهيمةِ الأنعامِ، فكأنه قال -بعدَ أنْ ذكَرَ ما حَرَّمَ مِن المَيْتَاتِ ولحم الخنزيرِ-: لَكِنْ ما ذَبَحْتم وذَكَّيْتم مِن بَهِيمَةِ الأنعامِ، فحِلٌّ لكم. هذا مَعْنَى قولِه عندَهم. وإلى هذا ذهَبَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، وجماعةُ المالكيِّين البَغْدادِيِّين، وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ، ويُرْوَى نحوُ هذا المذهبِ عن زَيْدِ بنِ ثابِتٍ، ذكَرَه مالكٌ في "مُوَطَّئِه" (١) . وذكَرَ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عن يوسفَ بنِ سعدٍ، عن يَزيدَ مَوْلَى عَقِيلِ بنِ أبي طالب، قال: كانت لي عَنَاقٌ كريمَةٌ، فكَرِهْتُ أنْ أذْبَحَها، فلم ألْبَثْ أنْ ترَدَّتْ، فأمْرَرْتُ الشَّفْرَةَ على أوْدَاجِها، فرَكَضَتْ برجلِها، فسألْتُ زيدَ بنَ ثابِتٍ، فقال: إنَّ المَيِّتَ ليَتَحرَّكُ بعدَ مَوْتِه، فلا تَأْكُلْها.

    قال أبو عُمر: يزيدُ مَوْلَى عَقِيل هذا، هو أبو مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيل بنِ أبي طالبٍ، وهذا الخبرُ قد روَاه مالكٌ، عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ، عَنْ أبي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بنِ أبي طالبٍ بمَعْنًى واحدٍ وألفاظٍ مختلفةٍ (٢) . ولا أعلمُ أحدًا مِن الصحابةِ رُوِيَ عنه مثلُ قولِ زيدِ بنِ ثابِتٍ هذا، واللهُ أعلمُ.

  37. وقد خالفَه أبو هريرةَ وابنُ عَبَّاسٍ، وعلى قولِهما أكثرُ الناسِ. وقال محمدُ بنُ مَسْلَمَةَ: إذا قَطَعَ السَّبُعُ حلقومَ الشَّاةِ أو قسَمَ صُلْبَها، أو شَقَّ بَطنَها فأخْرَجَ مِعَاها، أو قطَعَ عُنُقَها، لم تُذَكَّ، وفي سائرِ ذلك كلِّه تُذَكَّى إذا كان فيها حَياةٌ. وقال غيرُه مِن أصحابِنا: تُذَكَّى التي شُقَّ بَطْنُها. نحوَ قولِ ابنِ حَبِيبٍ.

  38. واخْتَلَفَ أصحابُ داودَ في هذا الاستثناءِ أيضًا على قولين؛ فذَهَبَ منهم قومٌ أنه منقطِعٌ كما وصَفْنا. وذهَبَ منهم آخرون إلى أنَّ الاستثناءَ مُتَّصِلٌ بما

    vol. 3, p. 560قبلَه، عائدٌ عليه، مُخْرِجٌ لجملة ما ذُكِّيَ مِن المذكوراتِ إذا كانت فيه حَياةٌ مِن جملةِ المحرماتِ في الآيةِ (١) . وما ذهَبَ إليه إسماعيلُ في ذِكْرِ المترديةِ وما ذُكِرَ معها، يُرْوَى عَنْ قتادةَ، وعن الضَّحَّاكِ بنِ مُزَاحِمٍ؛ إلَّا أنَّهما قالا بتَذْكِيَةِ ما أُدْرِكَتْ فيه حَياةٌ مِن ذلك.

  39. روَى سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةً ومَعْمَرٌ، عَنْ قَتادَةَ، في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: ٣] . قال: كان أهلُ الجاهليةِ يَخْنُقُون الشَّاةَ، حتى إذا ماتَتْ آكَلُوها، {وَالْمَوْقُوذَةُ} : كان أهلُ الجاهليةِ يَضْربُونها بالعِصِيِّ، حتى إذا ماتَتَ أكَلُوها، {وَالْمُتَرَدِّيَةُ} : كانت تَتَردَّى في البِئْرِ فتَمُوتُ فيَأْكُلونَها، {وَالنَّطِيحَةُ} : كَبْشانِ يتناطحانِ فيموتُ أحدُهما فيأكُلُونه، {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} : كان أهلُ الجاهليةِ إذا قتَلَ السَّبُعُ شيئًا مِن هذا أو أكَلَ منه، أكَلُوا ما بَقِيَ؛ فقال اللهُ تعالى: {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} . فكُلُّ ما ذكَرَ اللهُ هاهُنا -ما خَلَا الخنزيرَ- إذا أدْرَكْتَ منه عَيْنًا تَطْرِفُ، أو ذَنَبًا يتَحَرَّكُ، أو قائِمَةً تَرْكُضُ، فذَكَّيْتَه، فقد أحَلَّ اللهُ لكَ ذلك (٢) .

  40. وعن الضَّحَّاك بنِ مُزَاحِم مثلُ قولِ قَتَادَةَ هذا كُلِّه سَواءً؛ قال الضَّحَّاكُ: فإن لم تَطْرِفْ له عَيْن، ولم تَتَحرَّكْ له قائِمَةٌ ولا ذَنَبٌ، فهي مَيْتَة (٣) .