زيد بن أسلم، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه
1,580 paragraphs · vol. 3, p. 5
Page 37 of 40
- vol. 3, p. 681
وقد رخَّصوا أنْ يُداوِيَ الرجالُ عندَ الاضطرارِ النساءَ على سبيلِ السُّترةِ والاحتياطِ.
-
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سألتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ، أو سُئل وأنا أسمعُ، عن المرأةِ يُداويها الرَّجلُ في مثلِ الكسرِ وشبهِه؟ قال: نعَم، قد رخَّصَ في ذلك عدَّةٌ من التابعين.
قال أبو بكرٍ (٤) : حدَّثنا قَبِيصةُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبدِ الله بنِ عثمانَ بنِ
vol. 3, p. 682خُثَيْم، قال: سألتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ عن امرأةٍ مِنَّا في رأسِها سَلْعَةٌ (١) لا يستطيعُ النساءُ أنْ يُداوينَها؟ قال: يُخرَقُ في خمارِها قدرَ السِّلعةِ، ثم يُداويِها الرجالُ.
قال: وحدَّثنا أبو جعفرٍ النُّفيْليُّ، قال: حدَّثنا مِسكينُ بنُ بُكَيرٍ، عن شعبةَ، عن يونسَ (٢) ، عن هشام بنِ عروةَ، قال: خرَج في عُنقِ أُختي خُرَاجٌ (٣) ، فدَعا عروةُ الطبيبَ، فأمَره أن يُقوِّرَ الموضعَ، ثم يُعالجَها.
قال (٤) : وحدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا همَّامٌ، قال: حدَّثنا ثابتُ بنُ ذروةَ، قال: سألتُ جابرَ بنَ زيدٍ عن المرأةِ ينكسِرُ منها العُضوُ؛ أجبُرُه؟ قال: نعم.
قال: وحدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن جابرِ بنِ زيدٍ في المرأةِ ينكسرُ فَخِذُها، فلا يَجِدون امرأةً تَجبُرُها، فقال: يَجبُرُها رجلٌ ويَستُرُها (٥) .
قال: وأخبَرنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ في الرجلِ يؤخَذُ عن امرأتِه، فيلتمِسُ مَن يُداويه؟ قال: إنَّما نهَى اللهُ عمَّا يضُرُّ، ولم يَنْهَ عمَّا ينفَعُ (٦) .
- vol. 3, p. 683
أخبَرنا (١) عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا سُحنونٌ (٢) ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني عقبةُ بنُ نافع (٣) ، عن ربيعةَ أنَّه قال: لا بأسَ أن يُعالَجَ المريضُ بلبنِ الشَّاةِ السَّوداءِ، والبقرةِ السوداءِ، ولبنِ المرأةِ أوَّلَ بطنٍ، لا نَرى بذلك كلِّه بأسًا.
وقال زيدُ بنُ البِشْرِ: سمنُ البقرةِ السَّوداءِ التي لا بياضَ فيها، يَجلُو البصرَ.
-
وأمَّا الآثارُ التي رُوِيتْ مسندةً في معنى حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ هذا، فحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ الطَّائيُّ. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا حامدُ بنُ يحيى، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن زيادِ بنِ عِلاقةَ، قال: سمِعتُ أسامةَ بنَ شريكٍ، قال: شهِدتُ الأعاريبَ يسألون رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-: هل علينا جناحٌ في كذا وكذا؟ فقال: "عبادَ الله، قد وُضِعَ الحَرَجُ، إلَّا امرأً اقتَرَض من عِرْضِ أخيهِ شيئًا، فذلك الذي حَرِجَ وهلَك" .
vol. 3, p. 684قالوا: يا رسولَ الله، هل علينا حَرَجٌ أن نتداوَى؟ فقال: "تَداوَوا عبادَ الله، فإنَّ اللهَ لم يُنزِلْ داءً إلَّا وقد أنزَل له دواءً - وقال مرَّةً: شفاءً- إلَّا الهَرمَ" . قالوا: فما خيرُ ما أُعطِيَ الرَّجلُ يا رسولَ الله؟ قال: "خُلُقٌ حَسَنٌ" (١) .
-
ورَواه شعبةُ (٢) ، وزهيرُ بنُ معاويةَ (٣) ، وزيدُ بنُ أبي أنيسةَ (٤) ، عن زيادِ بنِ عِلاقةَ، عن أسامةَ بنِ شَريكٍ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مثلَه سواءً.
- vol. 3, p. 685
وحدَّثني خلفُ بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحدَّادِ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حَذْلَم (١) الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، قال: حدَّثنا ثعلبةُ بنُ مسلم الخثعميُّ، عن أبي عمرانَ الأنصاريِّ، عن أمِّ الدرداء (٢) ، عن أبي الدَّرداءِ، عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: "إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ خلَق الدَّاءَ، وخلَق الدَّواءَ، فتَداوَوا، ولا تَداوَوا بحرام" (٣) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ إملاءً، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ إملاءً، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ إملاءً في المسجدِ الحرام، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني شبيبُ بنُ شيبةَ، قال: سمِعتُ عطاءً يحدِّثُ في المسجدِ الحرامِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أنزَل اللهُ من داءٍ إلَّا أنزَل معه دواءً؛ علِمه من علِمه، وجهِله من جهِله، إلَّا السَّامَ" . قيلَ: يا رسولَ الله، وما السَّامُ؟ قال: "الموتُ" (٤) .
vol. 3, p. 686قال أبو عُمر: هكذا روَى هذا الحديثَ شبيبُ بنُ شيبةَ، عن عطاءٍ، عن أبي سعيدٍ، وخالَفَه عمرُ بنُ أبي حسينٍ، فرَواه عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ:
حدَّثناه أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا وهبُ بنُ مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ الزُّبيرِ، عن عمرَ بنِ سعيدِ بنِ أبي حسينٍ، قال: حدَّثنا عَطاءُ بنُ أبي رباحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما أنزَل اللهُ من داءٍ إلَّا أنزَل له شفاءً" .
-
ورَواه طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ. وقد يحتمِلُ أنْ يكونَ عندَ عطاءٍ عنهم.
-
أخبَرني أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا أبو نعيم (٢) ، قال: حدَّثنا طلحةُ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاس، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا أيُّها الناسُ، تَداوَوا، فإنَّ اللهَ لم يخلُقْ داء إلَّا خلَق له شفاءً، إلَّا السَّامَ، والسَّامُ الموتُ" (٣) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الهيثم أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثني ابنُ وهب، قال: أخبَرني ابنُ جريج، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:
vol. 3, p. 687"ما أنزَل اللهُ داءً إلَّا أنزلَ له دواءً أو شفاءً -الشَّكُّ من أبي الأحوصِ- إذا أُصيبَ الدَّواءُ الذي هو شفاءُ الدَّاءِ" (١) .
-
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٢) ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٣) : حدَّثنا يونسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حربُ بنُ ميمونٍ، قال: سمِعتُ عمرانَ العمِّيَّ قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ
vol. 3, p. 688يقولُ: إنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ حيثُ خلَق الدَّاءَ، خلَق الدَّواءَ، فتَداوَوا" .
-
أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصَّائغُ، قال: حدَّثنا المُقرئُ (١) ، قال: حدَّثنا المسعوديُّ، عن قيسِ بنِ مسلم، عن طارقِ بنِ شهابٍ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ اللهَ لَم يُنزِلْ داءً إلَّا وقد وضَع له شفاءً، إلَّا الهرمَ، فعليكم بألبانِ البقرِ، فإنَّها تَرُمُّ من كلِّ الشجرِ" (٢) .
- vol. 3, p. 689
وحدَّثنا سعيدٌ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ السَّائبِ، قال: دخَلتُ على أبي عبدِ الرحمنِ السُّلميِّ أعودُه، فأراد غلامٌ له أن يُداويَه، فنهَيتُه، فقال: دَعْه، فإنِّي سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ يخبِرُ عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "ما أنزَل اللهُ داءً إلَّا أنزلَ له دواءً - وربَّما قال سفيانُ: شفاءً- علِمه من علِمه، وجهِله مَن جَهِله" .
-
رواه وكيعٌ عن سفيانَ عن عطاءِ بن السائب عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعودٍ موقوفًا من قوله (٢) ، واللهُ الموفِّق للصّواب.
- vol. 3, p. 690
حديثٌ سادسٌ وأربعونَ لزيدِ بنِ أسلمَ (١) مُرسَلٌ
مالكٌ (٢) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يسلِّمُ الرَّاكبُ على الماشي، وإذا سلَّم مِن القوم واحدٌ أجزَأ عنهم" .
-
لا خلافَ بينَ رواةِ "الموطأ" في إرسالِ هذا الحديثِ هكذا (٣) .
-
وفي هذا البابِ حديثُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ مسندٌ، وسنذكُرُه فيه إن شاء اللهُ. وزعَم البزَّارُ أنَّ فيه عن أبي هريرةَ.
-
وهذا حديثٌ بيِّنُ المعنَى، مُستَغنٍ عن التأويلِ، إلَّا أنَّ الفقهاءَ اختَلفوا في القولِ به؛ فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُهما، وهو قولُ أهلِ المدينةِ: إذا سلَّم رجلٌ على جماعةٍ مِن الرِّجالِ، فرَدَّ عليه واحدٌ منهم أجزَأ عنهم، وشبَّهه الشافعيُّ رحِمه اللهُ بصلاةِ الجماعةِ، والتَّفقُّهِ في دينِ الله، وغَسلِ الموتى، ودفنِهم، والصلاةِ عليهم، وبالسفرِ إلى أرضِ العدوِّ لقتالِهم. قال: هذه كلُّها فروضٌ على الكفايةِ، إذا قام بشيءٍ منها بعضُ القوم أجزَأ عن غيرِهم (٤) .
قال أبو عُمر: الحجَّةُ في فرضِ ردِّ السَّلام قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء:] . والحجَّةُ في أنَّ هذا الفرضَ لا يتعيَّنُ في هذه المسألةِ، حديثُ زيدِ بنِ أسلمَ هذا.
وقال أبو جعفرٍ الأزديُّ الطَّحاويُّ (٥) : حدَّثنا سليمانُ بنُ شعيبٍ، عن أبيه،
vol. 3, p. 691عن أبي يوسفَ: أنَّه كان يُنكِرُ الحديثَ الذي رُوِيَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "إذا ردَّ السَّلامَ بعضُ القوم أجزَأ عن الجميع (١) " . وقال: لا يُجزئُ إلَّا أن يردُّوا جميعًا. قال أبو جعفرٍ: ولا نعلَمُ في هذا البابِ شيئًا رُوِيَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- غيرَ حديثِ مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، وشيءٍ رُوِيَ فيه عن أبي النضرِ مولى عمرَ بنِ عبيدِ الله، عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-. وكلا الوجهَين لا يُحتجُّ به. قال: وحديثُ زيدِ بنِ أسلمَ إنَّما فيه: "إذا سلَّم مِن القوم واحدٌ أجزَأ عنهم" . قال: وإنَّما هو ابتداءُ السلام، وابتداءُ السلام خِلافُ ردِّ السلام؛ لأنَّ السلامَ المبتدَأ تطوُّعٌ، وردُّه فريضةٌ. قال: وليس هو مِن الفروضِ التي هي (٢) على الكفاية؛ لأنَّه لو كان مع القوم نصرانيٌّ، فردَّ النصرانيُّ دونَ أحدِ من المسلمين، لَمْ يُسقِطْ ذلك عنهم فرضَ السلامِ، فدلَّ على أنَّ فرضَ السَّلام مِن الفروضِ المتعيّنةِ التي تلزمُ كلَّ إنسانٍ بنفسِه.
قال أبو عُمر: أمَّا قولُه: إنَّ حديثَ زيدِ بنِ أسلمَ هذا معناه الابتداءُ. فغيرُ مُسلَّم له ما ادَّعاه مِن ذلك، وظاهرُ الحديثِ يدُلُّ على خلافِ ما تأوَّلَ فيه، وذلك قولُه: " أجزَأ عنهم" ؛ لأنَّه لا يقالُ: أجزأ عنهم. إلَّا فيما قد وجَب عليهم، والابتداءُ بالسَّلام ليس بواجبٍ عندَ الجميع، ولكنَّه سنَّةٌ وخيرٌ وأدبٌ، والرَّدُّ واجبٌ عندَ جميعِهم، فاستبان بقولِه: "أجزَأ عنهم" : أنَّه أراد بالحديثِ الرَّدَّ، واللّهُ أعلمُ. هذا وجهُ الحديثِ، فبطَل تأويلُ الطحاويِّ، وصحَّ ما ذهَب إليه فقهاءُ الحجازِ.
-
وأمَّا قولُه: فإنَّه لا يُروَى في هذا غيرُ حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ، وحديثِ أبي النَّضرِ، وهما منقطعانِ. فليس كما قال عندَنا، وقد رُوِّينا بإسنادٍ مُتَّصلٍ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، معنى ما ذهَب إليه مالكٌ، والشافعيُّ، ومَن قال بقولِهم.
- vol. 3, p. 692
حَدَّثَنَا خلفُ بنُ القاسم الحافظُ، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ رشيقٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الأعلى بنُ حمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا يعقوبُ بنُ إسحاقَ الحَضْرميُّ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ الفضل، عن عُبيدِ الله بنِ أبي رافعٍ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يُجزئُ مِن الجماعةِ إذا مرَّت أن يسلِّمَ أحدُهم، ويُجزئُ عن القعودِ أن يرُدَّ أحدُهم" (١) .
-
ففي هذا الحديثِ بيانُ موضعِ الخلافِ، وقَطْعُ التَّنازُعِ؛ لأنَّه سوَّى بين الابتداءِ والرَّدِّ، وجعل ذلك على الكفايةِ، وهو حديثٌ حسنٌ لا معارِضَ له. وسعيدُ بنُ خالدٍ هذا هو سعيدُ بنُ خالدٍ الخُزاعيُّ، مدنيٌّ ليس به بأسٌ عندَ بعضِهم، وقد ضعَّفه جماعةٌ؛ منهم أبو زرعةَ، وأبو حاتم، ويعقوبُ بنُ شيبةَ، وجعَلوا حديثَه هذا منكرًا؛ لأنَّه انفرَد فيه بهذا الإسنادِ. على أنَّ عبدَ الله بنَ الفضلِ لَمْ يسمَعْ مِن عبيدِ الله بن أبي رافعٍ، بينهما الأعرجُ في غيرِ ما حديث (٢) ، فاللهُ أعلمُ، وسائرُ الإسنادِ أشهرُ مِن أن يُحتاجَ إلى ذكرِهم.
- vol. 3, p. 693
وذكَر أبو داودَ (١) هذا الخبرَ، عن الحسنِ الحُلْوانيِّ، عن عبدِ الملكِ بنِ إبراهيمَ الجُدِّيِّ، عن سعيدِ بنِ خالدٍ الخزاعيِّ، بإسنادِه مثلَه.
-
وقد روَى ابنُ جريجٍ هذا الخبرَ عن زيدِ بنِ أسلمَ بهذا المعنَى مكشوفًا؛ حدَّثنيه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاح (٢) ، قال: حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ عديٍّ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ يونسَ، عن ابنِ جريجٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا مرَّ القومُ على المجلسِ، فسلَّم منهم رجلٌ، أجزَأ ذلك عنهم، وإذا ردَّ رجلٌ مِن أهلِ المجلس (٣) ، أجزَأ ذلك عنهم" .
قال أبو عُمر: رُوِيَ في هذا البابِ عن ابنِ جريجٍ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-. ولا يَصِحُّ بهذا المعنى فيه شيءٌ غيرُ ما ذكَرْنا، واللّهُ أعلمُ.
-
حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارثِ (٤) ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حَدَّثَنَا رَوحُ بنُ عبادةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جريجٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو الزُّبيرِ، أنَّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يسلِّمُ الراكبُ على الماشي، والماشي على القاعدِ، والماشيان أيُّهما بدَأ بالسلام فهو أفضلُ" (٥) .
- vol. 3, p. 694
وبهذا الإسنادِ عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرني زيادٌ، أنَّ ثابتًا مولَى عبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ أخبرَه (١) ، أنَّه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "يسلِّمُ الرَّاكبُ على الماشي، والماشي على القاعدِ، والقليلُ على الكثير" (٢) .
-
ومعَنى قولِه: "أجزَأ" في الابتداءِ؛ أي: أجزَأ في السُّنَّةِ المندوبِ إليها. كما يقالُ: مَن أتى الوليمةَ أجزأه التَّبريكُ والدُّعاءُ إذا كان صائمًا. وإنَّما قلنا هذا بدليل إجماعِهم على أنَّ الابتداءَ بالسَّلام سنَّةٌ، وأنَّ الرَّدَّ فرض، على ما ذكَرنا مِن اختلافِهم في تَعيينه وكفاييه، والابتِداءُ ليس كذلك عندَ جميعِهم.
-
أخبَرنا عبدُ الرحمنِ (٣) ، قال: حَدَّثَنَا عليٌّ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ (٤) ، قال: حَدَّثَنَا سُحنونٌ (٥) ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ (٦) ، قال: حدَّثني جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ بنِ مِهرانَ، عن زيدِ بنِ وهبٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: "السلامُ اسمٌ مِن أسماءِ الله عزَّ وجلَّ، وضَعه في الأرضِ، فأفشُوه بينكم، فإنَّ الرجلَ إذا سلَّم على القوم
vol. 3, p. 695فردُّوا عليه، كان له عليهم فضلُ درجةٍ؛ لأنَّه ذكَرهم، فإن لَمْ يردُّوا عليه، ردَّ عليه مَن هو خيرٌ منهم وأطيبُ (١) .
قال: وأخبَرني أسامةُ بنُ زيدٍ، عن نافعٍ، قال: كنتُ أُسايرُ رجلًا مِن فقهاءِ الشامِ، يقالُ له: عبدُ الله بنُ أبي زكريا، فحبَستني دابتي تَبُولُ، ثمّ أدركْتُه ولم أُسلِّمْ، فقال: ألا تسلِّمُ؟ فقلتُ: إنما كنت معك آنفًا. فقال: وإنْ، لقد كان أصحابُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- يتَسايرون فتُفرِّقُ بينهم الشَّجرةُ، فإذا التقَوا، سلَّم بعضُهم على بعضٍ (٢) .
وقال ابنُ عبّاسٍ وابنُ عمرَ: انتهى السلامُ إلى البَرَكةِ كما ذكر اللّهُ عزَّ وجلَّ عن صالحي عبادِه: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} (٣) [هود: ٧٣] . وكانا يَكْرهانِ (٤) أن يزيدَ أحدٌ في السلام على قوله: وبركاته (٥) ؛ واللّهُ الموفِّق للصَّواب.
- vol. 3, p. 696
حديثٌ سابعٌ وأربعونَ لزيدِ بنِ أسلَمَ (١) مُرسَلٌ
مالكٌ (٢) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أعطُوا السَّائلَ وإن جاء على فَرَسٍ" .
-
لا أعلمُ في إرسالِ هذا الحديثِ خلافًا بينَ رواةِ مالكٍ (٣) ، وليس في هذا اللفظِ مُسْنَدٌ يُحْتَجُّ به فيما علِمتُ.
-
وفيه من الفقهِ الحضُّ على الصدقةِ. وفيه أن الفرسَ إذا كان صاحبُه محتاجًا إليه، لا غِنَى به عنه لضعفهِ عن التصرُّفِ في معاشِه على رِجْلَيه، فإنّ مِلْكَه للفرسِ لا يُخرِجُه عن حدِّ الفقرِ، ولا يُدخِلُه في حُكم الأغنياءِ الذين لا تَحِلُّ لهم الصدقةُ، وقد أطلقَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إعطاءَه وإن جاءَ على فرسٍ، ولم يَقُلْ: من صدقةِ التطوع دونَ الصدقةِ الواجِبةِ، فجائزٌ أن يُعطى من كلِّ صدقةٍ.
-
ومَحمَلُ الدَّارِ التي لا غِنَى لصاحبِها عن سُكناها، ولا فضلَ له فيها عمّا يَحتاجُ إليه منها، والخادم الذي لا غِنَى به عنه -محمَلُ الفَرَسِ. وهذا قولُ جمهورِ فقهاءِ الأمصارِ، وقد تقدَّم القولُ في ذلك في باب حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن الأسَدِيِّ، من كِتابِنا هذا (٤) ، فأَغْنَى ذلك عن إعادَتِه هاهُنا.
-
ويحتملُ أن يكونَ -صلى الله عليه وسلم- أراد بقولِه في هذا الحديثِ، الحضَّ على إعطاءِ السائلِ، وألا يُرَدَّ، كائنًا من كان، إذا رضِي لنفسِه بالسؤالِ، إذ الأغلبُ مِن هذه الحالِ أنّها لا تكونُ إلَّا عن حاجةٍ، نَدبًا إلى نوافلِ الخيرِ وصدقَةِ التطوعِ، وفعلِ البرِّ
vol. 3, p. 697والإحسانِ بكلِّ مُسْتَضعف، إذا لَمْ يُعلَمْ أنَّه غنيٌّ مستكثِرٌ بالسؤالِ، مع ما كان منه -صلى الله عليه وسلم- مِن التغليظِ في المسألَةِ وكراهيتها. وقد تقدَّمَ هذا المعنى مجوَّدًا، فلا حاجة للإكثارِ فيه.
-
وقد رُوِي معنى هذا الحديثِ مسندًا عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِن حديثِ الحسينِ بن عليٍّ.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن سفيانَ (١) ، عن مصعبِ بن محمدٍ، عن يعلى بنِ أبي يحيي، عن فاطمةَ بنتِ حسينٍ، عن أبيها، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللسائلِ حقٌّ وإن جاءَ على فَرَسٍ" (٢) .
-
وحدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ الله، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عليٍّ بنِ الحسنٍ بمَرْوَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يعقوبَ الأصم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الصمدِ بنُ النعمانِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ عبدِ الملكِ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لولا أن السُّؤَّالَ يكذِبونَ، ما أفلَح مَنْ ردَّهم" (٣) .
- vol. 3, p. 698
وقد روَى عمرُ بنُ راشدٍ، عن مالكِ بنِ أَنَسٍ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: دخَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على بلالٍ، فوقفَ على الباب (١) سائلٌ، فردَّه، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو صدَق السائلُ ما أفلَح مَن ردَّه" .
-
وهذا حديثٌ منكرٌ، لا أصلَ له في حديثِ مالكٍ ولا يصحُّ عنه.
-
ومما يُشبِهُ هذا المعنى حديثٌ موضوع أيضًا على مالكٍ، وضَعه محمدُ بنُ عبدِ الله - ويقالُ: ابنُ عبدِ الرحمنِ- بنِ بَحيرٍ، عن أبيه، عن مالكٍ:
حَدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أحمدَ القاضِي، قال: حَدَّثَنَا أبي والعُقيليُّ، قالا: أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنُ بَحِيرِ (٢) بنِ رَيْسانَ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليس المسكينُ الذي ترُدُّه اللقمةُ واللقمتان، والتمرةُ والتمرتان، ولكِنَّ المسكينَ الذي لا يسألُ الناسَ، ولا يُعْلَمُ به فيُتَصَدَّقَ عليه" قيل: يا رسولَ الله، فما هؤلاء الذين يَغشَونَ بيوتَنا؟ قال: "أولئك الغُناةُ" . قيل: وما الغناةُ؟ قال: "الذين لا يتطهَّرون من جنابةٍ، ولا يتوضئُون لصلاةٍ، ولا يرَون لأحدٍ عليهم حقًّا، ويرَون حقَّهم على الناسِ واجبًا، وإذا قام الناسُ في جُمُعَةٍ أو فِطرٍ أو أضحَى يسألُون اللّهَ من فضلِه، قاموا يسألون الناسَ مما في أيديهم" .
- vol. 3, p. 699
ومما وُضِع أيضًا على مالكٍ مما يَدخُلُ في هذا البابِ، ما حَدَّثَنَاه خلفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ كامل، قال: حَدَّثَنَا عبيدُ الله بنُ محمدٍ بنِ حسينٍ الدِّمياطيِّ، قال: حَدَّثَنَا موسى بنُ محمدِ بنِ عطاءٍ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "هديَّةُ الله إلى المؤمنِ السائلُ على بابِه" (١) .
-
ورواه أيضًا سعيدُ بنُ موسي، عن مالكٍ، في سنادِه مثلُه (٢) . وموسى بنُ محمد وسعيدُ بنُ موسى متروكان، والحديثُ موضوعٌ.