إسماعيل بن أبي حكيم

150 paragraphs · vol. 1, p. 320

Page 3 of 4

  1. وذكَره أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرقيُّ، عن أبي أحمدَ الزُّبيريِّ بإسنادِه مثلَه سواء (٥) .

    vol. 1, p. 366قال أبو عُمر: قولُ مَن قال: "قُبورَ أنبيائِهم" يَقضِي على قولِ من قال: "القبورَ" في هذا الحديثِ؛ لأنَّه بيانُ مُبهَم، وتفسيرُ مُجمَلٍ.

    vol. 1, p. 365
  2. وأمَّا قولُه: "أرضِ العربِ" و: "جزيرةِ العربِ" في هذا الحديثِ، فذكَر ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، قال: أرضُ العربِ: مكةُ، والمدينةُ، واليَمَنُ.

  3. وذكَر أبو عُبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّام (١) ، عن الأصمَعيِّ، قال: جزيرةُ العرب من أقصَى عَدَنِ أبْيَنَ (٢) إلى ريفِ العراقِ في الطُّولِ، وأمَّا في العَرْضِ فمن جُدَّةَ وما والاها من ساحِلِ (٣) البحرِ إلى أطرارِ (٤) الشَّام.

    قال أبو عبيدٍ (٥) : وقال أبو عُبيدةَ: جزيرةُ العرب ما بينَ حَفْرِ أبي موسى إلى أقصَى اليمنِ في الطُّولِ، وأمَّا في العرضِ فمن بئرِ يَبْرِينَ (٦) إلى مُنقطع السَّماوةِ.

    قال أبو عُمر: أخبَرنا بذلك كلِّه أبو القاسم عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وأبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسَى. وأخبَرنا أبو القاسم أحمدُ بنُ عمرَ بنِ عبد اللَّه، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، عن أبي عُبيدٍ القاسم بنِ سلَّام في كتابِه في "شرح غريبِ الحديثِ" ، وبجميع الشَّرح المذكورِ.

    وقال يعقوبُ بنُ شيبةَ: حَفْرُ أبي موسى: على منازلَ من البصرةِ، في طريقِ مكةَ؛ خمسةُ منازلَ أو ستَّةٌ.

    vol. 1, p. 367وقال أحمدُ بنُ المعَذَّلِ: حدَّثني يعقوبُ بنُ محمدِ بنِ عيسى الزُّهْريُّ، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ: جزيرةُ العربِ: المدينةُ، ومكةُ، واليمامةُ، واليمن (١) .

    قال: وقال المغيرةُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ: جزيرةُ العربِ: المدينةُ، ومكَّةُ، واليمنُ، وقُرَيَّاتُها (٢) .

  4. وذكَر الواقديُّ، عن معاذِ بنِ محمدٍ الأنصاريِّ، أنَّه حدَّثه عن أبي وجْزةَ يزيدَ بنِ عُبيدٍ السَّعْديِّ، أنَّه سمِعه يقول: القُرى العربيَّةُ: الفُرْعُ، ويَنبُعُ، والمرْوةُ، ووادي القُرى، والجارُ، وخيبر.

    قال الواقديُّ: وكان أبو وجْزةَ السَّعديُّ (٣) عالمًا بذلك. قال أبو وَجْزةَ: وإنَّما سُمِّيتْ قرَى عربيَّةَ لأنَّها من بلادِ العرب.

    وقال أحمدُ بنُ المعذَّلِ: حدَّثني بشرُ بنُ عمرَ، قال: قلتُ لمالكٍ: إنَّا لنرجو أن تكونَ من جزيرةِ العربِ -يريدُ البصْرةَ- لأنَّه لا يحُولُ بينَنا وبينَكم نهرٌ. فقال: ذلك إن كان قومُك تبؤَّوا الدارَ والإيمانَ.

    قال أبو عُمر: قال بعضُ أهلِ العلم: إنَّما سُمِّيَ الحجازُ حجازًا لأنَّه حجَز بينَ تِهامةَ ونجْدٍ، وإنَّما قيل لبلادِ العربِ: جزيرةٌ: لإحاطةِ البحرِ والأنهارِ بها من أقطارِها وأطرارِها، فصاروا فيها في مثل جزيرةٍ من جزائرِ البحر.

  5. حديثٌ ثالثٌ لإسماعيلَ بنِ أبي حكيم، مُرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن إسماعيلَ بنِ أبي حَكيم، عن (٢) عطاءَ بنَ يسارٍ أنّه أخبَره، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كبَّر في صلاةٍ من الصَّلواتِ، ثم أشارَ إليهم أنِ امكُثُوا، فذهَب ثمَّ رجَع وعلى جِلْدِه أثرُ الماء.

    vol. 1, p. 368
  6. عطاءُ بنُ يسارٍ هو أخُو سليمانَ بنِ يسارٍ، قال مُصعبٌ الزُّبيريُّ (٣) : كانوا أربعةَ إخوةٍ: عطاءٌ، وسليمانُ، وعبدُ اللَّه، وعبدُ الملكِ، وهم موالي ميمونةَ زوج النبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كاتَبَتْهُم، وكلُّهم أُخِذَ عنه (٤) العِلْم.

    قال أبو عُمر: سليمانُ أفقهُهم، وعطاءٌ أكثرُهم حديثًا، وعبدُ اللَّه وعبدُ الملكِ قليلا الحديثِ، وكلّهم ثِقَةٌ رضًا، وكان عطاءُ بنُ يسارٍ من الفضلاءِ العبَّادِ العلماءِ، وكان صاحبَ قَصصٍ.

  7. ذكَر عليُّ بنُ المدينيِّ، عن يحيَى بنِ سعيدٍ القطَّانِ، عن هشام بنِ عُروةَ، قال: ما رأيْتُ قاصًّا أفضلَ من عطاءِ بنِ يسارٍ (٥) .

  8. سمِع عطاءُ بنُ يسارٍ مِن أبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ، وابنِ عمرَ، وقيلَ: سمِع ابنَ مسعودٍ. وفي ذلك عندِي نظرٌ (٦) .

  9. وتُوفِّي عطاءُ بنُ يسارٍ سنةَ سبع وتسعينَ فيما ذكَر الهيثمُ بنُ عديٍّ (١) ، وأمَّا الواقدي فقال: تُوفِّيَ عطاءُ بنُ يسارٍ سنةَ ثلاثٍ ومئةٍ، وهو ابنُ أربع وثمانينَ سنةً (٢) . وهذا عندَنا أصحُّ من قول الهيثم.

    vol. 1, p. 369
  10. وكان يُكنى أبا يسارٍ، وقيل: أبو عبدِ اللَّه. وقيلَ: أبو محمدٍ، فاللَّهُ أعلمُ.

  11. وهذا حديثٌ مُنقطعٌ، وقد رُوِيَ مُتَّصِلًا مُسندًا من حديثِ أبي هريرةَ وحديثِ أبي بَكْرَةَ (٣) .

  12. أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمَّدٍ (٤) ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ -يعني الأثرمَ- قال: سألْتُ أبا عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبلٍ رحِمه اللَّه- عن حديثِ أبي بَكْرَةَ، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أشارَ أن امكثُوا، فذهَب ثم رجَع وعلى جِلْدِه أثرُ الغُسْلِ فصلَّى بهم، ما وَجْهُه؟ قال: وجْهُه أنَّه ذهَب فاغتسَلَ. قيل له: كان جُنبًا؟ قال: نعم، ثم قال: يرويه بعضُ الناسِ أنَّه كبَّر، وبعضُهم يقول: لم يُكبِّرْ، قيلَ له: فلو فعَل هذا إنسانٌ اليومَ هكذا، أكنْتَ تذهبُ إليه؟ قال: نعم.

    vol. 1, p. 370قال أبو عُمر: من طُرُقِ حديثِ أبي هريرةَ في هذا الحديثِ ما ذكَره الشافعيُّ (١) ، قال: أخبرنا الثقةُ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ -يعني اللَّيثيَّ- عن عبدِ اللَّه بنِ يزيدَ مولَى الأسودِ بنِ سفيانَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ ثوبان، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَ معنَاه. يعني مثلَ معنَى حديثِ مالكٍ هذا عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم.

    قال الشافعيُّ (٢) : وأخبَرنا الثقةُ، عن حمَّادِ بنِ سلمةَ، عن زيادٍ الأعلم، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرَةَ، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه.

    قال (٣) : وأخبَرنا الثقةُ، عن ابنِ عونٍ (٤) ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عنِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مثلَه.

    قال أبو عُمر: ذكَر وكيعٌ في "مُصنَّفِه" حديثَ أسامةَ بنِ زيدٍ هذا بإسنادهِ، مثلَه (٥) .

  13. وروَاه أيوبُ وهشامٌ وابنُ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ، مثلَه (١) .

    vol. 1, p. 371
  14. وهذا الحديثُ محفوظٌ مِن حديثِ الزُّهريِّ مُسندًا، من روايةِ الثقاتِ عنه.

  15. حدَّثناه محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ حكم، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ معاويةَ (٢) ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ أبي حسَّان الأنماطِيُّ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ عمَّارٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الحميد بنُ حبيبٍ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، قال: أخبَرني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ أخبَره، قال: أُقيمَتِ الصلاةُ، فصفَّ الناسُ صُفوفَهم، ثم خرَج علينا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأقبَل يَمشِي، حتى إذا قامَ في مُصلَّاه ذكَر أنَّهُ لم يَغتسِل، فقال للناسِ: "مكانَكم" . ثم رجَع إلى بيته فاغتسلَ، ثم خرَج حتى قام في مُصلَّاه، فكبَّر ورأسُه يَنْطِفُ (٣) .

  16. وذكَره أبو داودَ (٤) من روايةِ معمرٍ، ويونسَ بنِ يزيد، والزُّبيديِّ، والأوزاعيِّ، كلُّهم عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرةَ مثلَه سواءً بمعنَاه.

  17. وذكَره البخاريُّ (٥) ، مِن روايةِ يونسَ، عن الزُّهريُّ، مثلَه، ولم يَذكُرْ في

    vol. 1, p. 372هذا الحديثِ أنَّه كبَّر قبلَ أنْ يَذْكُرَ، وإنما فيه أنَّه لمّا قامَ في مُصلَّاه ذكَر أنَّه لم يَغتسِلْ (١) . فاحتمَل أنْ يكونَ ذَكَرَ ذلك قبلَ أنْ يُكبِّرَ، فأمَرهم أنْ يَنتظِرُوه. فلو صحَّ هذا لم يكنْ في هذا الحديثِ معنى يُشكِلُ حينئذٍ؛ لأنَّ انتظارَهم لو كان وَهُمْ في غيرِ صلاةٍ لم يكنْ في ذلك شيءٌ يُحتاجُ إليه في هذا البابِ. واحتمَل أنْ يكونَ قولُه: "فلمَّا قام في مُصلَّاه" . أيْ: قام في صلاتِه. فلمَّا احتمَل الوجهينِ كانتْ روايةُ مَن روَى أنَّه كان كبَّر، يُفسِّرُ ما أبْهَمَ مَن لم يَذكُرْ ذلك؛ لأنَّ الثِّقاتِ من رُواةِ مالكٍ والشافعيِّ قالوا فيه: إنَّه كبَّر ثم أشار إليهم أن امكُثُوا (٢) . وقد ظنَّ بعضُ شُيوخِنا أنَّ في إشارتِه إليهم أنِ امكُثُوا، دليلًا على أنَّه بنَى بهم، إذِ انصرَف إليهم؛ لأنَّه لم يتكلَّمْ. وهذا جهلٌ وغلطٌ فاحشٌ، ولا يَجوزُ عندَ أحدٍ من العلماءِ أنْ يبنيَ على ما صنَع وهو غيرُ طاهرٍ. وسنُبَيِّنُ هذا المعنَى بعدُ في هذا البابِ إن شاء اللَّهُ.

  18. وقد جاء في روايةِ الزُّهريِّ: "فقال لهم" ، وجاء في حديث أبي بَكْرَةَ: "فأومَأَ إليهم" . وكلامُه وإشارتُه في ذلك سواءٌ؛ لأنَّه كان في غيرِ صلاةٍ.

  19. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ (٣) ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغ، قال: حدَّثنا

    vol. 1, p. 373جعفرُ بن محمدِ بنِ شاكرٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبَرنا زيادٌ الأعلمُ، عن الحسنِ، عن أبي بَكْرَةَ، قال: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصلِّي بأصحابِه، فأومَأ إليهم أن مكانَكم، ثم دخَل، ثم خرَج ورأسُه يَنطِفُ فصلَّى (١) .

  20. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٣) ، قال: حدَّثنا مُوسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن زيادٍ الأعلم، عن الحسنِ، عن أبي بكرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دخَل في صلاةِ الفجرِ، فأومَأ بيدِه أنْ مكانَكم، ثم جاء ورأسُه يَقطُرُ فصلَّى بهم.

    قال (٤) : وحدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا حمَّادُ بنُ سلمةَ بإسنادِه ومعنَاه، قال: فكبَّر. وقال في آخرِه: فلمَّا قضَى الصلاةَ قال: "إنَّما انا بشرٌ، وإنِّي كُنْتُ جُنبًا" .

  21. ففي هذا الحديثِ وحديثِ مالكٍ أنَّه ذكَر بعدَ دُخولِه في الصلاة، وفي حديثِ ابنِ شهابٍ أنَّه ذكَر قبلَ أنْ يَدخُلَ في الصلاةِ.

    vol. 1, p. 374قال أبو عُمر: قولُه في هذا الحديثِ: "يُصلِّي بأصحابِه" يُصحِّحُ روايةَ من روَى أنَّه كان كبَّر ثم أشار إليهم أنِ امكُثُوا. وفي روايةِ الزُّهريِّ في هذا الحديثِ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كبَّر حينَ انصرَف بعدَ غُسلِه. فواجبٌ أنْ تُقبَلَ هذه الزِّيادةُ أيضًا؛ لأنَّها شهادةٌ مُنفرِدَةٌ أدَّاها ثقةٌ، فوجَب العملُ بها، هذا ما يُوجِبُه الحكمُ في ترتيبِ الآثارِ وتهذيبِها. إلَّا أنَّ هاهُنا اعتراضاتٍ تُعترضُ على مذهبِنا في هذا البابِ، قد نزَع غيرُنا بها، ونحنُ ذاكرُوا ما يَجبُ به العملُ في هذا الحديثِ على مذهبِ مالكٍ وغيرِه من العلماءِ بعونِ اللَّه إن شاء اللَّه.

  22. أمَّا مالكٌ رحِمه اللَّهُ فإنَّه أدخَل هذا الحديثَ في "مُوطَّئِه" في بابِ إعادةِ الجُنُبِ، وغُسلِه إذا صلَّى ولم يَذْكُرْ -يعني حالَه- أنَّه كان جُنبًا حينَ صلَّى. والذي يَجيءُ عندِي على مذهبِ مالكٍ من القولِ في هذا الحديثِ أنَّه لم يُرِدْ به رحِمه اللَّه إلَّا الإعلامَ أنَّ الجُنُبَ إذا صلَّى ناسيًا قبلَ أنْ يَغتسِلَ ثم ذكَر، كان عليه أنْ يَغتسلَ ويُعيدَ ما صلَّى وهو جُنبٌ، وأنَّ نسيانَه لجنابتِه لا يُسقِطُ عنه الإعادةَ وإنْ خرَج الوقْتُ؛ لأنَّه غيرُ مُتطهِّرٍ، واللَّهُ لا يَقبلُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ، لا مِن ناسٍ ولا مِن مُتعمِّدٍ. وهذا أصلٌ مُجتمع عليه في الصلاةِ أنَّ النِّسيانَ لا يُسقِطُ فرضَها الواجبَ فيها. ثم أردَف مالكٌ حديثَه المذكورَ في هذا البابِ، بفعلِ عمرَ بنِ الخطّابِ أنَّه صلَّى بالناسِ وهو جُنبٌ ناسيًا، ثم ذكَر بعدَ أنْ صلَّى، فاغتسلَ وأعادَ صلاتَه، ولم يُعِدْ أحدٌ ممَّن خلفَه (١) . فمِنْ فعلِ عمرَ رضي اللَّه عنه أخَذ مالكٌ

    vol. 1, p. 375مذهبَه في القوم يُصلُّونَ خلفَ الإمام الجُنُبِ، لا منَ الحديثِ المذكورِ، واللَّهُ أعلمُ. وسنَذكُرُ وجْهَ ذلك فيما بعدُ من هذا البابِ إن شاء اللَّه.

  23. وأمَّا الشافعيُّ (١) فإنَّه احتجَّ بهذا الحديثِ في جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجُنبِ، وجعَله دليلًا على صحَّةِ ذلك، وأردفَه بفعلِ عمرَ في جماعةِ الصحابةِ مِن غيرِ نكيرٍ، وبما جاءَ عن عليٍّ رضي اللَّه عنه في الإمام يُصلِّي بالقوم وهو على غيرِ وُضوءٍ، أنَّه يُعيدُ ولا يُعيدونَ (٢) .

    ثم قال الشافعيُّ (٣) : وهذا هو المفهومُ مِن مذاهبِ الإسلام والسُّننِ؛ لأنَّ الناسَ إنَّما كُلِّفوا في غيرِهم الأغلبَ ممَّا يظهرُ لهم؛ أنَّ مُسلمًا لا يُصلِّي على غيرِ طهارةٍ (٤) ، ولم يُكلَّفوا علمَ ما يَغِيبُ عنهم.

    قال أبو عُمر: أمَّا قولُ الشافعيِّ: إنَّ الناسَ إنَّما كُلِّفوا في غيرِهم الأغلبَ ممَّا يَظهرُ لهم، ولم يُكلَّفوا علمَ ما غابَ عنهم من حالِ إمامِهم، فقولٌ صحيحٌ، إلَّا أنَّ استدلالَه بحديثِ هذا البابِ على جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجنُبِ هو خارجٌ على مذهبِه في أحدِ قوليْه الذي يُجيزُ فيه إحرامَ المأموم قبلَ إمامِه، وليس ذلك على مذهبِ مالكٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذْ كبَّر وهو جُنبٌ، ثم ذكَرَ حالَه فأشارَ إلى أصحابِه أنِ امكُثُوا، وانصرفَ فاغتسَل، لا يخلُو أمرُه إذْ رجَع مِن أحدِ ثلاثةِ وُجُوهٍ:

    إمَّا أنْ يكونَ بنَى على التَّكبيرةِ التي كبَّرها وهو جُنبٌ، وبنَى القومُ معه على تكبيرِهم. فإنْ كان هذا فهو منسوخٌ بالسُّنَّةِ والإجماع؛ فأمَّا السُّنَّةُ فقولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يقبلُ اللَّهُ صلاةً بغيرِ طُهورٍ" (٥) . فكيفَ يبني على ما صلَّى وهو غيرُ طاهر؟

  24. هذا لا يَظنُّه ذو لُبٍّ ولا يقولُه أحدٌ؛ لأن عُلماءَ المسلمين مجُمِعونَ على أنَّ الإمامَ لا يبني على شيءٍ عَمِلَهُ في صلاتِه وهو على غيرِ طهارةٍ، وإنَّما اختَلَفوا في بناءِ المُحْدِثِ على ما صلَّى وهو طاهرٌ قبلَ حدثِه. وسنذكُرُ أقوالَهم في ذلك وفي بناءِ الرَّاعِفِ في آخرِ البابِ إن شاء اللَّه.

    vol. 1, p. 376
  25. حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن همَّام بنِ مُنبِّهٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَقبلُ اللَّه صلاةَ أحدِكم إذا أحدَث حتى يتوضَّأَ" (٣) .

  26. وقد ذكَرنا أسانيدَ قولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يَقبلُ اللَّه صلاةً بغيرِ طُهورٍ" في بابِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسم (٤) ، والحمدُ للَّه.

  27. والوجْهُ الثاني: أن يكونَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ انصرَف بعدَ غُسلِه استأْنفَ صلاتَه واستأْنفَها أصحابُه معه بإحرام جديدٍ، وأبطَلُوا إحرامَهم معه، وقد كان لهم أنْ يَعتَدُّوا به لو استخلَف لهم من يُتِمُّ بهم. فهذا الوجْهُ وإن صحَّ في مذهبِ مالكٍ مِن وجْهٍ، فإنَّه يَبطلُ الاستدلالُ به مِن هذا الحديثِ على جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجُنُبِ؛ لأنَّهم إذا استأنفُوا إحرامَهم فلم يُصَلُّوا وراءَ جُنُبٍ، بل قد يَستَدِلُّ بمثلِ هذا، لو صحَّ من أبطَل صلاتَهم خلفَه، وهو خلافُ قولِ مالك.

  28. والوجهُ الثالث: أن يكونَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كبَّر مُحرِمًا مُستأنِفًا لصلاتِه، وبنَى القومُ خلفَه على ما مضَى مِن إحرامِهم، فهذا أيضًا وإن كانَ فيه النُّكتةُ المجيزةُ لصلاةِ القوم خلفَ الإمام الجُنبِ لاستجزائِهم واعتدادِهم بإحرامِهم خلفَه، لو صحَّ، فإنَّ ذلك أيضًا لا يُخَرَّجُ على مذهبِ مالكٍ من هذا الحديثِ؛ لأنَّه حينئذٍ يكونُ إحرامُ القوم في تلك الصلاةِ قبلَ إحرام إمامِهم فيها، وهذا غيرُ جائزٍ عندَ مالكٍ وأصحابِه.

    vol. 1, p. 377
  29. لا يَحتمِلُ الحديثُ غيرَ هذه الأوجُهِ ولا يخلُو مِن أحدِها؛ فلذلك قُلنا: إنَّ الاستدلالَ بحديثِ هذا البابِ على جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجُنبِ ليسَ بصحيح على مذهبِ مالكٍ، فتدبَّرْ ذلك تَجِدْهُ كذلك إن شاء اللَّه.

  30. وأمَّا الشافعيُّ فيَصحُّ الاستدلالُ بهذا الحديثِ على أصلِه؛ لأنَّ صلاةَ القوم عندَه غيرُ مُرتبطةٍ بصلاةِ إمامِهم؛ لأنَّ الإمامَ قد تَبطُلُ صلاتُه إذا كان على غيرِ طهارةٍ وتَصِحُ صلاةُ مَن خلفَه، وقد تَبْطُلُ صلاةُ المأموم أيضًا وتَصِحُّ صلاةُ الإمام، بوجُوهِ أيضًا كثيرةٍ؛ فلهذا لم تَكنْ عندَه صلاتُهما مُرتبطةً، ولا يَضُرُّ عندَه اختلافُ نيَّاتِهما؛ لأنَّ كُلًّا يُحْرِمُ لنفسِه، ويُصلِّي لنفسِه، ولا يَحمِلُ فرضًا عن صاحبِه، فجائزٌ عندَه أنْ يُحْرِمَ المأمومُ قبلَ إمامِه، وإنْ كان لا يَسْتَحِبُّ له ذلك. وله على هذا دلائلُ قد ذكَرها هو وأصحابُه في كُتبِهم (١) .

  31. وأمَّا اختلافُ الفقهاءِ في القوم يُصلُّونَ خلفَ إمام ناس لجنابتِه؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما، والثوريُّ، والأوزاعيُّ (٢) : لا إعادةَ عليهم، وإنَّما الإعادةُ عليه وحدَه، إذا علِم اغتسلَ وصلَّى كُلَّ صلاةٍ صلَّاها وهو على غيرِ طهارةٍ.

  32. ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ (١) ، وعليٍّ (٢) على اختلاف عنه، وعليه أكثرُ العلماءِ، وحسبُك بحديثِ عمرَ في ذلك؛ فإنَّه صلَّى بجماعةٍ من الصحابةِ صلاةَ الصبحِ، ثم غدَا إلى أرضِهِ بالجُرْفِ، فوجَد في ثوبِهِ احتلامًا، فغسلَهُ، واغتسَل، وأعادَ صلاتَه وحْدَه، ولم يأمرْهم بإعادةٍ (٣) . وهذا في جماعتِهم مِن غيرِ نكير.

    vol. 1, p. 378
  33. وقد رُوِيَ عن عمرَ أنَّه أفتَى بذلك. روَاه شعبةُ، عن الحكم، عن إبراهيمَ، عن عمرَ في جُنُبٍ صلَّى بقوم، قال: يُعيدُ ولا يُعيدونَ (٤) . قال شُعبةُ: وقال حمَّادٌ: أعجبُ إليَّ أن يُعيدُوا (٥) .

    وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٦) : حدَّثنا أبو خالد الأحمرُ، عن حجَّاج، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، في الجُنُبِ يُصلِّي بالقوم، قال: يُعيدُ ولا يُعيدون.

    قال: وسمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه -يعني أحمدَ بنَ حنبل- يقولُ: حدَّثنا هُشيمٌ، عن خالدِ بن سَلمةَ، قال: أخبَرني محمدُ بنُ عمرِو بنِ المُصطَلِقِ، أنَّ عُثمانَ بنَ

    vol. 1, p. 379عفّانَ صلَّى بالناسِ صلاةَ الفجرِ، فلمَّا أصبَح وارتفعَ النهارُ، فإذا هو بأثرِ الجنابةِ، فقال: كَبِرْتُ واللَّه، كَبِرْتُ واللَّه. فأعاد الصلاةَ، ولم يَأمُرْهم أن يُعيدُوا (١) .

  34. وسمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه (٢) يقول: يُعِيدُ ولا يُعيدون. وسألتُ سليمانَ بنَ حربٍ فقال: إذا صحَّ لنا عن عمرَ شيءٌ اتَّبعنَاه، يُعيدُ ولا يُعيدون.

  35. وذُكِرَ عنِ الحسنِ، وإبراهيمَ، وسعيدِ بنِ جُبير، مثلُه (٣) . وهو قولُ إسحاقَ، وداودَ، وأبي ثور (٤) .

    vol. 1, p. 380وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: عليهم الإعادة؛ لأنَّ صلاتَهم مُرتبِطةٌ بصلاةِ إمامِهم، فإذا لم تكنْ له صلاةٌ لم تكنْ لهم (١) .

  36. ورُوِيَ إيجابُ الإعادةِ على مَن صلَّى خلفَ جُنبٍ، أو غيرِ مُتوضِّئ، عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ، مِن حديثِ عبدِ الرَّزاقِ (٢) ، عن إبراهيمَ بنِ يزيدَ، عن عمرِو بنِ دينار، عن أبي جعفرٍ، عن عليٍّ. وهو مُنقطعٌ (٣) ، وفيه عن عمرَ خبرٌ ضعيفٌ لا يَصِحُّ (٤) . وهو قولُ الشعبيِّ، وحمَّادِ بنِ أبي سليمانَ (٥) .

  37. وذكَر الأثرمُ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ: إذا صلَّى إمامٌ بقوم وهو على غيرِ وُضوء، ثم ذكَر قبلَ أن يُتِمَّ، فإنَّه يُعيدُ ويعيدونَ، ويَبْتَدِئونَ الصلاةَ، فإنْ لم يَذكُرْ حتى يَفرُغَ مِن صلاتِه، أعادَ وحدَه ولم يُعيدوا.

  38. واختلَفَ مالكٌ، والشافعيُّ -والمسألةُ بحالِها- في الإمام يتمادَى في صلاتِه ذاكرًا لجَنابتِه، أو ذاكرًا أنَّه على غيرِ وُضوءٍ، أو مُبتدِئًا صلاتَه كذلك، وهو مع ذلك

    vol. 1, p. 381معروفٌ بالإسلام؛ فقال مالكٌ وأصحابُه (١) : إذا عِلم الإمامُ بأنَّه على غيرِ طهارةٍ، وتمادَى في صلاتِه عامدًا، بَطَلَتْ صلاةُ مَن خلفَه؛ لأنَّه أفسَدَ عليهم.

    وقال الشافعيُّ (٢) : صلاةُ القوم جائزةٌ تامَّةٌ، ولا إعادةَ عليهم؛ لأنَّهم لم يُكلَّفوا علمَ ما غابَ عنهم، وقد صلَّوا خلفَ رجلٍ مُسلم في علمِهم. وبهذا قال جُمهورُ فُقهاءِ الأمصارِ، وأهلُ الحديثِ، وإليه ذهَبَ ابنُ نافع صاحبُ مالك.

  39. ومن حُجَّةِ مَن قال بهذا القولِ أنَّه لا فرقَ بينَ عمدِ الإمام ونسيانِه في ذلك؛ لأنَّهم لم يُكلَّفوا علمَ الغيبِ في حالِه، فحالُهم في ذلك واحدةٌ، وإنّما تَفسُدُ صلاتُهم إذا علِموا بأنَّ إمامَهم على غيرِ طهارةٍ فتمادَوا خلفَه، فيكونونَ حينئذٍ المُفسدينَ على أنفسِهم، وأمَّا هو فغيرُ مُفسدٍ عليهم بما لا يَظهَرُ مِن حالِه إليهم، لكنَّ حالَه في نفسِه تَختلِفُ؛ فيَأثَمُ في عمدِه إنْ تَمادَى بهم، ولا إثمَ عليه إنْ لم يَعلمْ ذلك وسَها عنه.

    قال أبو عُمر: قد أوضَحْنا والحمدُ للَّه القولَ بأنَّ حديثَ هذا البابِ لا يَصِحُّ الاحتجاجُ به في جوازِ صلاةِ مَن صلَّى خلفَ إمام على غيرِ طهارةٍ، على مذهبِ مالكٍ، وأنَّ أصلَ مذهبِه في هذه المسألةِ فعلُ عمرَ رضي اللَّه عنه في جماعةِ الصحابةِ، لم يُنكِرْه عليه ولا خالفَه فيه واحدٌ منهم، وقد كانوا يُخالِفونَه في أقلَّ مِن هذا ممَّا يَحتمِلُ التَّأويلَ، فكيفَ بمثلِ هذا الأصلِ الجسيم، والحكم العظيم؟ وفي تسليمِهم ذلك لعمرَ وإجماعِهم عليه ما تَسكُنُ القلوبُ في ذلك إليه؛ لأنَّهم خيرُ أُمَّةٍ أُخرجَتْ للناسِ، يأمرونَ بالمعروفِ وينهَونَ عن المنكرِ، فيَستحيلُ عليهم إضافةُ إقرارِ ما لا يَرضَونَه إليهم.

  40. وأمَّا الشافعيُّ فإنَّه جعَل حديثَ هذا البابِ أصلًا في جوازِ صلاةِ القوم خلفَ الإمام الجنبِ، وأردَفه بفعلِ عمرَ، وفتوَى عليٍّ. وقد تقدَّم ذِكرُنا لذلك في هذا البابِ.