إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري

465 paragraphs · vol. 1, p. 400

Page 2 of 12

  1. وفيه إجازةُ تولِّي المُتَصدِّقِ قَسْمَ صدَقَتِه، وذلك عندَ أصحابِ مالكٍ إذا كان منه إخراجًا لها عن مِلْكِه ويدِه، وتمليكًا لغيرِه.

    vol. 1, p. 414
  2. وفيه ردٌّ على مَن كرِهَ أكلَ الصدقةِ التَّطوُّع للغنيِّ من غيرِ مسألة؛ لأنَّ أقاربَ أبي طلحةَ الذين قسَم عليهم صَدَقتَه تلك، لم يَبِنْ لنا أنَّهم فُقراءُ ممّن يَحِلُّ لهم أخذُ

    vol. 1, p. 415الصَّدقةِ المفروضة، وقد ذكَر بعضُ أهلِ العلم أنَّ أُبيَّ بنَ كعبٍ كان من أيسَرِ أهلِ المدينة، وهو أحدُ الذين قسَم عليهم أبو طلحةَ صدقتَه هذه، وقد عارَضَه بعضُ مُخالفِيه، فزعَم أنَّ أُبيًّا كان فقيرًا، واحتجَّ بروايةِ مَن روَى في هذا الحديث: "فقسَمها أبو طلحةَ بينَ فُقراءِ أقاربه" (١) . وهي لفظةٌ مختلفٌ فيها، لا تثبُتُ، وعلى أيِّ وجْهٍ كان، فإنَّ الصدقةَ التَّطوُّعَ جائزٌ قبولُها من غيرِ مسألةٍ لكلِّ أحد، غنيًّا كان أو فقيرًا، وإن كان التَّنزُّهُ عنها أفضلَ عندَ بعضِ العُلماء، وسنُبيِّنُ وجوهَ هذا المعنى في بابِ زيدِ بنِ أسلَمَ من كتابِنا (٢) هذا إن شاءَ اللَّه.

  3. وفيه دليلٌ على صحّةِ ما ذهَب إليه فُقهاءُ الحجازيِّين، حيثُ قالوا فيمن تصدّقَ على رجلٍ أو على قوم بصَدَقةِ حُبُسٍ (٣) ، ذكَر فيها أعقابَهم أو لم يَذكُر، ولم يجعلْ لها بعدَهم مرجعًا، مثل أن يقول: على المساكين. أو: على ما لا يُعدمُ وُجودُه من صفاتِ البرِّ، فماتوا وانقَرَضوا، أنَّها ترجعُ حُبْسًا على أقربِ الناس بالمُحَبِّس يومَ ترجِعُ لا يومَ حَبَّسَ.

  4. ألا ترَى أنَّ أبا طلحةَ إذ جعَل حائطَه ذاك صدقةً للَّه ولم يذكُرْ وجْهًا من الوجوهِ التي يُتقرَّبُ بها إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، أمرَه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يَجعلَها في أقاربِه، فكذلك كلُّ صدقةٍ لا يُجعلُ لها وجْهٌ، ولا يُذكَرُ لها مَرجعُ تصرفٍ على

    vol. 1, p. 416أقاربِ المُتصدِّق، بدليلِ هذا الحديث، وهذا عندَ مالكٍ فيما لم يُردْ به صاحبُه حياةَ المُتصدَّقِ عليه، فإنّه إذا أرادَ ذلك فهيَ عندَه العُمْرَى، ومذهبُه في العُمْرَى أنَّها على مِلْكِ صاحبِها، تَرجعُ إليه عندَ انقضاءِ عُمُرِ المُعمَّر، أو إلى ورثتِه ميراثًا، وسنذكُرُ قولَه وقولَ غيرِه في العُمْرَى عندَ ذكرِ الحديثِ فيها في بابِ ابنِ شهاب (١) من كتابِنا هذا، ونُبيِّنُ وُجوهَ ذلك إن شاءِ اللَّه عزَّ وجلَّ.

  5. وقد اختلَف قولُ مالكٍ فيمَن قال: هذه الدّارُ، أو هذا الشيءُ، حُبُسٌ على فلان، أو على قوم، ولم يُعقِبْهم، ولا جعَل لها مرجعًا إلى المساكينِ ونحوِهم، فمرَّةً قال: ترجِعُ مِلكًا إلى ربِّها، إذا هلَك المحبَّسُ عليه (٢) ، كالعُمْرَى، ومرَّةً قال: لا تَرجعُ إليه أبدًا (٣) . وهو تحصيلُ مذهبِه عندَ أهل المغربِ من أصحابِه، وحكَوا عنه منصوصًا فيمَن حبَّسَ حُبُسًا على نَفَرٍ ما عاشوا، فانقَرَضوا، فالحُبُسُ راجعٌ إلى عَصَتةِ المحبِّسِ حُبُسًا، ولا يَرجعُ إلى مَن حبَّسَه، وإنْ كان حيًّا، ويدخُلُ النِّساءُ في الغَلَّةِ معهم والسُّكْنى (٤) .

  6. ولو تَصدَّقَ بصَدَقَةٍ حُبُسٍ على ولدِه، وولدِ ولدِه، ولم يَجعَلْ له مَرجعًا غيرَ ذلك، فانقَرضَ ولدُه، وولدُ ولدِه، إلّا رجلًا واحدًا، فأراد بيعَه، فلا سبيلَ له إلى ذلك، فإذا انقرَضَ فهو حُبُسٌ صَدَقةٌ على عَصَبةِ المحبِّس، لا يُباعُ ولا يُوهبُ (٥) . وإذا انقرَضَ أقربُ الناس إليه عَصَبتِه، فإلى الذين يلُونَهم، فإذا انقرَضَ كلُّ مَن تَمَسُّه به رَحِمٌ من عَصَبَتِه، رجَعَتْ على ما عليه أحباسُ المسلمين،

    vol. 1, p. 417يَجتهِدُ الحاكمُ في وضع غَلَّتِها وكِرائِها بعدَ مَرَمَّتِها (١) ، ولا يُباعُ ولا يورثُ شيءٌ من العقارِ إذا جَرَى عليه اسمُ الصدقةِ الحُبُس (٢) . ولفظُ الولدِ في التَّحبيسِ يدخُلُ فيه ولدُ الولدِ أبدًا، وكذلك لَفْظُ البناتِ يدخُلُ فيه بناتُ البنين أبدًا، إذا اجتَمَعوا، ولا يُفضَّلُ الأعيانُ إلَّا على قدرِ الحاجة، وليسَ ولدُ البناتِ من العَقِبِ ولا من الولَدِ، إذ ليسُوا من العَصَبات. هذا كلُّه تحصيلُ مذهبِ مالكٍ وأصحابه، إلّا أنّ عن بعضِ البغداديِّينَ المالكيِّينَ خلافًا في بعض هذا (٣) ، والحمد للَّه.

    قال أحمدُ بنُ المعذَّل: قيل لمالك: فلو قال في صدَقَتِه: هذا (٤) حُبُسٌ على فُلان، هل تكونُ بذلك محُبَّسةً؟ قال: لا؛ لأنّها لمن ليسَ بمجهول، وقد حبَّسها على فُلان، فهي عُمْرَى؛ لأنّه أخبَر أن تَحبيسَها غيرُ ثابتٍ ولا دائم، وأنّه إلى غاية. قيل: فلو قال: هي صَدقةٌ محُبَّسةٌ، وفلانٌ يأخذُها ما عاش؟ قال: إذنْ تكونَ مُحبَّسة. قال: وكذلك لو قال (٥) : هي صدقةٌ على فُلانٍ وهي مُحبَّسةٌ.

  7. والألفاظُ التي بها يَنقطِعُ مِلكُ الشيءِ عن ربِّه، ولا يعودُ إليه أبدًا، عندَ مالكٍ وأصحابِه، أن يقول: حبُسٌ صدقةٌ، أو حبُسٌ لا يُباع، أو حبُسٌ على أعقابٍ ومجهولين، مثلَ الفقراءِ والمساكين، أو في سبيلِ اللَّه. فإنَّ هذا كلَّه عندَهم مؤبَّدٌ، لا يَرجعُ مِلكًا أبدًا. وأمّا إذا قال: سُكنَى، أو عُمرَى، أو حياةَ المحبَّس عليه، أو إلى أجلٍ من الآجال. فإنّها ترجعُ ملكًا إلى صاحبِها، أو إلى ورثتِه، ولا يكونُ حبسًا مؤبَّدًا. ومعنَى قولِ مالك: في أقربِ الناسِ بالمحبَّس، يريدُ: عَصَبَتَه.

  8. واختلَف قولُه، وكذلك اختلَف أصحابُه، فيمن يدخُلُ في ذلك من النِّساء؛ فقال ابنُ القاسم (١) : كلُّ مَن كان من النساء لو كان رجلًا كان عَصَبةً وارثًا، دخَل في مَرجع الحبس، ومن لم يكن منهُنَّ كذلك، فلا مَدْخَلَ له فيه. ورُوِيَ ذلك عن مالك (٢) . وقال ابنُ القاسم (٣) : تدخُلُ الأمُّ في مرجع الحبُس، ولا تدخُلُ الأخواتُ للأمّ.

    وقال ابنُ الماجِشون (٤) : لا يدخُلُ من النساء إلّا مَن يرِثُ، فأمّا عمّةٌ، أو ابنةُ عمٍّ، أو ابنةُ أخ، فلا. وروَى أشهبُ، عن مالك، أنَّ الأمَّ لا تدخُلُ في مرجع الحبُس. ولهم في هذا البابِ اضطرابٌ يَطولُ ذِكرُه (٥) .

    vol. 1, p. 418
  9. وأمّا الشافعيُّ فمذهبُه نحوُ مذهبِ مالكٍ في مرجع الحُبُس خاصّة، قال الشافعيُّ (٦) : وإذا قال: تَصدَّقْتُ بداري على قوم، أو على رجلٍ حيٍّ معروف، يومَ تصدَّقَ، أو قال: صدقةً محُرَّمة. أو قال: صدقةً موقوفةً. أو قال: صدقةً مُسبَّلة. فقد خرَجَتْ من مِلكِه، فلا تَعودُ ميراثًا أبدًا. قال: ولا يجوزُ أن يُخرِجَها من مِلكِه إلّا إلى مالك مَنفَعَتِها يومَ يُخرِجُها إليه، وإنْ لم يُسَبِّلْها على مَن بعدَهم كانت مُحرَّمةً أبدًا، فإذا انقرَض المتصدَّقُ بها عليه كانت بحالِها أبدًا، وردَدْناها إلى أقربِ الناسِ بالذي

    vol. 1, p. 419تَصدَّقَ بها يومَ ترجِعُ، وهي على شرطِه من الأثَرَةِ والتَّقدمةِ والتَّسويةِ بينَ أهلِ الغِنَى والحاجة، ومن إخراج مَن أخرَج منها بصفة، أو ردِّه إليها بصفة.

    قال أبو عُمر: قول الشافعيّ: "ولا يجوزُ أن يُخرِجَها من مِلكِه إلّا إلى مالكِ مَنفَعَتِها" . معناه عندي: أن يكونَ المُحبَّسُ عليه موجودَ العين، ليس يُجْهَلُ (١) ، فإذا كان كذلك فجائزٌ أن يتولّاها له غيرُه إذا أخرجَها المُحبِّسُ من يَدِه، على أنَّ الشافعيَّ يجوزُ عندَه في الأوقافِ من تركِ القَبْضِ ما لا يجوزُ في الهِباتِ والصَّدَقاتِ المَمْلوكات؛ لأنَّ الوقفَ عندَه يَجري مجرَى العِتق، يَتمُّ بالكلام دونَ القبض.

    قال: ويَحرُمُ على الموقِفِ مِلكُه، كما يَحرُمُ عليه مِلكُ رقبةِ العبدِ إذا أعتَقَه، إلّا أنّه جائزٌ له أن يتولَّى صَدَقَتَه، وتكونَ بيدِه ليفرِّقَها ويسبِّلَها فيما أخرَجها فيه؛ لأنَّ عمرَ بنَ الخطاب لم يزلْ يلي صَدقتَه، فيما بلَغَنا، حتى قَبَضَه اللَّه. قال: وكذلك عليٌّ وفاطمةُ كانا يَلِيانِ صَدقاتِهما (٢) .

    قال أبو عُمر: ليس هكذا مذهبُ مالك، بل مذهبُه فيمن حبَّسَ أرضًا أو دارًا أو نخلًا على المساكين، وكانتْ في يديْه، يقومُ بها ويُكرِيها، ويَقسِمُها في المساكين، حتى مات والحُبُسُ في يديْه، أنّه ليس بحُبُس، ما لم يَحُزْه غيرُه، وهو ميراث، والرَّبْعُ (٣) عندَه والحوائطُ والأرضُ لا يَنفُذُ حُبُسُها ولا يَتِمُّ حَوْزُها حتى يَتولّاه غيرُ مَن حبَّسَه، بخلافِ الخَيْلِ والسلاح. هذا تَحصيلُ مَذهبِه عندَ جماعةِ أصحابِه (٤) .

  10. وأمّا أحمدُ بنُ حنبل، فإنَّ عمرَ بنَ الحسين الخِرَقيَّ ذكَر عنه، قال (١) : إذا وقَفَ وقْفًا، ومات المُوقَفُ عليه، ولم يَجعلْ آخرَه للمساكين، ولم يَبقَ ممّن وُقِف عليه أحدٌ، رجَع إلى وَرَثَةِ الواقِف، في إحدَى الرِّوايتين عنه، والرِّوايةُ الأخرى، يكونُ وقْفًا على أقربِ عَصَبَةِ الواقِف.

    vol. 1, p. 420
  11. وزعَم بعضُ الناسِ أنَّ في هذا الحديثِ ردًّا على أبي حَنيفة وزُفَرَ في إبطالِهما الأحباس، وردِّهما الأوقاف، وليس كذلك؛ لأنَّ هذا الحديثَ ليس فيه بيانُ الوَقْف، ويَحتمِلُ أن تكونَ صَدَقةُ أبي طلحةَ صَدَقةَ تمليكٍ للرَّقبة، بل الأغلبُ الظاهرُ - من قوله: "فقسَمَها أبو طلحةَ بينَ أقاربِه وبني عمِّه" - أنّه قسَم رَقبتَها وملَّكَهم إيّاها ابتغاءَ مرضاتِ اللَّه، وإذا كان ذلك كذلك فلا خلافَ بينَ أبي حنيفةَ وزُفَرَ وسائرِ العلماءِ في جوازِ هذه الصدقةِ إذا حلَّ المتصدَّقُ عليه فيها محلَّ المتصدِّق، وكان له أن يبيعَ، ويَنتفِعَ، ويَهَبَ، ويَتصدَّقَ، ويَصنعَ ما أحبَّ.

  12. وإنّما أنكَر أبو حنيفةَ وزُفَرُ تَحبيسَ الأصلِ على التَّمليكِ وتسبيلَ الغَلَّةِ والثمرة، وهي الأحباسُ المعروفةُ بالمدينة، وفيها تَنازَعَ العلماءُ، وأجازَها الأكثرُ منهم، وقد قال بجوازِها أبو يوسف، ومحمدُ بنُ الحسن (٢) ، رجَع أبو يوسفَ عن قولِ أبي حنيفة في ذلك لمّا حدَّثه ابنُ عُليّة، عن ابنِ عون، عن نافع، عن ابنِ عمر، عن عمر، أنّه استأذَنَ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في أن يَتصدَّق بسَهْمِه من خيبر، فقال له رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "احبِسِ الأصل، وسبِّلِ الثَّمَرَة" (٣) . وهو حديثٌ صحيحٌ، وبه يَحتجُّ كلُّ مَن أجاز الأحباس.

  13. ذكَر عيسى بنُ أبان، قال: أُخبِرْتُ أنّه لما بلَغ أبا يوسفَ هذا الحديثُ عن ابنِ عونٍ لقيَ ابنَ عُليّةَ فسألَه عنه، فحدَّثه به عن ابنِ عون، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وذكَر الحديث (١) .

    vol. 1, p. 421
  14. ومن حُجَّتِهم أيضا على جوازِها: حديثُ عمرِو بنِ الحارثِ أخي (٢) جُويريةَ بنتِ الحارثِ زوج النبيِّ عليه السلام، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مات وتخلَّفَ أرضًا موقوفة (٣) . وحديثُ أبي هريرة، وقد ذكرناه في كتاب بيان العلم (٤) عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنّه قال: "يَنقطِعُ عملُ المرءِ بعدَه إلّا من ثلاث؛ صدقةٍ جاريةٍ بعدَه، وعلم يَنتفِعُ به غيرُه، وولدٍ يدعُو له" (٥) .

  15. فأمّا حديثُ ابنِ عون، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا

    vol. 1, p. 422أشهلُ بنُ حاتم، قال: حدَّثنا ابنُ عون، عن نافع، عن ابنِ عُمر، قال: أصاب عمرُ أرضًا بخيبر، فأتى النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فاستأْمَره فيها، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّي أصبْتُ أرضًا بخيبرَ، لم أُصبْ مالًا قطُّ أنفسَ عندي منه، فما تأمُرُني به؟ فقال: "إن شِئْتَ حبَسْتَ أصلَها، وتَصَدَّقْتَ بها" . قال: فتصدَّقَ بها عمرُ؛ أنّه لا يُباعُ أصلُها، ولا يُوهبُ، ولا يُورَثُ. قال: فتَصدَّقَ بها قي الفقراء، والقُرَباء (١) ، وفي الرِّقاب، وفي سبيلِ اللَّه، وابنِ السَّبيل، والضَّيف، لا جُناحَ على مَن وَليَها أن يأكلَ منها بالمعروف، أو يُطعِمَ صديقًا، غيرَ متأثِّل (٢) أو مُتَمَوِّل مالًا (٣) .

  16. وهذا الحديثُ يقولون: إنّه لم يروِه عن نافع إلّا ابنُ عون، وهو ثقةٌ، لم يروِه مالكٌ ولا غيرُه، إلّا أنّ مالكًا (٤) قد روَى عن زيادِ بنِ سعد، عن ابنِ شهاب، أنَّ

    vol. 1, p. 423عمرَ بنَ الخطّاب، قال: لولا أنِّي ذكَرْتُ صَدَقتي لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- واستَأمَرْتُه -أو نحوَ هذا- لرجَعْتُ عنها. قال مالك: مخَافةَ أن يعملَ الناسُ بذلك فَرارًا من الحقِّ، ولا يَضَعونَها مواضِعَها.

  17. وليس هذا الحديثُ في أكثرِ "الموطّآت" عن مالك. وممّن رواه عنه عبدُ اللَّه بنُ يوسف، وهذه الصدقةُ هي صدقةُ عمرَ المذكورةُ في حديثِ ابنِ عون، عن نافع، عن ابنِ عمر، واللَّهُ أعلم.

  18. وفي ابنِ عونٍ هذا قال الشاعر:

    خُذوا عن مالكٍ وعنِ ابنِ عونٍ ... ولا تَرْوُوا أحاديثَ ابنِ دابِ (١)

  19. وأمّا حديثُ عَمْرِو بنِ الحارث، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢) ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عديّ، قال: حدَّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرِو بنِ الحارث، قال:

    vol. 1, p. 424ما ترَك رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دينارًا ولا درهمًا، ولا عَبدًا ولا أمةً، إلّا بَغلتَه البيضاءَ التي كان يَركبُها، وسلاحَه، وأرضًا جعَلها صدقةً في أبناء السَّبيل (١) .

  20. وحديثُ أبي هريرةَ قد ذكَرناه من طُرُقٍ في "كتاب العلم" (٢) .

  21. فهذه الآثارُ وما أشبهَها مما لا مَدخَلَ للتَّأويل فيها، بها احْتجَّ مَن أجاز الأوقاف.

  22. وأمّا حديثُ أنسٍ هذا، فمُحتَمِلٌ للتَّأويلِ الذي ذكَرنا، والأغلبُ فيه عندَنا ما وَصَفْنا، والاحتجاجُ به في مَرْجِع الحُبُس على أقاربِ المحبِّس حُبُسًا حسنٌ قويٌّ، وباللَّه تعالى التوفيق.

    قال أبو عُمر: كان منِّي هذا القولُ قبلَ أن أرَى حديثَ عبدِ العزيز (٣) بنِ أبي سلمة، عن إسحاق (٤) ، عن أنس هذا، وفيه: فباع حسّانُ نصيبَه من معاوية، على ما ذكَرناه فيما تقدَّمَ مُلْحقًا، فعادَ ما ظننَّاه يَقينًا، والحمدُ للَّه.

  23. وأمّا قولُه: "بَخٍ ذلكَ مالٌ رابحٌ" فإنّه أرادَ: مالٌ رابحٌ صاحبُهُ ومُعْطيهُ، فحَذَفَ؛ وذلك مَعْروفٌ من كلام العَرَب يقولون: مالٌ رابحٌ ومَتْجَرٌ رابحٌ، كما قالوا: ليلٌ نائمٌ، أي: يَنامُ فيه. وهكذا رواه يحيى: "مالٌ رابحٌ" من الرِّبْح، وتابعَهُ على ذلك جماعةٌ. ورواه ابنُ وَهْبٍ وغيرُه بالياءِ المَنْقوطة باثنتين من تحتها، وقال في تَفْسيره: إنّه يَرُوحُ على صاحبِه بالأجْرِ العظيم (٥) .

    vol. 1, p. 425وقال الأخفش: أصلُه من الرَّوْحة، أي: هو مالٌ يَروحُ عليكَ ثَمَرُه وخيرُه متى شِئْتَ. والأوّلُ أولى عندي، واللَّهُ أعلم.

    قال أبو عُمر: الأقاربُ الذين قسَم أبو طلحةَ صَدَقتَه عليهم: حسانُ بنُ ثابتٍ، وأبيُّ بنُ كعب.

  24. أخبرني عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ عبدِ الرَّزّاق (١) ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ الأشعث، قال (٢) : حدَّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: لما نزلت: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ، قال أبو طلحة: يا رسولَ اللَّه، أرَى ربَّنا يَسألُنا أموالَنا،

    vol. 1, p. 426وإنِّي أُشهِدُكَ أنِّي قد جعَلْتُ أرضِي بأرِيْحاء (١) له. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اجْعَلْها في قَرابَتِك" . فقسَمَها بينَ حسّانَ بنِ ثابتٍ وأبيِّ بنِ كعب.

    قال أبو داود (٢) : وبلَغني عن محمدِ بنِ عبدِ اللَّه الأنصاريِّ أنَّه قال: أبو طلحةَ الأنصاريُّ: زيدُ بنُ سهلِ بنِ الأسودِ بنِ حرام بنِ عمرِو بنِ زيدِ مناةَ بنِ عديِّ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجّار وحسّانُ بنُ ثابتِ بنِ المنذرِ بنِ حرام، يجتمعانِ في حرام؛ وهو الأبُ الثالث. وأُبيُّ بنُ كعبِ بنِ قيسِ بنِ عتيكِ بنِ زيدِ بنِ معاويةَ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجّار. قال الأنصاريُّ: بينَ أبي طلحةَ وأُبيٍّ ستَّةُ آباء. قال: وعمرُو بنُ مالكٍ يجمعُ حسّانَ وأُبيَّ بنَ كعبٍ وأبا طلحة.

    قال أبو عُمر: أما حسّانُ، فيَلقاه أبو طلحةَ عندَ أبيه الثالث، وأمّا أُبيٌّ فيلقاه أبو طلحةَ عندَ أبيه السّابع.

    قال أبو عُمر: وفي هذا أيضًا ما يَقضي على القَرابةِ أنّها ما كان في هذا القُعْدُدِ (٣) ونحوِه، وما كان دونَه فهو أحْرَى أن يَلحَقَه اسمُ القَرابة.

  25. حديثٌ ثانٍ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ

    مالكٌ (١) ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلحَة، عن أنسِ بنِ مالك، أنّه قال: رأيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وحانتْ صلاةُ العصر، فالتَمَس الناسُ وَضُوءًا فلم يَجدُوه، فأُتِيَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بوَضُوءٍ في إناء، فوضَع رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك الإناءِ يَدَه، ثم أمَر الناسَ يَتَوضَّؤُونَ منه. قال أنسٌ: فرأيتُ الماءَ يَنبُعُ من تحتِ أصابعِه، فتوضَّأ الناسُ حتى تَوضَّؤُوا من عندِ آخرِهم.

    vol. 1, p. 427
  26. في (٢) هذا الحديث تَسميةُ الشيءِ باسم ما قَرُب منه، وذلك أنّه سمَّى الماءَ وُضوءًا؛ لأنّه يقومُ به الوُضُوءُ، ألا ترَى إلى قوله: فأُتِيَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بوَضُوءٍ في إناء، والوُضُوءُ بضمِّ الواو: فعلُ المُتوَضِّئ، ومصدَرُ فِعْلِه، وبفتحها: الماء (٣) .

  27. وفيه إباحةُ الوُضوءِ من إناءٍ واحدٍ للجماعةِ يَغْتَرِفون منه في حينٍ واحد.

  28. وفيه أنّه لا بأسَ بفَضْلِ وَضوءِ الرَّجلِ المسلم يُتوَضَّأُ به، وهذا كلُّه في فضْل طَهورِ الرِّجالِ إجماعٌ من العلماء، والحمدُ للَّه.

    vol. 1, p. 428
  29. وفيه العَلَمُ العظيمُ من أعلام نُبُوَّتِه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ وهو نَبْعُ الماءِ من بينِ أصابعِه، وكم له من هذه صَلَواتُ اللَّه وسلامُه ورضوانُه عليه.

  30. حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلَمة، قال: حدَّثنا ثابتٌ، عن أنس، قال: حضَرتِ الصلاةُ فقامَ جيرانُ المسجدِ يتَوضَّؤونَ، وبَقيَ ما بينَ السبعين إلى الثماثين، وكانت منازلُهم بعيدة، فدَعا النبيُّ عليه السلامُ بمِخْضَبِ (١) فيه ماءٌ؛ ما هو بمَلآنَ، فوضَع أصابعَه فيه، وجعَل يَصُبُّ عليهم ويقول: "تَوَضَّؤوا" . حتى تَوَضَّؤوا كلُّهُم، وبقيَ في المِخْضَب نحوٌ (٢) مما كان فيه، وهم نَحْو من السَّبْعين إلى الثَّمانين (٣) .

  31. ورواه معمرٌ، فزاد فيه ذِكرَ التَّسْمِيَة؛ حدَّثنا (٤) عبدُ الرَّحمن بن مروان (٥) ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زَبّان، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ شَبِيب، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٦) : أخبرنا معمرٌ، عن ثابتٍ وقتادة،

    vol. 1, p. 429عن أنس، قال: نظَر بعضُ أصحابِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وَضوءًا فلم يَجِدُوا، فقال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "هاهُنا ماءٌ" . قال: فرأيتُ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وضَع يدَه في الإناءِ الذي فيه الماءُ، ثم قال: "تَوضَّؤُوا باسم اللَّه" . قال: فرأيتُ الماءَ يَفورُ من بينِ أصابعِه، والقومُ يتَوضَّؤونَ حتى تَوضَّؤُوا من آخِرهم. قال ثابتٌ: قلتُ لأنس: كم تُراهم كانوا؟ قال: نَحْوًا من سبعين.

  32. وقد روَى ابنُ مسعودٍ هذا المعنَى بأتمَّ من هذا وأحسنَ؛ حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (١) : حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ موسى، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن منصور، عن إبراهيم، عن عَلْقَمة، عن عبدِ اللَّه، قال: كنّا -أصحابَ محمد- نَعُدُّ الآياتِ بركة، وأنتم تَعُدُّونها تخويفًا؛ إنّا بَيْنا نحن مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وليس معنا ماءٌ، فقال لنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اطْلُبوا مَن معه فضْلُ ماء" . فأُتِيَ بماءٍ، فصَبَّه في إناء، ثم وضَع كَفَّه فيه، فجعَل الماءُ يخرُجُ من بينِ أصابعِه، ثم قال: "حَيَّ على

    vol. 1, p. 430الطَّهُورِ المُباركِ، والبركةُ من اللَّه". قال: فشَرِبْنا. وقال عبدُ اللَّه: وكنّا نَسمَعُ تَسبيحَ الطَّعام ونحن نأكلُ.

  33. وروَى جابرٌ في ذلك مثلَ روايةِ أنس في أكثرَ من هذا العَدَد، وفي غيرِ المسجد، وذلك مرةً أخرى عامَ الحديبية:

    أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيد (١) ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ أحمدَ بن يحيى، قال: أخبرنا محمدُ بنُ أيوبَ الرَّقِّيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البَزّار، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وأبو داود (٢) ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّة، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، قال: قلتُ لجابرِ بنِ عبدِ اللَّه: كم كنتم يومَ الشَّجرة؟ قال: فذكَر عطَشًا، فأُتيَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بتَوْرٍ (٣) فيه ماءٌ، فوضَع أصابعَه فيه، وجعَل الماءُ يَنبُعُ من بينِ أصابعِه كأنّها العيونُ، فشرِبنا وسُقِينا وكَفانا. قال: قلتُ لجابر: كم كنتم يومئذ؟. قال: ألفٌ وخمسُ مئة، ولو كنّا مئةَ ألفٍ لكَفانا.

  34. وقال جريرٌ، عن الأعْمَش، عن سالم بنِ أبي الجَعْد، عن جابر، قال: قلتُ: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفٌ وأربعُ مئة (١) .

    قال أبو عُمر: الذي أُوتِيَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من هذه الآيةِ المُعجزةِ أوضَحُ في آياتِ الأنبياءِ وأعلامِهم ممّا أُعطيَ موسى عليه السلام إذْ ضرَب بعَصاه الحَجَرَ فانفجَرتْ منه اثنتا عشْرةَ عينًا؛ وذلك أنَّ من الحجارةِ ما يُشاهَدُ انفجارُ الماءِ منها، ولم يُشاهَدْ قطُّ أحدٌ من الآدَميِّينَ يَخرُجُ من بينِ أصابعِه الماءُ غيرَ نبيِّنا -صلى اللَّه عليه وسلم-.

    vol. 1, p. 431
  35. وقد نزَع بنحوِ ما قلتُ المُزَنيُّ وغيرُه، ومن ذلك حديثُ أنسٍ وغيرِه في الطَّعام الذي أكَل من القَصْعَةِ الواحدةِ ثمانون رجلًا وبَقِيَتْ بهيئاتِها (٢) . وحديثُ النُّعمانِ بنِ مُقَرِّن إذْ زُوِّدُوا من التَّمرِ وهم أربعُ مئةِ راكب، قال: ثم نظَرتُ فإذا به كأنّه لم يُفقَدْ منه شيءٌ (٣) . والأحاديثُ في أعْلام نبوَّتِه أكثرُ من أن تُحصَى، وقد جمع قومٌ كثيرٌ كثيرًا منها، والحمدُ للَّه.

  36. ومن أحسنِها -وكلُّها حسنٌ- ما حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال:

    vol. 1, p. 432حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١) ، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاوية، قال: حدَّثنا وكيعٌ (٢) ، عن الأعمش، عن المِنْهالِ بنِ عمرو، عن يَعْلَى بن مُرَّةَ الثَّقفيّ، عن أبيه، قال: خرَجتُ مع النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في سَفَر، حتى أتَيْنا منزلًا، فقال النبيُّ عليه السلام: "يا مُرَّةُ، ائتِ تلك الأشاءَتَين فقل لهما: إنَّ رسولَ اللَّه يأمُرُكما أن تَجتَمِعا" . ففعلتُ، فأتَتْ كلُّ واحدةٍ منهما إلى صاحبتِها، قال: فخرَج فاسْتتَر بهما، فقضَى حاجَتَه ثم قال: "ارجِعْ إليهما، فقلْ لهما يَرْجِعا إلى مكانِهما" . ففعلتُ، ففعَلتا.

  37. ورُوِيَ عن يَعلَى من وُجوه (٣) .

  38. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ جعفرِ بنِ الوَرْد، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد (٤) ، قال: حدَّثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُ

    vol. 1, p. 433إسماعيل، قال: حدَّثنا أبو حَزْرةَ يعقوبُ بنُ مجاهد، عن عُبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عُبادةَ بنِ الصّامت، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: سِرْنا مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في مَسيرٍ له حتى نزَلْنا وادِيًا أفْيَحَ (١) ، فانطَلقَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقضي حاجَتَه، واتَّبعْتُه، فلم يَرَ شيئًا يَستترُ به، فنظَر فإذا في شاطئ الوادي شَجَرَتان، فانطلَقَ إلى إحداهما، فأخَذ بغُصْنٍ من أغصانِها فقال: "انقادِي عليَّ بإذنِ اللَّه" . فانقادَتْ معه كالبَعيرِ المَخْشُوشِ (٢) الذي يُصانِعُ قائدَه (٣) ، ثم أتى الشَّجرةَ الأخرى، فأخذَ بغُصْنٍ من أغصانِها فقال: "انْقادي عَلَيَّ بإذنِ اللَّه" . فانقادَتْ معه كذلك، حتى إذا كان في المَنْصَفِ (٤) ممّا بينهما لأمَ بينَهما (٥) ، فقال: "التَئِما عَلَيَّ بإذنِ اللَّه" . قال: فالْتأمَتا. قال جابر: فخرَجْتُ أُسْرِعُ مَخافةَ أن يُحِسَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بقُربي، فتَبعَّدْتُ، قال: فجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نفسي، ثم حانَتْ منِّي لَفْتَةٌ، فإذا أنا برسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مُقبِلًا، وإذا الشَّجرتان قد افتَرقَتا، فقامَتْ كلُّ واحدةٍ منهما على ساق، فرأيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقَف وِقْفَة، فقال برأسِه هكذا عن يمينِه، ثم قال برأسِه هكذا عن يسارِه، ثم أقبَل (٦) .

  39. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصْر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (١) : حدَّثنا عبيدُ اللَّه بنُ موسى، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بن عبد الملك، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: خرجتُ معَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في سَفَر، وكان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يأتي البَرازَ حتى يَبعُدَ فلا يُرى، فنزَلْنا بفَلاةٍ من الأرض، ليس فيها شَجَرٌ، ولا عَلَمٌ، فقال: "يا جابرُ، اجعَلْ في إداوَتِكَ ماءً، ثم انطَلِقْ بنا" ، قال: فانطلَقْنا حتّى لا نُرى، فإذا هو بشَجَرتَيْن بينَهُما أربعُ أذرُع، فقال: "يا جابرُ، انطَلِقْ إلى هذه الشَّجرةِ، فقُلْ لها: يقولُ لكِ رسولُ اللَّه: الْحَقِي بصاحِبَتِكِ، حتى أجلسَ خلْفَكُما" ، قال: ففعلْتُ فرَجعتُ إليها، فجلس رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خلْفَهُما، ثم رجَعَتا إلى مكانِهِما، فرَكِبْنا معَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ورسولُ اللَّه بينَنا، كأنّما على رؤوسِنا الطّيرُ تُظِلُّنا، فعَرضَتْ لنا امرأةٌ، معها صبيٌّ لها، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إنّ ابني هذا يأخُذُه الشيطانُ كلَّ يوم مِرارًا، فوقَفَ لها، ثم تناوَلَ الصبيَّ، فجَعلَه بينَهُ وبينَ مَقْدِم الرَّحْل، ثم قال: "اخْسَأْ عدُوَّ اللَّه، أنا رسولُ اللَّه، اخْسَأْ عدُوَّ اللَّه، أنا رسولُ اللَّه" ، ثلاثًا، ثم دفعَهُ إليها، فلمّا قضَيْنا سفَرَنا، مرَرْنا بذلك المكان، فعرَضَتْ لنا المرأةُ معها صَبِيُّها ومعها كَبْشانِ تسَوقُهما، فقالت: يا رسولَ اللَّه، اقبَلْ منِّي هذَيْن، فوَالذي بعثكَ بالحقِّ،

    vol. 1, p. 435ما عاد إليه بعْدُ، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خُذوا منها أحدَهُما، ورُدُّوا عليها الآخَرَ" ، ثم سِرْنا ورسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كأنّما على رؤوسِنا الطيرُ تُظِلُّنا، فإذا جَمَلٌ نادٌّ (١) ، حتى إذا كان بينَ السِّماطَين (٢) خَرَّ ساجِدًا، فحبَس رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على الناس وقال: "مَن صاحبُ هذا الجَمَل؟ " فإذا فِتيَةٌ من الأنصارِ قالوا: هو لنا يا رسولَ اللَّه. قال: "فما شأنُه؟ " فقالوا: استَتَيْنا عليه (٣) منذُ عشرين سنة، وكانت به شُحَيْمَةٌ فأرَدْنا أن نَنْحَرَه فنَقْسِمَه بينَ غِلمانِنا، فانْفَلتَ مِنّا. فقال: "أتَبِيعُونَنِيه؟ " قالوا: لا، بل هو لك يا رسولَ اللَّه. قال: "أمّا لا، فأحسِنُوا إليه حتّى يَأتيَه أجَلُه" .

    قال المسلمون عندَ ذلك: نحن أحقُّ يا رسولَ اللَّه بالسُّجودِ لكَ من البهائم. قال: "لا ينبغي لشيءٍ أن يَسجُدَ لشيء، ولو كان ذلك كان النِّساءُ يَسجُدْنَ لأزواجِهِنَّ" .

    vol. 1, p. 434
  40. وروَى ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارث، عن سعيدِ بنِ أبي هلال، عن عُتبةَ بنِ أبي عُتْبَة، عن نافع بنِ جُبَيرِ بنِ مُطْعِم، عن عبدِ اللَّه بنِ عبّاس، أنه قيل لعُمرَ بنِ الخطّاب في شأنِ العُمرة، فقال عُمر: خرَجْنا مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى تبوكَ في قيْظٍ شديد، فنزلْنا منزلًا أصابَنا فيه عطشٌ، حتّى ظننّا أنّ رِقابَنا ستَنْقَطِعُ، حتى إنْ كان الرّجُلُ ليَذهَبُ فيَلتَمِسُ الماءَ فلا يرجعُ حتى يظُنَّ أنّ رقَبتَه ستَنقطعُ، حتى إن الرّجُلَ لَينْحَرُ بعيرَهُ فيَعْصِرُ فرْثَهُ فيَشرَبُه، ويجعلُ ما بقِيَ على كبدِه، فقال أبو بكر الصِّدِّيق: يا رسولَ اللَّه، إنّ اللَّهَ قد عوَّدكَ في الدُّعاءِ خيرًا فادْعُ لنا،

    vol. 1, p. 436قال: "تحب ذلك؟ " ، قال: "نعم" ، فرفَعَ يدَيْهِ فلم يَرْجعْهُما حتى قالت السماءُ (١) ، فاظلَّت، ثم أسكَبَتْ، فمَلؤُوا ما معهم، ثم ذهَبْنا به ننظُرُ، فلم نجِدْها جازَتِ العسكر (٢) .