ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن

223 paragraphs · vol. 5, p. 58

Page 2 of 6

  1. ذكر مالكٌ (٤) ، عن ابنِ شهابٍ، قال: إذا أدرَكَ الرجلُ الرَّكعةَ، فكَبَّرَ تكبيرةً واحدةً، أجْزَأتْ عنه تلك التكبيرةُ، قال مالكٌ: وذلك إذا نَوَى بتلك التَّكبيرةِ افتتاحَ الصلاة. هكذا في "الموطّآت" عن مالك. وليَحيى بنِ يَحيى في "الموطّأ" (٥) عن مالكٍ، فيمن سَهَا عن تكبيرةِ الافتتاح، وكَبَّرَ للرُّكوع الأوَّل؛ أنَّ ذلك يُجْزِئُ عنه إذا نوَى بهذا الافتتاح. وهذا يَحتَمِلُ القولَيْن جميعًا. وكذلك اختلَفَ في ذلك المُتأخِّرون من أصحابِ مالكٍ، وتحصيلُ المذهب أنَّه إذا افتَتَحَها قائمًا، وانحطَّ بها مُكَبِّرًا راكعًا، أنَّها تُجْزِئُه من تكبيرةِ الإحرام إذا نَواها بذلك.

    vol. 5, p. 76
  2. وذكَر ابنُ أبي شَيْبَة (١) ، عن عبدِ الأعلى، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ وزيدِ بنِ ثابتٍ، قالا: إذا أدْرَك القومَ رُكوعًا، فإنَّه تُجْزِئُه تكبيرةٌ واحدةٌ. وهو قولُ عُرْوةَ، وإبراهيمَ، وعَطاءٍ، والحسَنِ، وقَتادةَ، والحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ، ومَيمونٍ، وجماعةٍ (٢) . وكلُّهم يَسْتَحِبُّ أنْ يُكَبِّرَ تكْبيرَتَين؛ واحدَةً للإحْرام، وثانيةً للرُّكوع، فإنْ كَبَّرَ واحدةً لافتتاح الصلاةِ والرَّكعة، أجزَأه، وعلى هذا مذهَبُ جماعةِ الفُقهاءِ بالحجازِ والعراقِ وأتباعِهم، وقال ابنُ سيرينَ وحمادُ بنُ أبي سليمانَ: لا يُجْزِئُه حتى يُكَبِّرَ تكبيرتَيْن؛ واحدةً يَفتَتِحُ بها، وثانيةً يَرْكَعُ بها (٣) . والقولُ الأوَّلُ أصَحُّ من جهةِ النَّظَر. وقد بيَّنّا ما يجبُ من التَّكبير وما لا يجبُ منه، في الباب الذي بعدَ هذا، والحمدُ لله.

    vol. 5, p. 77
  3. ومن هذا الباب - مُراعاةِ الرَّكعة - عند مالكٍ (٤) وجماعةٍ معه، المسافرُ يُصلِّي وراءَ المُقيم، وقد اختلَفَ العُلماءُ فيها، فقال مالكٌ وأصحابُه: إذا لم يُدْرِكِ المُسافِرُ من صلاةِ المُقيم رَكْعةً، صلَّى ركعتَيْن، وإنْ أدْرَكَ مع المُقيم رَكْعةً، صلَّى أربعًا. وهو قولُ الحسنِ، والنَّخَعيِّ، والزُّهريِّ، وقَتادة.

  4. وقال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما، والثوريُّ، والأوْزاعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وأبو ثورٍ: إذا دخَلَ المسافرُ في صلاةِ المُقيم، صلَّى صلاةَ مُقيمٍ أربعًا وإنْ أدْرَكَه في التَّشهُّد. ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمرَ، وابن عباسٍ، وجماعةٍ من

    vol. 5, p. 78التَّابعينَ (١) . وفي هذه المسألةِ أيضًا قولان آخَران يَرُدُّهما هذا الحديثُ؛ أحدُهما، أنَّ المسافرَ إذا أدْرَكَ ركعتَيْن من صلاةِ المُقيم، استَجْزَأ بهما، وسلَّمَ بسَلامه. رُوِيَ هذا عن طاوسٍ والشعبيِّ (٢) . والآخَرُ، أنَّ للمسافرِ أنْ ينويَ خلفَ المُقيم صلاةَ مسافرٍ، فإذا تشَهَّدَ في الجِلْسَةِ الوُسْطى، سلَّمَ وخرَجَ، وإنْ أدرَكَ المُقيمَ جالسًا، صلَّى صلاةَ مسافرٍ. هذا قولُ إسحاقَ بنِ راهُوْيَة (٣) . وهذان قولانِ ضعيفانِ شاذَّانِ، والناسُ على القولَيْن الأوَّلين.

  5. ومن هذا الباب أيضًا: المأمومُ لا يُدْرِكُ رَكعَةً مع الإمام، أو يُدْرِكُها وقد سَهَا الإمامُ قبلَ أنْ يدخُلَ معه هذا الدّاخِلُ؛ هل عليه سُجُودُ السَّهوِ أم لا؟ فقال مالكٌ: إذا أدرَكَ معه رَكْعةً لَزِمَه أنْ يَسجُدُ معه لسَهْوه، وإنْ لم يُدركْ معه رَكْعةً لم يَلْزَمْه ذلك، ومذهَبُ مالكٍ في ذلك أنَّ سَجْدَتَي السَّهوِ إنْ كانتا قبلَ السَّلام سجَدَهما معه، وإنْ كانتا بعدَ السَّلام لم يَسْجُدْهما معه، وسجَدَهما إذا قَضَى باقي صَلاتِه. وهو قولُ الأوزاعيِّ، واللَّيث. وقال الشافعيُّ، والكوفيُّون، وسائرُ الفقهاء: مَن دخَلَ مع الإمام في بعضِ سَهْوِه، لَزِمَه، ويَسْجُدُ معه. وعن الشافعيِّ أنَّه يسجُدُهما بعدَ القَضاء أيضًا (٤) .

    قال أبو عُمر: مَن راعى الرَّكعةَ وإدْراكَها في هذه المسائل، شَهِدَ له ظاهِرُ قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أدرَكَ رَكعةً من الصلاةِ فقد أدرَكَ الصلاة" ؛ لأنَّ مَن

    vol. 5, p. 79أدرَك الصلاةَ من أوَّلِها لَزِمه حكمُها في كلِّ شيءٍ منها، فقد جعَلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مُدرِكَ رَكعةٍ منها كمُدركِها (١) ، فذلك عندي على العموم، واللهُ أعلم.

  6. ومن هذا الباب عندَ مالكٍ وأصحابِه: الرجلُ يُدرِكُ ركعةً من صلاةِ الجماعة، فلا يُعيدُ تلك الصلاةَ في جماعةٍ إذا أدرَكَ منها ركعةً تامةً، وإنْ لم يُدركْ إلّا السجودَ أو الجُلُوسَ، فله أنْ يُعيدَ في جماعة (٢) .

  7. ومن هذا الباب أيضًا: الحُكمُ فيمَنْ أدرَكَ ركعةً من الصلاة؛ هل هي أوَّلُ صلاتِه أو آخِرُها؟ فاختلفَ العلماءُ في ذلك؛ فرُوِيَ عن مالكٍ أنَّ ما أدْرَكَ هو أوَّلُ صلاتِه، إلا أنَّه يَقضي ما فاتَه بـ "الحمد" وسورةٍ. ولم يختَلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابِه أنَّ المأمومَ يَقضي ما فاتَه على حَسَبِ ما قَرأ إمامُه. وقال ابنُ القاسم: وما أدرَكَ فهو أوَّلُ صَلاتِه، ورواه عن مالكٍ. وقولُ الشافعيِّ في هذه المسألة كروايةِ ابنِ القاسم سواءً: ما أدرَكَ هو أوَّلُ صَلاتِه، وَيقْضي بـ "الحمد لله" وسورة. وهو قولُ الأوزاعيِّ، ومحمدِ بنِ الحسن. وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ، والطبريُّ، وجماعةٌ (٣) .

  8. وروَى ابنُ عبدِ الحكم عن مالكٍ أنَّ ما أدرَكَ فهو آخِرُ صلاتِه. وبه قال أشهَبُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والثوريِّ، وأبي يوسُفَ، والحسن بن حيٍّ (٤) . وكلُّ هؤلاء القائلينَ بالقولَيْن جميعًا يقولون: يَقضي ما فاتَه بـ "الحمد" وسُورَةٍ على حسَبِ ما قرَأ إمامُه.

  9. وقد رُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالب، وأبي الدَّرْداء، وسعيدِ بنِ المُسيِّب، والحسنِ البصريِّ، وعُمرَ بن عبدِ العزيز، ومكحولٍ، وعطاءٍ، والزُّهريّ، أنَّ ما أدرَكَ فهو أوَّلُ صلاتِه (١) . ولم يُرْوَ عنهم في قضاءِ القراءةِ شيءٌ مَنصُوصٌ.

    vol. 5, p. 80
  10. ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ، ومجاهدٍ، وابنِ سيرينَ، أنَّ ما أدرَكَ فهو آخِرُ صَلاتِه (٢) .

  11. ومَن قال هذا القولَ فليسَ يَجيءُ على أصلِه إلّا القراءةُ كما قرَأ الإمامُ لا غيرُ.

  12. وقال المُزنيُّ صاحبُ الشافعيِّ، وداودُ بنُ عليٍّ، وإسحاقُ بنُ راهُوْيَة، وطائفةٌ؛ منهم عبدُ العزيز بنُ أبي سَلَمةَ الماجِشُون: ما أدرَكَ فهو أوَّلُ صلاتِه، ويقرَأُ في الرَّكعتَيْن اللَّتَيْن يقضيهما بـ "الحمد" وحدَها (٣) .

    قال أبو عُمر: هذا الاختلافُ كلُّه إنَّما هو في القضاءِ للقراءة، ولا يختَلِفونَ أنَّ مَن فاتَه شيءٌ من صلاتِه، فهو بانٍ في رُكُوعِه وسُجُودِه، فقِفْ على هذا الأصل. والقياسُ على قولِ مَن قال: ما أدْرَكَ فهو أوَّلُ صَلاتِه، ما قالَه المُزَنيُّ، واللهُ أعلمُ. ولم يختَلِفُوا أنَّ مَن فاتَه بعضُ صَلاتِه، يتَشهَّدُ في آخرها، ويُحرِمُ إذا دخَلَ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ ما أدْرَكَ فهو أوَّلُ صَلاتِه، ويَقضي آخِرَها، وبالله التوفيقُ. وقد رُويَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "وما فاتَكم فاقضُوا" (٤) . ويحتَجُّ بهذا كلُّ مَن قال: ما أدرَك فهو آخِرُ صلاتِه. وسنذكُرُ الرِّوايات في ذلك على وجهِها إن شاء الله، في بابِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمن، من كتابِنا هذا (٥) ، وبالله توفيقُنا وعَوْنُنا.

  13. حديثٌ ثانٍ لابن شهاب، عن أبي سَلَمة مُتصلٌ صحيحٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بن عبد الرحمن، أنَّ أبا هريرةَ كان يُصلِّي لهم فيكبِّرُ كلَّما خفَض ورفَع، فلمَّا انصرَف قال: والله إنِّي لأشبَهُكُم صلاةً برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

    vol. 5, p. 81
  14. لم يختلِفْ عن مالكٍ رواةُ "الموطّأ" في هذا الحديث (٢) .

  15. ورواه محمدُ بنُ مصعبٍ القَرْقَسانيُّ (٣) ، عن مالكٍ بإسنادِه هذا، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، قال: صلَّى لنا أبو هريرةَ، فكان يرفَعُ يدَيْه في كلِّ خفضٍ ورفع، ثم قال: إنِّي لأعلَمُكم بصلاةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. هكذا قال: كان يُصلِّي ويرفعُ يدَيْه في كلِّ خفضٍ ورفعٍ حتى يفرُغ من صلاتِه؛ ذكَره الدَّارقطنيُّ عن القاضي أبي عمرَ محمدِ بنِ يوسفَ بن يعقوبَ، عن أحمدَ بن مُلاعبٍ، عن محمدِ بن مُصعبِ. قال الدَّارقطنيُّ: قال لنا القاضي أبو عمرَ: هكذا قال محمدُ بنُ مُصعبٍ، وإنَّما هو: كان يُكبِّرُ في كلِّ خفضٍ ورفع.

  16. وقال فيه إبراهيمُ بنُ طهمانَ، عن مالكٍ وعبّادِ بنِ إسحاقَ ويحيى بن سعيدٍ، عن الزهريِّ، عن أبي سلمةَ، أنَّ أبا هريرةَ كان يُصلِّي لهم فيكبِّرُ في كلِّ خفضٍ ورفع، وقيامٍ وقعودٍ (٤) ، وليس في "الموطّأ" عند رواتِه: وقيامٍ وقعود.

  17. وفي هذا الحديثِ من الفقه: أنَّ حكمَ الصلاةِ أنْ يُكبَّرَ في كلِّ خفضٍ ورفعٍ منها، وأنَّ ذلك سنَّتُها، وهذا قولٌ مجملٌ؛ لأنَّ رفعَ الرأس من الرُّكوع ليس فيه تكبيرٌ، إنَّما هو التحميدُ بإجماع، فتفسيرُ ذلك أنَّه كان يُكبِّرُ كلَّما خفَض ورفَع إلّا في رفعِه رأسَه من الرُّكوع؛ لأنَّه لا خِلافَ في ذلك (١) .

    vol. 5, p. 82
  18. وفيه: أنَّ الناسَ لم يكونوا كلُّهم يفعَلون ذلك، ولذلك قال: أنا أشبَهُكُم صلاةً برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. ومما يدلُّكَ على ذلك ما ذكَره ابنُ أبي ذئبٍ في "مُوطَّئِه" ، عن سعيدِ بنِ سمعانَ، عن أبي هريرةَ، أنَّه قال: ثلاثٌ كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلُهُنَّ تركَهُنَّ الناسُ، كان إذا قام إلى الصلاةِ رفَع يدَيْه مدًّا، وكان يقِفُ قبلَ القراءةِ هُنيّةً يسألُ اللهَ من فضلِه، وكان يُكبِّرُ كلَّما خفَض ورفَع (٢) . وقد أوضَحْنا هذا المعنَى في باب ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بنِ حُسينٍ (٣) ، والحمدُ لله.

  19. وقد قال قومٌ من أهل العلم: إنّ التكبيرَ إنَّما هو إذنٌ بحركاتِ الإمام، وشعارٌ للصلاة، وليس بسنَّةٍ إلّا في الجماعة، وأمّا مَن صلَّى وحدَه فلا بأسَ عليه أن لا يُكبِّرَ. ولهذا لما ذكَر مالكٌ (٤) هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بنِ حسينٍ

    vol. 5, p. 83قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُكبِّرُ في الصلاةِ كلَّما خفَض ورفَع، فلم تَزَلْ تلك صلاتَه حتى لَقِيَ اللهَ. وحديثَ ابنِ عمرَ (١) وجابرٍ (٢) ، أنَّهما كانا يُكبِّران كلَّما خفَضَا ورفَعَا في الصلاة، وكان جابرٌ يُعلِّمُهم ذلك. فذكَر مالكٌ الأحاديثَ كلَّها ليبيِّنَ لك أنَّ التكبيرَ من سُننِ الصلاة.

  20. وقال ابنُ القاسم فيمن نَسِيَ ثلاثَ تكبيراتٍ فصاعدًا من صلاتِه وحدَه: إنَّه يَسجُدُ قبلَ السلام، فإنْ لم يفعلْ أعادَ الصلاةَ، وإنْ نسِي واحدةً أو اثنتين، سجَد أيضًا قبلَ السلام، فإنْ لم يفعلْ فلا شيءَ عليه (٣) .

  21. وقد رُوِيَ عنه أن التكبيرةَ الواحدةَ ليس على مَن نَسِيَها سُجودُ سهوٍ ولا شيءٌ. وخالفَه أصبغُ وعبدُ الله بنُ عبدِ الحكم في رأيِه، فقالا: لا إعادةَ على مَن نَسِيَ التكبيرَ كلَّه في صلاةٍ إذا كان قد كبَّر لإحرامِه، وإنَّما عليه سجدتا السهو، وإنْ لم يسجُدْهما فلا حرجَ. وعلى هذا القولِ فُقهاءُ الأمصارِ وأئمّةُ الفتوى (٤) ، وهو الذي ذهَب إليه أبو بكرٍ الأبْهَريُّ، قال الأبْهَريُّ رحمه الله: على مذهبِ مالكٍ الفرائضُ في الصلاةِ خمسَ عشْرةَ فريضةً؛ أولُها النِّيّةُ، ثم الطهارةُ، وسترُ العورة، والقيامُ إلى الصلاة، ومعرفةُ دُخولِ الوقت، والتَّوجُّهُ إلى القبلة، وتكبيرةُ الإحرام، وقراءةُ "أُمِّ القرآن" ، والرُّكوعُ، ورفعُ الرأسِ منه، والسجودُ، ورفعُ الرأسِ منه، والقعودُ الآخِرُ، والسلامُ، وقطعُ الكلام (٥) .

    vol. 5, p. 84قال أبو عُمر: فذكَر الأبهريُّ في فرائضِ الصلاةِ تكبيرةَ الإحرام وحدَها دونَ سائرِ التكبير، وقال الأجهريُّ: والسُّننُ في الصلاةِ خمسَ عشْرةَ سنّةً؛ أوَّلُها الأذانُ، والإقامةُ، ورفعُ اليدَين، والسورةُ مع "أُمِّ القرآن" ، والتَّكبيرُ كلُّه سوى تكبير الإحرام، وسمِع اللهُ لمن حمِده، والاستواءُ من الرُّكوع، والاستواءُ من السُّجودِ، والتَّسبيحُ في الرُّكوعِ، والتَّسبيحُ في السُّجودِ، والتَّشهُّدُ، والجهرُ في صلاةِ اللَّيل، والسِّرُّ في صلاةِ النهار، وأخذُ الرِّداء، وردُّ السلام على الإمامِ إذا سلَّم من الصلاة (١) . فذكَر في سُننِ الصلاةِ التكبيرَ كلَّه سوَى تكبير الإحرام، وهذا هو الصوابُ، وعليه جمهورُ فُقهاءِ الأمصار.

    قال أبو عُمر: إنَّما اختلَفتِ الأئمَّةُ في تكبيرةِ الإحرام، وأمّا فيما سواها من التكبير، فلا أعلمُ فيه خلافًا غيرَ ما ذكرْتُ، وسنذكُرُ اختلافَ العلماءِ في تكبيرةِ الإحرام وغيرِها من معاني هذا الباب بأتمَّ من هذا المعنى في باب ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بن حُسينٍ، من كتابنا هذا (٢) إن شاء اللهُ. وقد رُوِيَ عن عمرَ بن الخطاب (٣) ، وعمرَ بن عبد العزيز، وقتادةَ، وغيرِ هم (٤) ، أنَّهم كانوا لا يُتِمُّونَ التكبير.

  22. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال: حدَّثني أبو سلمةَ،

    vol. 5, p. 85قال: رأيتُ أبا هريرةَ يُكبِّرُ هذا التكبيرَ الذي ترَك الناسُ، فقلتُ: يا أبا هريرةَ، ما هذا التكبيرُ؟ فقال: إنَّها لصلاةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (١) .

  23. وهذا يدلُّك على أنَّ التكبيرَ في كلِّ خفضٍ ورفعٍ كان الناسُ قد ترَكُوه على ما قدَّمنا إلى عهدِ أبي سلمةَ، وفي تركِ الناس له من غيرِ نكيرٍ من واحدٍ منهم ما يدلُّ على أنَّ الأمرَ عندَهم محمولٌ على الإباحة، وأنَّ تركَ التكبيرِ لا تَفسُدُ به الصلاةُ في غيرِ الإحرام. وروَى ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني عياضُ بنُ عبدِ الله الفِهْرِيُّ، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ كان يقولُ: لكلِّ شيءٍ زينةٌ، وزينةُ الصلاةِ التكبيرُ ورفعُ الأيدي فيها (٢) . وهذا أيضًا يدلُّ على أنَّ التكبيرَ ليس من صُلبِ الصلاةِ عندَ ابن عمرَ؛ لأنّه شبَّهَه برفعِ اليدين، وقال: هو من زينةِ الصلاة. وكان عبدُ الله بنُ عمرَ يُكبِّرُ في كُلِّ خفضٍ ورفع. وهذا يَدُلُّ على ما قلنا: إنَّه سُنّةٌ وفضلٌ، وزينةٌ للصلاة، لا ينبغي تركُه. وكذلك يقولُ جماعةُ فُقهاءِ الأمصار؛ أبو حنيفةَ فيمنِ اتَّبعَه، والشافعيُّ فيمن سلَك مذهبَه، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وداودُ، والطبريُّ، وسائرُ أهلِ الحديثِ وأهلِ الظاهر، كلُّهم يأمرونَ به ويفعَلونَه (٣) ، فإنْ ترَكه تارك عندَهم بعدَ أنْ يُحرِمَ لم تَفسُدْ

    vol. 5, p. 86صلاتُه (١) ؛ لأنّه ليس عندَهم من فرائضِ الصلاة. وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ أنَّه كان لا يُكبِّرُ إذا صلَّى وحدَه (٢) . قال إسحاقُ بنُ منصورٍ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقولُ: يُروَى عن ابنِ عمرَ أنَّه كان لا يُكبِّرُ إذا صلَّى وحدَه. قال أحمدُ: وأحَبُّ إليَّ أنْ يُكبِّرَ إذا صلَّى وحدَه في الفرائض، وأمّا في التَّطوُّع فلا.

    قال أبو عُمر: لا يحكي أحمدُ عن ابنِ عمرَ إلّا ما صحَّ عندَه (٣) ، وأمّا روايتُه عن مالكٍ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يُكبِّرُ في الصلاةِ كلَّما خفَض ورفَع (٤) . فيدلُّ ظاهرُها على أنَّه كذلك كان يفعلُ، إمامًا أو غيرَ إمام، واللهُ أعلمُ.

    وقال إسحاقُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: ما الذي نقَصوا من التكبير؟ قال: إذا انحطَّ إلى السجودِ من الرُّكوع، وإذا أرادَ أنْ يَسجُدَ السجدةَ الثانيةَ من كُلِّ ركعةٍ.

  24. حدَّثنِيه أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ سَلَمَةَ، قال: حدثنا ابنُ الجارُود، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ (١) . فذكَره.

    vol. 5, p. 87
  25. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا بُندارٌ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢) ، عن شُعبةَ، عن الحسنِ بنِ عمرانَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ عبدِ الرحمن بنِ أبزَى يُحدِّثُ، عن أبيه، أنَّه صلَّى خلفَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فلم يكنْ يُتِمُّ التكبيرَ؛ كان لا يُكبِّرُ إذا خفَض (٣) .

  26. حدَّثني خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا مُعلَّى بنُ أسدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز - يعني ابن المختار - عن عبدِ الله الدَّاناج، قال حدَّثني عكرمةُ، قال: صلَّيْتُ مع أبي هريرةَ، قال: فكانَ يُكبِّرُ إذا رفَع، وإذا وضَع، فأخبرْتُ ابنَ عباسٍ فقال: لا أُمَّ لك، أوَ ليسَتْ تلك سُنَّةَ أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - (١) ؟

    vol. 5, p. 88
  27. والأحاديثُ في هذا المعنَى كثيرةٌ، وسنذكُرُ بعضَها في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بنِ الحسين، من كتابِنا هذا إن شاء اللهُ، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ شافيةٌ لمن ساعدَه الفَهْمُ والتوفيقُ.

  28. ومما يدلُّ على أنَّ التكبيرَ في الصلاةِ ليس منه شيءٌ واجبًا إلَّا التكبيرةَ الأولى حديثُ أبي هريرةَ، ورفاعةَ بنِ رافع، جميعًا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه رأى رجلًا

    vol. 5, p. 89قد دخَل المسجدَ فصلَّى، ثم جاءَ فسلَّم، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ارجعْ فصلِّ، فإنَّك لم تُصلِّ" ، فرجَع فصلَّى، ثم جاء، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ارجعْ فصلِّ، فإنَّك لم تُصلِّ" ، فعَل ذلك مرَّتين أو ثلاثًا، فلمّا كان في الثانيةِ أو الثالثةِ قال له: يا رسولَ الله، قد أجهَدْتُ نفسِي فعلِّمني، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قُمْتَ إلى الصلاةِ فتوضَّأْ، وأسبغِ الوُضوءَ، ثم استَقْبِلِ القبلةَ، ثم كبِّرْ، ثم اقرأْ، ثم اركَعْ حتى تَطمَئِنَّ راكعًا، ثم ارفَعْ حتى تطمئنَّ رافعًا، ثم اسجُدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفَعْ حتى تَطمئنَّ جالسًا، ثم اسجُدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم افعلْ ذلك في صلاتِك كلِّها حتى تُتِمَّها" .

  29. حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (١) : أخبرنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: أنبأنا يحيَى، قال: أخبَرني عُبيدُ الله بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ المقبُريُّ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ (٢) .

  30. وأخبَرناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثني يحيى، عن ابنِ عَجْلانَ، قال: حدَّثني عليُّ بنُ يحيى بن خلّادَ بنِ رافع الزُّرَقيُّ، عن أبيه، عن رفاعةَ بن رافع (٣) . دخَل حديث بعضِهم في بعضٍ والمعنَى واحدٌ.

  31. ففي هذا الحديثِ: القصدُ إلى فرائضِ الصلاةِ الواجبةِ فيها، وقد جاءَ فيه التكبيرةُ الأولى للإحرام دونَ غيرِها من التكبير، ففيما ذكرْنا من الآثارِ في هذا البابِ ما يدلُّ أنَّ التكبيرَ كلَّه ما عدا تكبيرةَ الإحرام سُنَّةٌ حسنةٌ، وليسَ بواجبٍ. واللهُ أعلمُ.

    vol. 5, p. 90
  32. فإن قيل: إن التسليمَ لم يُذكَرْ في هذا الحديث، وأنتم تُوجِبُونَه لقيامِه من غير هذا الحديث، فغيرُ نكيرٍ أن يقومَ وُجوبُ جُملةِ التكبيرِ من غيرِ حديثِ هذا البابِ وإن لم يكنْ في حديثِ رفاعةَ هذا وما كان مثلَه، قيل له: إنَّ التسليمَ قد قامَ دليلُه، وثبَت النصُّ فيه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تحليلُها التسليمُ" (١) ، وبأنَّه كان - صلى الله عليه وسلم - يُسلِّمُ من صلاتِه طُولَ حياتِه (٢) ، فثبَت التسليمُ قولًا وعملًا، وأمّا التكبيرُ فيما عدا الإحرامَ فقد كان ترَكَه الصدرُ الأوَّلُ، فلذلك قال لهم أبو هريرةَ: أنا أشبَهُكم صلاةً برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. ولم يَعِبْ بعضُهم على بعض ترْكَه، بل جعَلُوه من بابِ الكمالِ والتَّمام؛ فلذلك قلنا: إنَّ التكبيرَ فيما عدا الإحرامَ سُنَّةٌ، يَحسُنُ العملُ بها، وليسَ بواجبٍ. وعلى هذا جُمهورُ الفقهاء.

    vol. 5, p. 91
  33. فإن قيلَ: إنَّ الجِلسَةَ الوسطَى سُنَّةٌ، ومَن ترَكها بطَلَتْ صلاتُه (٣) ، فكذلك مَن ترَك جُملةَ التكبيرِ المَسنونِ. قيل لقائلِ ذلك: وضَعْتَ التمثيلَ في غيرِ موضعِه،

    vol. 5, p. 92لأنَّ مَن ترَك الجِلسةَ الوسطَى عامدًا بطَلَتْ صلاتُه، وأنتَ ترَى السَّلفَ والعملَ الأوَّلَ والأمرَ القديمَ قد تُركَ فيه التكبيرُ ولم يَعِبْ بعضُهم على بعضٍ، ولم يُجِزْ واحدٌ منهم ترْكَ الجِلسةِ الوسطى عامدًا ولا ترَكَها، وحسبُكَ بهذا فَرْقًا تُخَصُّ به الجِلسةُ الوسطَى من بينِ سائرِ السُّننِ وسائرِ أعمالِ البدنِ في الصلاةِ.

  34. والتكبيرُ فيما عدا تكبيرَ الإحرام المخصوصَ بالوجوبِ، أشبَهُ بالتسبيح في الرُّكوع والسجودِ، وسورةٍ مع "أمِّ القرآن" ، ورفعِ اليدين، منه بالجلسةِ الوسطى، واللهُ المستعانُ. ولو كان التكبيرُ من فُروضِ الصلاةِ التي تُعادُ منه إذا سَهَا عنه، لكانت كلُّ تكبيرةٍ في ذلك سواءً في وُجوبِها، ولمَا افترَق حُكمُ الواحدةِ والاثنتينِ والثلاثِ والأكثرِ في ذلك، ألا ترَى أنَّ السجدةَ في كلِّ ركعةٍ لا تنوبُ عن غيرِها، وأنَّها فرضٌ في نفسِها، فلو كانَتِ التكبيراتُ واجباتٍ كانَتْ كذلك، ولا حُجَّةَ لمنْ فرَّقَ بينَ ذلك، وبالله التوفيقُ.

  35. وقد ذكَرنا اختلافَ العلماءِ في تكبيرةِ الإحرام، وفي مَعانٍ من تكبيرِ الإمامِ والمأمومِ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عليِّ بنِ حُسينٍ، من هذا الكتاب (١) ، والحمدُ لله.

  36. حديثٌ ثالثٌ لابن شهاب، عن أبي سَلَمة متّصلٌ صحيحٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنّ أحدَكم إذا قام يصلِّي جاء الشيطانُ فلبَس عليه حتى لا يَدْري كم صلَّى، فإذا وجَد ذلك أحدُكم فليسجدْ سجدتين وهو جالسٌ" .

    vol. 5, p. 93
  37. في هذا الحديث مِن الفقهِ: أنَّ الشيطانَ يوسوسُ للإنسانِ، وأنَّ الصلاةَ لا تَحُولُ بينَه وبينَه، وأنَّه ساعٍ على المرءِ فيما يفسِدُ عليه دِينَه جاهدًا، واللهُ يَعصمُ منه من يَشاءُ من عبادِه. وقولُه: "فلبَس عليه" ، يعني: خَلَطَ عليه، وهو على: "فَعَلَ" مُخَفَّفٌ، والمستقبلُ: يَلبِسُ، مثلُ: ضرَب يَضرِبُ، وأمّا إذا كان من اللِّباسِ فالماضي منه: لَبِسَ، مثلُ: سَمِعَ، والمُستقبلُ منه: يَلبَسُ، مثلُ: يسمَعُ (٢) .

  38. وقد اختلَف الفقهاءُ في معنى هذا الحديث؛ فقال قومٌ منهم: معناه: أنْ يبنيَ على يقينِه، وعلى أكثرِ ظنِّه، ثم يسجُدَ (٣) . قالوا: وهو حديثٌ ناقصٌ يفسِّرُه حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ (٤) ، وحديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ (٥) وحديثُ

    vol. 5, p. 94ابنِ عباسٍ (١) ، وغيرِهم، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا شَكَّ أحدُكم في صلاتِه فلم يَدرِ أثلاثًا أم أربعًا؟ فلْيصلِّ ركعةً، ويسجُدْ سجدتين وهو جالسٌ قبلَ التسليم" . قالوا: والأحاديثُ كلُّها في السَّهوِ على خلافِ هذا، إنَّما هي أن يعتمدَ الإنسانُ على أكثرِ ظنِّه كما روَى ابنُ مسعودٍ (٢) أو يبنيَ على يقينِه كما روَى أبو سعيدٍ

    vol. 5, p. 95وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ. قالوا: وأمّا حديثُ أبي هريرةَ، فحديثٌ مُجمَلٌ مُضمَرٌ قد ظهرَ في غيرِه من الأحاديثِ. قالوا: فلا يُجزئُ أحدًا أبدًا إذا شكَّ في صلاتِه أن يَخرُجَ منها إلّا حتى يستيقِنَ تمامَها، وسواءٌ اعتَراه هذا مرّةً أو ألفَ مرّةٍ.

    وقال آخرون: معنى حديثِ أبي هريرةَ: هذا في الذي يستنكِحُه السَّهو (١) ، ويَكثُرُ عليه، والأغلبُ في ظنِّه أنَّه قد أتمَّ، لكنَّ الشيطانَ يوسوسُ إليه في ذلك كما يوسوسُ إلى قومٍ في كمالِ طهارتِهم. قالوا: فمَن كانت هذه حالَه أبدًا أجزأَه أن يسجدَ للسهو سجدتين دونَ أن يأتيَ بركعةٍ، واحتجَّ بعضُهم على تأويلِه هذا بما ذكَره أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبانُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي كثيرٍ، عن هلالِ بنِ عياضٍ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا صلَّى أحدُكم فلم يَدْرِ أزاد أم نقَص، فلْيسجدْ سجدتين وهو قاعدٌ، فإذا أتاه الشيطانُ فقال له: أحْدثتَ، فليقُلْ: كذبتَ، إلّا أن يجدَ ريحًا بأنفِه، أو صوتًا بأذنِه" (٣) .

  39. وروَى هذا الحديثَ عن يحيى بن أبي كثيرٍ جماعةٌ؛ منهم: الأوزاعيُّ، وهشامٌ الدَّستُوائيُّ، وعليُّ بنُ المبارك، كلُّهم بمعنًى واحدٍ. قالوا: فهذا أبو سعيدٍ قد رَوَى في هذا الحديثِ كما روَى أبو هريرةَ، وحصَل في ذلك عندَ أبي سعيدٍ حديثان، ومُحالٌ أن يكونَ معناهما واحدًا، بل لكُلِّ واحدٍ منهما موضعٌ، وهو مثلُ ما ذكَرنا مِن أنَّ هذا في الذي يعتريه الشَّكُّ دائمًا لا ينفكُّ عنه قد استَنْكَحه، ومع ذلك فإنَّه قد أتمَّ في أغلب ظنِّه عندَ نفسِه، والحديثُ الآخرُ على مَن لم يَدرِ أزاد أم نقَص، فيَلزمُه ألّا يخرجَ من صلاتِه إلّا بيقينٍ من تمامِه، وهكذا فسَّر اللَّيثُ بنُ سعدٍ حديثَ أبي هريرةَ، وحكَى ذلك عنه ابنُ وَهْبٍ، وهو قولُ ابن وَهْبٍ أيضًا (١) ، وقولُ مالكٍ فيما ذكَره عيسى بنُ دينارٍ في كتابِ الصلاةِ عن ابن القاسم، عن مالكٍ، قال: فإذا كثُر السَّهوُ على الرَّجل، ولزِمه ذلك، ولا يدرِي أسَهَا أم لا، سجَد سجدتي السَّهو بعدَ السَّلام (٢) . ثم قيل لابن القاسم: أرأيتَ رجلًا سها في صلاتِه ثم نَسِي سَهْوَه فلا يَدْرِي أقبْلَ السَّلام أم بعدَه؟ قال: يسجدُ قبلَ السَّلام أو بعدَه. وقال أبو مُصعبٍ: من استنكحه السَّهوُ فلْيَلْهَ عنه ولْيدَعْه، ولو سجَد بعدَ السلام كان حسنًا (٣) .

    vol. 5, p. 96
  40. واختلَف القائلون في تأويلِ هذا الحديث القولَ الآخَرَ في سجودِ هذا المُستنكَح الذي هو في أكثرِ ظنِّه قد أتمَّ صلاتَه، متى يكونُ سجودُه؟ فقال منهم قومٌ: يكونُ سجودُه قبلَ السَّلام، وهو مذهبُ الشَّافعيِّ (٤) ، ولا حرجَ فيه

    vol. 5, p. 97عندَ مالكٍ وأصحابِه إنْ فعَله قبلَ السلام، والذي يستحبُّونه: بعدَ السلام في ذلك (١) . واحتجَّ قائلو هذا القولِ بأنَّ ذلك منصوصٌ في حديث أبي هريرةَ هذا، كذا رواه محمدُ بنُ إسحاقَ (٢) ومحمدُ بنُ عبدِ الله بن مسلم ابنُ أخي الزُّهريِّ (٣) ، جميعًا عن الزُّهريِّ بهذا الإسناد، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قالا فيه: "فلْيسجُدْ سجدتين وهو جالسٌ" . وهو قولٌ مُجملٌ مُحتمِلٌ للتَّأويل، لكنَّه قد يتبيَّن في روايةِ ابن أخي الزُّهريِّ وابنِ إسحاقَ، عن ابن شهابٍ. قالوا: هذا على أنَّ الأغلبَ في ظاهرِ حديثِ مالكٍ أنَّهما قبلَ السَّلام. وقال أبو داودَ: رواه ابنُ عيينة (٤) ، ومعمرٌ (٥) ، اللَّيثُ (٦) كما رواه مالكٌ؛ لم يقولوا: قبل التَّسليم.

    قال أبو عُمر: وقال آخرون في هذا الموضع: بل يسجدُهما بعدَ السَّلام، وممَّن قال ذلك مالكٌ رحمه الله، وحُجَّةُ مَن قال ذلك أنَّ عبدَ الله بن جعفرٍ

    vol. 5, p. 98روَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "من شَكَّ في صلاتِه فليسجدْ سجدتين بعدَما يُسلِّمُ" . رواه ابنُ جُريج، عن عبدِ الله بن مُسافع، عن مصعبِ بن شيبةَ، عن عتبةَ بن محمدِ بنِ الحارثِ، عن عبدِ الله بنِ جعفرٍ (١) . قالوا: فهذا الحديثُ أولى؛ لأنَّه مُفسِّرٌ. قالوا: وحديثُ أبي هريرةَ ليس بحجةٍ على الذين لم يذكروه. وكلُّ ما ذَكَرْنا قد قالته العلماءُ على ما وصَفْنا، والقولُ في حديثِ عبدِ الله بن جعفرٍ هذا كالقولِ في حديثِ أبي هريرةَ هذا سواءً، وبالله توفيقُنا. وإسنادُ أبي هريرةَ أثبتُ عندَ أهل النَّقل، وهو أولَى ما قيلَ في هذا الباب، والأمرُ فيه متقاربٌ، والله الموفِّقُ للصَّواب.