ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل
822 paragraphs · vol. 5, p. 301
Page 10 of 21
- vol. 5, p. 461
وقد حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ قاسِم أيضًا، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الله القاضِي، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ حَفْصٍ القَطرانيُّ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ مرْزُوق، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أزْوَاجَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينَ تُوفي أرَدْنَ أنْ يَبْعثنَ عثمانَ إلى أبي بكرٍ يسألْنَه مِيراثَهُنَّ مِن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت لهُنَّ عائشةُ: أليس قد قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا نُورَثُ، ما تَركْنا صدقةٌ" ؟
-
وحَدَّثَنَا خَلَفٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ المِسْوَر، وعبدُ الله بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ بنِ معمر، وأبو بكرٍ محمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ، قالوا: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجَّاج، قال: حدَّثنا الهيثَمُ بنُ حَبِيبِ بنِ غَزْوانَ، قال: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالِكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَان، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطَّابِ يقولُ: قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنّا لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صَدَقةٌ" (٢) .
-
ولم يذْكُرِ ابنُ مَعْمَرٍ أبا بكرٍ الصدِّيقَ، وجعَلَ الحديثَ لعمرَ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
-
وكذلك روَاه بِشْرُ بنُ عمرَ، عن مالكٍ وبِشْرُ بنُ عمرَ ثقةٌ.
- vol. 5, p. 462
حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ قاسِم، قال: حَدَّثَنَا أبو عيسى عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ الله بنِ سُليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو يعقوبَ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يُونُسَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المثنَّى. وحَدَّثَنَا خَلَفٌ، قال: حَدَّثَنَا العبَّاسُ بنُ أحمدَ النَّحويُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ الكوفيُّ، قال: حَدَّثَنَا يَزيدُ بنُ سِنَانٍ أبو خالدٍ، قالا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ عُمَرَ الزَّهرانيُّ، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بنُ أَنَسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَانِ، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا نُورَثُ، ما ترَكْنَا صَدَقَة" (١) .
-
وقد حَدَّثَنَا خلفٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بنِ زكريَّا بنِ حيُّوية، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جعفَرِ بنِ أعيَنَ سنةَ إحدَى وتسعين (٢) ومئتين، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، حَدَّثَنَا بِشرُ بنُ عمرَ بنِ الحكَم، حَدَّثَنَا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَانِ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: لما تُوفِّي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال أبو بكرٍ: أنا وليُّ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ" (٣) . قال ابنُ أعْيَن: هذا الحديثُ كتَبتُه سنةَ ستٍّ وعشرينَ ومئتَينِ.
- vol. 5, p. 463
وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ووَهْبُ بنُ محمدِ بنِ محمودٍ أبو الحَزْم (١) ، قالا: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ زُهيْرِ بنِ حرْبٍ، قال (٢) : حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسماءَ بنِ عُبيْدٍ أبو عبدِ الرحمنِ، ابنُ أخي جُويريَةَ بنِ أسماءَ، قال: حدَّثني جُويريَةُ، عن مالكِ بنِ أَنَسٍ، عن الزُّهريِّ، أنَّ مالكَ بنَ أوْس بنِ الحدَثَانِ حدَّثَه، عن عمرَ بنِ الخطابِ، عن أبي بكرٍ الصديق، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا نُورَثُ، ما تركْنَا صَدَقَةٌ" .
-
وهذا هو الصَّوابُ إن شاء اللهُ عن عمرَ، عن أبي بكرٍ، وإن كان معمَرٌ قد رَواه عن الزهريِّ، فجعَلَه عن عمرَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٣) . كما قال فيه بعضُ أصحابِ مالِكٍ، عن مالِكٍ. والصَّحيحُ فيه عندي: عن عُمرَ، عن أبي بكرٍ، واللّهُ أعلمُ.
-
وقد يَحتمِلُ أن يكونَ عندَهما وعندَ غيرِهما مِن الصحابةِ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لكنْ مِن جِهَةِ الإسنادِ هو ما ذكرْتُ لك، واللّهُ أعلمُ.
-
أخبرني قاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حَدَّثَنَا مالِكُ بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمن بنُ حميْدٍ الرُّؤاسيُّ، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ الأعْمَشُ، عن إسماعيلَ بنِ رجاءٍ، عن عُمَيرٍ مَوْلى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اخْتَصم
vol. 5, p. 464عليٌّ والعباسُ إلى أبي بكرٍ في ميراثِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال أبو بكرٍ: ما كُنْتُ لأُحوِّلَه عن مَوْضِعه الذي وضَعه فيه رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (١) .
-
وهذا الحديثُ مُختصَرٌ، وتمَامُه كما ذكَرَ الطحاويُّ، قال (٢) : حَدَّثَنَا أبو بَكْرَة بكَّارُ بنُ قُتيْبةَ القاضي، قال: حَدَّثَنَا يحيى بنُ حمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عوانَةَ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن إسماعيلَ بنِ رجَاءٍ، عن عُمَيرٍ موْلى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قُبِض رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واستُخْلِفَ أبو بكرٍ، خاصَمَ العبَّاسُ عليًّا إلى أبي بكرٍ في أشياءَ ترَكَها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال أبو بكرٍ: شيءٌ ترَكَه رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُحرِّكه لا أُحرِّكُه. فلمَّا استُخلِف عمرُ اختَصَما إليه، فقال عمرُ: شيءٌ ترَكَه أبو بكْرٍ، إنِّي لأكرَهُ أن أُحرِّكَه. فلمَّا وَلِيَ عُثْمانُ اخْتَصَما إليه. قال: فسَكَت عثمانُ ونكَس رأْسَه، قال ابنُ عباس: فخَشِيتُ أن يأْخُذَه، فضَرَبْتُ بيدَيَّ على مَنكبَي العباسِ، وقلتُ: يا أبتَاه، أقْسَمْتُ عليك لما سَلَّمْتَ لعليٍّ. قال: فسَلَّمَه لعَليٍّ.
-
فإن قال قائلٌ: لو سلَّمَت فاطمةُ وعليٌّ والعباسُ ذلك لقولِ أبي بكرٍ، ما أتى عليٌّ والعباسُ في ذلك عمرَ بنَ الخطابِ في خلافتِه يَسْألانِه ذلك، وقد عَلِمْتَ
vol. 5, p. 465أنَّهما أتَيا عمرَ يَسْألانِه ذلك، ثم أتَيا عثمانَ بعدُ، وذلك معلومٌ. قيل له: أمَّا تَشَاجُرُ عليٍّ والعباسِ، وإقبالُهما إلى عمرَ، فمشْهُورٌ، لكنَّهما لَمْ يَسْألا ذلك ميراثًا، إنَّما سألا ذلك مِن عمرَ ليكونَ بأيدِيهما منه ما كان بيَدِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيَّامٍ حياتِه، ليَعْمَلا في ذلك بالذي كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْمَلُ به في حياتِه، وكان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأْخُذُ منه قُوتَ عيالِه (١) ، ثم يجعَلُ ما فَضَل في الكُراعِ (٢) والسَّلاح عُدَّةً في سبيلِ الله، وكذلك صنَعَ أبو بكرٍ رضِيَ اللهُ عنه، فأرادا عمرَ على ذلك؛ لأنَّه موضِعٌ يسُوغُ فيه الاختِلافُ. وأمَّا الميراثُ والتمليكُ، فلا يقولُه أحَدٌ إلَّا الرَّوافِضُ، وأمَّا علماءُ المسلمين، فعلى قَوْلَين:
أحدُهما، وهو الأكثرُ، وعليه الجمهورُ: أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يُورَثُ، وما تَرَك صدقَةٌ.
-
والآخرُ: أنَّ نَبِيَّنا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُورَثْ؛ لأَنه خَصَّه اللهُ عزَّ وجلَّ بأنْ جعَل مالَه كلَّه صدقةً؛ زيادَةً في فَضِيلَتِه، كما خَصَّه في النِّكَاح بأشياءَ حرَّمها عليه وأباحها لغيرِه، وأشياءَ أباحها له وحرَّمَها على غيرِه. وهذا القولُ قاله بعضُ أهلِ البصرةِ؛ منهم ابنُ عُليَّة (٣) ، وسائِرُ علماءِ المسلمين على القولِ الأوَّلِ. وأمَّا الرَّوافِضُ، فليس قولُهم ممَّا يُشتَغَلُ به، ولا يُحكَى مِثْلُه؛ لما فيه مِن الطعنِ على السَّلَفِ والمخالفةِ لسبيلِ المؤمنينَ.
-
وأمَّا ما ذكرنا من قِصَّةِ عليٍّ والعباسِ في ذلك مع عمرَ، فمحفُوظٌ في غير ما حديثٍ مِن حديثِ الثِّقاتِ، منها:
vol. 5, p. 466ما حَدَّثَنَا به (١) عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ الحسن الحربيُّ، قال: حَدَّثَنَا سَهْلُ بنُ بكارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عوانَةَ، عن عاصِمِ بنِ كُلَيْبٍ، قال: حدَّثني شيخٌ مِن قريشٍ مِن بني تَيْمٍ، قال: حدَّثني فُلانٌ وفُلانٌ وفلانٌ. يَعُدُّ سِتّةً أو سبعةً، فيهم (٢) عبدُ الله بنُ الزبيرِ، أنَّهم كانوا جُلوسًا عندَ عُمرَ بنِ الخطابِ يومًا، فجاء العباسُ وعليٌّ قد ارْتَفَعت أصْواتُهما يكادَانِ يَتَلاحَيَان. فقال: مَهْ! مَهْ! لا تَفْعَلا، قد عَلِمْتُ ما تقولُ يا عباسُ، تقولُ: ابنُ أخي، ولي شَطْرُ المالِ. وقد عَلِمْتُ ما تقولُ يا عليُّ: تقولُ: ابنته امْرَأتي، ولها شَطْرُ المالِ. وهذا ما كان في يَدَيْ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قد رأيْنا ما كان يَصْنَعُ فيه. وقال عمرُ: حدَّثني أبو بكرٍ - وأحلفُ باللّه إنَّه لصادِقٌ - أنَّ نبيَّ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يَمُوتُ نبيٌّ حتى يؤُمَّه بعضُ أُمَّتِه" . وحدَّثني أبو بكرٍ - وحلَف باللّه إنَّه لصادِقٌ - أنَّ نبيَّ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "إنَّ النبيَّ لا يُورَثُ، إنَّما ميرَاثُه في سبيلِ الله، وفي فقراءِ المسلمين" . وهذا ما كان في يَدَيْ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد رأينا كيف كان يَصْنَعُ فيه، فوَلِيه أبو بكرٍ، فأحْلِفُ باللّه لقد كان يَعْمَلُ فيه بما كان يَعْمَلُ فيه رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ووَلِيتُه بعدَه، وأحْلِفُ باللّه لقد جَهَدْتُ أن أعْمَلَ فيه بما عَمِل فيه أبو بكرٍ، وما عَمِل فيه رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فإن شِئْتُما طابَتْ نفسُ أحَدِكما للآخَرِ دَفَعْتُه إليه، على أنْ يُعْطيَني ليَعْمَلَنَّ فيه بما عمِل أبو بكرٍ، وما عمِل فيه (٣) رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: فخَلَوا، أخَذ عليٌّ بيَدِ العباس فخَلا له، فحاءَ عباسٌ، فقال: قد طابَتْ نفسي لابنِ أخي، تدْفعُه إليه.
-
فلمَّا كان الحولُ جاءا على مِثْلِ حالهما الأخْرَي، مُرْتَفِعَةً أصواتُهما، فقال عمرُ: إنكما أتَيْتُماني عامَ أوَّلَ فقلتُما كذا وكذا - وعَدَّدَ عليهما كلَّ شيءٍ قالَه لهما في ذلك
vol. 5, p. 467اليوم - فأمَرْتُكما أن تَطِيبَ أنفسكما (١) للآخَرِ فأدْفَعَه إليه، فخَلَوْتُما، فأتَيْتَني يا عباسُ قد طابت نَفْسُك لعليٍّ، فجِئْتُما إليَّ، وأدْرَكَك ما أدْرَكَ الناسَ، فجِئْتُما إليَّ لتَرُدَّاهُ إليَّ، فلا واللّه، لا أجْعَلُه في عُنُقي حتى أجْتَمِعَ أنا وأنتُما عندَ الله (٢) .
-
وهذا خِلافُ روايةِ ابنِ عباسٍ، وسنَذْكُرُ ذلك في مَوْضِعِه إن شاء اللهُ، فقد بان بهذا الحديثِ ما ذكَرْنَا مِن المعنى المَطْلُوبِ أنَّها ولايَةُ ذلك المالِ على تلك الحالِ، لا مِيراثٌ ولا تملُّكٌ، والآثارُ بمِثْلِ هذا كثيرةٌ مِن حديثِ مالكٍ وغيرِه.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ ووَهْبُ بنُ محمدٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ مَرْزُوق، قال: أخبرنا مالكُ بنُ أَنَسٍ، عن ابنِ شهاب، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَانِ، قال: أرْسَل إليَّ عمرُ بعدَما تعالى النَّهارُ. قال: فذَهَبْتُ فوجَدْتُه على سَرِيرٍ مُفْضٍ إلى رُمَالِه (٣) . قال: فقال لي حين دخَلْتُ عليه: يا مالِ (٤) ، إنَّه قد دَفَّ عليَّ ناسٌ مِن قومِك (٥) ، وقد أمَرْتُ فيهم برَضْخ، فخُذْه فاقْسِمْه فيهم. قال: قلت: يا أميرَ المؤمنين، لو
vol. 5, p. 468أمَرْتَ غيرِي بذلك. قال: فقال: خُذْه. قال: فجاء يَرْفأُ (١) ، فقال: يا أمِيرَ المؤمنين، هل لك في عثمانَ، وعبدِ الرَّحمن، وسعدٍ، والزبيرِ؟ قال: نعم، ائْذَنْ لهم. فدخَلُوا عليه، قال: ثم جاءَ يَرْفأُ، فقال: يا أمِيرَ المؤمنين، هل لك في عليٍّ والعباسِ؛ قال: نعم. فأذِنَ لهما، فدَخَلا عليه. قال: فقال العباسُ: يا أميرَ المؤمنين، اقْضِ بيني وبينَ هذا - يعني عليًّا - قال: فقال بعضُهم: أجَلْ يا أميرَ المؤمنين، فاقْضِ بينهما وارْحَمْهما. قال مالكُ بنُ أوْسٍ: يُخيَّلُ إليَّ أنَّهما قدَّمَا أولئك النَّفرَ لذلك. قال: فقال عُمَرُ: اتئِد " (٢) . قال: ثم أقْبَلَ على أُولئك الرَّهْطِ، فقال: أنْشُدُكم باللّه الذي بإذْنِه تقومُ السماءُ والأرضُ، أتَعْلَمون (٣) أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقة "؟ قالوا نعم. ثم أقْبَل على عليٍّ والعباسِ، فقال: أنشدُكما باللّه الذي بإذنِه تقومُ السماءُ والأرضُ، هل تعلَمان أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صدقةٌ"؟ قالا: نعم. قال: فقال عمرُ: فإنَّ الله تبارَكَ وتعالى خَصَّ رسولَه بخاصَّةٍ لَمْ يخُصَّ بها أحَدًا مِن الناسِ، فقال: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} الآية [الحشر: ٦] . وكان ممَّا أفاء اللهُ على رسولِه: بنو النَّضِيرِ، فوالُلّه ما اسْتَأثرَ بها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليكم، ولا أخَذَها دُونكم، فكانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يأْخُذُ منها نفَقةَ سنةٍ - أو نفقتَه ونفَقَةَ أهْلِه سنَةً - ويجعَلُ ما بَقِي أُسْوَةَ المالِ (٤) .
vol. 5, p. 469قال: ثم أقْبلَ على أولئك الرَّهْطِ، فقال: أنْشُدُكم باللّه الذي بإذْنِه تقومُ السماءُ والأرضُ، هل تعْلَمون ذلك؟ قالوا: نعم. قال: ثم أقْبَلَ على عليٍّ والعباسِ، فقال: أنشُدُكما باللّه الذي بإذْنِه تقومُ السماءُ والأرضُ، هل تَعْلَمان ذلك؟ قالا: نعم. قال؛ فلمَّا تُوفِّي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال أبو بكر: أنا وليُّ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فجِئْتَ أنت وهذا إلى أبي بكرٍ تَطْلُبُ أنت مِيراثَكَ مِن ابنِ أخِيكِ، ويَطْلُب هذا مِيراثَ امرَأتِه مِن أبيها، فقال له أبو بكرٍ: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنَّا لا نُورَثُ، ما ترَكْنَا فهو صدقةٌ" . فوَليها أبو بكر، فلمَّا تُوفِّي أبو بكرٍ قلتُ: أنا وَليُّ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ووليُّ أبي بكرٍ، فوَليتُها ما شاء اللهُ أنْ أليَها، ثم جِئْتَ أنتَ وهذا جميعًا، وأمْرُكما واحِدٌ، فسألْتُمانِيها، فقلتُ: إنْ شِئْتُما أدفَعُها إليكما على أنَّ عليكما عَهْدَ الله أنْ تَلِياها بالذي كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلِيها به. فأخَذْتمُاها منِّي على ذلك، ثم جِئْتُماني لأقْضِيَ بَيْنكما بغيرِ ذلك؟! واللّه لا أقْضِي بَيْنكما بغيرِ ذلك حتى تقومَ الساعةُ، فإن عَجَزْتمُا عنها فرُدَّاها إليَّ (١) .
-
وروَاه بِشْرُ بنُ عمرَ (٢) ، عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالكِ بنِ أوْسٍ مثلَه بتَمامِه إلى آخرِه، إلَّا أنَّه قال عندَ قولِه: وتَطْلُبُ أنت ميراثَ امْرَأتِك مِن أبيها، فقال أبو بكرٍ: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صدقةٌ" : فرأيْتُماه، واللّهُ يَعْلَمُ، أنَّه صادِقٌ، بارٌّ، راشِدٌ، تابع للحَقِّ، فوَليها أبو بكرٍ، فلمَّا تُوفِّي أبو بكرٍ قلتُ: أنا وليُّ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ووَليُّ أبي بكرٍ، فرَأيْتُماني، واللّهُ يَعْلَمُ (٣) ، أنِّي صادِقٌ،
vol. 5, p. 470بارٌّ، راشِدٌ، تابعٌ للحَقِّ، فوَليتُها ما شاء اللهُ أنْ أليَها. وساق الحديثَ إلى آخِرِه؛ ذكرَه ابنُ الجارُودِ (١) ، عن محمدِ بنِ يحيى وأبي أُميَّة، عن بِشْرِ بنِ عمرَ.
-
وحَدَّثَنَا وَهْبٌ وعبدُ الوارِثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمٌ (٢) ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبَيد بنُ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عليٍّ بنِ داودَ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ داودَ (٣) ، قال: حَدَّثَنَا مالِكٌ، فذكرَ مثلَه، وقال: قد أمَرْتُ فيهم برَضْخ، فخُذْه واقْسِمْه بينَهم. وقال فيه: فقال أبو بكرٍ: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا نُورَثُ، ما تَركْنا صدقةٌ" . ثم ذكرَه بتَمامِه إلى آخِرِه.
قال إسماعيلُ بنُ إسحاق (٤) : الذي تَنازَعا فيه عندَ عمرَ ليس هو المِيراثَ؛ لأنَّهم قد عَلِموا أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يُورَثُ، وإنَّما تَنازَعا في ولايَةِ الصدقةِ وتَصْريفِها؛ لأنَّ المِيراثَ قد كان انقَطَع العِلْمُ به في حَياةِ أبي بكر.
-
وأمَّا تَسْلِيمُ فاطمةَ رضِي اللهُ عنها، فحَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ، عن الوَليدِ بنِ جُميع، عن أبي الطُّفَيْلِ، قال: أرْسَلَت
vol. 5, p. 471فاطمةُ ابنةُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أبي بكرٍ، فقالت: ما لَكَ يا خليفةَ رسولِ الله! أنتَ وَرِثْتَ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمْ أهْلُه؟ قال: لا، بل أهْلُه. قالت: فما بالُ سَهْمِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قال: سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "إنَّ اللهَ إذا أطْعَم نَبِيًّا طُعْمَةً ثم قَبَضَه، جعَلَه للذي يقومُ بعدَه" . فرأيتُ أنا بعدَه أن أرُدَّه على المسلمين (١) . فقالت: أنت وما سَمِعْتَ مِن رسولِ الله (٢) .
-
ووجَدْتُ في أصْلِ سَماع أبي بخَطِّهِ رَحِمه اللهُ، أنَّ أبا عبدِ الله محمدَ بنَ أحمدَ بنِ قاسِمٍ حدَّثَه، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بنُ مَرْزُوقٍ، قال:
vol. 5, p. 472حَدَّثَنَا أسَدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ بِلالٍ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن الكَلْبيِّ، عن أبي صالح، عن أُمِّ هانئ: أنَّ فاطمةَ قالت لأبي بكرٍ: مَن يَرِثُك إذا مِتَّ؟ قال وَلَدي وأهْلي. فقالت: ما لكَ تَرِثُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَنا؟ فقال: يا بنتَ رسولِ الله، ما ورثْتُ أباكِ دينارًا ولا دِرْهمًا، ولا ذهبًا ولا فِضَّةً. فقالت: بَلَى، سَهْمُ الله الذي جعَلَه لنا، وصَفَايا النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فَدَكُ (١) وغيرُها بيَدِكَ. فقال أبو بكرٍ: سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "إنَّما هي طُعْمَةٌ أطْعَمَنيها اللهُ، فإذا مِتُّ كانت بين (٢) المسلمين" (٣) .
-
فإن قيل: ما مَعْنَى قولِ أبي بكرٍ لفاطمةَ: بل وَرِثَه أهْلُه، يَعْني رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو يقولُ: "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ" ؟ قيل له: مَعْناه - على تصحِيح الحدِيثَيْن - أنَّه لو تخَلَّفَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيئًا يُورَثُ عنه لوَرِثه أهْلُه، فكأنَّه قال: بل وَرِثه أهْلُه إن كان خَلَّفَ شيئًا يورَثُ، وإن كان لَمْ يتَخَلَّفْ شيئًا يُورَثُ؛ لأنَّ ما تخَلَّفَه صدقةٌ راجِعَةٌ في منافِع المسلمين، مِن الكُرَاع والسِّلاح وغيرِها، فأيَّ شيءٍ يَرِثُ عنه أهْلُه وهو لَمْ يُخلِّفْ شيئًا؟
-
فإن قيل: فما معنى قولِ أبي بكرٍ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إذا أطْعَم اللهُ نبيًّا طُعْمَةً، ثم قَبضه، جَعَله للذي يقومُ بعدَه" ؟ قيل له: اللامُ في قولِه: "للذي" ليست لامَ
vol. 5, p. 473المِلْكِ، وإنَّما هي بمَعْنَى "إلى" ، كما قال اللهُ تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: ٤٣] ، أي: هدانا إلى هذا. ألا تَرى إلى قولِه: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: ٥٢] ومثلُه قولُه عزَّ وجلَّ: {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة: ٥] . معناه: أوْحَى إليها. فكأنَّه قال: جعَلَه إلى الذي بعدَه، يقومُ فيه بما يَجِبُ، على حَسَب ما قَدَّمْنا ذِكْرَه. والأحادِيثُ الصِّحاحُ، ولِسانُ العربِ، كلُّ ذلك يَدُلُّ على ما ذكَرْنا.
-
حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ قاسِم بنِ عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارِثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبَيدٍ، قال (١) : حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ ومَعْمَرٍ جميعًا، عن الزُّهريِّ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَانِ، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، قال: كانت أمْوَالُ بني النَّضِيرِ ممَّا أفاء اللهُ على رسولِه ممَّا لَمْ يُوجِفْ عليه المسلمون بخيلٍ ولا ركابٍ، وكانت لرسولِ الله خاصَّةً، فكان يُنْفِقُ على أهْلِه نفقةَ سنةٍ، وما بَقِيَ جعَلَه في الكُرَاع والسلاح في سَبِيلِ الله (٢) .
-
وأخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الفَضْلِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جَرير، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ حُميْدٍ، قال: حَدَّثَنَا جَريرٌ، عن مُغيرَةَ، قال: لما وَلي عمرُ بنُ عبدِ العَزِيز جمَعَ بَني أُمَيَّة، فقال لهم: إنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت له خاصَّةً فَدَكُ،
vol. 5, p. 474فكان يأكُلُ منها، ويُنْفِقُ منها، ويعُودُ على فقراءِ بني هاشِم، ويزَوِّجُ منهم (١) أيِّمَهم، وإنَّ فاطمةَ رضي اللهُ عنها سألَتْه أن يجعَلَها لها فأبَى، فكانت كذلك حياةَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى قُبِض، ثم وَليَ أبو بكرٍ، فكانت في يَدِ أبي بكرٍ؛ يَعْمَلُ فيها بما عَمِلَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حتى قُبِض لسَبيله، ثمّ وَليَ عمرُ، فعَمِل فيها مثلَ ذلك، ثمّ وَليَ عثمانُ، فأقْطَعها مَرْوانَ فجَعَل مَرْوانُ، ثُلُثيْها لعبدِ الملكِ، وثُلُثَها لعبدِ العزيزِ، فجَعَل عبدُ الملكِ ثُلُثيْهِ: ثُلُثَيْه (٢) للوَليدِ، وثُلُثًا لسليمانَ، وجعلَ عبدُ العزيزِ ثُلُثَه لي، فلمَّا وَليَ الوليدُ جعَلَ ثُلُثَه لي. فلم يكنْ لي مالٌ أعْودَ عليَّ منه، ولا أسدَّ لحاجتي، ثم وليتُ أنا، فرأيْتُ أنَّ أمرًا منعَه النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاطمةَ ابنتَه، أنَّه ليس لي بحَقٍّ، وإنِّي أُشْهِدُكم أنِّي قد رَدَدْتُها على ما كانت على عهدِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قال أبو عُمر: اختلَف العلماءُ في سَهْم رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفيما كان له خاصَّةً مِن صَفَاياه، وما لَمْ يُوجِفْ عليه بخَيْلٍ ولا ركابٍ، فأمَّا أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ وعمرُ بنُ الخطابِ، فمَذْهَبُهما في ذلك ما قد تكرَّر ذكرُه (٣) في كتابِنا هذا مِن أوَّلِ البابِ، وذلك الأخْذُ بظاهِرِ هذا الحديثِ في أموالِ بني النضيرِ وفَدَكَ وخيبرَ، أنَّ ذلك يُسَبَّلُ على حسَبِ ما كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَبِّلُه في حياتِه، كان يُنْفِقُ منه على عِيَالِه وعامِلِه سنةً، ثم يجعَلُ باقِيَه عُدَّةً في سَبيلِ الله.
-
وعلى مَذْهَبِ أبي بكرٍ وعُمَرَ في ذلك (٤) جمهورُ أهلِ العِلْم مِن أهلِ الحديثِ والرَّأي.
-
وأمَّا عثمانُ بنُ عفانَ، فكان يرَى أنَّ ذلك للقائِم بأمرِ المسلمين، يَصْرِفُه فيما رأى مِن مَصالح المسلمين، ولذلك أقْطَعه مَرْوانَ.
- vol. 5, p. 475
وفِعْلُ عثمانَ هذا ومَذْهَبُه هو قولُ قَتادةَ والحسَنِ، كانا يقولان في سَهْم ذي القُرْبَى وسهْم رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وصَفاياه: إنَّ ذلك كان طُعْمَةً لرَسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما كان حيًّا، فلمَّا تُوفِّي صار لوليِّ الأمْرِ بعدَه (١) .
-
ويُشْبِهُ أنْ يكونَ مِن حُجَّةِ مَن ذهَب هذا المذْهَبَ حديثُ أبي الطُّفيْل ومِثْلُه: "إذا أطْعَم اللهُ نبيًّا طُعْمَةً فقُبِض، فهي للذي يَلي الأمْرَ بعدَه" (٢) . وقد ذكرْنا تَأْويلَ هذا الحديثِ ومذْهَبَ رَاوِيه، وهو أبو بكرٍ رضي اللهُ عنه، وكيف يَسُوغُ لمسلم أن يَظُنَّ بأبي بكرٍ رضي اللهُ عنه مَنع فاطِمَةَ مِيراثَها مِن أبيها؟! وهو يَعْلَمُ بنَقْلِ الكافَّةِ أنَّ أبا بكرٍ كان يُعْطِي الأحمرَ والأسودَ حُقُوقَهم، ولم يَسْتأْثِرْ مِن مالِ الله لنَفْسِه ولا لبنيه، ولا لأحَدٍ مِن عَشِيرته بشيءٍ، وإنَّما أجْرَاه مَجرَى الصدقةِ. أليس يَسْتَحِيلُ في العُقُولِ أنْ يَمْنَعَ فاطِمَةَ ويرُدَّه على سائرِ المسلمين؟ وقد أمرَ بنيه أن يرُدُّوا ما زاد في مالِه منذُ وَلي على المسلمين، وقال: إنَّما كان لنا مِن أمْوالهم ما أكَلْنا مِن طَعامِهم، ولَبِسْنا على ظُهُورِنا مِن ثِيابِهم.
-
وروَى أبو ضَمْرَة أنسُ بنُ عِيَاض، عن عبيدِ الله بنِ عمرَ، عن عبدِ الرَّحمن بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ أبا بكرٍ لما حضَرَتْه الوفاةُ قال لعائشةَ: ليس عندَ آلِ أبي بكرٍ مِن هذا المالِ شيءٌ إلَّا هذه اللِّقْحَةَ والغُلامَ الصَّيْقَل (٣) ؛ كان يَعْمَلُ سيُوفَ المسلمين ويخدُمُنا، فإذا مِتُّ فادْفَعِيه إلى عُمرَ. فلمَّا مات دفَعَتْه إلى عمرَ، فقال عمرُ رَحِمه اللهُ: رَحِم اللهُ أبا بكرٍ، لقد أتْعَبَ مَن بعدَه (٤) .
- vol. 5, p. 476
فإن قيل: كيفَ سكَن أزواجُ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من بعدِ وفاتِه في مساكِنِهنَّ اللاتي ترَكهُنَّ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيها إن كُنَّ لَمْ يَرِثْنَه؟ وكيف لَمْ يخْرُجْنَ عنها؟ قيل: إنَّما تُرِكْنَ في المساكِنِ التي كُنَّ يَسْكُنَّها في حَياةِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لأنَّ ذلك كانَ مِن مُؤْنَتهِنَّ التي كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَثنَاها لهُنَّ، كما اسْتَثْنى لهُنَّ نفَقَتَهُنَّ حينَ قال: "لا يَقْتَسِمُ ورَثَتي دينارًا ولا درْهمًا، ما ترَكْتُ بعدَ نفقةِ أهْلي ومؤنةِ عامِلي فهو صدقةٌ" (١) .
-
وروَى حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن أبي بكرٍ، أنَّه قال: سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "لا نُورَثُ" . ولكنِّي أعُولُ مَن كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُولُ، وأُنْفِقُ على مَن كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْفِقُ (٢) .
-
وروَى الثوريُّ (٣) ، ومالكٌ (٤) ، وابنُ عيينةَ (٥) ، عن أبي الزِّناد، عن الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يَقْتَسِمُ ورثتي دينارًا ولا دِرْهمًا، ما ترَكْتُ بعدَ نَفَقَةِ نسائي ومؤنةِ عاملي فهو صدقةٌ" .
- vol. 5, p. 477
وسيأتي ذكْرُ هذا الحديثِ من روايةِ مالكٍ في بابِ أبي الزِّنَاد من كتابِنا هذا إن شاء الله (١) .
قال أهلُ العِلْم: فمساكِنُهنَّ كانت في معنى نَفَقاتِهنَّ، في أنَّها كانت مُستثْناةً لهُنَّ بعدَ وفاتِه ممَّا كان له في حياتِه.
قالوا: ويدُلُّ على صِحَّةِ ذلك أنَّ مساكِنَهنَّ لَمْ يَرثْها عنْهُنَّ ورثَتُهُنَّ. قالوا: ولو كان ذلك مِلْكًا لهُنَّ، كان لا شكَّ قد وَرِثه عنْهُنَّ ورَثَتُهُنَّ. قالوا: وفي تَرْكِ ورَثَتِهنَّ ذلك دليلٌ على أنَّها لَمْ تكنْ لهُنَّ مِلْكًا، وإنَّما كان لهُنَّ سُكنَاها حياتَهنَّ، فلمّا تُوُفِّينَ، جُعِل ذلك زيادَةً في المسجِدِ الذي يَعُمُّ المسلمين نَفْعُه كما فُعِل ذلك في الذي كان لهُنَّ مِن النَّفقاتِ وفي تَرِكةِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لمّا مَضَيْنَ لسَبيلِهنَّ، رُدَّ (٢) إلى أصْلِ المالِ، فصُرِف في منافِع المسلمين ممَّا يَعُمُّ جميعَهم نَفْعُه.
-
وفي حديثنا المذكورِ في أوَّلِ هذا البابِ مِن الفِقْهِ: تَفْسيرٌ لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: ١٦] . وعبارَةٌ عن قولِه تعالى مُخْبِرًا (٣) عن زكَريا: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: ٥، ٦] . وتَخصيصٌ للعُمومِ في ذلك، وأنَّ سليمانَ لَمْ يَرِثْ مِن داودَ مالًا خَلَّفَه داودُ بعدَه، وإنَّما ورِثَ منه الحِكمةَ والعِلْمَ، وكذلك وَرِث يحيَى مِن آلِ يعقوبَ، هكذا قال أهلُ العِلْم بتَأويلِ القرآنِ والسُّنةِ، واسْتَدَلوا مع سُنَّةِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المذكور بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} [النمل: ١٥] . قال المفَسِّرُون: يَعْني عِلْمَ التورَاةِ والزَّبُورِ، والفِقْهَ في الدِّينِ، وفَصْلَ القَضاءِ، وعِلْمَ كَلام الطَّيْرِ والدَّوَابِّ،
vol. 5, p. 478{وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: ١٥، ١٦] . فوَرِث سليمانُ مِن داودَ النبوةَ، والعِلْمَ، والحِكْمةَ، وفَصْلَ القَضَاءِ. وعلى هذا جماعَةُ أهْلِ العِلْمِ وسائرُ المسلمينَ، إلَّا الرَّوافِضَ.
-
وكذلك قَوْلُهم في: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: ٦] . لا يختَلِفُون في ذلك، إلَّا ما رُوِيَ عن الحسن أنَّه قال: {يَرِثُنِي} : مالي، {وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} : النُّبوةَ والحِكْمةَ (١) .
-
والدَّليلُ على صِحَّةِ ما قال علماءُ المسلمين في تَأْويلِ هاتَيْنِ الآيتَيْنِ: ما ثَبتَ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه قال: "إنَّا مَعْشَرَ الأنْبياءِ لا نُورَثُ، ما تَركْنَا صدقةٌ" . وكلُّ قولٍ يُخالِفُه قولُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويَدْفَعُه، فمَدْفُوعٌ مَهْجُورٌ.
-
أخبرنا محمدٌ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ عمرَ، قال: حَدَّثَنَا القاضي أبو عمرَ محمدُ بنُ يُوسُفَ بنِ يَعْقُوبَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسْحاقَ الصَّاغَانيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ أُمَيّةَ النَّحَّاسُ، قال: قُرئ على مالِكِ بنِ أَنَسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالِكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَانِ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: حَدَّثَنَا أبو بكْرٍ، أنه سَمِعَ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "إنَّا معشرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ (٢) ، ما تَرَكْنا صدقةٌ" .
-
حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصر، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قال (٣) : حَدَّثَنَا سفيانُ، عن أبي الزِّنَادِ، عن
vol. 5, p. 479الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "إنَّا مَعْشَرَ (١) الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما تَركْنا فهو (٢) صدقةٌ، بعدَ نَفَقَةِ نسائي، ومُؤونَةِ عاملي" .
-
وممَّا يَدُلُّك على أنَّه أراد - بقولِه عزَّ وجلَّ: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} -: النبوةَ والعِلْمَ والسِّيَاسَةَ، ولم يُردِ المالَ، لأنَّه لو أرادَ المالَ لَمْ يقْتَضِ الخبَرُ عن ذلك فائِدَةً، لأنَّه معلومٌ أنَّ الأبناءَ يَرِثُون الآباءَ أموالَهم، وليس مَعلومًا أنَّ كلَّ ابنٍ يقومُ مَقامَ أبيه في الملكِ والعلم والنُّبوةِ.