ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل
822 paragraphs · vol. 5, p. 301
Page 17 of 21
- vol. 5, p. 598
وأمَّا حديثُ عاصم، عن زِرٍّ، عن أُبيٍّ. فاختُلِفَ على عاصم فيه (١) (٢) .
-
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي أُويسٍ، قال: حدَّثني أخِي، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن المقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "هذا القرآنُ أُنْزِلَ على سبعةِ أحرفٍ، فاقرؤوا ولا حرجَ، ولكنْ لا تختِموا ذكرَ آية رحمةٍ بعذابٍ، ولا ذكرَ عذابٍ برحمةٍ" (٣) .
- vol. 5, p. 599
وهذه الآثارُ كلُّها تدلُّ على أنَّه لم يُعنَ به سبعُ لُغَاتٍ، واللّهُ أعلمُ، على ما تقدَّمَ ذكرُنا له، وإنَّما هي أوجُهٌ تتَّفقُ معانيها، وتتَّسعُ ضُروبُ الألفاظِ فيها، إلَّا أنَّه ليس منها ما يُخالِفُ معنًى إلى ضدِّهِ، كالرَّحمةِ بالعَذابِ وشبهِه.
-
وذكر يعقوبُ بنُ شيبةَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبي بُكيرٍ، قال: حدَّثنا شيبانُ بنُ عبدِ الرحمنِ أبو مُعاويةَ، عن عاصمِ بنِ أبي النَّجودِ، عن زرٍّ، عن عبدِ الله، قال: أتَيْتُ المسْجِدَ فجلَسْتُ إلى ناسٍ، وجلسوا إليَّ، فاستقرأتُ رجُلًا منهم سُورةً ما هي إلَّا ثلاثونَ آيةً، وهي "حم؛ الأحقافُ" ، فإذا هو يقرأُ فيها حُروفًا لا أقرؤُها، فقلتُ: من أقرأكَ؟ قال: أقرَأني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. فاستقرأتُ آخرَ، فإذا هو يقرأُ حروفًا لا أقرؤُها أنا ولا صاحبُه، فقلتُ: مَن أقرأكَ؟ قال: أقْرَأني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قلتُ: وأنا أقرأني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وما أنا بمُفارقِكما حتى أذهبَ بكما إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. فانطلَقْتُ بهما حتى أتَيْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وعندَه عليٌّ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّا اختلفْنا في قراءتنا. قال: فتَمَعَّرَ وجهُه حينَ ذكرْتُ الاختلافَ وقال: "إنَّما أهلكَ مَن كان قبلَكم الاختلافُ" . وقال عليٌّ: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -
vol. 5, p. 600يأمُرُكم أن يقرأَ كلُّ رجلٍ منكم كما عُلِّم. فلا أدري أسَرَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إليه ما لم نسمعْ، أو علمَ الذي كان في نفسِه فتكلَّم به (١) ؟
-
وكذلك رواه الأعمشُ (٢) ، وأبو بكرٍ بنُ عيَّاشٍ (٣) ، وإسرائيلُ (٤) ، وحمَّادُ بنُ سَلَمَةَ (٥) ، وأبانٌ العَطَّارُ (٦) ، عن عاصم بإسنادِه ومعنَاه، ولم يذكر البصريَّانِ: حمَّادٌ وأبانُ عليًّا، وقالا: رجلٌ. وقال الأعمشُ في حديثه: ثم أسرَّ إلى عليٍّ، فقال لنا عليٌّ: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يأمُرُكُم أن تَقْرؤوا كما عُلِّمتم.
-
وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٧) في حديثِ عمرَ وهشام بنِ حكيم المذكورِ في هذا البابِ: قد علِمْنا أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما إنَّما أنكرَ على صاحبِه ألفاظًا قرأ بها الآخرُ، ليسَ في ذلك حلالٌ ولا حرامٌ، ولا زجرٌ ولا أمرٌ، وعلِمْنا - بقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "هكذا أُنزلَتْ" - أنَّ السبعةَ الأحرفِ التي نزَل القرآنُ بها لا تختلفُ في أمرٍ ولا نهي، ولا حلالٍ ولا حرام، وإنَّما هي كمثَلِ قولِ الرجلِ للرّجُلِ: أقبِلْ، وتعالَ،
vol. 5, p. 601وادْنُ، وهلُمَّ، ونحوِ هذا. وذكَرَ أكثرَ أحاديثِ هذا البابِ حُجَّةً لهذا المذهبِ، وأبْيَنُ ما ذكرَ في ذلك أنْ قال (١) : حدَّثنا بكَّارُ بنُ قُتيبةَ، قال: حدَّثنا عفَّانُ بنُ مُسلم، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ زيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرةَ، عن أبي بكرةَ (٢) ، قال: جاءَ جبريلُ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: اقرأْ على حرفٍ. قال: فقال ميكائيلُ: اسْتَزِدْه. فقال: اقرأ على حرفين. فقال ميكائيلُ: استزدْه. حتى بلَغَ إلى سبعةِ أحرفٍ، فقال: اقرأه، فكلٌّ شافٍ كافٍ، إلَّا أنْ تخلِطَ آيةَ رحمةٍ بآيةِ عذابٍ، أو آيةَ عذابٍ بآيةِ رحمةٍ. على نحوِ: هلمَّ، وتعالَ، وأقبلْ، واذهبْ، وأسرِعْ، وعَجِّلْ.
-
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ عبدِ الرزاق، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ فارِسٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الزهريُّ: إنَّما هذه الأحرفُ في الأمرِ الواحدِ، ليس تختلِفُ في حلالٍ ولا حرام.
-
وذكر أبو عُبيدٍ (٤) ، عن عبدِ الله بنِ صالح، عن اللَّيثِ، عن عُقيلٍ ويونسَ، عن ابنِ شهابٍ في الأحرفِ السبعةِ: هي في الأمرِ الواحدِ الذي لا اختلافَ فيه.
-
وروى الأعمشُ، عن أبي وائل، عن ابنِ مسعودٍ، قال: إنِّي سمِعتُ القَرَأَةَ،
vol. 5, p. 602فرأيتُهم مُتَقاربِينَ، فاقرؤوا كما عُلِّمتُم، وإيَّاكُم والتَّنَطُّعَ والاختلافَ، فإنَّما هو كقولِ أحدِكم: هلمَّ، وتعال (١) .
-
وروى ورْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ عباس، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، أنَّه كان يقرأُ: {لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا} [الحديد: ١٣] : (للذين آمنوا أمهلُونا) ، اللذينَ آمنوا أخِّرُونَا)، (للذين آمنوا ارقبُونَا) (٢) .
-
وبهذا الإسنادِ عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، أَنَّه كان يقرأُ: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} [البقرة: ٢٠] : (مَرُّوا فيه) ، (سعَوْا فيه) . كلُّ هذه الحُرُوف كان يقرؤُها أُبيُّ بنُ كعب.
-
فهذا معنَى الحروفِ المرادُ بهذا الحديث، واللّهُ أعلمُ، إلَّا أنَّ مُصحفَ عثمانَ الذي بأيدي الناسِ اليومَ هو منها حرفٌ واحدٌ، وعلى هذا أهلُ العلمِ، فاعلَمْ.
-
وذكرَ ابنُ وَهْبٍ في كتاب التَّرغيبِ من "جامعِه" قال: قيل لمالكٍ: أترَى أنْ يُقْرَأَ بمثلِ ما قَرَأ عمرُ بنُ الخطاب: (فَامْضُوا إلى ذكْرِ الله) (٣) ؟ فقال: ذلك جائز، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُنْزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ، فاقرؤوا ما تَيسَّرَ منهُ" ، ومِثْلَ: "تَعْلَمُونَ " و "يَعْلَمُونَ" . وقال مالكٌ: لا أرَى في اختلافِهم في مثلِ هذا بأسًا.
vol. 5, p. 603قال: وقد كان الناسُ ولهم مصاحفُ، والسِّتَّةُ الذين أوصَى إليهم عُمرُ بنُ الخطابِ كانت لهم مصاحفُ. قال ابنُ وَهْب: وسألتُ مالكًا عن مُصحفِ عثمانَ بنِ عفانَ، قال لي: ذهَب (١) .
قال (٢) : وأخبرني مالكُ بنُ أنسٍ، قال: أقْرَأَ عبدُ الله بنُ مسعود رجلًا: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) } [الدخان: ٤٣، ٤٤] ، فجعَل الرجلُ يقولُ: طعامُ اليتيم. فقال له ابنُ مسعود: طعامُ الفاجِر. فقلتُ لمالك: أترَى أنْ يقرَأَ بذلك؟ قال: نعم، أرى ذلك واسعًا.
قال أبو عُمر: معنَاه عندِي: أنْ يُقْرَأَ به في غير الصلاةَ، وإنَّما ذكرنا ذلك عن مالكٍ تفسيرًا لمعنى الحديثِ، وإنَّما لم تجُزِ القراءةُ به في الصلاةِ؛ لأنَّ ما عدَا مُصحفَ عثمانَ فلا يُقطعُ عليه، وإنَّما يجري مجرَى السُّنَنِ التي نقلَها الآحادُ، لكِنْ لا يُقْدِمُ أحدٌ على القطع في ردِّه. وقد روى عيسى (٣) ، عن ابنِ القاسم، في المصحف بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، قال: أرَى أنْ يَمْنَعَ الإمامُ من بيعِه، ويضْرَبَ مَن قرَأ به، ويُمنعَ من ذلك.
-
وقد قال مالكٌ (٤) : مَن قرأ في صلاتِه بقراءةِ ابنِ مسعودٍ أو غيرِه مِن الصَّحابَةِ ممَّا يُخالفُ المصحفَ، لم يُصلَّ وراءَه.
- vol. 5, p. 604
وعلماءُ المسلمينَ مُجمِعونَ على ذلك، إلا قومًا شذُّوا لا يُعرَّجُ عليهم؛ منهم الأعْمَشُ سليمانُ بنُ مِهرانَ. وهذا كلُّه يدلُّك على أنَّ السَّبعة الأحرفِ التي أُشيرَ إليها في الحديثِ ليسَ بأيدِي الناسِ منها إلَّا حرفُ زيدِ بنِ ثابِتٍ الذي جمَع عليه عثمانُ المصاحفَ.
-
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ وخلفُ بنُ القاسم بنِ سهلٍ، قالا: أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الله الأصبهانيُّ المقرئُ، قال: أخبرنا أبو عليٍّ الحسنُ بنُ صافي الصَّفَّارُ، أنَّ عبدَ الله بنَ سليمانَ حدَّثهم، قال (١) : حدَّثنا أبو الطَّاهرِ، قال: سألتُ سفيانَ بنَ عُيينةَ عن اختلافِ قراءةِ المدَنيِّين والعِرَاقيِّينَ، هل تدخُلُ في السبعةِ الأحرفِ؟ فقال: لا، وإنَّما السبعةُ الأحرفِ كقولهم: هلمَّ، أقبلْ، تعالَ. أيَّ ذلك قُلْتَ أجْزَاكَ. قال أبو الطَّاهرِ: وقاله ابنُ وَهْب.
قال أبو بكرٍ محمدُ بنُ عبدِ الله الأصبهانيُّ المقرئُ: ومعنَى قولِ سفيانَ هذا أنَّ اختلافَ العراقيِّينَ والمدَنِيِّينَ راجع إلى حرفٍ واحدٍ من الأحرفِ السبعةِ. وبه قال محمدُ بنُ جريرٍ الطَّبريُّ (٢) .
وقال أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ (٣) : كانَتْ هذه السبعةُ للناس في الحروفِ لعجزِهم عن أخذِ القرآنِ على غيرِها؛ لأنَّهم كانوا أُمِّيِّينَ لا يكتبونَ، إلَّا القليلَ منهم، فكان يشقُّ على كُلِّ ذي لُغةٍ منهم أن يتحوَّلَ إلى غيرِها منَ اللُّغَاتِ، ولو رامَ ذلك لم يتهيَّأ له إلَّا بمشقَّةٍ عظيمةٍ، فوُسِّعَ لهم في اختلافِ الألفاظِ إذا كان المعْنَى مُتَّفِقًا، فكانوا كذلك حتى كثُرَ مَن يكتبُ منهم، وحتى عادَتْ لُغاتُهم إلى لسانِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقرؤوا بذلك على تحفُّظِ ألفاظِه، فلم يَسَعْهم حينئذٍ أنْ يقرؤوا بخلافِها، وبانَ بما
vol. 5, p. 605ذكَرْنا أنَّ تلك السبعةَ الأحرفِ إنَّما كانَتْ في وقْتٍ خاصٍّ لضرورةٍ دعَتْ إلى ذلك، ثم ارتفعَتْ تلك الضَّرورةُ، فارْتفَع حُكمُ هذه السبعةِ الأحرفِ، وعادَ ما يُقرأُ به القرآنُ إلى حرفٍ واحدٍ.
-
واحتجَّ بحديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ المذْكُورِ في هذا البابِ، من روايةِ ابنِ أبي ليلَى، عنه، قولُه فيه - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ أُمَّتي لا تُطيقُ ذلكَ" . في الحرفِ، والحرفينِ، والثَّلاثةِ، حتى بلغَ السبعةَ (١) . واحْتَجَّ أيضًا بحديثِ عُمرَ بنِ الخطابِ مع هشام بنِ حكيم، واحتجَّ بجمع أبي بكرٍ الصدِّيقِ للقرآنِ في جماعةِ الصحابَةِ، ثم كتابِ عثمانَ لذلك (٢) ، وكلاهما عوَّل فيه على زيدِ بنِ ثابِتٍ، فأمَّا أبو بكرٍ فأمَر زيدًا بالنَّظرِ فيما جُمِع منه، وأمَّا عثمانُ فأمرَ بإملائِه من تلك الصُّحُفِ التي كتَبها أبو بكرٍ وكانت عندَ حفصةَ.
وقال بعضُ المتأخِّرِينَ من أهلِ العلم بالقرآنِ: تدبَّرْتُ وُجُوهَ الاختلافِ في القراءةِ فوجدتُها سبعةً:
منها: ما تتغيَّرُ حركتُه ولا يزولُ معنَاه ولا صُورتُه، مثلَ: {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود: ٧٨] . و: (أطهرَ لكم) (٣) . و: {وَيَضِيقُ صَدْرِي} [الشعراء: ١٣] ، و: (يَضِيقَ صَدْرِي) (٤) . ونحوَ هذا.
- vol. 5, p. 606
ومنها: ما يتغيَّرُ معنَاه ويزولُ بالإعرابِ، ولا تتغيَّرُ صُورتُه، مثلَ قولِه: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: ١٩] ، و: (ربُّنا بَاعَدَ بَيْنَ أسْفَارِنَا) (١) .
-
ومنها: ما يتغيَّرُ معنَاه بالحروفِ واختلافِها بالإعراب، ولا تتغيَّرُ صُورتُه (٢) ، مثلَ قولِه: {إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} [البقرة: ٢٥٩] . و: (نَنْشُرُها) (٣) .
-
ومنها: ما تتغيَّرُ صُورتُه ولا يتغيَّرُ معنَاه، كقوله: {كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة: ٥] . و: (كالصُّوفِ المنفوشِ) (٤) .
-
ومنها: ما تتغيَّرُ صُورتُه ومعنَاه، مثلَ قولِه: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} [الواقعة: ٢٩] . و: (طلْعٍ منضودٍ) (٥) .
- vol. 5, p. 607
ومنها: بالتَّقديمِ والتَّأخيرِ، مثلَ: (وجاءتْ سكرةُ الحقِّ بالموتِ) (١) .
-
و: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: ١٩] .
-
ومنها: الزِّيادَةُ والنّقصَانُ، مثلَ: (حافِظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصرِ) (٢) . ومنها قراءةُ ابنِ مسعودٍ: (له تسعٌ وتسعونَ نعجةً أُنثَى) (٣) .
vol. 5, p. 608قال أبو عُمر: هذا وجْهٌ حسن من وُجُوهِ معنَى هذا الحديثِ، وفي كُلِّ وجْهٍ منها حُروفٌ كثيرةٌ لا تُحصَى عددًا، فمثلُ قولِه: {كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} ، و: (الصُّوفِ المنْفُوشِ) ، قراءةُ عُمرَ: (فامْضُوا إلى ذكرِ الله) ، وهو كثير. ومثلُ قولِه: (نعجةً أُنثَى) ، قراءةُ ابنِ مسعودٍ وغيرِه: (فلا جُناحَ عليه ألَّا يطَّوَّفَ بهما) (١) ، وقراءةُ أُبيِّ بنِ كعبٍ: (فجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كأنْ لم تَغْنَ بالأمسِ ومَا أهلكنَاها إلَّا بذنوبِ أهلِها) (٢) ، وهذا كثير أيضًا.
-
وهذا يَدُلُّ (٣) على قولِ العلماءِ أنْ ليس بأيدِي الناسِ من الحروفِ السبعةِ التي نزَل القرآنُ عليها إلَّا حرفٌ واحدٌ، وهو صُورةُ مُصحفِ عثمانَ، وما دخلَ فيه ممَّا يُوافِقُ صُورتَه من الحركاتِ، واختلافِ النَّقْطِ، من سائرِ الحروف.
-
وأمَّا قولُه: (كالصُّوفِ المنفُوشِ) فقراءةُ سعيدِ بنِ جُبيرٍ وغيرِه، وهو مشهورٌ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، ورُوِيَ عنه من طُرقٍ شتَّى، منها ما روَاه بُندارٌ، عن يحيى القطَّانِ، عن خالدِ بنِ أبي (٤) عثمانَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ يقرأُ: (كالصُّوفِ المنفُوش) (٥) .
- vol. 5, p. 609
وذكرَ ابنُ مُجاهدٍ (١) ، قال: حدَّثني أبو الأشعثِ، قال: حدَّثنا كثيرُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا بقيَّةُ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ زيادٍ يقولُ: أدركْتُ السَّلَفَ وهم يقرؤونَ في هذا الحرفِ في "القارعةِ" : (وتكونُ الجِبالُ كالصوفِ المنْفُوشِ) .
-
وأخبرنا عيسى بنُ سعيدِ بنِ سعدانَ المقرئُ سنةَ ثمانٍ وثمانينَ وثلاثِ مئةٍ، قال: أخبرنا أبو القاسم إبراهيمُ بنُ أحمدَ بنِ جعفرٍ الخِرَقيُّ المقرئُ، قال: حدَّثنا أبو الحسينِ صالحُ بنُ أحمدَ القيراطيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالسيُّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ أبي عثمانَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ يقرؤُها: (كالصوفِ المنْفُوشِ) (٢) .
-
وأمَّا قولُه: (وجاءَتْ سكرةُ الحَقِّ بالمَوْتِ) . فقرأ به أبو بكرٍ الصديقُ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وطلحةُ بنُ مُصرِّفٍ، وعليُّ بنُ حسينٍ (٣) ، وجعفرُ بنُ محمدٍ (٤) .
-
وأمَّا: (وطَلْع مَنْضُودٍ) ، فقرأ به عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وجعفرُ بنُ محمدٍ. ورُوي ذلك عن عليِّ بن أبي طالبٍ من وُجوهٍ صحاحٍ مُتواترةٍ، منها ما رواه يحيى بنُ آدمَ، قال: أخبرنا يحيى بنُ أبي زائدة، عن مجُالدٍ، عن الشعبيِّ، عن قيسِ بنِ عبد (٥) ، وهو عمُّ الشَّعبيِّ، عن عليٍّ، أنَّ رجلًا قرأ عليه: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} ، فقال عليٌّ: إنَّما
vol. 5, p. 610هو: (وطَلْع مَنْضُودٍ) . قال: فقال الرجلُ: أفلا تُغيِّرُها؟ فقال عليٌّ: لا ينبغي للقرآنِ أن يُهاجَ (١) . وهذا معناه عندي: لا ينبغي أنْ يُبدَّلَ. وهو جائزٌ ممَّا نزَل القرآنُ عليه، وإنْ كان عليٌّ كان يستحبُّ غيرَه ممَّا نزَل القرآنُ عليه أيضًا.
-
وأمَّا قولُه: (نَعْجَةً أُنْثَى) ، فقرأ به عبدُ الله بنُ مسعودٍ:
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ سلمانَ بنِ الحسنِ النَّجَّادُ الفقِيهُ ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال: قال سُفيانُ: كان صغيرُهم وكبيرُهم - يعني أهلَ الكوفةِ - يقرأُ قراءةَ عبدِ الله. قال: وكان الحجَّاجُ يُعاقِبُ عليها. قال: وقال الحجَّاجُ: ابنُ مسعودٍ يقرأُ: (إنَّ هذا أخي له تسعٌ وتسعونَ نعجةً أُنثَى) . أكان ابنُ مسعودٍ يرَى أنَّ النَّعجةَ تكونُ ذكرًا!
-
وكسَر الحسنُ والأعرجُ النُّونَ من (نِعْجَةً) (٢) ، وفتحَها سائرُ الناسِ. وفتحَ الحسنُ وحدَه التَّاءَ من (تَسْعٌ وتَسعون) ، وكسَرها سائرُ الناس.
-
وأمَّا: (فامْضُوا إلى ذكرِ الله) ، فقَرَأ به عمرُ بنُ الخطابِ، وعليُّ بنُ أبي طالب، وعبدُ الله بنُ مسعودٍ، وأبيُّ بنُ كعب، وابنُ عبَّاس، وابنُ عُمرَ، وابنُ الزبير،
vol. 5, p. 611وأبو العالية، وأبو عبدِ الرحمن السُّلميُّ، ومسروقٌ، وطاوسٌ، وسالم بنُ عبدِ الله، وطلحةُ بنُ مُصرِّف (١) .
-
ومثلُ قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (نعجةً أُنثَى) - في الزيادةِ والنُّقصانِ - قراءةُ ابنِ عباسٍ: (وشَاوِرْهم في بعضِ الأمرِ) (٢) .
-
وقراءةُ مَن قرأ: (عسَى اللهُ أنْ يكُفَّ مِن بأسِ الذينَ كَفَروا) . وقراءةُ ابنِ مسعودٍ وأبي الدَّرداء: (واللَّيلِ إذا يغشَى* والنَّهارِ إذا تجلَّى* والذكرِ والأنثَى) . وهذا حديثٌ ثابتٌ، روَاه شُعبةُ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن ابنِ مسعودٍ وعن أبي الدرداء، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٣) .
- vol. 5, p. 612
أخبرنا عيسى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أبو الحسينِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: سمِعتُ ابنَ شُبرمةَ يقرؤُها: (عسَى اللهُ أنْ يكُفَّ مِن بأسِ الذينَ كَفَروا) (١) .
قال سُفيان: وقَرَأ عبدُ الله بنُ مسعودٍ: (وأقيموا الحَجَّ والعُمْرَةَ للّه) (٢) .
- vol. 5, p. 613
وقد أجازَ مالكٌ القراءةَ بهذا ومثلِه، فيما ذكَرَ ابنُ وَهْبٍ عنه، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُه (١) ، وذلك محمولٌ عندَ أهلِ العلم اليومَ على القراءةِ في غيرِ الصلاةِ على وجْهِ التَّعليم. والوقوفُ على ما رُويَ في ذلك من علم الخاصةِ، واللّهُ أعلم.
-
وأمَّا حرفُ زيدٍ، فهو الذي عليه الناسُ في مصاحفِهم اليومَ وقراءتِهم من بينِ سائرِ الحروفِ؛ لأنَّ عثمانَ جمَع المصاحفَ عليه بمحضرِ جُمهورِ الصَّحابةِ، وذلك بيِّنٌ في حديثِ الدراوَرْدي، عن عُمارةَ بنِ غَزِيّةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابِتٍ، عن أبِيه (٢) . وهو أتمُّ ما رُويَ من الأحاديثِ في جمع أبي
vol. 5, p. 614بكرٍ للقرآنِ، ثم أمَرَ عثمانُ بكتابةِ المصاحفِ بإملاء زيدٍ. وقد تقدَّمَ عن الطَّحاويِّ أنَّ أبا بكرٍ وعثمانَ عَوَّلا على زيدِ بنِ ثابِتٍ في ذلك، وأنَّ الأمرَ عادَ فيما يُقرأُ به القرآنُ إلى حرفٍ واحدٍ، بما لا وجْهَ لتكريرِه، وهو الذي عليه جماعةُ الفقهاءِ فيما يُقطعُ عليه وتجوزُ الصلاةُ به، وباللّه التوفيق.
-
وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ (١) ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم وخارجةَ، أنَّ أبا بكرٍ الصديقَ كان قد جمَعَ القرآنَ في قراطيسَ، وكان قد سألَ زيدَ بنَ ثابِتٍ النَّظرَ في ذلك، فأبى عليه، حتى استعانَ عليه بعمرَ بنِ الخطابِ، ففعَلَ، وكانت تلك الكتبُ عندَ أبي بكرٍ حتى تُوفِّي، ثم كانت عندَ عُمرَ حتى تُوفِّي، ثم كانت عندَ حفصةَ زوجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأرسَلَ إليها عثمانُ، فأبت أنْ تدفعَها إليه حتى عاهدَها لَيَرُدَّنَّها إليها، فبعَثتْ بها إليه، فنسخَها عثمانُ - [في] (٢) هذه المصاحف - ثم ردَّها إليها، فلم تزلْ عندَها حتى أرسلَ مَرْوانُ فأخَذَها فحرَّقَها.
-
حدَّثنا محمدٌ (٣) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمرَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ النَّيسابوريُّ،
vol. 5, p. 615قال: حدَّثنا يُونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ (١) ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شهاب، عن سالم وخارجة، فذكَرَه سواء (٢) .