ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص حديث واحد
68 paragraphs · vol. 6, p. 43
Page 2 of 2
- vol. 6, p. 58
وذكر عبدُ الرَّزَّاقِ (٤) ، عن الثوريِّ، عن الحسنِ بنِ عُبَيْدِ الله (٥) ، عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ: أنَّه ذُكِر له أنَّ الزُّبَيرَ وطلحةَ كانا يُشَدِّدان على الرجلِ في الوصيةِ، فقال: ما كان عليهما أنْ يَفْعَلا؛ تُوُفِّي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فما أوْصَى، وأوْصَى أبو بكرٍ، فإن أوْصَى فحَسَنٌ، وإن لم يُوصِ فلا بَأْسَ.
vol. 6, p. 59قال أبو عُمر: ليس قولُ النَّخَعيِّ هذا بشيءٍ؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يُخلِّفْ ما يُوصِي فيه؛ لأنَّه مَخصُوصٌ بأن يكونَ كلُّ ما يترُكُه صدقةً.
قال (١) : وحدَّثنا إسماعيلُ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ عونٍ يقولُ: إنَّما الوَصِيةُ بمنزِلَةِ الصدقةِ، فأحَبُّ إليَّ إذا كان المُوصَى له غَنيًّا عنها أن يَدَعَها.
-
وأمَّا قولُ سعدٍ في الحديثِ: "وأنا ذو مالٍ" ففيه دليلٌ على أنَّه لو لم يكنْ ذا مالٍ ما أذِن له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الوَصيَّةِ، واللهُ أعلمُ، ألا تَرى إلى قولِه - صلى الله عليه وسلم -: "لأنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أغنياءَ خيرٌ مِن أن تَذَرَهم عَالةً يتكَفَّفُون الناسَ" ؟ وقد منَع عليُّ بنُ أبي طالبِ أو ابنُ عمرَ مَوْلًى لهم مِن أنْ يُوصيَ، وكان له سبعُ مئةِ دِرْهَم، وقال: إنَّما قال اللهُ: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: ١٨٠] وليس لك كبيرُ مالٍ (٢) .
-
وروَى ابنُ جُرَيْج، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، قال: لا يجوزُ لمن كان ورَثَتُه كثيرًا ومالُه قليلًا أن يُوصِيَ بثُلثِ مالِه. قال: وسُئِل ابنُ عباسٍ عن ثمانِ مئةِ دِرْهَم، فقال: قليلٌ (٣) .
-
وسُئِلَتْ عائشةُ عن رجلٍ له أربعُ مئةِ دينارٍ، وله عِدَّةٌ مِن الولدِ، فقالت: ما في هذا فَضْلٌ عن ولدِه (٤) .
- vol. 6, p. 60
وفي هذا الحديثِ أيضًا: عيادةُ العالم والخليفةِ وسائرِ الجِلَّةِ للمريضِ.
-
وفيه: الدليلُ على أنَّ الأعمالَ لا تَزْكُو عندَ الله إلَّا بالنِّياتِ، لقولِه: "وإنَّك لن تُنْفِقَ نفقةً تَبْتَغي بها وجهَ الله إلَّا أُجِرْتَ فيها" فدَلَّ على أنَّه لا يأْجُرُ اللهُ على شيءٍ مِن الأعمالِ إلَّا ما ابْتُغيَ به وجْهُه تبارك وتعالى.
-
وفيه: دليلٌ على أنَّ الإنفاقَ على البَنِينَ والزوجاتِ مِن الأعمالِ الصالحاتِ، وإنَّ تَرْكَ المالِ للورثةِ أفْضَلُ مِن الصدقةِ به، إلَّا لِمَن كان واسِعَ المالِ. والأُصُولُ تَعْضُدُ هذا التأويلَ؛ لأنَّ الإنفاقَ على مَن تَلْزَمُه نفَقَتُه فَرْضٌ، وأداءُ الفرائضِ أفْضَلُ مِن التَّطَوُّع. ولو اسْتَدَلَّ مُسْتَدِلٌّ على أنّ وُجوبَ نَفَقاتِ الزوجاتِ بهذا الحديثِ لكان مَذْهَبًا، لقولِه: "حتى ما تَجعَلُ في فيّ امرأتِك" .
-
وأمَّا قولُ سَعْدٍ: "أُخَلَّفُ بعدَ أصحابي؟ " فمَعْناه عندي - واللهُ أعلمُ -: أُخَلَّفُ بمكةَ بعدَ أصحابي المهاجِرِينَ المُنْصَرِفِين معك إلى المدينةِ. ويَحتَمِلُ أن يكونَ لمّا سَمِع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إنَّك لن تُنْفِقَ نفقةً تَبْتَغي بها وجهَ الله" - و "تُنْفِقُ" فعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ - أيْقَن أنَّه لا يموتُ مِن مَرَضِه ذلك، أو ظَنَّ ذلك، فاسْتَفْهَمَه: هل يَبْقَى بعدَ أصْحابِه؟ فأجابه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بضرْبٍ مِن قولِه: "لن تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغي بها وجهَ الله" . وهو قولُه: "لن تُخلَّفَ فتَعْمَلَ عَمَلًا صالحًا إلَّا ازْدَدْتَ به رفْعَةً ودَرَجَةً، ولعلَّكَ أن تُخلَّفَ حتى يَنْتفِعَ بك أقْوَامٌ ويُضَرَّ بك آخَرُون" . وهذا كلُّه ليس بتَصْرِيح، ولكنَّه قد كان كلُّ ما قاله - صلى الله عليه وسلم -، وصدَقَ في ذلك ظَنُّه، وعاش سَعْدٌ حتى انْتَفَع به قومٌ واستَضَرَّ به آخرون.
-
وروَى ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن بُكَيْر بنِ الأشَجِّ، قال: سألتُ عامرَ بنَ سَعْدِ بنِ أبي وقَّاصٍ عن قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لأبيه عامَ حَجَّةِ الوَدَاع: "ولعَلَّكَ أن تُخلَّفَ حتى يَنْتفِعَ بك قومٌ ويُضَرَّ بك آخَرُونَ" . فقال: أُمِّر
vol. 6, p. 61سعدٌ على العراقِ، فقَتَل قومًا على ردَّةٍ فأضَرَّ بهم، واسْتَتابَ قومًا سَجَعوا سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ فتابُوا فانتَفَعُوا (١) .
قال أبو عُمر: ممَّا يُشْبِهُ قولَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لسعدٍ (٢) هذا الكلامَ، قولُه للرجلِ الشَّعِثِ الرَّأْسِ: "ما لَه، ضَرَب اللهُ عُنُقَه؟ " . فقال: الرجلُ في سبيلِ الله؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "في سبيلِ الله" . فقُتِل الرجلُ في تلك الغَزَاةِ (٣) .
-
ومثلُه قولُه - صلى الله عليه وسلم - في غزو مُؤْتةَ: "أميرُكم زيدُ بنُ حارثةَ، فإن قُتِل فجعفرُ بنُ أبي طالبٍ، فإن قُتِل فعبدُ الله بنُ رواحةَ" . فقال بعضُ أصحابِه: نَعَى إليهم أنفُسَهم. فقُتِلوا ثَلاثَتهم في تلك الغَزَاةِ (٤) .
-
ومثلُ ذلك قصةُ عامِرِ بنِ سنانٍ حينَ ارْتَجز برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - سيرِه إلى خيبرَ، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "غفَر لك ربُّك يا عامرُ" . فقال له عمرُ: يا رسولَ الله، لو أمْتَعْتَنا به؟ قال: وذلك أنَّه ما استَغْفَر لإنسانٍ قَطُّ يَخصُّه بذلك إلَّا اسْتُشْهِد، فاسْتُشْهِد عامِرٌ يومَ خيبرَ (٥) .
-
وهذا كلُّه ليس بتصريح مِن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في القولِ، ولا يَبِين في المرادِ والمعنى، ولكنَّه كان يخرُجُ كلُّه كما ترَى، وقد خُلِّفَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ بعدَ
vol. 6, p. 62حجَّةِ الوَداع نحوَ خمسٍ وأربعين سنةً، وتُوفِّي سنةَ خمسٍ وخمسين، وقد ذكرنا أخبارَه وسيرتَه وطرَفًا مِن فضائلِه في كتابنا في "الصحابةِ" (١) ، فأغْنَى عن ذكرِه هاهنا.
-
وفيه: دليلٌ على أنَّ المهاجِرَ لا يجوزُ له المُقامُ بالأرضِ التي هاجَر منها أكثرَ مما وُقِّتَ له، وذلك ثلاثةُ أيام، وذلك محفوظٌ في حديثِ العلاءِ بنِ الحضْرمِيِّ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - جعَل للمهاجِرِ ثلاثةَ أيام بعدَ الصَّدَرِ (٢) . وهذه الهجرةُ هي التي كان يَحرُمُ بها على المهاجرِ الرُّجُوعُ إلى الدارِ التي هاجَر منها.
وقالت عائشةُ: إنَّما كانت الهجرةُ قبلَ فتح مكةَ والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينةِ، ليَفِرَّ الرجلُ بدينِه إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٣) .
-
وروَى ابنُ عباسٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال يومَ الفتح: "لا هجرةَ، ولكن جهادٌ ونيَّةٌ، وإذا استُنْفِرْتُم فانْفِرُوا" ؛ رواه مجاهدٌ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباس (٤) .
- vol. 6, p. 63
وقد جاءَتْ أحاديثُ ظاهِرُها في الهجرةِ على خلافِ هذا؛ منها حديثُ عبدِ الله بنِ وقْدَانَ القُرَشيِّ، وكان مُسْتَرْضَعًا في بني سعدٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَنْقَطِعُ الهجرةُ ما قُوتِل الكفارُ" . وروى ابنُ مُحيْريزٍ، عن عبدِ الله بنِ السَّعْدِيِّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه (١) . ومنها حديثُ معاويةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تَنْقَطِعُ الهجرةُ حتى تَنْقَطِعَ التوبةُ، ولا تَنْقَطِعُ التوبةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ مِن مَغْربِها" (٢) .
قال أبو جعفرٍ الطحاويُّ (٣) : هذه الهجرةُ هِجرةُ المعاصي غيرَ الهجرَتَينِ الأُوليَينِ، كما روى الزهريُّ، عن صالح بنِ بَشِيرِ بنِ فُدَيْكٍ، قال: خرَج فُدَيْكٌ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رَسُولَ الله، إنَّهم يَزْعُمُون أنَّه مَن لم يُهَاجِرْ هَلُك،
vol. 6, p. 64فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا فُدَيْكُ، أقِم الصلاةَ، وآتِ الزكاةَ، واهْجُرِ السُّوءَ، واسْكُنْ مِن أرضِ قومِكَ حيثُ شِئْتَ، تكنْ مُهَاجِرًا" .
وقال الحكمُ بنُ عُتَيبةَ: أفْضَلُ الجهادِ والهجرةِ كلمةُ عدلٍ عندَ إمام جائرٍ.
-
وقد قيل: إنَّه لم تكنْ هجرةٌ مُفْتَرضةٌ بالجملةِ على أحدٍ إلَّا على أهلِ مكةَ، فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ افْترَض عليهم الهِجْرَةَ إلى نبيِّهم - صلى الله عليه وسلم - حتى فَتح عليه مكةَ، فقال حينَئِذٍ: "لا هجرةَ بعدَ الفتح، ولكنْ جهادٌ ونيَّةٌ" . فمَضَتِ الهِجرةُ على أهلِ مكةَ، لكن (١) مَن كان مهاجِرًا لم يَجزْ له الرُّجوعُ إلى مكةَ واسْتِيطانُها وتركُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، بل افْتُرِض عليهم المُقَامُ معه، فلما مات - صلى الله عليه وسلم - افْتَرقوا في البُلْدانِ، وقد كانوا يَعُدُّون مِن الكبائِر أن يَرْجِعَ أعرابيًّا بعدَ هِجْرِتِه (٢) .
-
وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أنّ قولَه: "لا هجرةَ بعدَ الفتح" ؛ أيْ: لا هجرةَ مُبتَدَأةً يَهجُرُ بها المرءُ وطنَه هِجْرَانًا لا يَنْصَرفُ إليه، مِن أهل مكةَ؛ قريشٍ خاصَّةً، بعدَ الفتح، وأمَّا مَن كان مُهاجِرًا منهم، فلا يجوزُ له الرُّجُوعُ إليها على حالٍ مِن الأحوالِ ويَدَعُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا بَيِّن فيما ذكرنا إن شاء الله.
- vol. 6, p. 65
وقد بَقِي مِن الهجرةِ بابٌ باقٍ إلى يوم القيامةِ، وهو المسلمُ في دارِ الحربِ إذا أُطْلِقَت أَسْرَتُه، أو كان كافرًا فأسْلَم، لم يَحلَّ له المُقامُ في دارِ الحربِ، وكان عليه الخرُوجُ فرضًا واجِبًا. قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنا بَرِيءٌ مِن كلِّ مسلم مع مشرِكٍ" (١) . وكيف يجوزُ لمسلم المُقَامُ في دارٍ تَجرِي عليه فيها أحكامُ الكفر، وتكونُ كلمتُه فيها سُفْلى ويَدُه وهو مسلمٌ؟ هذا لا يجوزُ لأحَدٍ.
-
وفيه: دليلٌ على قطعِ الذرائع في المحرَّماتِ؛ لأنَّ سعدًا وإن كان مريضًا، فرُبَّما حمَل غيرَه حُبُّ الوَطنِ على دَعْوَى المرضِ، فلذلك قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهُمَّ أمْضِ لأصحابي هِجرتَهم ولا تَرُدَّهم على أعقابِهم، لكنّ البائِسَ سعدُ بنُ خَوْلَة" .
- vol. 6, p. 66
وزعَم (١) أهلُ الحديثِ أن آخرَ حديثِ ابنِ شهابٍ هذا، قولَه: "لكن البائسُ سعدُ بنُ خولةَ" ، وقولَه: يَرْثي له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ ماتَ بمكةَ، قولُ ابنِ شهابٍ (٢) .
- vol. 6, p. 67
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي العَوَّام، قال: حدَّثنا يزيدُ (١) بنُ هارونَ، قال: أخبرنا سفيانُ بنُ حسينٍ، عن الزُّهريِّ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عاده في مرضِه بمكة، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي أدَعُ مالًا كثيرًا، وليس يَرِثُني إلا ابنةٌ لي، أفأُوصِي بمالي كلِّه؟ قال: "لا" . قال: فبنصفِه؟ قال: "لا" . قال: فبثُلُثِه؟ قال: "الثُّلثُ، والثلثُ كثيرٌ، سعدُ، إنَّك أنْ تَذَرَ (٢) ورَثَتَك أغْنياءَ خيرٌ مِن أن تَذَرَهُم (٣) عالةً يَتكَفَّفونَ الناسَ، وإنَّكَ تُؤجَرُ في نَفَقَتِك كلِّها، حتى ما (٤) تجعَلُ في فيّ (٥) امْرَأتِك" . قال: يا رسولَ الله، إنِّي أرْهَبُ أن أموتَ في الأرضِ التي هاجَرتُ منها، فادْعُ اللهَ لي. قال: "اللَّهُمَّ اشْفِ سعدًا، اللهم اشْفِ سعدًا" . قال: يا رسولَ الله، أأُخلَّفُ عن هجرتي؟ قال: "إنَّك عسى أنْ تُخلَّفَ، ولعلك أن تَعِيشَ بعدي حتى يُضَرَّ بك قومٌ ويَنْتفِعَ بك آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أمْضِ لأصحابي هِجرتَهم ولا تَرُدَّهم على أعقابِهم، لكن البائِسُ سَعْدُ بنُ خَوْلةَ" (٦) .
-
وفي قولِ سعدٍ في هذا الحديثِ: إنِّي (٧) أرْهَبُ أن أموتَ في الأرضِ التي
vol. 6, p. 68هاجَرْتُ منها، وقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهُمَّ أمْضِ لأصحابي هجرتَهم" ، دليلٌ على أنَّه إنَّما تحزَّن على سعدِ بنِ خَوْلةَ لأنَّه مات في الأرضِ التي هاجَر منها، لا أنَّه لم يُهاجِرْ كما ظَنَّ بعضُ مَن لا يَعْلَمُ ذلك؛ لأنَّ سعدَ بنَ خَوْلةَ ممَّن شَهِد بَدْرًا عندَ جماعَةِ أهْلِ السيرِ والعلم بالخبرِ، على أنَّه قد رُويَ ذلك أيضًا نصًّا.
-
روَى جَريرُ بنُ حازم، قال: حدَّثني عمي جريرُ بنُ زيد (١) ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: مَرِضْتُ بمكةَ، فأتاني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يعودُني، فقُلتُ: يا رسولَ الله، أموتُ بالأرضِ التي هاجَرْتُ منها؟ ثم ذكرَ معْنَى حديثِ ابنِ شهابٍ هذا، وفي آخِرِه: "لكنْ سعدُ بنُ خَوْلةَ البائسُ قد مات في الأرضِ التي هاجَر منها" (٢) .
-
حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعْنَاقيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيْليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، عن عبدِ الرحمنِ الأعرجِ، قال: خَلَّف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على سعدٍ رجلًا، فقال: "إن مات بمكةَ فلا تَدْفِنْه بها" . قال سفيانُ: لأنَّه كان مهاجرًا (٣) .
- vol. 6, p. 69
وروى سفيانُ بنُ عيينة (١) ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، عن أبي بُرْدَةَ، عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، قال: سألْتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: أتكْرَهُ للرجلِ أنْ يموتَ بالأرضِ التي هاجَر منها؟ قال: "نعم" .
وقال فُضيْلُ بنُ مَرْزُوقٍ: سألتُ إبرهيمَ عن الجوارِ بمكةَ، فرَخَّص فيه، وقال: إنَّما كُرِه لئلَّا يَغْلُوَ السِّعْرُ، وكُرِه لمن هاجر أن يُقِيمَ بها (٢) .
-
حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المُفَسِّرِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ معينٍ، قال (٣) : حدَّثنا وكيعٌ، عن عبدِ الله بنِ سعيد،
vol. 6, p. 70عن أبيه، عن ابنِ عمر، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قَدِم مكةَ قال: "اللَّهُمَّ لا تجعَلْ منَايانَا بها حتى تُخرِجَنا منها" .
-
وأمَّا سعدُ بنُ خَوْلَةَ، فرجلٌ مِن بني عامرِ بنِ لؤيٍّ، وقد قيل: إنَّه حَلِيفٌ لهم، وقد ذكرناه في كتابِنا في "الصحابةِ" (١) بما فيه كِفايةٌ.
-
حدَّثني خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَرِ بنِ الوَرْدِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ غُلَيْب (٢) وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جابر، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ بكَيْرٍ، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، عن يَزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ، قال: تُوُفِّي سعدُ بنُ خَوْلَةَ في حجَّةِ الوَدَاع (٣) .