ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر أحد عشر حديثا، منها واحد مرسل وعشرة متصلة مسندة
319 paragraphs · vol. 6, p. 96
Page 2 of 8
- vol. 6, p. 115
واستدَلَّ من قال ذلك بحديثِ الأعمش، عن مُسْلم البَطِين، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباس، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنّ أمّي ماتت وعليها صومٌ، أفأصومُ عنها؟ فقال: "أرأيتَ لو كان عليها دَيْنٌ، أكُنْتَ تَقْضيه؟ " ، قال: نعم، قال: "فدَيْنُ الله أحقُّ أن يُقْضَى" (١) .
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ قد اختُلِفَ فيه عن الأعمشِ في إسنَادِه ومتْنِه؛ فقال فيه جماعةٌ من رُواتِه عنه بإسنادِه: عن ابنِ عباس، قال: جاءتِ امرأةٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إنّ أختي ماتت وعليها صيام (٢) . وبعضُهم يقول في حديثِ ابنِ عباسٍ هذا: إنّ امرأةً جاءت إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أُمِّي ماتَت وعليها صومٌ (٣) . وفي هذا ما يدُلُّكَ على أنّ هذا الحديثَ ليس ذلك الحديثَ، وأنَّ الرجلَ المذكورَ فيه ليس سعدَ بنَ عبادةَ، واللهُ أعلم. على أنَّ هذا الحديثَ مُضْطَرِبٌ، وقد كان ابنُ عباسٍ يُفْتي بخلافِه، فدَلَّ على أنه غيرُ صحيح عنه.
- vol. 6, p. 116
حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا حَجَّاجٌ الأحْوَلُ (٢) ، قال: حدَّثنا أيوبُ بنُ موسى، عن عطاء بنِ أبي ربَاح، عن ابنِ عباس، قال: لا يُصلِّي أحَدٌ عن أحَد، ولا يصومُ أحَدٌ عن أحَد، ولكن يُطْعِمُ عنه مكانَ كلِّ يوم مُدًّا من حِنْطَةٍ (٣) .
-
واختلف الفقهاءُ فيمَن ماتَ وعليه صيامٌ من قضاء رمضان، أو من نذرٍ نذَره، وقد كان قادرًا على صيامِه (٤) ؛ فقال مالكٌ (٥) : لا يصومُ عنه وليُّه في الوجهين جميعًا، ولا يصومُ أحدٌ عن أحدٍ.
قال مالكٌ: وهذا أمرٌ مجُتمَعٌ عليه عندَنا (٦) . وتحصِيلُ مذهبِه أنَّ الإطعامَ في ذلك واجِبٌ على الميِّتِ، وغيرُ واجِبٍ على الورثة، وإن أوصَى بذلك الميِّتُ كان في ثُلُثِه.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إنْ أمكَنَه القضاءُ فلم يفعَل، أطْعَمَ عنه ورثَتُه، في النَّذْرِ وفي قضاء رمضانَ جميعًا (٧) . وهو قول الثوريِّ، والأوزاعيِّ (٨) ، والشافعيِّ.
- vol. 6, p. 117
وقد رُويَ عن هؤلاء أنه إن لم يجد ما يُطْعِمُ عنه صام عنه وليُّه. والمشهورُ عنهم الإطعامُ دونَ الصيام، وهو المعروفُ من مذْهَبِ الشافعيِّ (١) ، وبه قال الحَسَنُ بنُ حيٍّ، وابنُ عُلَيَّة (٢) ؛ ألا يصومَ أحَدٌ عن أحَد.
-
والإطعامُ عندَ أبي حنيفةَ، والثوريِّ، والشافعيِّ، والأوزاعيِّ، والحَسَنِ بنِ حيٍّ، وابنِ عُليَّة، واجِبٌ في رأس ماله، أوصَى به أو لم يُوصِ.
وقال اللَّيثُ بنُ سَعْد، وأحمدُ بنُ حَنْبَل، وأبو عُبَيْدٍ: يصُومُ عنه وليُّه في النَّذْرِ، ويُطْعِمُ عنه في قضَاء رمضانَ مُدًّا من حِنْطَةٍ عن كل يوم. والإطعامُ عندَهم واجبٌ في مالِ الميِّتِ.
وقال أبو ثَوْر: يصومُ عنه وليُّه في قَضاء رمضانَ، وفي النَّذْرِ جميعًا (٣) . وحُجَّةُ أبي ثَوْرٍ حديثُ عائشةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "من ماتَ وعليه صيامٌ، صَامَ عنه وليُّه" . رواه عَمْرُو بنُ الحارِثِ، عن عُبَيْدِ الله بنِ أبي جَعْفَرٍ، عن محمدِ بن جَعْفَرِ بنِ الزُّبير، عن عُرْوةَ، عن عائشة (٤) . ورُويَ عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلُه، لم يخُصَّ نَذْرًا من غيرِ نَذْر (٥) .
-
واحْتَجَّ من فَرَّقَ بينَ النَّذْرِ وقضَاء رمضانَ، بأنّ سعيدَ بنَ جبيرٍ روى عن
vol. 6, p. 118ابنِ عباسٍ، في قضَاء رمضانَ: يُطْعَمُ عنه. وفي النَّذْرِ: يُصَامُ عنه (١) . وهو راوي (٢) الحديث، وهو أعْلَمُ (٣) بتأويلِه.
-
واحتجَّ من قال: لا يُصَامُ عنه في وجْهٍ من الوُجُوهِ، بما قدَّمْنا من قول ابن عباسٍ: لا يصُومُ أحَدٌ عن أحَدٍ مُطْلَقًا، وبما رَوى محمدُ بنُ عبدِ الرحمن بنِ ثَوْبَانَ، عن ابنِ عباسٍ؛ فيهما جميعًا الإطعامُ (٤) . وفي فَتْوَى ابنِ عباسٍ - بخلافِه - ما يُوهِنُه عندَ الكوفيِّ والمدنيِّ (٥) . قالوا: لأنه لو صحَّ عنه أو عندَه لم يُخالِفْه. وكذلك حديثُ عائشةَ سواءً؛ لأنها أفْتَتْ بخِلافِه. روى عبدُ العزيزِ بنُ رُفَيْع، عن امرَأةٍ منهم يقال لها: عَمْرَةُ، عن عائشةَ من قولها: يُطْعَمُ عنه في قَضَاء رمضانَ، ولا يُصَامُ.
-
وقد أجمَعُوا ألا يُصَلِّيَ أحَدٌ عن أحَدٍ، والصومُ في القياسِ مِثْلُه (٦) ، فإن ادَّعَوا فيه أثرًا عُورِضُوا بما ذكرنَا من عِلَلِ الأثَرِ في ذلك. ولا أعْلَمُه يُروى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من غيرِ هذَيْنِ الوجهين. واللهُ أعلمُ.
- vol. 6, p. 119
وأمّا مذهَبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأحمدَ في مثلِ هذا الأصْلِ، فالمصِيرُ إلى المُسْنَدِ عندَهم أوْلى من قولِ الصَّاحِبِ، وفَتْوَاه عندَهم - بخلافِ ما رواه - لا حُجَّةَ فيه، وهذا الأصْلُ قد أوضَحْنَاه في غيرِ هذا الموْضِع (١) .
وقال بعضُ أهلِ العلم: إنَّ النَّذْرَ الذي كان على أمِّ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ كان عِتْقًا، وكلُّ ما كان في مالِ الإنسانِ واجِبًا فجائِزٌ أن يؤدِّيَه عنه غيرُه. واستدَلَّ قائلُ هذا القول بحديثِ القاسم بنِ محمدٍ، أنَّ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ قال لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ أمِّي هَلَكَتْ، فهل يَنْفَعُها أن أُعْتِقَ عنها؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم" (٢) . قال: فهذا تَفْسِيرُ النَّذْرِ المُجْمَلِ الذي ذكرَه ابنُ عباسٍ في حديثِه.
وقال منهم قائلون: إنّ النَّذْرَ الذي كان على أمِّ سَعْدِ بنِ عُبادَةَ كان صَدَقَةً. ورَوَوْا في ذلك آثارًا قد ذكرْنَا بعْضَها أو أكثرَها في بابِ سعيدِ بنِ عَمْرِو بنِ شُرَحْبِيلَ بنِ سعيدِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبادَةَ (٣) ، وفي بابِ عبدِ الرحمن بنِ أبي عَمْرَةَ (٤) من كِتابِنا هذا.
وقال آخرون: بل كان نَذْرًا مُطْلَقًا، على ظاهِرِ حديثِ ابنِ عباسٍ. ومن جعلَ
vol. 6, p. 120على نَفْسِه نَذْرًا هكذا مُجمَلًا (١) مُبْهَمًا فكفّارَتُه كفّارَةُ يمينٍ عند أكثرِ العُلَماء. ورُوِي ذلك أيضًا عن عائشة (٢) ، وابنِ عباسٍ (٣) ، وجابرِ بنِ عبدِ الله (٤) .
-
وقد رُويَ عن ابنِ عمرَ: ليس للنَّذْرِ إلا الوفَاءُ به (٥) . وعن سعيدِ بنِ المسيِّب مثلُ ذلك (٦) . وهذا عندَ أهلِ العلم على ما قد سُمِّي من النَّذْر.
-
ورَوَى الثَّوْريُّ، عن أبي سلَمَةَ، عن أبي مَعْشَر، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عمرَ، أنه سُئِلَ عن النَّذْرِ، فقال: أفْضَلُ الأيْمان، فإن لم يَجِدْ فالتي تَليها، فإن لم يَجِدْ فالتي تَلِيها. يقول: الرَّقَبةُ، أو الكُسوةُ، أو الإطعامُ (٧) .
-
ورَوَى ابنُ عُيَيْنةَ، عن عطَاء بنِ السَّائِب، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ،
vol. 6, p. 121قال: النَّذْرُ إذا لم يُسَمِّه صاحِبُه فهو أغْلَظُ الإيْمان (١) ، وله (٢) أغْلَظُ الكفَّارةِ، يُعتقُ رقبةً (٣) .
-
وقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ في النَّذْرِ: كفَّارَةُ يَمِين، ولم يقُلْ: مُغَلَّظة (٤) . وعن جابرِ بنِ عبدٍ الله وعائِشَةَ مثْلُه.
وقال معمرٌ، عن قتادةَ: اليمينُ المُغَلَّظَةُ عِتْقُ رقبةٍ، أو صيامُ شهرَيْنِ متتابعَيْن، أو إطعامُ ستِّينَ مسكينًا (٥) .
-
ورَوَى ابنُ عُيَيْنةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ: إني لأعجَبُ ممن يقول: إنَّ النَّذْرَ يمينٌ مُغَلَّظَةٌ (٦) . قال الشعبيُّ: يُجزئُه إطعامُ عشَرَةِ مساكينَ (٧) . وقاله الحسنُ (٨) .
-
وذكرَ عبدُ الرَّزاقِ (٩) ، عن الثوريِّ، عن هُشَيْم (١٠) ، عن مُغِيرَةَ، عن إبراهيمَ، قال: في النَّذْرِ: كفَّارَةُ يَمِين.
vol. 6, p. 122قال: وقال إبراهيمُ: يُجْزِئُه من النَّذْرِ صيَامُ ثلاثَةِ أيَّام إذا لم يجد (١) .
وقال الثَّوْريُّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: سواءٌ قال: عليَّ نَذْرٌ، أو: لله عليَّ نَذْرٌ، هي يَمِينٌ (٢) .
-
وعن ابنِ عُيَيْنةَ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن مجاهدٍ، قال: النَّذْرُ يَمِينٌ (٣) .
-
وعن ابنِ جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُ الناسِ: علَيَّ نَذْرٌ لله؟ قال: يَمِينٌ، فإن سمَّى نَذْرًا فهو ما سَمَّى (٤) .
قال ابنُ جُرَيج: أخبرني عَطَاءٌ، أنه سَمِعَ أبا الشَّعْثَاء يقولُ: إنْ نَذَرَ الرَّجُلُ لَيَفْعَلَنَّ شيئًا فهو يَمِينٌ، ما لم يُسَمِّ النَّذْرَ (٥) . وهو قولُ مالكٍ والفقهاء.
- vol. 6, p. 123
حديثٌ رابعٌ لابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله مُسنَدٌ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله بنِ عتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ زوج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عن الفأرَةِ تقَعُ في السَّمْنِ، فقال: "انْزِعُوها وما حولَها فاطَّرِحوه" .
-
هكذا روى يحيى هذا الحديثَ فجوَّدَ إسنادَه وأتْقَنَه، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن مَيْمونةَ، وتابعَه جماعةٌ من الحُفَّاظِ؛ منهم: عبدُ الرحمن بنُ مهدي (٢) ، وعبدُ الله بنُ نافع، والشافعيُّ (٣) ، وإسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْس (٤) ، وسعيدُ بنُ أبي مريم (٥) ، وزيدُ بنُ يحيى بنِ عُبَيْدٍ (٦) الدِّمشقيُّ (٧) ، وأشْهَبُ بنُ عبدٍ العزيز، وإبراهيمُ بنُ طَهْمان (٨) ، وزيادُ بنُ يونسَ، ومُطرِّفُ بنُ عبدٍ الله، وسعيدُ بنُ داودَ الزَّنبريُّ (٩) ، وإسحاقُ بنُ عيسى الطبَّاعُ، وعُبيدُ بنُ حِبَّان (١٠) ،
vol. 6, p. 124كلُّ هؤلاءِ يرويهِ عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن مَيْمُونَة (١) ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
ورواه ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن ميمونةَ. لم يذكُر ابنَ عباس (٢) .
-
هكذا رواه عن ابنِ وَهْبٍ؛ يونسُ بنُ عبدٍ الأعلى، وأبو الطَّاهِر، والحارِثُ بنُ مِسْكِين.
-
ورواه القَعْنَبيُّ (٣) ، والتِّنِّيسيُّ، وعثمانُ بنُ عمرَ، ومَعْنُ بنُ عيسى (٤) ، وإسحاقُ بنُ سُليمانَ الرَّازيُّ، وخالدُ بنُ مخلَد (٥) ، ومحمدُ بنُ الحسن (٦) ، وأبو قُرةَ
vol. 6, p. 125موسى بنُ طارِق، وإسحاقُ بنُ محمد الفَرْويُّ، كلُّ هؤلاء روَوْه عن مالك، عن ابنِ شهابٍ (١) ، عن عُبيدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. لم يذْكُروا ميمونةَ.
-
ورواه يحيى القطَّانُ (٢) ، وجُويرِيَةُ (٣) ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابن عباس، أنَّ ميمونةَ اسْتَفْتَت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
ورواه ابنُ بُكيرٍ وأبو مُصعبٍ (٤) ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مقطُوعًا (٥) . وهذا اضطرابٌ شديدٌ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ. والصَّوابُ فيه ما قاله يحيى ومَن تابَعَه (٦) . واللهُ أعلمُ.
- vol. 6, p. 126
واختلَفَ في هذا الحديثِ أيضًا أصحابُ ابنِ شهابٍ؛ فرواه ابنُ عُيينةَ، ومَعْمَرٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، كما روى يحيى.
-
وعندَ معمرٍ خاصَّةً من بينِ أصحابِ ابنِ شهابِ في هذا الحديثِ إسنَادٌ آخر، عن سعيد بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه سُئِل عن فَأرةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ، فقال: "إنْ كان جامِدًا فخذُوها وما حولَها فألقُوه (١) " .
قال عبدُ الرَّزاقِ في هذا الحديثِ بهذا الإسنادِ: "وإن كان مائِعًا فلا تقرَبُوه" .
وقال عنه عبدُ الواحِدِ بنُ يزيدَ: "وإن كان ذائِبًا أو مائِعًا فاسْتَصْبِحوا به" ، أو قال: "انتَفِعُوا به" .
-
وروى الأوزاعِيُّ هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لم يذكر ميمونةَ، بنحوِ حديثِ مالكٍ (٢) . وتابعه على هذا الإسنادِ عبدُ الرحمن بنُ إسحاقَ (٣) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله، عن ابنِ عباسٍ، لم يذكر ميمونةَ.
-
ورواه عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ الله، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - اسْتُفْتي في فَأرَةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ. مَقْطُوعًا (٤) ، لم يَذكُر ابنَ عباسٍ ولا ميمونةَ. والصحيحُ في إسنادِ (٥) هذا الحديثِ ما قاله مالكٌ في روايةِ يحيى ومن تابعَه، كما ذكرنا.
vol. 6, p. 127قال محمدُ بنُ يحيى النَّيسابوريُّ (١) : وحديثُ مَعْمرٍ أيضًا، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: محفوظٌ. قال: والطَّرِيقان عندَنا محفُوظانِ (٢) إن شاء اللهُ. قال: لكنَّ المشهُورَ حديثُ ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله. قال: وصوابُه: عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، كما قال مالكٌ وابنُ عُيينةَ.
وقال البخاريُّ: حديثُ عبدٍ الرَّزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، في هذا، غيرُ محفُوظٍ (٣) .
قال محمدُ بنُ يحيى (٤) : ورواه عبدُ الجبارِ بنُ عمرَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم بنِ عبدٍ الله، عن عبدٍ الله بنِ عُمَرَ، أنه كان عندَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ جاءه رجلٌ، فسأله عن فأرَةٍ وقَعَتْ في ودَكٍ لهم (٥) . قال: وهذا الإسنادُ عندنا غيرُ محفُوظٍ، وهو خطأ، ولا يُعرَفُ هذا الحديثُ من حديثِ سالم، وعبدُ الجبارِ ضعيفٌ جدًّا.
vol. 6, p. 128قال أبو عُمر: حديثُ ابنِ عمرَ هذا ذكرَه ابنُ وَهْبٍ في "مُوطَّئِه" ، عن عبدِ الجبارِ بنِ عمرَ بإسنادِه هذا (١) .
-
فأمَّا روايةُ ابنِ عيينةَ لهذا الحديثِ، فحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال (٢) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزهريُّ، قال: أخبرنا عبيدُ الله بنُ عبدٍ الله بنِ عُتبةَ، أنه سَمِع ابنَ عباس يُحدِّثُ، عن ميمونةَ، أنَّ فأرَةً وقَعَتْ في سَمْنٍ فماتَتْ، فسُئِل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ألقُوها وما حولَها، وكُلُوا" (٣) . هذا مثلُ إسنادِ يحيى عن مالكِ في هذا الحديثِ سواءً.
-
وحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ العَسْكَريُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ البُرُلُّسيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، عن مالك بنِ أنسٍ وسفيانَ بنِ عيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن عبيدِ الله بنِ عبد الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، أنَّ فأرَةً وقَعَت في سمنٍ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ألقُوهَا وما حَوْلَها، وكُلُوا" (٤) .
-
وحدَّثنا خَلَفٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ، قال: حدَّثنا يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا أشهبُ بنُ عبدٍ العزيز (٥) ، قال: حدَّثنا مالكٌ، قال: حدَّثني
vol. 6, p. 129ابنُ شهابٍ، عن عبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابنِ عباسِ، عن ميمونةَ، قالت: سُئِل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن فأرَةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ، فقال: "خُذُوها وما حولَها فألقُوه" .
-
وأمَّا روايةُ مَعْمرٍ، فأخبرنا خَلَفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ (١) ، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الرَّزاقِ، قال (٣) : أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن فأرَةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ، فقال: "إن كان جامدًا فخُذُوها وما حولَها فألقُوه، وإن كان مائِعًا فلا تَقْرَبُوه" (٤) .
-
وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدٍ المؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح والحسنُ بنُ عليٍّ - وهذا لفظُ الحسنِ - قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزاقِ، قال (٦) : أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا وقَعَتِ الفأرَةُ في السَّمْنِ، فإن كان جامِدًا فألقُوه (٧) وما حولَها، وإن كان مائعًا فلا تقرَبُوه" . قال الحسنُ: قال عبدُ الرزاقِ (٨) : ورُبَّما حدَّث به معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
vol. 6, p. 130قال أبو داود (١) : وحدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزاق، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ بُوذُوية، عن معمرٍ، عن الزّهريِّ، عن عبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن ميْمونةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمثلِ حديث الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب.
-
هكذا قال عبدُ الرزَّاقِ، عن معمرٍ، [عن الزهري] (٢) عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، بهذا الإسنادِ: "وإن كان مائعًا فلا تقرَبوه" .
-
وقال فيه عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن معمرٍ أيضًا، بهذا الإسنادِ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "وإن كان ذائِبًا - أو قال: مائِعًا - لم يُؤكَلْ" . هذه روايَةُ مُسَدَّدٍ، عن عبدٍ الواحدِ.
-
حدَّثنا بذلك عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرٌ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ (٣) ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحدِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: سُئِلَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن فأرَةٍ وقَعَتْ في السمنِ، فقال: "إن كان جامدًا أُلقِيَتْ وما حولَها، وإن كان ذائِبًا أو مائِعًا لم يُؤكَلْ" (٤) .
- vol. 6, p. 131
وغيرُ مُسدَّدٍ يقولُ فيه: عن عبدٍ الواحدِ، عن مَعْمَرٍ، بهذا الإسنَادِ: "وإن كان مائِعًا فانتفِعُوا به واستَصْبِحوا" (١) . وقد يحتَمِلُ أن يكونَ المعْنَى في روايَةِ مُسدَّدٍ وغيرِه عن عبدٍ الواحِدِ في ذلك سواءً، ويُحمَلُ قولُه: "لم يُؤْكَلْ" في روايَةِ مُسَدَّدٍ على تخصِيصِ الأكلِ، كأنه قال: لم يُؤكَلْ، ولكنَّه يُسْتَصْبَحُ به ويُنْتفَعُ (٢) . فلا تتعارَضُ الرِّوايَةُ عنه في ذلك.
-
وأمَّا عبدُ الأعلى، فروَاه عن مَعمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عن فأرةٍ وقَعَتْ في سمنٍ، فأمرَ بها أن تُؤْخَذَ وما حولَها فتُطْرَحَ (٣) . هكذا قال، لم يذكُر حُكْمَ المائِع بشيءٍ، وكلُّ هؤلاء ليس عندَه عن مَعْمَرٍ في هذا الحديثِ إلا هذا الإسنَادُ: عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ.
-
وقال محمدُ بنُ يحيى النَّيسابُوريُّ بعدَ ذِكْرِه هذا الحديثَ، قال: وحدَّثنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الرحمن بنُ بُوذُوية - وكان من متثبِّتيهم (٤) - أنَّ معمرًا
vol. 6, p. 132كان يرويه أيضًا عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدٍ الله، عن ابنِ عباسٍ، عن مَيْمُونةَ (١) .
قال محمدُ بنُ يحيى: ومما يُصَحِّحُ حديثَ معمرٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، أنَّ عبدَ الله بنَ صالح حدَّثني، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني خالدُ بنُ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال ابنُ المسيِّب: بلغَنا أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن فأرَةٍ وقَعَتْ في سَمْنٍ (٢) . قال محمدُ بنُ يحيى: فقد وجَدْنا ذكرَ سعيدِ بنِ المسيِّب في هذا الحديثِ من غيرِ روايةِ معمرٍ، فالحديثان محفوظان (٣) .
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ مَعَانٍ من الفِقْهِ، منها ما اجتُمِعَ عليه، ومنها ما اختُلِفَ فيه؛ فأمَّا ما اجتَمَع عليه العلماءُ من ذلك، أنَّ الفأرَةَ ومثلَها من الحيوانِ كلِّه يموتُ في سَمْنٍ جامدٍ، أو ما كان مثلَه من الجامداتِ، أنها تُطْرَحُ وما حولَها مِن ذلك الجامِدِ، ويُؤْكَلُ سائِرُه، إذا اسْتُيقِنَ أنه لم تَصِلِ الميْتَةُ إليه (٤) . وكذلك أجْمَعوا أنَّ السَّمْنَ وما كان مثلَه إذا كان مائِعًا ذائِبًا، فماتَتْ فيه فأرَةٌ، أو وقَعَتْ وهي ميتةٌ، أنَّه قد نَجُسَ كلُّه (٥) ، وسواءٌ وقَعَتْ فيه ميتةً، أو حيَّةً فماتَتْ، يتَنَجَّسُ بذلك، قليلًا كان أو كثيرًا. هذا قولُ جمهُورِ الفقَهاء وجماعةِ العلماء.
- vol. 6, p. 133
وقد شَذَّ قومٌ، فجعلوا المائِعَ كلَّه كالماء (١) ، ولا وجْهَ للاشتِغالِ بشُذُوذِهم في ذلك، ولا هم عند أهلِ العِلْم ممن يُعَدُّ خلافًا، وسلَكَ داودُ بنُ عليٍّ سبيلَهم في ذلك، إلا في السَّمْنِ الجامدِ والذَّائِبِ (٢) ، فإنه قال فيه بظاهِرِ حديثِ هذا البابِ، وخالفَ معنَاه في العَسَل، والخَلِّ، والمُرِّيّ، والزَّيت، وسائرِ المائِعَاتِ، فجعلَها كالماء في لحُوقِ النجاسَةِ إيَّاها بما ظَهَر منها فيها، فشَذَّ أيضًا، ويلزَمُه ألا يتَعَدَّى الفأرَةَ، كما لم يتعَدَّ السَّمْنَ وأظنه قولَه وقولَ بعضِ أصحابِه، ويلزَمُهم أيضًا ألا يَعْتَبروا إلقاءها في السَّمْنِ حتى تكونَ هي تقَعُ بنفسِها، وكفَى بقولٍ يئُولُ إلى هذا قَوْدُ أصلِه، قُبْحًا وفسَادًا.