ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر تسعة أحاديث

466 paragraphs · vol. 6, p. 335

Page 7 of 12

  1. وفيه: الصَّلاةُ خلفَ الفاجِرِ من السَّلاطينِ، ما كان إليهِم إقامتهُ، مِثل الحجِّ والجُمُعةِ والأعياد. ولا خِلافَ بينِ العُلماءِ: أنَّ الحجَّ يُقيمُهُ السُّلطانُ للنّاسِ، وَيَستخلِفُ على ذلك من يُقيمُهُ لهُم على شرائعِهِ وسُننِهِ، ويُصلَّى خلفَهُ الصَّلواتُ كلُّها، برًّا كان أو فاجِرًا أو مُبتدِعًا، ما لم تُخرِجْهُ بدعتُهُ من الإسلام.

    vol. 6, p. 443
  2. وفي هذا الحديثِ: أنَّ رَواحَ الإمام من موضِع نُزُولِهِ بعَرَفةَ إلى مسجِدِها حين تزُولُ الشَّمسُ، وأنَّ الجَمْعَ بين الظُّهرِ والعصرِ في المسجِدِ، في أوَّلِ وقتِ

    vol. 6, p. 444الظُّهرِ سُنَّةٌ (١) ، وهذا ما (٢) لا خِلافَ فيه بين أهلِ العِلم، وكذلكَ فعلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ويلزمُ كلَّ من بعُد عن المسجِدِ بعرفةَ أو قَرُبَ، إلّا أن يكون مُتَّصِلًا موضِحُ نُزُولِهِ بالصُّفُوفِ، فإن لم يفعلْ وصلَّى بصلاةِ الإمام وفَهِمها، فلا حرجَ. ورُوي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ نزل بنَمِرةَ من عَرَفة (٣) ، وحيثُما نَزَل من عَرَفةَ فجائزٌ، وكذلك وُقُوفُهُ منها حيثُما وَقَف فجائزٌ، إلّا بطنَ عُرَنَةَ (٤) ، فإذا زاغتِ الشَّمسُ راح إلى المسجدِ بعرَفةَ فصلَّى بها الظُّهرَ والعصرَ جميعًا مع الإمام، على ما قُلنا في أوَّلِ وقتِ الظُّهرِ.

  3. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داوُد، قال (٥) : حدَّثنا أحمدُ بن حنبل، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا نافِعُ بن عُمر، عن سعيدِ بن حسّان، عن ابن عُمر، قال: لمّا قتلَ الحجّاجُ ابنَ الزُّبَيرِ، أرسَل إلى ابن عُمر: أيّةَ ساعةٍ كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يرُوحُ في هذا اليوم؟ قال: إذا كان ذلك رُحنا، فلمّا أراد ابنُ عُمر أن يرُوحَ، قال: أزاغتِ الشَّمسُ؟ قالوا: لم تَزغْ، ثُمَّ قال: أزاغتِ الشَّمسُ؟ قالوا: لم تَزغْ، ثُمَّ قال: أزاغتِ الشَّمسُ (٦) ؛ فلمّا قالوا: قد زاغت، ارتحل.

  4. وفي حديثِ جابر، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا زاغتِ الشَّمسُ، أمرَ بالقَصْواء فرُحلتْ لهُ، وأتى بطنَ الوادي، وخَطَب النّاسَ، ثُمَّ أذَّن بلالٌ، ثُمَّ أقامَ فصلَّى الظُّهر، ثُمَّ أقام فصلَّى العصر، ولم يُصلِّ بينهُما شيئًا، ثُمَّ راح إلى المَوْقِف (١) .

    قال أبو عُمر: هذا كلُّهُ ما لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمين فيه، وأمّا وقتُ الرَّواح من مِنًى إلى عرفة، فليسَ هذا مَوْضِعَ ذكره، وكذلك قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "عَرَفةُ كلُّها موقِفٌ، وارتفِعُوا عن بطنِ عُرَنة (٢) " (٣) . وسيأتي ذِكرُهُ، ونُوضِّحُ القولَ فيه بموضِعِهِ من كتابنا هذا، وذلك عندَ ذِكرِ مراسيلِ مالك، إن شاء اللهُ.

    vol. 6, p. 445
  5. واختَلف الفُقهاءُ في وقتِ أذانِ المُؤذِّنِ بعرفةَ للظُّهرِ والعصرِ، وفي جُلُوسِ الإمام للخُطبةِ قبلَها، فقال مالكٌ: يخطُبُ الإمامُ طويلًا، ثُمَّ يُؤذِّنُ المُؤذِّنُ وهُو يخطُبُ، ثُمَّ يُصلِّي (٤) ؛ ذَكَر ذلك ابنُ وَهْبٍ عنهُ.

  6. وهذا معناهُ أن يخطُبَ الإمامُ صدرًا من خُطبتِهِ، ثُمَّ يُؤذِّنَ المُؤذِّنُ، فيكونَ فراغُهُ معَ فراغ الإمام من الخُطبةِ، ثُمَّ ينزِلَ فيُقيمَ.

  7. وحكى عنهُ ابنُ نافِع، أنَّهُ قال: الأذانُ بعرفةَ بعدَ جُلُوسِ الإمام للخُطبة. وقال أبو حنيفةَ وأبو يُوسُفَ ومحمدٌ (٥) : إذا صعِدَ الإمامُ المِنبر أخذ المُؤذِّنُ في الأذانِ، فإذا فَرَع المُؤذِّنُ قام الإمامُ يخطُبُ ثُمَّ ينزِلُ، فيُقيمُ المُؤذِّنُ للصَّلاةِ. وبِمِثلِ ذلك سواءً قال أبو ثورٍ (٦) .

    vol. 6, p. 446وقال الشّافِعيُّ (١) : يأخُذُ المُؤذِّنُ في الأذانِ إذا قام الإمامُ للخُطبة الثّانية، فيكونُ فراغُهُ من الأذانِ بفراغِ الإمام من الخُطبةِ، ثُمَّ ينزِلُ فيُصلِّي الظُّهر، ثُمَّ يُقيمُ المُؤذِّنُ الصلاة.

  8. وقال مالكٌ (٢) ، وسُئلَ عن الإمام إذا صعِدَ المِنْبرَ يومَ عرفةَ: أيَجلِسُ قبلَ أن يخطُب؟ قال: نعم، ثُمَّ يقومُ فيخطُبُ طويلًا، ثُمَّ يُؤذِّنُ المُؤذِّنُ وهُو يخطُبُ، ثُمَّ يُصلِّي؛ ذكرهُ ابنُ وَهْبٍ عنهُ، قال: وقال مالك: يخطُبُ خُطبتينِ.

  9. وفي قولِ أبي حنيفَةَ وأصحابِه ممّا قدَّمنا ما يدُلُّ على أنَّ الإمامَ يجلِسُ، فإذا فرغَ المُؤذِّنُ قامَ فخطَبَ.

    وقال الشّافِعيُّ (٣) : إذا أَتَى الإمامُ المسجدَ، خطَبَ الخُطبةَ الأُولى - ولم يذكُر جُلُوسًا عندَ الصُّعُودِ - فإذا فرغَ من الأُولى، جلسَ جِلسةً خفيفةً قدرَ قِراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثمَّ يقومُ فيخطُبُ خُطبةً أُخرى.

  10. وأجمعَ العُلماءُ على أنَّ الإمامَ لا يجهَرُ بالقِراءةِ في الظُّهرِ والعصرِ بعرفةَ، لا في يوم الجُمُعةِ، ولا في غيرِها، وأجمَعوا أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك فَعَل، لم يجهَرْ (٤) ، وأجمعُوا على أنَّ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الظُّهرَ والعصرَ يومَ عرفةَ - إذ جمعَ بينَهُما - ركعتينِ، وأجمعُوا على أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان مُسافِرًا يومئذٍ، ولم ينوِ إقامةً؛ لأنَّهُ أكملَ عمَلَ حجِّهِ، وعجَّل الانْصِراف.

  11. واختُلِف في قَصْرِ الإمام إذا كان مكِّيًّا، أو من أهلِ مِنًى بعرفةَ.

    vol. 6, p. 447فقال مالكٌ (١) : يُصلِّي أهلُ مكَّةَ ومِنًى بعرفةَ ركعتينِ ركعتينِ ما أقامُوا يقصُرُون بالصَّلاةِ، حتّى يرجِعُوا إلى أهليهِمْ، وأميرُ الحاجِّ أيضًا كذلك، إذا كان من أهلِ مكَّةَ قصرَ الصَّلاة بعرفةَ وأيَّامَ مِنًى، قال: وعلى ذلك الأمرُ عندَنا. فإن كان أحدٌ ساكِنًا بمِنًى مُقيَمَا، أتمَّ الصَّلاةَ إذا كان بمِنًى وعرفَةَ أيضًا. كذلك قال مالكٌ.

  12. وأهلُ مكَّةَ يقصُرُونَ الصَّلاةَ بمِنًى، وأهلُ مِنًى يقصُرُونَ الصلاةَ بعرفةَ، وأهلُ عرفَةَ يقصُرُونَ الصَّلاة بمِنًى. وهُو قولُ الأوزاعيِّ سواءً؛ ومن حُجَّتِهِم: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَهُ رضي اللهُ عنهُم لم يُصلُّوا في تلكَ المشاهِدِ كلِّها إلّا ركعتينِ (٢) ، وسائرُ الأُمَراءِ هكذا لا يُصلُّون هُنالك إلّا ركعتينِ، فعُلِمَ أنَّ ذلك سُنَّةُ المَوْضِع؛ لأنَّ من الأُمراءِ مكِّيًّا وغيرَ مكِّيٍّ.

  13. واحتجُّوا أيضًا بما رواهُ يزيدُ بن عِياض، عن ابن أبي نَجِيح، عن مُجاهِد، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - استعملَ عتّابَ بنَ أَسِيدٍ على مكَّة، وأمَرَهُ أن يُصلِّيَ بأهلِ مكَّة ركعتينِ (٣) .

  14. وهذا خبرٌ عندَ أهلِ العِلم بالحديثِ مُنكر، لا تقُومُ به حُجَّةٌ، لضَعفِهِ ونَكارتهِ.

  15. وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والشّافِعيُّ، وأبو ثورٍ وأحمدُ وإسحاقُ وداودُ: مَن كان من أهلِ مكَّةَ صلَّى بمِنًى وعرَفةَ أربعًا، لا يجُوزُ لهُ غيرُ ذلك (٤) .

  16. وحُجَّتُهُم: أنَّ مَن كان مُقيمًا لا يجُوزُ لهُ أن يُصلِّيَ ركعتينِ، وكذلك مَن لم يكُنْ سفَرُهُ سفرًا تُقصَرُ في مِثلِهِ الصلاةُ، فحُكمُهُ حُكمُ المُقيم.

  17. وقد تقدَّم ذِكرُنا أنَّ السُّنَّةَ المُجْمَعَ عليها: الجَمْعُ بين الصَّلاتينِ: الظُّهرِ والعصرِ، يومَ عَرَفةَ مع الإمام.

    vol. 6, p. 448
  18. واختلفَ الفُقهاءُ في مَن فاتتهُ الصَّلاةُ يومَ عَرَفةَ معَ الإمام: هل لهُ أن يَجْمعَ بينَهُما أم لا؟

    فقال مالكٌ (١) : لهُ أن يَجمَعَ بينَ الظُّهرِ والعصرِ إذا فاتهُ ذلك معَ الإمام، وكذلك المغرِبُ والعِشاءُ يَجمَعُ (٢) بينَهُما بالمُزدلِفة. قال: فإنِ احتُبِس إنسانٌ دُونَ المُزدلِفةِ لموضِع عُذْر، جَمَعَ بينَهُما أيضًا قبلَ أن يأتيَ المُزدلِفة (٣) ، ولا يجمَعُ بينَهُما حتّى يغيبَ الشَّفق.

    وقال الثَّوريُّ (٤) : صَلِّ معَ الإمام بعَرَفاتٍ (٥) الصَّلاتينِ إنِ استطعتَ، وإن صَلَّيتَ في رَحْلِكَ فصلِّ كلَّ صلاةٍ لوَقْتِها.

  19. وكذلك قال أبو حنيفة (٦) : لا يَجمَعُ بينَهُما إلّا مَن صلّاهُما معَ الإمام، وأمّا مَن صلَّى وحدَهُ، فلا يُصلِّي كلَّ صلاةٍ منهُما إلّا لوقتِها، وهُو قولُ إبراهيم.

    وقال الشّافِعيُّ، وأبو يُوسُفَ ومحمدٌ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ: جائزٌ أن يجمعَ بينَهُما من المُسافِرينَ مَن صلَّى معَ الإمام، ومَن صلَّى وحدَهُ إذا كان مُسافِرًا (٧) .

  20. وعِلَّتُهُم في ذلك: أنَّ جَمْعَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إنَّما كان من أجلِ السَّفرِ، ولكلِّ مُسافرٍ الجمعُ بينَهُما لذلك. وكان عبدُ الله بن عُمر يَجمَعُ بينَهُما (٨) ، وهُو قولُ عطاءٍ.

  21. وأجمعَ العُلماءُ، أنَّ الإمامَ لا يجهَرُ في صلاةِ الظُّهرِ ولا العصرِ يومَ عرفةَ، وفي ذلك دليلٌ على صِحَّةِ قولِ مَن قال: لا جُمُعةَ يومَ عرفةَ، وهُو قولُ مالكٍ والشّافِعيِّ ومحمدِ بن الحسن (١) .

    vol. 6, p. 449
  22. واختَلف العُلماءُ في الأذانِ للجَمْع بين الصَّلاتينِ بعَرَفةَ، فقال مالكٌ (٢) : يُصلِّيهِما بأذانَيْنِ (٣) وإقامتَيْنِ، على ما قدَّمنا من قولِهِ في صلاتي المُزدلِفة، والحُجَّةُ لهُ قد تقدَّمت هُناك.

  23. وقال الشّافِعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، وأبو ثورٍ، وأبو عُبيدٍ، والطَّبريُّ: يَجمَعُ بينَهُما بأذانٍ واحِدٍ وإقامتينِ، إقامةٌ لكلِّ صلاة (٤) .

  24. واختُلِف عن أحمد بن حَنْبل، فرَوى عنهُ الكَوْسَجُ، وعن إسحاقَ بن راهُويةَ أيضًا: الجمعَ بينَ الصَّلاتين بعَرَفةَ بإقامةٍ إقامة (٥) .

    وقال الأثرمُ، عن أحمدَ بن حنبل: مَن فاتتهُ الصَّلاةُ مع الإمام، فإنْ شاء جمعَ بينَهُما بأذانٍ وإقامتينِ، وإن شاء بإقامةٍ إقامة (٦) .

  25. وفي لُبسِ الحَجّاج المُعصفَر، وتَرْكِ ابن عُمرَ الإنكارَ عليه، معَ أمرِ عبدِ الملكِ إيّاهُ: أن لا يُخالِفَ عبدَ الله بنَ عُمر في شيءٍ من أمرِ الحجِّ، دليلٌ على أنَّهُ مُباحٌ، وإن كان أكثرُ أهلِ العِلم يكرهُونهُ، وإنَّما قُلنا: إنَّهُ مُباحٌ لأَنَّهُ ليس بطِيْب، وإنَّما كرِهُوهُ لأنَّهُ ينتفضُ (٧) .

  26. وذَكَر ذلك ابنُ بُكير، عن مالك، قال: إنَّما كُرِه لُبسُ المُصبَّغاتِ لأنَّها تنتفِضُ، وليس هذا عندَ القَعْنبيِّ ولا يحيى ولا مُطرِّف.

    vol. 6, p. 450
  27. وكان مالكٌ يكرهُ لُبسَ المُصبَّغاتِ للرِّجالِ والنِّساء (١) ، وخالف في ذلك أسماءَ بنتَ أبي بكر، ورُوي عن عائشةَ مِثلُ قولِ مالك، رواهُ الثَّوريُّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيم: أنَّ عائشةَ كانت تكرهُ المُثَرَّدَ (٢) بالعُصفُر (٣) .

  28. ومِمَّن كان يكرهُ لُبسَ المُصبَّغاتِ بالعُصفُرِ في الإحرام: الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، وأبو ثورٍ (٤) . ورخَّص فيه الشّافِعيُّ (٥) ، لأنَّهُ ليس بطيبٍ.

  29. وقد ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، عن ابن عُيينة، عن عَمرو بن دينار، عن أبي جعفرٍ محمدِ بن عليّ، قال: أبصرَ عُمرُ بن الخطّابِ على عبدِ الله بن جعفرٍ ثَوْبينِ مُضْرَجينِ - يعني: مُعَصفرينِ - وهُو مُحرِمٌ، فقال: ما هذا؟ فقال عليُّ بن أبي طالبٍ: ما إخالُ أحدًا يُعلِّمُنا السُّنَّة. فسكتَ عُمرُ (٦) .

  30. أخبرني أحمدُ بن عبدِ الله بن محمد، أنَّ أباهُ حدَّثهُ قال: أخبرنا محمدُ بن فُطَيس، قال: حدَّثنا يحيى بن إبراهيم بن مُزين، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلَمة القَعْنبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن عُمر، عن عبدِ الرَّحمنِ بن القاسم، عن عبدِ الله بن عبد الله بن عُمر، أنَّهُ قال: كُنتُ أخرُجُ (٧) وعليَّ ثوبانِ مُضْرَجانِ في الحرم مع ابن عُمر، فلا يُنكِرُ عليَّ.

  31. وقد كان مالكٌ، فيما ذكر عنهُ ابنُ (١) وَهْبٍ وابنُ القاسم: يستحِبُّ إيجابَ الفِدْيةِ على من لبِسَ المُعصفرَ المُصبَغَ في الإحرام، وهُو قولُ أبي حنيفة (٢) .

    vol. 6, p. 451
  32. والأصلُ في هذا البابِ: أنَّ الطِّيبَ للمُحرِم بعد الإحرام، لا يحِلُّ بإجماع العُلماءِ، لنهيِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - المُحرِمَ عن الزَّعفرانِ والوَرْسِ، وما صُبغ بهِما من الثِّيابِ المُصبغاتِ في الإحرام (٣) .

    وقال بعضُ أهلِ العلم: إنَّما كان ذلك من عُمر خوفًا من التَّطرُّقِ إلى ما لا يجُوزُ من الصِّبغ، مِثلَ الزَّعفرانِ، والوَرْسِ، وما أشبههُما، مِمّا يُعدُّ طيبًا.

    وقال غيرُهُ: إنَّما كان ذلك من عُمر إلى طلحةَ، لوضِعِهِ من الإمامة (٤) ، ولأنَّهُ مِمَّن يُقتدى بهِ، فوجبَ عليه تركُ الشُّبهةِ، لئلّا يظُنَّ به ظانٌّ ما لا يجُوزُ أن يظُنَّ بمِثلِه، ويتأوَّل في ذلك عليه.

  33. وفي الحديثِ أيضًا من الفِقهِ، ما يدُلُّ على أنَّ تأخيرَ الصلاةِ بعرفةَ بعد الزَّوالِ قليلًا، لعملٍ يكونُ من أعمالِ الصلاةِ، مِثلَ الغُسلِ، والوُضُوءِ، وما أشبه ذلك، أنَّهُ لا بأس به.

  34. وفيه: الغُسلُ للوُقُوفِ بعرفةَ؛ لأنَّ قولَ الحجّاج لعبدِ الله بن عُمر: أنظِرني حتّى أُفيضَ عليَّ ماءً، كذلك كان، وهُو مذهبُ عبدِ الله بن عُمر، وأهلُ العِلم يستحِبُّونهُ. ذكر مالكٌ (٥) ، عن نافِع: أنَّ عبد الله بن عُمر كان يغتسِلُ لإحرامِهِ قبل أن يُحرِم، ولدُخُولِهِ مكَّة، ولوقوفِ عشيَّةِ عرفةَ.

  35. وفيه: إباحةُ فتوى الصَّغيرِ، بين يديِ الكبيرِ، ألا ترى أنَّ سالمًا علَّم الحجّاج السُّنَّة، في قصرِ الخُطبةِ وتعجيلِ الصَّلاةِ وابنُ عُمر أبوهُ إلى جانبِه؟

    vol. 6, p. 452
  36. وقصرُ الخُطبةِ في ذلك الموضِع (١) وفي غير، سُنّةٌ مسنُونةٌ.

  37. وتعجيلُ الصَّلاةِ في ذلك الموضِع سُنَّةٌ مجُتمعٌ عليها في أوَّلِ وقتِ الظُّهرِ، ثُمَّ يصلِّي العصرَ بإثرِ السَّلام من الظُّهرِ في ذلك اليوم.

  38. رَوَينا عن جابرِ بن سَمُرةَ، قال: كان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يخطُبُنا بكلِماتٍ قليلةٍ طيِّبات، وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ بإسنادِهِ فيما سَلَف من كِتابِنا هذا.

  39. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داوُد، قال (٢) : حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن نُميرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا العلاءُ، عن عديِّ بن ثابِت، عن أبي راشِد، عن عمّارِ بن ياسِر، قال: أمَرَنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بإقصارِ الخُطَبِ (٣) .

  40. وأنبأنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عبدِ الرَّحمنِ المخزُوميُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينة، عن عَمْرِو (٤) بن حبيب، عن عبدِ الله بن كثير، عن عمّارِ بن ياسِر، قال: أمرنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقصُر الخُطبة، ونُطيل الصَّلاة (٥) .