ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي أربعة أحاديث، أحدها مرسل
94 paragraphs · vol. 7, p. 5
Page 2 of 3
- vol. 7, p. 19
وذُكِرَ عن الشّافِعيِّ: أنَّهُ يقولُ في النّافِلةِ الشَّهادتينِ، وإن قال: حيَّ على الصَّلاةِ حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاح حيَّ على الفلاح، بَطَلت صلاتُهُ، نافِلةً كانت أو فريضةً (٢) .
قال أبو عُمر: ما تقدَّم عن الشّافِعيِّ، من الجمع بين النّافِلةِ والمكتُوبةِ، أصحُّ عنهُ، والقياسُ أن لا فرقَ بين المكتُوبةِ والنّافِلةِ، إلّا أنَّ قولهُ: "حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاح" قَدِ اضْطَربتْ في ذلك الآثارُ، وهُو كلامٌ، فلا يجُوزُ أن يُقال في نافِلةٍ ولا فَرِيضة. وأمّا سائرُ الأذانِ، فمِن الذِّكرِ الذي يصلُحُ في الصَّلاةِ، ألا ترى إلى حديثِ مُعاوية بن الحَكَم، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ قال: "إنَّ صَلاتَنا هذه لا يَصْلحُ (٣) فيها شيءٌ من كلام النّاسِ، إنَّما هُو التَّسبيحُ، والتَّهليلُ، والتَّكبيرُ، وتلاوةُ القُرآنِ" (٤) . وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "قُولُوا مِثلَ ما يقولُ المُؤذِّنُ" . ولم يخُصَّ صلاةً من غيرِ صلاةٍ، فما كان من الذِّكرِ الذي مِثلُهُ يصلُحُ في الصَّلاةِ، جازَ فيها، قياسًا ونظرًا، واتِّباعًا للأثرِ.
- vol. 7, p. 20
وأمّا الشّافِعيُّ، ومن قال بقولِهِ، في كراهيةِ قولِ من يقولُ بقولِ المُؤذِّنِ، إذا كان سامِعُهُ في صَلاةِ نافِلةٍ أو مَكْتُوبةٍ، فإنَّهُم شبَّهُوهُ بردِّ السَّلام، وتَشْميتِ العاطِسِ، وقد وردَ الأمرُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ بهِما، وذلك مِمّا يجِبُ على غيرِ المُصلِّي، ولا يجِبُ على المُصلِّي، قالوا: فكذلك الأذانُ، وبالله التَّوفيقُ.
-
حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا يحيى بن الرَّبيع، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا سُويدُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ضِمامُ بن إسماعيل، قال: قال أبو قَنانٍ لامْرأتِهِ، وكان من العُبّادِ: إذا مِتُّ، فتَزوَّجي فُلانا، فتزوَّجتهُ، فكانت تقولُ لهُ: قُمْ فصلِّ باللَّيل، فإنَّ أخاكَ كان يُصلِّي باللَّيل، فكانت تُؤذيهِ بذلك، فأُتَيتْ في مَنامِها، فقيل لها: إنَّ زَوْجكِ هذا أرفعُ من أبي قَنانٍ بدَرَجةٍ، قالت: وكيفَ وأبو قَنانٍ كان يُصلِّي باللَّيلِ؟ فقيلَ لها: إنَّ هذا يقولُ كما يقولُ المُؤذِّنُ (١) .
- vol. 7, p. 21
حديثٌ ثالِثٌ لابنِ شِهاب، عن عطاءِ بن يزيدَ
مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن عطاءِ بن يزيدَ اللَّيثيِّ، عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحِلُّ لمُسلم أن يهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ، يَلْتقيانِ فيُعرِضُ هذا، ويُعرِضُ هذا، وخيرُهُما الذي يبدأُ بالسَّلام" .
-
أمّا قولُهُ: "فيُعرِضُ هذا، ويُعرِضُ هذا" فمعناهُ: يُديرُ هذا عن هذا بوجهِهِ، وذلكَ عنهُ أيضًا كذلك، ولهذا نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، عن التَّدابُرِ والإعراضِ (٢) ، قال الشّاعِرُ:
إذا أبْصَرتني أعْرَضتَ (٣) عنِّي ... كأنَّ الشَّمسَ من قِبَلي تدُورُ (٤)
-
وقد مضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ في (٥) بابِ ابن شِهاب، عن أنسٍ.
-
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٦) : حدَّثنا محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصِم (٧) ، عن أبي خالدٍ
vol. 7, p. 22وَهْبٍ، عن (١) أبي سُفيانَ الحِمصيِّ، عن أبي أُمامَةَ الباهِليِّ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ أَوْلَى النّاسِ بالله عزَّ وجلَّ، من بَدَأهُم بالسَّلام" .
قال أبو داود (٢) : وحدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمرَ بن مَيْسَرَةَ وأحمدُ بن سعيدٍ السَّرخسيُّ، أنَّ أبا عامِرٍ أخبرهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن هِلال، قال: حدَّثني أبي، عن أبي هُريرةَ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحِلُّ لمُؤمِنٍ أن يَهجُرَ مُؤمِنًا فوقَ ثلاثٍ، فإن مرَّتْ بهِ ثلاثٌ، فلقيه (٣) فليُسلِّم عليه، فإن ردَّ عليهِ السَّلام، فقدِ اشْتَركا في الأجرِ، وإن لم يرُدَّ عليهِ فقد باء بالإثم" . زاد أحمدُ: "وخرجَ المُسلِمُ من الهِجْرةِ" .
-
وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا بكرُ بن مُضَرَ، عن عُبيدِ الله بن زَحْر (٤) ، عن
vol. 7, p. 23عليِّ بن يزيدَ، عن القاسم، عن أبي أُمامةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من بَدَأ بالسَّلام، فهُو أوْلَى بالله ورسُولِهِ" (١) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مسَرَّةَ (٢) ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيسى بن سُليم البصريُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن عامِرٍ أبو حَفْصٍ، واللَّفظُ لحديثهِ، قالا: حدَّثنا عُبيدُ الله بن الحسنِ القاضي بالبَصرةِ، قال: حدَّثنا الجُريريُّ، عن أبي عُثمان النَّهديِّ، قال: سمِعتُ عُمر بن الخطّابِ يقولُ: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا الْتَقَى المُسْلِمانِ، فسلَّمَ أحدُهُما على صاحِبِهِ، كان أحبَّهُما إلى الله أحسنُهُما بِشْرًا لصاحِبِهِ، فإذا تَصافَحا، أنزلَ اللهُ عليهِما مئةَ رحمةٍ، منها تِسعُونَ للَّذي بَدَأ بالمُصافَحةِ، وعَشْرٌ لصاحِبِهِ" (٣) .
-
وقد ذكرنا المُصافَحَةَ وفضلَها في بابِ محمدِ بن المُنكدِرِ من كِتابِنا هذا، والحمدُ لله.
-
وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الهِجْرةِ آثارٌ شِدادٌ، فيها تغليظٌ، منها:
vol. 7, p. 24حديثُ أبي حازِم، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "من هَجَرَ فوقَ ثلاثٍ، دَخَلَ النّارَ" (١) .
-
ومنها: حديثُ أبي خِراشٍ السُّلميِّ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "من هَجَرَ أخاهُ سنةً، فهُو كسفكِ دمِهِ" (٢) .
-
وحسبُكَ بحديثِ أبي صالح، عن أبي هُريرةَ: "أنَّهُ يُغْفَرُ في كلِّ خميسٍ واثنينِ لكلِّ عبدٍ لا يُشرِكُ باللّه شيئًا، إلّا من كانَ بينهُ وبين أخيهِ شحناءُ، فيقولُ: أنظِرُوا هَذَينِ حتَّى يَصْطلِحا" (٣) .
-
وهذه الآثارُ كلُّها قد ورَدَتْ في التَّحابِّ، والمُؤاخاةِ، والتَّآلُفِ، والعَفْوِ والتّجاوز، وبهذا بُعِثَ - صلى الله عليه وسلم -، وفَّقنا اللهُ لما يُحِبُّ ويَرْضَى، برحمتِهِ ولُطفِ (٤) صُنعِهِ.
- vol. 7, p. 25
حديثٌ رابعٌ لابنِ شِهاب، عن عطاءِ بن يزيدَ مُرسَلٌ
مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن عطاءِ بن يزيدَ اللَّيثيِّ (٢) ، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخيارِ، أنَّهُ قال: بَيْنَما رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - جالِسٌ بين ظَهْراني النّاسِ، إذْ جاءهُ رجُلٌ فسارَّهُ، فلم يُدْرَ ما سارَّهُ، حتَّى جهرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا هُو يَسْتأذِنُ في قتلِ رجُل من المُنافِقينَ، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ جهَرَ: "أليسَ يَشْهدُ أن لا إله إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله؟ " فقال الرَّجُلُ: بلى، ولا شهادَةَ لهُ. قال: "أليسَ يُصلِّي؟ " قال: بلى، ولا صَلاةَ لهُ. فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُولئكَ الذينَ نهاني اللهُ عنهُم" .
-
هكذا رواهُ سائرُ رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ (٣) ، إلّا رَوْحَ بن عُبادةَ، فإنَّهُ رواهُ، عن مالكٍ مُتَّصِلًا مُسندًا؛ حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الجهم السِّمَّريُّ، قال: حدَّثنا روحُ بن عُبادة، عن مالكٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عطاءِ بن يزيدَ، عن عُبيدِ الله بن عديِّ بن الخِيارِ، عن رجُلٍ من الأنصارِ، أنَّهُ قال: بينما رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرهُ.
-
ورواهُ اللَّيْثُ بن سعدٍ (٤) وابنُ أخي الزُّهْريِّ، عن الزُّهْريِّ، مِثلَ رِوايةِ روح بن عُبادةَ، عن مالكٍ سَواء.
-
ورواهُ صالحُ بن كَيْسانَ (٥) وأبو أُويسٍ، عن ابن شِهاب، عن عطاءِ بن يزيدَ، عن عُبيدِ الله بن عديٍّ (٦) بن الخيارِ، أنَّ نفرًا من الأنصارِ حدَّثُوهُ، وساقَ الحديثَ.
- vol. 7, p. 26
ورواهُ اللَّيْثُ بن سعدٍ، عن عُقَيلِ بن خالدٍ، عن ابن شِهاب، كما رواهُ يحيى والجماعةُ، عن مالكٍ.
-
ورواهُ مَعْمرٌ (١) فسمَّى الرَّجُل الذي لم يُسمِّهِ روحُ بن عُبادة، وسنذكُرُهُ إن شاء اللهُ، وسنذكُرُ ما انتهى إلينا من رواياتِ أصحابِ ابن شِهابٍ لهذا الحديثِ، في هذا البابِ، إن شاء اللهُ.
-
وأمّا الرَّجُلُ الذي سارَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فهُو عِتبانُ بن مالكٍ (٢) ، والرَّجُلُ المُتَّهمُ بالنِّفاقِ والذي جَرَى فيه هذا الكلامُ هُو مالكُ بن الدُّخشُم.
-
حدَّثنا سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بن الحُسينِ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن داود البُرُلُّسيُّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن عُمر الغُدانيُّ، قال: حدَّثنا عامِرُ بن يِسَافٍ، عن سعيدِ بن أبي عرُوبةَ، عن قتادةَ، عن النَّضرِ بن أنسٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: لمّا أُصيبَ عِتْبانُ (٣) بن مالكٍ في بَصرِهِ، وهُو رجُلٌ من الأنصارِ، وكان عَقَبيًّا بَدْريًّا، بعَثَ إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رسُولَ الله، لو جِئتَ فصلّيتَ في بَيْتي، أو في (٤) بُقعةٍ من داري، ودعوتَ الله عزَّ وجلَّ لنا بالبركَةِ، فقامَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في نَفرٍ من أصحابِهِ، حتَّى أتى منزِلَهُ، فصلَّى في بيتِهِ، وخرجَ فصلَّى في بُقعةٍ من دارِهِ. ثُمَّ قعدَ القومُ يتحدَّثُونَ، فذكَرَ بعضُهُمُ ابنَ الدُّخشُم، فقالوا: يا رسُولَ الله، ذلك كهفُ المُنافِقين ومأواهُم. وأكثرُوا فيه، حتَّى رخَّصَ لهم رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في قتلِهِ، ثُمَّ قال لهم: "هل يُصلِّي؟ " قالوا: نعم يا رسُولَ الله، صَلاةً لا خيرَ فيها أحيانًا،
vol. 7, p. 27ويَدَعُ (١) أحيانًا، فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "نُهيتُ عن قتلِ المُصلِّينَ، إنَّهُ من يَشْهَد أن لا إلهَ إلّا اللهُ، مُخلِصًا بها، يمُوتُ على ذلكَ، حرَّمُهُ اللهُ على النّارِ" (٢) .
قال سعيدٌ: قال قتادةُ: قال النَّضرُ بن أنسٍ: أمَرَنا أبونا أن نَكتُب هذا الحديثَ، وما أمرنا أن نكتُبَ حديثًا غيرَهُ، وقال: احفظُوهُ يا بَنِيَّ.
-
وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: إباحَةُ المُناجاةِ والتَّسارِّ مع الواحِدِ دُونَ الجماعةِ، وإنَّما المكرُوهُ أن يَتَناجَى الاثنانِ فما فوقَهُما دُون الواحِدِ، فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ، وأمّا (٣) مُشاجاةُ الاثننِ دُون الجماعةِ، فلا بأسَ بذلك، بدليلِ هذا الحديثِ وغيِرهِ.
-
ويُحتملُ أن يُستدلَّ بهذا الحديثِ، على أنَّ الرَّجُل الرَّئيسَ، المُحتاجَ إلى رأيِهِ ونفعِهِ، جائزٌ أن يُناجيَهُ كلُّ من جاءهُ في حاجتِهِ، لقولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اسْتَعينُوا على حوائجِكُم بالكِتمانِ" (٤) .
-
وفيه: أنَّهُ جائزٌ للرَّجُلِ أن يُظهِر الحديث الذي يُناجيهِ بهِ صاحِبُهُ، إذا لم يكُنْ في ذلك ضَررٌ على المُناجي، أو كان مِمّا يحتاجُ أهلُ المجلِسِ إلى عِلمِهِ.
-
وفيه: أنَّ من أظهرَ الشَّهادةَ، بأنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله، حَقَنَتْ دمَهُ، إلّا أن يأتِيَ ما يُوجِبُ إراقتهُ، مِمّا فُرِضَ عليهِ من الحقِّ، المُبيح لقتلِ النَّفسِ المُحرَّمةِ.
- vol. 7, p. 28
وفي قولِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أليسَ يُصلِّي؟ " ، بعد قولِهِ: "أليسَ يشهَدُ أن لا إلهَ إلّا اللهُ؟ " دليلٌ على أنَّ الصَّلاةَ من الإيمانِ، وأنَّهُ لا إيمانَ لمن لا صَلاةَ لهُ.
-
وفي قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أُولئكَ الذينَ نَهاني اللهُ عنهُم" دليلٌ على أنَّ من لا يشهَدُ (١) أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله، فلم ينهَه اللهُ عن قتلِهِ.
-
وكذلك قولُهُ: "أليسَ يُصلِّي؟ " دليلٌ على أنَّهُ لا يجُوزُ قتلُ من صلَّى، وإذا لم يجُز قتلُ من صلَّى، جازَ قتلُ من لم يُصلِّ.
-
وقد تقدَّم القولُ في تارِكِ الصلاةِ، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، عن بُسرِ بن مِحْجَنٍ فأغْنَى عن إعادتِهِ.
-
وفي قولِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُولئك الذينَ نهاني اللهُ عنهُم" ردٌّ لقولِ صاحِبِهِ القائلِ لهُ: بلى، ولا صلاةَ لهُ، بلى ولا شهادَةَ لهُ؛ لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثبتَ لهُ الشَّهادةَ والصَّلاةَ، ثُمَّ أخبرَ أنَّ الله نهاهُ عن قَتْلِهم، يعني: عن قتلِ من أقرَّ ظاهرًا، وصلَّى ظاهِرًا.
-
وأمّا قولُنا: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثبتَ لهُ الشَّهادَةَ والصَّلاةَ، فموجودٌ (٢) من حديثِ مالكٍ، عن ابن شهاب، عن محمُودِ بن الرَّبيع (٣) ، ونحنُ نذكُرُهُ وغيرَهُ في هذا الباب إن شاء اللهُ تعالى.
-
وسُئلَ مالكٌ رحِمهُ اللهُ، عن الزَّنْدقةِ، فقال: ما كان عليهِ المُنافِقُون على عهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - من إظْهارِ الإيمانِ، وكِتْمانِ الكُفرِ، هُو الزَّندقةُ عِندنا اليومَ. قيل: فلِمَ يُقتَلُ الزِّنديقُ، ورسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقتُلِ المُنافِقينَ، وقد عرَفهُم؟ فقال: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لو قتَلهُ بعِلمِهِ فيهِم، وهُم يُظهِرُون الإيمانَ، لكانَ ذريعَةً إلى
vol. 7, p. 29أن يقولَ النّاسُ: يقتُلُهُم للضَّغائنِ، أو لما شاء اللهُ غير ذلك، فيمتَنِعَ النّاسُ من الدُّخُولِ في الإسلامِ (١) . هذا معنى قولِهِ.
-
وقد رُوِيَ عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ عُوتِبَ في المُنافِقين، فقال: "يتَحدَّثُ النّاسُ أنِّي أقتُلُ أصحابي" (٢) .
-
وقدِ احتجَّ عبدُ الملكِ بن الماجِشُونِ في قتلِ الزِّنديقِ بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: ٦٠ - ٦١] . يقولُ: إنَّ الشَّأنَ فيهم أن يُقتَّلُوا تَقْتيلًا حيثُ وُجِدُوا، ولم يذكُرِ اسْتِتابةً، فمن لم يَنْتهِ عمّا كانَ عليهِ المُنافِقُونَ، في زَمنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قُتِلَ، حيثُ وُجِدَ، واللّهُ أعلمُ.
قال أبو عُمر: مالكٌ وأصحابُهُ كلُّهُم إلّا ابنَ نافِع، يجعلُون مالَ الزِّنديقِ إذا قَتلوهُ لورثتِهِ المُسلِمينَ (٣) ، وهُم لا يقتُلُونهُ لفَسادٍ في الأرض، كالمُحارِبِ، وأهلِ البِدَع، ولا يقتُلُونهُ حدًّا، وإنَّما يقتُلُونهُ على الكُفرِ، فكيفَ يرِثُهُ المُسلِمُونَ، وقد قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يرِثُ المُسلِمُ الكافِر" ؟ (٤) .
- vol. 7, p. 30
وأمّا ابنُ نافِع، فرواهُ عن مالكٍ، فقال: ميراثُهُ فيءٌ لجماعةِ المُسلِمينَ.
-
فهذا أبينُ؛ لأنَّ الدَّم أعظمُ حُرمةً من المال، والمالُ تَبَعٌ لهُ.
-
واختلَفَ الفُقهاءُ في اسْتِتابَةِ الزِّنديقِ، المشهُودِ عليهِ بالكُفرِ والتَّعطيل، وهُو مُقِرٌّ بالإيمانِ، مُظْهِرٌ لهُ، جاحِدٌ لما شُهِد بهِ عليه، مُنكِرٌ لهُ.
فقال مالكٌ وأصحابُهُ: يُقتلُ الزَّنادِقةُ ولا يُسْتتابُونَ. قال مالكٌ: ويُسْتَتابُ القَدَريَّةُ، كما يُسْتتابُ المُرْتدُّ. قال ابنُ القاسم: فقيلَ لمالكٍ في القدريَّةِ: كيف يُسْتتابُون؟ قال: يُقالُ لهم: اترُكُوا ما أنتُم عليه، فإن فَعلُوا، وإلّا قُتِلُوا (١) .
-
واختَلَفَ قولُ أبي حنيفةَ وأبي يُوسُفَ في الزِّنديقِ، فقالا مرَّةً: يُسْتتابُ، ومرَّةً قالا: فلا يُستتابُ، ويُقتلُ دُون اسْتِتابةٍ (٢) .
وقال الطَّحاويُّ (٣) : أخبرنا سُليمانُ بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن أبي يُوسُف، عن أبي حَنِيفةَ قال: اقتُلِ الزِّنديقَ، فإنَّ تَوْبتهُ لا تُعرفُ. قال: ولم يَحْكِ أبو يُوسُف خِلافًا (٤) .
وقال الشّافِعيُّ (٥) : يُسْتتابُ الزِّنديقُ، كما يُستتابُ المُرتدُّ ظاهِرًا، فإن لم يَتُب قُتِل. قال: ولو شهِدَ شاهِدانِ على رجُلٍ بالرِّدَّةِ، فأنكرَ، قُتِلَ، فإن أقَرَّ: أن لا إلهَ إلّا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسُولُ الله، وتبرَّأ من كلِّ دينٍ خالَفَ الإسلامَ، لم يُكشَفْ عن غيرِهِ.
- vol. 7, p. 31
ومن حُجَّةِ الشّافِعيِّ في الزِّنديقِ - أنَّهُ يُستتابُ، فإن أقرَّ وأظهرَ الإسلام، لم يُقْتَل -: أنَّ (١) رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقتُلِ المُنافِقينَ، لإظهارِهِمُ الإسلامَ، ولو شاء لقَتَلهم بالشَّهادةِ عليهِم، دُون العِلم، والقضاءُ بالعِلم للحاكِم عِند الشّافِعيِّ جائزٌ (٢) .