ابن شهاب، عن أبي أكيمة الليثي حديث واحد

131 paragraphs · vol. 7, p. 155

Page 4 of 4

  1. وقد اختلَفَ العُلماءُ في حُكم القِراءةِ خلفَ الإمام فيما يُسِرُّ فيهِ (١) بالقِراءةِ، فكَرِهها الكُوفيُّونَ. وإلى ذلك ذهَبَ الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابَهُ، والحسنُ بن حيٍّ، وابن أبي ليلى، وابن شُبرُمةَ.

    vol. 7, p. 192
  2. وهو قولُ إبراهيمَ النَّخعيِّ (٢) ، وغير من الكُوفيِّينَ، وحُجَّتهُم ما ذكرنا.

    وقال سائرُ فُقهاء الحِجازِ والعراقِ والشّام، منهم: مالكٌ، والأوزاعيُّ، والشّافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ، والطَّبريُّ، وغيرهم: يقرأُ مع

    vol. 7, p. 193الإمام في كلِّ ما يُسِرُّ فيهِ (١) . وحُجَّتهم ما قَدَّمنا ذكرهُ في هذا البابِ.

  3. ثمَّ اختلَفَ هؤلاءِ في وجُوبِ القراءةِ ههنا إذا أسَرَّ الإمامُ، فذهَبَ أكثرُ أصحابِ مالكٍ، إلى أنَّ القِراءة عندهُم خلفَ الإمام فيما أسَرَّ به الإمامُ سُنَّةً، ولا شيءَ على من تَرَكها، إلّا أنَّهُ قد أساءَ (٢) .

  4. وكذلك قال أبو جعفرٍ الطَّبريُّ، قال: القِراءةُ فيما أسَرَّ فيه الإمامُ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، ولا تفسُدُ صلاة من تَرَكها، وقد أساءَ.

  5. ذكر ابن خُوَيْزمَنْداد (٣) : أنَّ القِراءة عند أصحابِ مالك خلفَ الإمام، فيما أسَرَّ فيه بالقراءةِ مُسْتحَبَّةٌ غيرُ واجبةِ. وكذلك قال الأبهريُّ، وإليهِ أشارَ إسماعيلُ بن إسحاقَ (٤) .

  6. وذكَرَ إسماعيلُ قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزَةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن أُسامةَ بن زيد، قال: سألتُ القاسمَ بن محمد عن القِراءةِ خلفَ الإمام فيما لم يجهَرْ فيه، فقال: إن قرأتَ، فلكَ في رجالٍ من أصحابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُسْوةٌ، وإن لم تَقْرأ فلكَ في رجالٍ من أصحابِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أُسْوَةٌ (٥) .

    قال: وحدَّثنا عبد الله بن مَسْلمة، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن بلال، عن يحيى بن سعيدٍ، قال: سمعتُ القاسمَ بن محمد، يقولُ: إنِّي أُحبُّ أن أشغَلَ نَفْسي بالقِراءةِ فيما لا يجهَرُ به الإمامُ عن حديثِ النَّفسِ في الظُّهرِ، والعصرِ، والثّالثةِ من المغربِ، والأُخْريينِ من العَتَمةِ (٦) .

    vol. 7, p. 194وقال الشّافعيُّ، والأوزاعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأحمدُ، وإسحاقَ، وداودُ: القِراءةُ فيما أسَرَّ فيه الإمامُ واجبةٌ، ولا صَلاةَ لمن لم يَقْرأ في كلِّ رَكْعةٍ منها بفاتحةِ الكتابِ، أقَلُّ شيءٍ إذا أسَرَّ الإمامُ بالقِراءةِ، لأنَّ الإنْصاتَ إنَّما يكونُ عندَ الجهرِ بالقراءةِ، لقوله: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: ٢٠٤] ، ولقول رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ" .

  7. وقد ارْتَفعَتْ هذهِ العِلَّةُ في صلاةِ السرِّ، فوجَبَ على كلِّ مُصلٍّ أن يَقْرأ لنفسهِ في صلاتِهِ، ولا ينُوبُ عندَ واحدٍ منهم قِراءةُ الإمام، عن قراءةِ المأمُوم، ولا تُجزئهُ، كما لا ينُوبُ، ولا يُجْزئُ عنهُ عندهُم إحرامُهُ، ورُكُوعُه، وسُجُوده، عن إحرام المأمُوم، ورُكُوعهِ وسجُودهِ.

  8. وقد تقدَّمَ في هذا الباب الحُجَّة لهم، فأغْنَى عن إعادتها ههنا.

    قال أبو عُمر: للشّافعيِّ في القراءةِ خلفَ الإمام ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أن يقرأُ مع الإمام فيما أسَرَّ وفيما جهَرَ. والثّاني: يقرأُ معهُ فيما جهَرَ بأُمِّ القُرآنِ فقط، ويتبعُ سَكَتات الإمام قبلَ وبعدَ. والثّالثُ: لا يقرأُ معهُ فيما جهَرَ، ويقرأُ معهُ فيما أسَرَّ (١) .

  9. وذكرَ ابن خُوَيْزمَنْداد قولًا رابعًا مثلَ قولِ أبي حنيفةَ: لا يقرأُ مع الإمام فيما أسَرَّ، ولا فيما جهَرَ.

  10. وهذا القولُ الرّابع عِندَ أصحابهِ غير مَشْهُورٍ، وأصحابهُ اليومَ لا يذكرُونَ في المسألةِ إلّا قولينِ، أحدُهُما: لا بُدَّ للمأمُوم من قراءةِ أُمِّ القُرآن على كلِّ حالٍ، فيما أسَرَّ، وفيما جهَرَ.

  11. والثّاني: يقرأُ معهُ فيما أسَرَّ، ولا يقرأُ معهُ فيما جهَرَ. وهذا هو القولُ عندنا، وبالله التَّوفيقُ.