ابن شهاب، عن ابن محيصة حديثان مرسلان عند جماعة الرواة

54 paragraphs · vol. 7, p. 220

Page 2 of 2

  1. والفرقُ عِندَ أهلِ العِلم في حديثِ البراءِ، وحديثِ أبي هُريرةَ في العَجْماءِ، وبين ما تُتلِفُهُ العَجْماءُ ليلًا من الزَّرع والحَرْثِ، وبين ما تُتلِفُهُ نهارًا، أنَّ أهلَ المَواشي بهِم ضرُورةٌ إلى إرسالِ مَواشيهِم لتَرْعَى بالنَّهارِ، ولأهْلِ الزَّرع حُقُوقٌ في أن لا تُتْلِف عليهِم زُرُوعهُم.

    vol. 7, p. 231
  2. والأغْلَبُ عِندهُم، أنَّ من لهُ الزَّرعُ يَتعاهدُهُ بالنَّهارِ، ويحفظُهُ عمَّن أرادهُ، لانتِشارِ البهائم للرَّعيِ وغيرِهِ، فجُعِل حِفْظُ ذلكَ بالنَّهارِ على أهلِ الزَّرع، لأنَّهُ وقتُ التَّصرُّفِ في المعاشِ، والرَّعيِ، وحِفْظِ الأموالِ، وإرْسالِ الدَّوابِّ، والمَواشي، وإذا أتْلَفت بالنَّهارِ من الزَّرع شيئًا، فصاحِبُ الزَّرع إنَّما أُتِيَ (١) من قِبلِ نَفسِهِ، حيثُ لَمْ يَحْفظهُ، في الوَقْتِ الذي الأغْلَبُ من النّاسِ، أنَّهُم يَحْفظُونهُ فيه، مِمَّن أرادَهُ، إذ لو مُنِع النّاسُ من تَرْكِ مَواشيهِم للرَّعيِ من أجْلِ الزَّرغ للحِقتهُم في ذلكَ مَضرَّةٌ ومَشَقَّةٌ، فإذا جاءَ اللَّيلُ، فقد جاءَ الوقتُ الذي يَرْجعُ كلّ شيءٍ إلى مَوْضِعِهِ، وَيرْجعُ أهلُ الزَّرع إلى مَنازِلهِم، ويرُدُّ أهلُ الماشيةِ ماشيتهُم إلى مَواضِعِهِم ليَحْفظُوها فيها، فإذا تَرَكُوها ليلًا، حتَّى أفْسَدت، فالجِنايةُ من أهلِ المَواشي، لا من أهلِ الزَّرع، لأنَّ الأغْلَبَ، أنَّ النّاس لا يَحفظُون زُرُوعهُم باللَّيل، لاسْتِغنائهِم عن ذلكَ، وعِلْمِهِم أنَّ المَواشيَ باللَّيلِ تُردُّ إلى أماكِنِها.

    vol. 7, p. 232
  3. فإذا فرَّطَ صاحِبُ الماشيةِ في ردِّها إلى مَنْزِلِهِ، أو فرَّطَ في ضَبْطِها وحَبْسِها عن الانتِشارِ باللَّيلِ، حتَّى أتْلَفَتْ شيئًا، فعليه ضمانُ ذلكَ، إلّا أن تكونَ الماشيةُ ضالَّةً، أو نافِرةً، فلا يتهيَّأُ لصاحِبِها ضمُّها، ولا رَدُّها إلى مَكانِها، فإذا كان كذلكَ، لَمْ يلزمهُ ضمانُ ما أتلفَتْ باللَّيلِ، كما لا يَلْزمُهُ ضمانُ ما أتلَفَتْ بالنَّهارِ.

  4. وأمّا السّائقُ، والرّاكِبُ، والقائدُ، فإنَّهُم يَضْمنُون ما أصابتِ الدّابَّةُ، اسْتِدلالًا بحديثِ البراءِ، لأنَّ ذلكَ في معنى ما أتلفَتْ باللَّيلِ، لأنَّ الرّاكِبَ يَتَهيَّأُ لهُ حِفظُ الدّابَّةِ، فعليه حِفْظُها، ولا مَشَقَّةَ عليه في ذلكَ، وكذلكَ سائقُها، وقائدُها، والأغلبُ، أنَّ النّاسَ إذا رَكِبُوا، أو ساقُوا، أو قادُوا، منعُوا الدّابَّةَ مِمّا أرادت من إتْلافٍ أو غيرِهِ، فإذا لَمْ يَفْعلُوا ذلكَ، فإنَّما أتُوا (٢) من قِبَلِ أنفُسِهِم، فعليهِمُ الضَّمانُ، إلّا أن

    vol. 7, p. 233تكونَ الدّابَّةُ قد غَلَبتِ الرّاكِبَ، أوِ القائدَ، أوِ السّائقَ، فلم يَقْدِر عليها، فإذا كان كذلكَ، فلا غُرْمَ عليه، ولا ضمانَ يَلْزمُهُ، لأَنهُ مَغْلُوبٌ عن حِفْظِ ما أُمِرَ بحِفْظِهِ، ولم يُمكِنهُ الدَّفعُ.

  5. وخَبَرُ البَراءِ بن عازِبٍ هذا في طَرْح الضَّمانِ عن أهْلِ المَواشي فيما أتلَفَتْ ماشيتُهُم من زُرُوع النّاسِ نهارًا، إنَّما مَعْناهُ عِندَ أهلِ العِلم إذا أُطلِقت للرَّعيِ، ولم يَكُن معَها صاحِبُها.

  6. وأمّا إذا كانت تَرْعي، ومَعَها صاحِبُها، فلم يَمْنعها من زَرْع غيرِهِ، وقد أمْكَنهُ ذلكَ حتَّى أتْلَفتهُ، فعليه الضمانُ، لأنَّهُ لا مَشَقَّةَ عليه في مَنْعِها، وهُو في معنى الرَّاكِبِ، والسَّائقِ، وباللّه العِصمةُ والتَّوفيقُ.

  7. أخبرنا خَلَفُ بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أنبأنا عبدُ الرَّزّاقِ (١) ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن حَرام بن مُحيِّصةَ، عن أبيه: أنَّ ناقةً للبَراءِ دخَلَتْ حائطَ رجُلٍ فأفْسَدتْ فيه، فقَضَى النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على أهلِ الأموالِ حِفْظُها بالنَّهارِ، وعلى أهلِ المَواشي حِفْظُها باللَّيلِ.

  8. وبه عن عبدِ الرَّزّاقِ (٢) قال: أخبرنا ابن جُرَيج، عن ابن شِهاب، قال: حدَّثني أبو أُمامةَ بن سَهْلِ بن حُنَيف: أنَّ ناقةً دخلَتْ في حائطِ قوم فأفسَدَتْ فيه،

    vol. 7, p. 234فذهَبَ أصحابُ الحائطِ إلى النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "على أهْلِ الأموالِ حِفظُ أموالِهِم نَهارًا، وعلى أهْلِ الماشيةِ حِفْظُ ماشَيتِهِم باللَّيل، وعليهِم ما أفسَدَتهُ" .

    قال (١) : وأخبرنا مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، عن الشَّعبيّ: أنَّ شاةً وقَعَت في غَزْلِ حائكٍ، فاخْتَصمُوا إلى شُرَيح، فقال الشَّعبيُّ: انظُرُوهُ، فإنَّهُ سيسألُهُم ليلًا وَقَعت فيه أم نَهارًا؟ ففعل، ثُمَّ قال: إن كانَ باللَّيلِ ضمِنَ، وإن كان بالنَّهارِ لَمْ يَضْمن.

  9. ثُمَّ قرأ شُريحٌ: {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء: ٧٨] قال: فالنَّفشُ باللَّيلِ، والهملُ بالنَّهارِ.

    قال (٢) : وأخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: النَّفشُ باللَّيلِ، والهملُ بالنَّهار.

    وقال معمر، وابنُ جُريج: بَلَغنا أنَّ حَرْثهُم كان عِنَبًا (٣) .

  10. قرأتُ على أحمدَ بن عبدِ الله بن محمد: حدَّثكُمُ الميمُونُ بن حمزةَ؟ قال: نعم، حَدَّثَنَا قال: حَدَّثَنَا الطَّحاويُّ (٤) ، قال: أخبرنا المُزنيُّ، قال: حَدَّثَنَا الشّافِعيُّ، قال: أخبرنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ وحَرام بن سعدِ بن مُحيِّصةَ: أنَّ ناقَةً للبَراءِ بن عازِبٍ دخلَتْ حائطَ قَوْم فأفسَدَت فيه، فَقَضَى رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أنَّ على أهْلِ الأموالِ حِفظُ أموالِهِم بالنَّهارِ، وعلى أهْلِ الماشيةِ ما أفسَدَت ماشيتُهُم باللَّيل. أو قال: ما أصابَتْ مَواشيهِم باللَّيل.

  11. وحدَّثني عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن بكرِ بن محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (١) : حَدَّثَنَا محمُودُ بن خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا الفِريابيُّ، عن الأوْزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن حَرام بن مُحيِّصةَ، عن البَراءِ بن عازِبٍ قال: كانت لنا ناقةٌ دخلَتْ حائطَ قوم، فأفْسَدَت فيه، فكلِّم رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَضَى أنَّ حِفظَ الحَوائطِ بالنَّهارِ على أهْلِها، وأنَّ على أهْلِ الماشيةِ ما أصابَتْ ماشيتُهُم باللَّيل.

    قال أبو داود: وكذلكَ رواهُ الوليدُ، عن الأوزاعيِّ. قال: ورواهُ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن حَرام بن مُحيِّصةَ، عن أبيه، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال: ولم يُتابِعْ أحدٌ عبد الرَّزّاقِ على رِوايتِهِ، عن حرام بن مُحيِّصةَ، عن أبيه. ذكرهُ أبو داود في كِتابِهِ المُفردِ.

    vol. 7, p. 235
  12. وفي رِوايةِ الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ في هذا الحديثُ: "كانت لنا ناقةٌ ضاريةٌ" .

  13. ولا أعلمُ وجهًا لمن فرَّق من أصحابِنا بينَ الضّاريةِ وغيرِها، من جِهَةِ الأثرِ، ولا صحيح النَّظرِ.

  14. وأمّا من تُقُدِّم إليه بالنَّهيِ، فلم يَنْتهِ عن كفِّ عاديةٍ ضاريةٍ، فمِنْ قِبَلِهِ أُتِيَ، لا من قِبَلِ ضاريةٍ، واللّه أعلمُ.