- (باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب)

51 paragraphs · vol. 5, p. 47

Page 2 of 2

  1. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (إِنَّمَا بقاؤكم فِيمَا سلف من الْأُمَم قبلكُمْ) ، ظَاهره لَيْسَ بِمُرَاد، لِأَن ظَاهره أَن بَقَاء هَذِه الْأمة وَقع فِي زمَان الْأُمَم السالفة، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَن نسبتكم إِلَيْهِم كنسبة وَقت الْعَصْر إِلَى تَمام النَّهَار، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (إِنَّمَا أجلكم فِي أجل من خلا من الْأُمَم كَمَا بَين صَلَاة الْعَصْر إِلَى مغرب الشَّمْس) . قَوْله: (إِلَى غرُوب الشَّمْس) ، كَانَ الْقيَاس أَن يُقَال: وغروب الشَّمْس، بِالْوَاو، لِأَن: بَين، يَقْتَضِي دُخُوله على مُتَعَدد، وَلَكِن المُرَاد من الصَّلَاة وَقت الصَّلَاة، وَله أَجزَاء، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَين أَجزَاء وَقت صَلَاة الْعَصْر. قَوْله: (أُوتِيَ أهل التَّوْرَاة) ، أُوتِيَ: على صِيغَة الْمَجْهُول، أَي: أعطي، فالتوراة الأولى مجرورة بِالْإِضَافَة، وَالثَّانيَِة مَنْصُوبَة على أَنه مفعول ثَان، قيل: اشتقاق التَّوْرَاة من الوري، ووزنها: تفعلة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إسمان أعجميان، وتكلف اشتقاقهما من الوري والنجل، ووزنهما: تفعلة وإفعيل، إِنَّمَا يَصح بعد كَونهمَا عربيين. وَقَرَأَ الْحسن: الأنجيل، بِفَتْح الْهمزَة، وَهُوَ دَلِيل على العجمة، لِأَن: أفعيل، بِفَتْح الْهمزَة عديم فِي أوزان الْعَرَب. قَوْله: (عجزوا) ، قَالَ الدَّاودِيّ: قَالَه أَيْضا فِي النَّصَارَى، فَإِن كَانَ المُرَاد من مَاتَ مِنْهُم مُسلما فَلَا يُقَال: عجزوا، لِأَنَّهُ عمل مَا أَمر بِهِ، وَإِن كَانَ قَالَه فِيمَن آمن ثمَّ كفر فَكيف يعْطى القيراط من حَبط عمله بِكفْر؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد: من مَاتَ مِنْهُم مُسلما قبل التَّغْيِير والتبديل، وَعبر بِالْعَجزِ لكَوْنهم لم يستوفوا عمل النَّهَار كُله، وَإِن كَانُوا قد استوفوا مَا قدر لَهُم، فَقَوله: عجزوا، أَي: عَن إِحْرَاز الْأجر الثَّانِي دون الأول، لَكِن من أدْرك مِنْهُم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وآمن بِهِ أعطي الْأجر مرَّتَيْنِ. قَوْله: (قيراطا) هُوَ نصف دانق، وَالْمرَاد مِنْهُ: النَّصِيب والحصة، وَقد اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِيهِ فِي بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان، وَإِنَّمَا كرر لفظ القيراط ليدل على تَقْسِيم القراريط على جَمِيعهم، كَمَا هُوَ عَادَة كَلَامهم، حَيْثُ أَرَادوا تَقْسِيم الشَّيْء على مُتَعَدد. قَوْله: (ثمَّ أُوتِيَ أهل الْإِنْجِيل الْإِنْجِيل) الأول مجرور بِالْإِضَافَة، وَالثَّانِي مَنْصُوب على المفعولية. قَوْله: (فَقَالَ أهل الْكِتَابَيْنِ) أَي: التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل. قَوْله: أَي رَبنَا) ، كلمة: أَي، من حُرُوف النداء، يَعْنِي: يَا رَبنَا، وَلَا تفَاوت فِي إِعْرَاب المنادى بَين حُرُوفه. قَوْله: (وَنحن كُنَّا أَكثر عملا) ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِنَّمَا قَالَت النَّصَارَى (: نَحن أَكثر عملا لأَنهم آمنُوا بمُوسَى وَعِيسَى، عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام. قلت: النَّصَارَى لم يُؤمنُوا بمُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على ذَلِك جمَاعَة الإخباريين، وَأَيْضًا قَوْله: (وَنحن كُنَّا أَكثر عملا) حِكَايَة عَن قَول أهل الْكِتَابَيْنِ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَول الْيَهُود ظَاهر، لِأَن الْوَقْت من الصُّبْح إِلَى الظّهْر أَكثر من وَقت الْعَصْر إِلَى الْمغرب، وَقَول النَّصَارَى لَا يَصح إلَاّ على مَذْهَب الْحَنَفِيَّة، حَيْثُ يَقُولُونَ: الْعَصْر هُوَ مصير ظلّ الشَّيْء مثلَيْهِ، وَهَذَا من جملَة أدلتهم على مَذْهَبهم. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره هُوَ قَول أبي حنيفَة وَحده، وَغَيره من أَصْحَابه يَقُولُونَ مثله، وَيُمكن أَن يُقَال: إِنَّمَا أسْند الأكثرية إِلَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِن كَانَ فِي إِحْدَاهمَا بطرِيق التغليب، وَيُقَال: لَا يلْزم من كَونهم أَكثر عملا أَكثر زَمَانا، لاحْتِمَال كَون الْعَمَل أَكثر فِي الزَّمَان الْأَقَل. قَوْله: هَل ظلمتكم؟ ) أَي: هَل نقصتكم؟ إِذْ الظُّلم قد يكون بِزِيَادَة الشَّيْء، وَقد يكون بنقصانه. وَفِي بعض النّسخ: (أظلمتكم؟) بِهَمْزَة الِاسْتِفْهَام، وَهُوَ أَيْضا بِمَعْنى: هَل ظلمتكم؟ أَي: فِي الَّذِي شرطت لكم شَيْئا؟ .

    vol. 5, p. 53
  2. ذكر مَا يستنبط مِنْهُ فِيهِ: تَفْضِيل هَذِه الْأمة وتوفر أجرهَا مَعَ قلَّة الْعَمَل، وَإِنَّمَا فضلت بِقُوَّة يقينها ومراعاة أصل دينهَا، فَإِن زلت فَأكْثر زللها فِي الْفُرُوع، بِخِلَاف من كَانَ قبلهم كَقَوْلِهِم: {اجْعَل لنا إلاها} (الْأَعْرَاف: ١٣٨) . وكامتناعهم من أَخذ الْكتاب حَتَّى نتق الْجَبَل فَوْقهم، و: {فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا} (الْمَائِدَة: ٥٤) .

  3. وَفِيه: مَا استنبطه أَبُو زيد الدبوسي فِي (كتاب الْأَسْرَار) من أَن وَقت الْعَصْر إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ قَرِيبا من أول الْعَاشِرَة، فَيكون إِلَى الْمغرب ثَلَاث سَاعَات غير شَيْء يسير، وَتَكون النَّصَارَى أَيْضا عمِلُوا ثَلَاث سَاعَات وشيئا يَسِيرا، وَهَذَا من أول الزَّوَال إِلَى أول السَّاعَة الْعَاشِرَة، وَهُوَ إِذا صَار ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ، وَاعْترض على هَذَا بِأَن النَّصَارَى لم تقله، وَإِنَّمَا قَالَه الْفَرِيقَانِ: الْيَهُود وَالنَّصَارَى، ووقتهم أَكثر من وقتنا، فيستقيم قَوْلهم: أَكثر عملا؟ وَأجِيب: بِأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يتفقان على قَول وَاحِد، بل قَالَت النَّصَارَى: كُنَّا أَكثر عملا وَأَقل عَطاء، وَكَذَا الْيَهُود، بِاعْتِبَار كَثْرَة الْعَمَل وَطوله، وَنقل بَعضهم كَلَام أبي زيد هَكَذَا، ثمَّ قَالَ: تمسك بِهِ بعض الْحَنَفِيَّة كَأبي زيد إِلَى أَن وَقت الْعَصْر من مصير ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ ظلّ كل شَيْء مثله لَكَانَ مُسَاوِيا لوقت الظّهْر، وَقد قَالُوا: كُنَّا أَكثر عملا، فَدلَّ على أَنه دون وَقت الظّهْر. ثمَّ قَالَ: وَأجِيب بِمَنْع الْمُسَاوَاة، وَذَلِكَ مَعْرُوف عِنْد أهل الْعلم بِهَذَا الْفَنّ، وَهُوَ أَن الْمدَّة بَين الظّهْر وَالْعصر أطول من الْمدَّة الَّتِي بَين الْعَصْر وَالْمغْرب. انْتهى. قلت: لَا يخفى على كل أحد أَن وَقت الْعَصْر، لَو كَانَ بمصير ظلّ كل شَيْء مثله، يكون وَقت الظّهْر الَّذِي يَنْتَهِي إِلَى مصير ظلّ كل شَيْء مثله، مثل وَقت الْعَصْر الَّذِي نقُول: وقته بمصير ظلّ كل شَيْء مثله، وَمَعَ هَذَا أَبُو زيد مَا ادّعى الْمُسَاوَاة بالتحقيق، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وعَلى التَّنْزِيل لَا يلْزم من التَّمْثِيل والتشبيه التَّسْوِيَة من كل جِهَة. قلت: مَا ادّعى هُوَ التَّسْوِيَة من كل جِهَة حَتَّى يعْتَرض عَلَيْهِ.

  4. وَفِيه: مَا استنبطه بَعضهم أَن مُدَّة الْمُسلمين من حِين ولد سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى قيام السَّاعَة ألف سنة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جعل النَّهَار نِصْفَيْنِ الأول للْيَهُود، فَكَانَت مدتهم ألف سنة وسِتمِائَة سنة وَزِيَادَة فِي قَول ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ أَبُو صَالح عَنهُ، وَفِي قَول ابْن إِسْحَاق: ألف سنة وَتِسْعمِائَة سنة وتسع عشرَة سنة، وَلِلنَّصَارَى كَذَلِك، فَجَاءَت مُدَّة النَّصَارَى لَا يخْتَلف النَّاس أَنه كَانَ بَين عِيسَى وَنَبِينَا صلوَات الله على نَبينَا وَعَلِيهِ سِتّمائَة سنة، فَبَقيَ للْمُسلمين ألف سنة وَزِيَادَة، وَفِيه نظر، من حَيْثُ إِن الْخلاف فِي مُدَّة الفترة، فَذكر الْحَاكِم فِي (الإكليل) أَنَّهَا مائَة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ سنة، وَذكر أَنَّهَا أَرْبَعمِائَة سنة، وَقيل: خَمْسمِائَة وَأَرْبَعُونَ سنة. وَعَن الضَّحَّاك أَرْبَعمِائَة وبضع وَثَلَاثُونَ سنة، وَقد ذكر السُّهيْلي عَن جَعْفَر بن عبد الْوَاحِد الْهَاشِمِي: أَن جعفرا حدث بِحَدِيث مَرْفُوع: (إِن أَحْسَنت أمتِي فبقاؤها يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة، وَذَلِكَ ألف سنة، وَإِن أساءت فَنصف يَوْم) . وَفِي حَدِيث زمل الْخُزَاعِيّ، قَالَ: (رَأَيْتُك يَا رَسُول الله على مِنْبَر لَهُ سبع دَرَجَات، وَإِلَى جَنْبك نَاقَة عجفاء كَأَنَّك تبعتها، ففسر لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّاقة بِقِيَام السَّاعَة الَّتِي أنذر بهَا، ودرجات الْمِنْبَر عدَّة الدُّنْيَا: سَبْعَة آلَاف سنة، بعث فِي آخرهَا ألفا) قَالَ السُّهيْلي: والْحَدِيث، وَإِن كَانَ ضَعِيف الْإِسْنَاد، فقد رُوِيَ مَوْقُوفا على ابْن عَبَّاس من طرق صِحَاح، أَنه قَالَ: (الدُّنْيَا سَبْعَة أَيَّام، كل يَوْم ألف سنة) ، وَصحح الطَّبَرِيّ هَذَا الأَصْل وعضده بآثار.

  5. وَفِيه: مَا اسْتدلَّ بِهِ بعض أَصْحَابنَا على أَن آخر وَقت الظّهْر ممتد إِلَى أَن يصير ظلّ كل شَيْء مثلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنه جعل لنا من الزَّمَان من الدُّنْيَا فِي مُقَابلَة من كَانَ قبلنَا من الْأُمَم بِقدر مَا بَين صَلَاة الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس، وَهُوَ يدل أَن بَينهمَا أقل من ربع النَّهَار، لِأَنَّهُ لم يبْق من الدُّنْيَا ربع الزَّمَان، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (بعثت أَنا والساعة كهاتين، وَأَشَارَ بالسبابة وَالْوُسْطَى) ، فَشبه مَا بَقِي من الدُّنْيَا إِلَى قيام السَّاعَة مَعَ مَا انْقَضى بِقدر مَا بَين السبابَة وَالْوُسْطَى من التَّفَاوُت. قَالَ السُّهيْلي: وَبَينهمَا نصف سبع، لِأَن الْوُسْطَى ثَلَاثَة أَسْبَاع، كل مفصل مِنْهَا سبع، وزيادتها على السبابَة نصف سبع، وَالدُّنْيَا على مَا قدمْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس سَبْعَة آلَاف سنة، فَلِكُل سبع ألف سنة، وفضلت الْوُسْطَى على السبابَة بِنصْف الْأُنْمُلَة، وَهُوَ ألف سنة فِيمَا ذكره أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ وَغَيره، وَزعم السُّهيْلي: أَنه بِحِسَاب الْحُرُوف الْمُقطعَة أَوَائِل السُّور تكون تِسْعمائَة سنة وَثَلَاث سِنِين، وَهل هِيَ من مبعثه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو هجرته أَو وَفَاته؟ وَالله أعلم.

  6. ٥٥٨ - حدَّثنا أبُو كُرَيْبٍ قَالَ حدَّثنا أبُو أسامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبي مُوسَى عَنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَثَلُ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْما يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلاً إلَى اللَّيْلِ فَعَمِلُوا إلَى نِصْفِ النَّهَارِ فقالُوا لَا حَاجَةَ لَنا إلَى أجْرِكَ فاسْتَأْجَرَ آخرِينَ فَقَالَ أكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ ولَكُمْ الَّذِي شَرَطْتُ فَعَمِلُوا حتَّى إذَا كانَ حِينَ صَلَاةِ العَصْرِ قالُوا لَكَ مَا عمِلْنَا فاسْتَأجَرَ قَوْما فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمسُ وَاسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ (الحَدِيث ٥٥٨ طرفه فِي: ٢٢٧١) .

  7. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة بطرِيق الْإِشَارَة لَا بالتصريح، بَيَان ذَلِك أَن وَقت الْعَمَل ممتد إِلَى غرُوب الشَّمْس، وَأقرب الْأَعْمَال الْمَشْهُورَة بِهَذَا الْوَقْت صَلَاة الْعَصْر، وَإِنَّمَا قُلْنَا: بطرِيق الْإِشَارَة، لِأَن هَذَا الحَدِيث قصد بِهِ بَيَان الْأَعْمَال لَا بَيَان الْأَوْقَات.

  8. ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد ابْن أبي أُسَامَة. الثَّالِث: بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ الْكُوفِي، ويكنى أَبَا بردة. الرَّابِع: أَبُو بردة، واسْمه: عَامر، وَهُوَ جد بريد الْمَذْكُور. الْخَامِس: أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ.

  9. ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: القَوْل. وَفِيه: رِوَايَة الرجل عَن جده، وَرِوَايَة الابْن عَن أَبِيه. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وبصري. وَفِيه: ثَلَاثَة بالكنى.

  10. وَهَذَا الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْإِجَارَة أَيْضا.

  11. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (مثل الْمُسلمين) ، الْمثل، بِفَتْح الْمِيم فِي الأَصْل بِمَعْنى: الْمثل، بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ النظير. يُقَال: مثل وَمثل ومثيل: كشبه وَشبه وشبيه، ثمَّ قيل لِلْقَوْلِ السائر الممثل مضربه بمورده مثل، وَلم يضْربُوا مثلا إلَاّ لقَوْل فِيهِ غرابة، وَهَذَا تَشْبِيه الْمركب بالمركب، فالمشبه والمشبه بِهِ هما المجموعان الحاصلان من الطَّرفَيْنِ، وإلَاّ كَانَ الْقيَاس أَن يُقَال كَمثل: أَقوام استأجرهم رجل. وَدخُول: كَاف، التَّشْبِيه على الْمُشبه بِهِ، فِي تَشْبِيه الْمُفْرد بالمفرد، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِك. قَوْله: (لَا حَاجَة لنا إِلَى أجرك) ، الْخطاب إِنَّمَا هُوَ للْمُسْتَأْجر، وَالْمرَاد مِنْهُ لَازم هَذَا القَوْل، وَهُوَ ترك الْعَمَل. قَوْله: (فَقَالَ أكملوا) ، من الْإِكْمَال بِهَمْزَة الْقطع، وَكَذَا وَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْإِجَارَة، وَوَقع هُنَا فِي رِوَايَة الْكشميهني: (اعْمَلُوا) ، بِهَمْزَة الْوَصْل من الْعَمَل. قَوْله: (حِين) ، مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر: كَانَ، أَي: كَانَ الزَّمَان زمَان الصَّلَاة، وَيجوز أَن يكون مَرْفُوعا بِأَنَّهُ اسْم: كَانَ، وَتَكون تَامَّة. وَحَاصِل الْمَعْنى من قَوْله: (وَقَالُوا لَا حَاجَة لنا فِي أجرك) إِلَى آخِره لَا حَاجَة لنا فِي أجرتك الَّتِي شرطت لنا، وَمَا عَملنَا بَاطِل، فَقَالَ لَهُم: لَا تَفعلُوا، اعْمَلُوا بَقِيَّة يومكم وخذوا أجرتكم كَامِلا، فَأَبَوا وَتركُوا ذَلِك كُله عَلَيْهِ، فاستأجر قوما آخَرين، فَقَالَ لَهُم: إعملوا بَقِيَّة يومكم وَلكم الَّذِي شرطت لهَؤُلَاء من الْأجر، فعملوا حَتَّى حَان الْعَصْر، قَالُوا: لَك مَا عَملنَا بَاطِل ذَلِك الْأجر الَّذِي جعلت لنا، لَا حَاجَة لنا فِيهِ، فَقَالَ لَهُم: اكملوا بَقِيَّة عَمَلكُمْ، فَإِنَّمَا بَقِي من النَّهَار شَيْء يسير وخذوا أجركُم، فَأَبَوا عَلَيْهِ، فاستأجر قوما آخَرين فعملوا بَقِيَّة يومهم حَتَّى إِذا غَابَتْ الشَّمْس واستكملوا أجر الْفَرِيقَيْنِ كُله، ذَلِك مثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى تركُوا مَا أَمرهم

    vol. 5, p. 54الله تَعَالَى، وَمثل الْمُسلمين الَّذين قبلوا هدى الله، وَمَا جَاءَ بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْمَقْصُود من هَذَا الحَدِيث ضرب الْمثل للنَّاس الَّذين شرع لَهُم دين مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ليعملوا الدَّهْر كُله بِمَا يَأْمُرهُم بِهِ وينهاهم إِلَى أَن بعث الله عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَأَمرهمْ باتباعه فَأَبَوا وتبرأوا مِمَّا جَاءَ بِهِ، وَعمل آخَرُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام، فَأَمرهمْ على أَن يعملوا بِمَا يؤمرون بِهِ بَاقِي الدَّهْر، فعملوا حَتَّى بعث سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَدَعَاهُمْ إِلَى الْعَمَل بِمَا جَاءَ بِهِ، فَأَبَوا وعصوا، فجَاء الله تَعَالَى بِالْمُسْلِمين فعملوا بِمَا جَاءَ بِهِ، واستكملوا إِلَى قيام السَّاعَة، فَلهم أجر من عمل الدَّهْر، كُله بِعبَادة الله تَعَالَى، كإتمام النَّهَار الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ كُله أول طبقَة. وَفِي حَدِيث ابْن عمر: قدر لَهُم مُدَّة أَعمال الْيَهُود، وَلَهُم أجرهم إِلَى أَن نسخ الله تَعَالَى شريعتهم بِعِيسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَالَ عِنْد مبعث عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَام: من يعْمل إِلَى مُدَّة هَذَا الشَّرْع وَله أجر قِيرَاط؟ فَعمِلت النَّصَارَى إِلَى أَن نسخ الله تَعَالَى ذَلِك بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ قَالَ، متفضلاً على الْمُسلمين: من يعْمل بَقِيَّة النَّهَار إِلَى اللَّيْل وَله قيراطان؟ فَقَالَ الْمُسلمُونَ: نَحن نعمل إِلَى انْقِطَاع الدَّهْر، فَمن عمل من الْيَهُود إِلَى أَن آمن بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَعمل بِشَرِيعَتِهِ لَهُ أجره مرَّتَيْنِ، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى إِذا آمنُوا بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيث، (و: رجل آمن بِنَبِيِّهِ وآمن بِي، يُؤْتى أجره مرَّتَيْنِ) . فَإِن قلت: حَدِيث أبي مُوسَى دلّ على أَن الْفَرِيقَيْنِ لم يأخذا شَيْئا، وَحَدِيث ابْن عمر دلّ على أَن كلا مِنْهُمَا أَخذ قيراطا. قلت: ذَلِك فِيمَن مَاتُوا مِنْهُم قبل النّسخ، وَهَذَا فِيمَن حرف أَو كفر بِالنَّبِيِّ الَّذِي بعث بعد نبيه، وَقَالَ ابْن رشد مَا محصله: إِن حَدِيث ابْن عمر ذكر مِثَالا لأهل الْأَعْذَار لقَوْله: فعجزوا، فَأَشَارَ إِلَى أَن من عجز عَن اسْتِيفَاء الْعَمَل من غير أَن يكون لَهُ صَنِيع فِي ذَلِك الْأجر يحصل لَهُ تَاما فضلا من الله تَعَالَى، وَذكر حَدِيث أبي مُوسَى مِثَالا لمن أخر من غير عذر، وَإِلَى ذَلِك إِشَارَة بقوله عَنْهُم: لَا حَاجَة لنا إِلَى أجرك، فَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن من أخر عَامِدًا لَا يحصل لَهُ مَا حصل لأهل الْأَعْذَار. وَقَالَ الْخطابِيّ: دلّ حَدِيث ابْن عمر ان مبلغ أُجْرَة الْيَهُود لعمل النَّهَار كُله قيراطان، وَأُجْرَة النَّصَارَى لِلنِّصْفِ الْبَاقِي من النَّهَار إِلَى اللَّيْل قيراطان. وَلَو تمموا الْعَمَل إِلَى آخر النَّهَار لاستحقوا تَمام الْأُجْرَة، وَهُوَ: قِيرَاط، ثمَّ إِن الْمُسلمين لما استوفوا أُجْرَة الْفَرِيقَيْنِ مَعًا حاسدوهم، وَقَالُوا: ... . الخ يَعْنِي قَوْلهم: إِي رَبنَا أَعْطَيْت هَؤُلَاءِ قيراطين ... الخ. وَلَو لم تكن صُورَة الْأَمر على هَذَا لم يَصح هَذَا الْكَلَام. وَفِي طَرِيق أبي مُوسَى زِيَادَة بَيَان لَهُ، وَقَوْلهمْ: لَا حَاجَة لنا، إِشَارَة إِلَى أَن تحريفهم الْكتب وتبديلهم الشَّرَائِع وَانْقِطَاع الطَّرِيق بهم عَن بُلُوغ الْغَايَة، فحرموا تَمام الْأُجْرَة لجنايتهم على أنفسهم حِين امْتَنعُوا من تَمام الْعَمَل الَّذِي ضمنوه.