أحدها
6 paragraphs · vol. 7, p. 640
- vol. 7, p. 640
«أَن بَرِيرَة أُعتقت، فَخَيرهَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (بَين الْمقَام مَعَه وَبَين أَن تُفَارِقهُ» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم من حَدِيث عُرْوَة وَالقَاسِم عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت: «كَانَ زوج بَرِيرَة عبدا، فَخَيرهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -. فَاخْتَارَتْ نَفسهَا. وَلَو كَانَ حرًّا لم يخيرها» .
-
وَذكر ابْن حزم أَنه رُوِيَ عَن عُرْوَة خلاف هَذَا، فأسند من حَدِيث جرير، عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة قَالَت: «كَانَ زوج بَرِيرَة حرًّا» قَالَ ابْن حزم: وَلَو كَانَ حرًّا لم يخيرها، يحْتَمل أَن يكون من كَلَام من دون عَائِشَة. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَيحْتَمل أَن يكون من كَلَام عُرْوَة.
vol. 7, p. 641قلت: وَكَذَلِكَ أخرجه ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» من كَلَامه، وَالنَّسَائِيّ فِي «سنَنه» أَيْضا.
قلت: والتخيير ثَابت فِي «الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث عَائِشَة أَيْضا، قَالَت: «كَانَ فِي بَرِيرَة ثَلَاث سنَن: خيرت عَلَى زَوجهَا حِين عتقت ... » الحَدِيث بِطُولِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَكَانَ زَوجهَا عَلَى مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة، وَابْن عمر، وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عبدا.
قلت: هُوَ كَمَا قَالَ، أما رِوَايَة عَائِشَة فسلفت وَفِي «صَحِيح مُسلم» أَيْضا من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة، قَالَ عبد الرَّحْمَن: وَزوجهَا حر. قَالَ شُعْبَة: ثمَّ سَأَلت عبد الرَّحْمَن عَن زَوجهَا، فَقَالَ: لَا أَدْرِي أحر أم عبد.
-
وَفِي بعض طرق الحَدِيث الصَّحِيح: «فَخَيرهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من زَوجهَا فَقَالَت: لَو أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبت عِنْده! قَالَ - يَعْنِي الْأسود بن يزِيد -: كَانَ زَوجهَا حرًّا» .
-
وَأما ابْن عمر فأخرجها الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث أبي حَفْص الْأَبَّار،
vol. 7, p. 642عَن ابْن أبي لَيْلَى، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، قَالَ: كَانَ زوج بَرِيرَة عبدا.
-
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا (من الْوَجْه الْمَذْكُور) وَأما رِوَايَة ابْن عَبَّاس فأخرجها البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» بِإِسْنَادِهِ عَنهُ «أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا يُقَال لَهُ: مغيث كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ يطوف خلفهَا يبكي، ودموعه تسيل عَلَى لحيته، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - للْعَبَّاس: يَا عَبَّاس، أَلا تتعجب من حب مغيث بَرِيرَة وَمن بغض بَرِيرَة مغيثًا؟ فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: لَو راجعتيه؟ قَالَت: يَا رَسُول الله، تَأْمُرنِي قَالَ: إِنَّمَا أَنا أشفع. قَالَت: لَا حَاجَة لي فِيهِ» . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِلَفْظ «إِن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا أسود لبني الْمُغيرَة يَوْم أعتقت بَرِيرَة، وَالله لكَأَنِّي بِهِ فِي طرق الْمَدِينَة ونواحيها، وَإِن دُمُوعه لتسيل عَلَى لحيته يَتَرَضَّاهَا لتختاره فَلم تفعل» قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح. زَاد أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيّ: «وأمرها أَن تَعْتَد» . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة نَافِع، عَن صفيَّة بنت أبي عبيد «أَن زوج بَرِيرَة كَانَ عبدا» قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِسْنَاده صَحِيح.
-
وَرِوَايَة التِّرْمِذِيّ السالفة صَرِيحَة فِي بَقَاء عبوديته يَوْم الْعتْق، وَأما رِوَايَة الْأسود عَن عَائِشَة قَالَ: «كَانَ زوج بَرِيرَة حرًّا، فَلَمَّا أعتقت خَيرهَا عَلَيْهِ السَّلَام فَاخْتَارَتْ نَفسهَا» فَقَالَ البُخَارِيّ: إِنَّه مُنْقَطع وَقَول ابْن عَبَّاس:
vol. 7, p. 643كَانَ عبدا أصح. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَوْله «وَكَانَ حرًّا» هُوَ (من) قَول الْأسود لَا من قَول عَائِشَة، ثمَّ سَاق بِإِسْنَادِهِ مَا يدل لذَلِك، قَالَ: وَقد رَوَيْنَاهُ عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد، وَعُرْوَة بن الزبير وَمُجاهد، وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن كلهم عَن عَائِشَة «أَنه كَانَ عبدا» ثمَّ ذكر (عَن) شُعْبَة، عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة «أَنه حر» ثمَّ قَالَ شُعْبَة: ثمَّ سَأَلته بعد فَقَالَ: لَا أَدْرِي أحر هُوَ أم عبد، ثمَّ قَالَ: وَقد رَوَاهُ سماك بن حَرْب، عَن عبد الرَّحْمَن فَأثْبت كَونه عبدا.
قلت: شُعْبَة إِمَام جليل حَافظ، وَقد رَوَى عَن عبد الرَّحْمَن (أَنه كَانَ حرًّا، فَلَا يضرّهُ نِسْيَان عبد الرَّحْمَن) وتوقفه عَلَى مَا تفرد فِي مَحَله، وَكَيف يُعَارض شُعْبَة سماك مَعَ كَونه متكلمًا فِيهِ، لَكِن قَالَ الْبَيْهَقِيّ: يُؤَكد رِوَايَة سماك: حَدِيث أُسَامَة بن زيد، عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهَا: إِن شِئْت أَن تقري تَحت هَذَا العَبْد» . قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَقد رُوِيَ عَن الْأسود، عَن عَائِشَة «أَن زَوجهَا كَانَ عبدا» فاختلفت الرِّوَايَة عَن الْأسود، وَلم تخْتَلف عَن ابْن عَبَّاس وَغَيره مِمَّن قَالَ: «كَانَ عبدا» وَقد جَاءَ عَن بَعضهم أَنه من قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، وَعَن بَعضهم أَنه من قَول الحكم بن عتيبة، وَقَالَ البُخَارِيّ: قَول الحكم (مُرْسل) .
قلت: فِي تَسْمِيَة هَذَا مُرْسلا (و) فِي (الْمُقدم) مُنْقَطِعًا نظر إِذْ
vol. 7, p. 644الْكَلَام الْمَوْقُوف عَلَى بعض الروَاة المدرج فِي الحَدِيث لَا يُسمى مُنْقَطِعًا وَلَا مُرْسلا.
قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَرَوَى الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَغَيره وَعمرَة وَغَيرهَا، عَن عَائِشَة «أَنه كَانَ عبدا وَالقَاسِم هُوَ ابْن أخي عَائِشَة، وَعُرْوَة هُوَ ابْن أُخْتهَا، وَكَانَا يدخلَانِ عَلَيْهَا بِلَا (خلاف) وَعمرَة كَانَت فِي حجر عَائِشَة، وَهَؤُلَاء أخص النَّاس بهَا، وَأَيْضًا فَإِن عَائِشَة كَانَت تذْهب إِلَى خلاف مَا رُوِيَ عَنْهَا، وَكَانَ رأيها أَنه لَا يثبت لَهَا الْخِيَار تَحت الْحر، قَالَ إِبْرَاهِيم، عَن أبي طَالب خَالف الْأسود بن يزِيد النَّاس فِي زوج بَرِيرَة، فَقَالَ (إِنَّه) حر. وَقَالَ النَّاس إِنَّه عبد.
قلت: قَوْله خَالف النَّاس أَي جمهورهم فقد وَافقه عَلَى ذَلِك الْقَاسِم، وَعُرْوَة - فِي رِوَايَة - وَابْن الْمسيب كَمَا ذكره عبد الرَّزَّاق عَنهُ، قَالَ الدَّارمِيّ: سَمِعت عَلّي بن الْمَدِينِيّ يَقُول لنا: أَيهمَا ترَوْنَ أثبت، عُرْوَة أَو إِبْرَاهِيم عَن الْأسود؟ ثمَّ قَالَ عَلّي: أهل الْحجاز أثبت. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: يُرِيد عَلّي، رِوَايَة عُرْوَة وَأَمْثَاله من أهل الْحجاز أصح من رِوَايَة أهل الْكُوفَة. وَقَالَ ابْن الطلاع فِي «أَحْكَامه» : الْأَكْثَر فِي الرِّوَايَة
vol. 7, p. 645وَالأَصَح أَنه كَانَ عبدا. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ - مَا ملخصه، لمَّا اخْتلفت الْآثَار -: وَجب التَّوْفِيق بَينهمَا وَالْحريَّة نعت الْحرَّة، وَلَا ينعكس فَيحمل عَلَى أَنه إِذا كَانَ حرًّا عِنْدَمَا خيرت عبدا قبله، وَلَو ثَبت أَنه عبد لَا يمْنَع كَون الْحر، كَذَلِك إِذْ لَيْسَ فِي شَيْء من الْآثَار أَنه إِنَّمَا خَيرهَا لكَونه عبدا.