الحديث الحادي بعد العشرين
11 paragraphs · vol. 2, p. 586
- vol. 2, p. 586
عَن عَائِشَة رَضي اللهُ عَنها «أَن امْرَأَة جَاءَت إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - تسأله عَن الْغسْل من الْحيض فَقَالَ: خذي فرْصَة من مسك فتطهري بهَا. فَلم تعرف مَا أَرَادَ، فاجتذبتها وَقلت: تتبعي بهَا أثر الدَّم» .
-
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان، عَن مَنْصُور بن عبد الرَّحْمَن الحَجبي، عَن أمه صَفِيَّة بنت شيبَة، عَن عَائِشَة قَالَت:
vol. 2, p. 587«جَاءَت امْرَأَة إِلَى رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تسأله عَن الْغسْل من (الْمَحِيض) فَقَالَ: خذي فرْصَة من مسك (فتطهري) بهَا. قَالَت: كَيفَ أتطهر بهَا؟ قَالَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: سُبْحَانَ الله، سُبْحَانَ الله! - واستتر بِثَوْبِهِ - (تطهري) بهَا. فاجتذبتها - وَعرفت الَّذِي أَرَادَ - فَقلت لَهَا: تتبعي بهَا أثر الدَّم - يَعْنِي الْفرج» .
-
وَرَوَاهُ البُخَارِيّ (من) حَدِيث ابْن عُيَيْنَة أَيْضا عَن مَنْصُور [بن] صَفِيَّة، عَن أمه، عَن عَائِشَة «أَن امْرَأَة سَأَلت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [عَن] غسلهَا [من] الْحيض فَأمرهَا كَيفَ تَغْتَسِل قَالَ: خذي فرْصَة من مسك فتطهرين بهَا. قَالَت: كَيفَ أتطهر بهَا؟ قَالَ: تطهري بهَا. قَالَت: كَيفَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ الله! تطهري بهَا. فاجتذبتها إِلَيّ فَقلت: تتبعي بهَا أثر الدَّم» ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث وهيب عَن مَنْصُور، عَن أمه، عَن عَائِشَة «أَن امْرَأَة من الْأَنْصَار قَالَت للنَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: كَيفَ أَغْتَسِل من الْمَحِيض؟ قَالَ: خذي فرْصَة ممسكة فتوضئي ثَلَاثًا. ثمَّ إِنَّه عَلَيْهِ السَّلَام استحيى فَأَعْرض بِوَجْهِهِ وَقَالَ: توضئي بهَا. فأخذتها فجذبتها فَأَخْبَرتهَا بِمَا يُرِيد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -» وَمن
vol. 2, p. 588تراجمه عَلَى هَذَا الحَدِيث بَاب الْأَحْكَام الَّتِي تعرف بالدلائل.
-
وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة أَيْضا، عَن مَنْصُور، عَن أمه، عَن عَائِشَة قَالَت: «سَأَلت امْرَأَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: كَيفَ تَغْتَسِل من حَيْضَتهَا؟ قَالَت: فَذكرت أَنه علمهَا كَيفَ تَغْتَسِل ثمَّ تَأْخُذ فرْصَة من مسك فَتطهر بهَا فَقَالَت: كَيفَ أتطهر (بهَا) ؟ قَالَ: تطهري (بهَا) سُبْحَانَ الله. واستتر - وَأَشَارَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِيَدِهِ عَلَى وَجهه - قَالَت عَائِشَة: فاجتذبتها إِلَيّ وَعرفت مَا أَرَادَ، فَقلت: تتبعي أثر الدَّم بهَا» . وَفِي لفظ: «تتبعي بهَا (آثَار) الدَّم» ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث وهيب، عَن مَنْصُور، عَن أمه، عَن عَائِشَة «أَن امْرَأَة سَأَلت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَيفَ أَغْتَسِل عِنْد الطّهُور؟ فَقَالَ: خذي فرْصَة ممسكة فتوضئي بهَا ... » ثمَّ ذكر نَحْو حَدِيث سُفْيَان (ثمَّ) رَوَاهُ مطولا (مُنْفَردا بِهِ) من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، عَن صَفِيَّة، عَن عَائِشَة «أَن أَسمَاء - وَهِي بنت شكل - سَأَلت النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَن غسل الْمَحِيض فَقَالَ: تَأْخُذ إحداكن ماءها وسدرتها فَتطهر فتحسن الطّهُور، ثمَّ تصب عَلَى رَأسهَا فتدلكه دلكا شَدِيدا حَتَّى تبلغ شئون رَأسهَا - يَعْنِي: أصل الشّعْر - ثمَّ تصب عَلَيْهَا المَاء، ثمَّ تَأْخُذ فرْصَة ممسكة فَتطهر بهَا. فَقَالَت أَسمَاء: وَكَيف أتطهر بهَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله! تطهرين بهَا. فَقَالَت عَائِشَة - كَأَنَّهَا تخفي ذَلِك -: تتبعين بهَا أثر الدَّم. وَسَأَلته عَن
vol. 2, p. 589غسل الْجَنَابَة فَقَالَ: تَأْخُذ مَاء فَتطهر فتحسن الطّهُور (أَو تبلغ الطّهُور) (ثمَّ) تصب عَلَى رَأسهَا فتدلكه حَتَّى تبلغ شئون رَأسهَا، ثمَّ تفيض عَلَيْهَا المَاء. قَالَت عَائِشَة: نعم النِّسَاء نسَاء الْأَنْصَار؛ لم يكن يمنعهن الْحيَاء أَن يتفقهن فِي الدَّين» .
قَالَ الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ «خذي فرْصَة ممسكة» .
قلت: قد أخرجهَا الشَّيْخَانِ كَمَا عَلمته.
-
فَوَائِد: الأولَى: أبعد ابْن حزم فطعن فِي «محلاه» فِي رِوَايَة «فتطهري (بهَا) » وَفِي رِوَايَة: «فتوضئي (بهَا) » بِأَن قَالَ: لم تسند هَذِه اللَّفْظَة إِلَّا من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن مهَاجر، وَهُوَ ضَعِيف، وَمن طَرِيق مَنْصُور ابْن صَفِيَّة، وَقد ضعف وَلَيْسَ مِمَّن يحْتَج بروايته. هَذَا لَفظه، وَهُوَ عَجِيب من (وُجُوه) : (أَولهَا قَوْله: لم تسند هَذِه اللَّفْظَة إِلَّا من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن مهَاجر جهل مِنْهُ؛ فقد أسندها ابْن عُيَيْنَة كَمَا أخرجهَا الشَّافِعِي والشيخان، ووهيب كَمَا أخرجه الشَّيْخَانِ.
- vol. 2, p. 590
ثَانِيهَا: ) جرمه بتضعيفه (إِبْرَاهِيم) وَقد احْتج بِهِ مُسلم، وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقه، وَوَثَّقَهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالْعجلِي، وَتكلم فِيهِ ابْن معِين بِحَضْرَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَقَالَ: إِنَّه ضَعِيف. فَغَضب عبد الرَّحْمَن فكره مَا قَالَه، وَقَالَ يَحْيَى بن سعيد: لم يكن بِالْقَوِيّ. وَلَعَلَّه الْتبس عَلَى ابْن حزم بإبراهيم بن مهَاجر بن مِسْمَار فَإِنَّهُ مُنكر الحَدِيث، كَمَا قَالَه البُخَارِيّ، وَضَعِيف كَمَا قَالَه النَّسَائِيّ، وَإِن كَانَ يَحْيَى قَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْس فِي رِوَايَة عُثْمَان بن سعيد عَنهُ.
-
(ثَالِثهَا:) تَضْعِيفه مَنْصُور ابْن صَفِيَّة من أَفْرَاده، وَلَا يحضرني سلفه فِي ذَلِك، وَقد أخرج الشَّيْخَانِ (لَهُ) هَذَا الحَدِيث من طَرِيقه، وَوَثَّقَهُ النَّاس: أَحْمد وَابْن عُيَيْنَة وَغَيرهمَا.
-
الْفَائِدَة الثَّانِيَة: السائلة فِي رِوَايَة الشَّافِعِي وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم هِيَ أَسمَاء، كَمَا صرح بِهِ مُسلم فِي رِوَايَته الْأُخْرَى، وَهِي أَسمَاء بنت يزِيد بن السكن خطيبة النِّسَاء، كَمَا ذكره الْخَطِيب فِي «مبهماته» وَرَوَى حَدِيثا فِيهِ تَسْمِيَتهَا بذلك، وَتَبعهُ الْمُنْذِرِيّ فِي الْقطعَة (الَّتِي) لَهُ عَلَى «أَحَادِيث الْمُهَذّب» وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم أَنَّهَا أَسمَاء بنت شكل، كَمَا أسلفناها - بالشين الْمُعْجَمَة وَالْكَاف المفتوحتين - وَحَكَى صَاحب «الْمطَالع» إسكان الْكَاف أَيْضا، قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِيه» : فَيجوز أَن تكون الْقِصَّة جرت
vol. 2, p. 591فِي مجْلِس أَو مجلسين. وَأما الْحَافِظ شرف الدَّين الدمياطي فَقَالَ: هَذِه الرِّوَايَة تَصْحِيف. وَجزم ابْن الْأَثِير فِي «شرح الْمسند» بِمَا أسلفناه عَن الْخَطِيب ثمَّ قَالَ: وَهِي أنصارية أحد نسَاء بني عبد الْأَشْهَل، تكنى أم عَامر، وَقيل: أم سَلمَة. (قَالَ:) وَقيل: اسْمهَا: فكيهة، وَهِي مَدَنِيَّة من (المبايعات) وَيُقَال إِنَّهَا بنت عَم معَاذ بن جبل، أَو بنت عمته، وَكَانَت من ذَوَات الْعقل وَالدّين، شهِدت اليرموك، وَقتلت تِسْعَة من الْكفَّار بعمود فسطاط.
-
الْفَائِدَة الثَّالِثَة: فِي ضبط مَا وَقع فِي الحَدِيث من الْأَلْفَاظ: الفرصة - بِكَسْر الْفَاء وَإِسْكَان الرَّاء وبالصاد الْمُهْملَة - الْقطعَة من كل شَيْء، ذكره ثَعْلَب وَغَيره، وَاقْتصر الرَّافِعِيّ عَلَى حكايته عَن ثَعْلَب، وَحَكَى عَن الغريبين أَنَّهَا الْقطعَة من الصُّوف (أَو) الْقطن، وَقَالَ ابْن سَيّده: الفرصة: الْقطعَة من الْقطن أَو الصُّوف مُثَلّثَة الْفَاء. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ أَيْضا فِي «غَرِيبه» : هِيَ الْقطعَة من الصُّوف أَو الْقطن، يُقَال: فرصت الشَّيْء إِذا قطعته بالمقراض؛ أَي: شَيْئا يَسِيرا، مثل الْقَرْض بِطرف الأصبعين. (وَفِي أبي دَاوُد، عَن أبي الْأَحْوَص أَنه كَانَ يَقُول: قرصة -
vol. 2, p. 592أَي: بِالْقَافِ - كَمَا ضَبطه الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِيه» ) وَقَالَ أَبُو عبيد وَابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا هُوَ قرضة - بِالْقَافِ المضمومة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة - وَيدل عَلَيْهِ الرِّوَايَة السالفة «قرضة ممسكة» - بِضَم الْمِيم الأولَى وَفتح الثَّانِيَة وَفتح السِّين الْمُشَدّدَة وَكسرهَا (أَيْضا) - أَي: قِطْعَة من قطن أَو صوف أَو خرقَة مطيبة بالمسك.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَلم يكن للْقَوْم وسع فِي المَال بِحَيْثُ يستعملون الطّيب فِي مثل هَذَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ممسكة أَي: خلقا، فَإِنَّهُ أصلح لذَلِك (فَلَا) يسْتَعْمل جَدِيد الْقطن وَالصُّوف للارتفاق بِهِ فِي المغزل وَغَيره، وَالْمَشْهُور الأول.
-
والمسك - بِكَسْر الْمِيم - قَالَ النَّوَوِيّ: وَعَلِيهِ الْفُقَهَاء وَغَيرهم من (أهل) الْعلم، وَادَّعَى القَاضِي عِيَاض أَن الْفَتْح فِيهِ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَهُوَ الْجلد أَي: قِطْعَة من جلد فِيهِ شعر، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ إِنَّه الْمَشْهُور، وَبِه جزم ابْن قُتَيْبَة قَالَ: وَمَعْنَاهُ الْإِمْسَاك. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: لقد أحسن من قَالَ فِي ابْن قُتَيْبَة هجوم ولاح عَلَى مَا لَا يحسن. هَا هُوَ قد أنكر مَا صَحَّ فِي الرِّوَايَة من «فرْصَة» وَجَهل مَا صحّح (لَفظه) أَئِمَّة اللُّغَة وَاخْتَارَ (مَا لَا يلتئم) الْكَلَام مَعَه؛ فَإِنَّهُ لَا يَصح أَن يُقَال: حد قِطْعَة من أمساك
vol. 2, p. 593وَسوى بَين الصَّحَابَة كلهم فِي الْفقر، والمعلوم من حَالَة أهل الْحجاز كَثْرَة الْمسك عِنْدهم؛ فَلَا الْتِفَات إِلَى قَوْله.
-
والمسك يذكر وَيُؤَنث (كَالْعَيْنِ) ذكره صَاحب «الواعي» ، وَقيل: من ذَكَّر أَرَادَ الْمسك، وَمن أَنَّث أَرَادَ الرَّائِحَة. وَفِي الفصيح: الْمسك (ضرب من) الطّيب (وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن طَلْحَة وَقَالَ: صَوَابه: المسَك) أَي (كَمَا) قَالَه ابْن السّكيت، قَالَ ابْن سَيّده: وَحَكَى ابْن الْأَعرَابِي: مسك إدفر - بِالدَّال الْمُهْملَة - وَلم يحكها أحد سواهُ، إِنَّمَا هِيَ الْمُعْجَمَة.