الحديث الرابع عشر
15 paragraphs · vol. 3, p. 349
- vol. 3, p. 349
عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ: (إِذا أَذِنت فترسل (وَإِذا) أَقمت فاحدر) .
- vol. 3, p. 350
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث (الْمُعَلَّى بن أَسد) ثَنَا عبد الْمُنعم - وَهُوَ صَاحب السقاء - نَا يَحْيَى بن مُسلم، عَن الْحسن وَعَطَاء، عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لِبلَال: يَا بِلَال، إِذا أَذِنت فترسل [فِي أذانك] وَإِذا أَقمت فاحدر، وَاجعَل بَين أذانك وإقامتك قدر مَا يفرغ الْآكِل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إِذا دخل لقَضَاء حَاجته، وَلَا تقوموا حَتَّى تروني» .
ثمَّ قَالَ: ونا عبد بن حميد، نَا يُونُس بن مُحَمَّد، عَن عبد الْمُنعم نَحوه، قَالَ: وَحَدِيث جَابر هَذَا لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث عبد الْمُنعم، وَهُوَ إِسْنَاد مَجْهُول.
قلت: رده التِّرْمِذِيّ بالجهالة، وَلَعَلَّه يَحْيَى بن مُسلم (الرَّاوِي) عَن الْحسن؛ فَإِن أَبَا زرْعَة قَالَ: لَا أعرفهُ. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الضُّعَفَاء» : (فَلَعَلَّهُ) الْبكاء الْمجمع عَلَى ضعفه.
قلت: قد قَالَ فِيهِ (ابْن) سعد: ثِقَة إِن شَاءَ الله. حَكَاهُ الْمزي وَتَبعهُ هُوَ فِي (تذهيبه) وَقَالَ الْحَاكِم: لَا طعن (فِيهِ) وَقد جزم بِأَنَّهُ الْبكاء: الْبَيْهَقِيّ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي «سنَنه» بعد أَن ذكره من هَذِه الطَّرِيق:
vol. 3, p. 351يَحْيَى بن مُسلم الْبكاء الْكُوفِي، ضعفه يَحْيَى بن معِين.
-
وَفِي إِسْنَاده مَعَ ذَلِك: عبد الْمُنعم بن (نعيم) (الريَاحي) الْبَصْرِيّ الواهي.
قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ (فِيهِ: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ (البُخَارِيّ) وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. قَالَ ابْن حبَان: مُنكر الحَدِيث جدًّا) لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة. وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابِعه عَلَيْهِ إِلَّا دونه.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : (هَكَذَا) رَوَاهُ جمَاعَة عَن (عبد الْمُنعم بن نعيم عَن يَحْيَى بن مُسلم.
قَالَ (البُخَارِيّ) : عبد الْمُنعم بن نعيم، عَن يَحْيَى بن مُسلم: مُنكر الحَدِيث. ثمَّ ذكر كَلَامه السالف فِي يَحْيَى الْبكاء، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من «سنَنه» : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث نظر.
وَقَالَ أَبُو بكر الْمعَافِرِي: هَذَا حَدِيث ضَعِيف الْإِسْنَاد وَهُوَ فِي بَاب الْأَذَان حسن، وَادَّعَى بعض محدثي بَغْدَاد من أهل الْعَصْر فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث وَقعت فِي «المصابيح» : هَذَا الحَدِيث عِنْدِي مَوْضُوع خلا قَوْله: (إِذا أَذِنت فترسل، وَإِذا أَقمت فاحدر) ، وَلم يبرهن عَلَى ذَلِك وَلَا نسلم لَهُ.
- vol. 3, p. 352
وَرَوَى هَذَا الحَدِيث ابْن عدي من جِهَة يَحْيَى بن مُسلم أَيْضا، وَفِيه: (وَإِذا أَقمت فاخذم) . وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي الشَّيْخ الْحَافِظ، وَالْبَيْهَقِيّ من جِهَة مُعلى بن مهْدي، عَن عبد الْمُنعم الْبَصْرِيّ. قَالَ أَبُو حَاتِم: (مُعلى) هَذَا شيخ موصلي أَدْرَكته وَلم أسمع مِنْهُ، يحدث أَحْيَانًا بِالْحَدِيثِ الْمُنكر.
-
وَأغْرب الْحَاكِم أَبُو عبد الله فَأخْرج هَذَا الحَدِيث فِي «مُسْتَدْركه» بِزِيَادَة ضَعِيف آخر (وَهُوَ) عَمْرو بن فائد الأسواري الْمَتْرُوك بَين عبد الْمُنعم وَيَحْيَى بن مُسلم، وَهِي تورث رِيبَة (فِي رمي) رِوَايَة التِّرْمِذِيّ بالانقطاع أَو الِاخْتِلَاف فِي الْإِسْنَاد؛ فَقَالَ: ثَنَا أَبُو بكر أَحْمد بن إِسْحَاق، أَنا عَلّي بن عبد الْعَزِيز، ثَنَا عَلّي بن حَمَّاد بن أبي طَالب، ثَنَا عبد الْمُنعم بن نعيم الريَاحي، نَا عَمْرو بن فائد الأسواري، نَا يَحْيَى بن مُسلم، عَن الْحسن وَعَطَاء، عَن جَابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ [لِبلَال] : «إِذا أَذِنت (فترسل) فِي أذانك ... » الحَدِيث إِلَى قَوْله: «لقَضَاء حَاجته» ثمَّ قَالَ: هَذَا (حَدِيث) لَيْسَ فِي إِسْنَاده مطعون فِيهِ غير عَمْرو بن فائد (الأسواري) وَالْبَاقُونَ شُيُوخ الْبَصْرَة. قَالَ: وَهَذِه سنة غَرِيبَة لَا أعرف لَهَا إِسْنَادًا غير هَذَا، وَلم يخرجَاهُ.
-
هَذَا كَلَامه؛ وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: فِي دَعْوَاهُ أَنه لَيْسَ فِي
vol. 3, p. 353إِسْنَاده مطعون فِيهِ غير عَمْرو بن فائد، وَفِيه اثْنَان (ضعيفان) بِمرَّة عبد الْمُنعم وَيَحْيَى بن مُسلم، كَمَا سلف.
-
وَأما عَمْرو بن فائد الْمَزِيد فِي الْإِسْنَاد، فَإِنَّهُ واه بِمرَّة، نسبه عَلّي بن الْمَدِينِيّ إِلَى الْوَضع، وَتَركه الدارقطني.
-
ثَانِيهمَا: دَعْوَاهُ أَن هَذِه السّنة لَيْسَ لَهَا إِلَّا هَذَا الْإِسْنَاد؛ فَإِن لَهَا إِسْنَاد ثَان وثالث، أسندها الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْقَاسِم بن الحكم، ثَنَا عَمْرو بن شمر، حَدثنَا عمرَان بن مُسلم، قَالَ: سَمِعت سُوَيْد بن غَفلَة قَالَ: سَمِعت عَلّي بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَقُول: (كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَأْمُرنَا أَن نرتل الْأَذَان، ونحذف الْإِقَامَة) ، وَعَمْرو هَذَا رَافِضِي مَتْرُوك، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم فِي «الْأَوْسَط» : لم يروه عَن (عَمْرو بن شمر) إِلَّا أَبُو مُعَاوِيَة.
قلت: قد رَوَاهُ الْقَاسِم بن الحكم وَهُوَ أَبُو أَحْمد (العرني) - فِيمَا أَظن - وَهُوَ ثِقَة وَإِن لينه الْعقيلِيّ حَيْثُ قَالَ: فِي حَدِيثه مَنَاكِير لَا يُتَابع عَلَى كثير من حَدِيثه.
وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي «كناه» : سَمِعت أَبَا (الْحسن) الْقَارئ
vol. 3, p. 354يَقُول: سَمِعت أَبَا حَفْص - يَعْنِي: عَمْرو بن عَلّي - يَقُول: رجل يُقَال لَهُ يُوسُف بن عَطِيَّة كُوفِي أكذب من هَذَا قدم علينا، نزل المربد (سمعته) يَقُول: نَا عَمْرو بن شمر، عَن عمرَان بن مُسلم، عَن سُوَيْد بن غَفلَة، عَن عَلّي قَالَ: (قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (لِبلَال) : إِذا أَذِنت فترسل، وَإِذا أَقمت (فاحذم) ) وَحدث أَحَادِيث مُنكرَة عَن قوم معروفين.
-
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه لما أخرجه من حَدِيث جَابر وَضَعفه: وَقد رُوِيَ بِإِسْنَاد آخر عَن الْحسن وَعَطَاء، عَن أبي هُرَيْرَة؛ وَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ. ثمَّ (ذكره) بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ بِلَفْظ قَالَ: (قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لِبلَال ... ) فَذكره إِلَى قَوْله: (لقَضَاء حَاجته) ثمَّ قَالَ: الْإِسْنَاد (الأول أشهر) من هَذَا.
قَالَ الدارقطني: وأنبأنا مُحَمَّد بن مخلد، ثَنَا الْحسن بن عَرَفَة، نَا مَرْحُوم بن عبد الْعَزِيز، عَن أَبِيه، عَن أبي الزبير مُؤذن بَيت الْمُقَدّس - وَهُوَ (مِمَّن) لَا يعرف اسْمه عَلَى مَا قَالَه الْحَاكِم أَبُو أَحْمد - قَالَ: (جَاءَنَا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه (فَقَالَ) : إِذا أَذِنت فترسل، وَإِذا أَقمت (فاحذم) ) وَفِي رِوَايَة للبيهقي: «فاحدر» .
-
فَائِدَة: الترسل: التأني وَترك العجلة، قَالَ الْأَزْهَرِي: (الترسل: التمهل) فِي تأذينه وتبيين كَلَامه تبيينًا يفهمهُ كل من (يسمعهُ.
- vol. 3, p. 355
قَالَ) : وَهُوَ من قَوْلك: جَاءَ فلَان عَلَى رسله أَي: عَلَى هينته غير عجل وَلَا مُتْعب نَفسه. (وَكَذَا) قَالَ الرَّافِعِيّ فِي «الْكتاب» : الترسل هُوَ الترتيل، والحدر - بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ -: الْإِسْرَاع وَترك التَّطْوِيل. وَقَوله: (فاحدر) يجوز لَك أَن تَقْرَأهُ بِكَسْر الدَّال وَضمّهَا.
قَالَ ابْن سَيّده: حدر الشَّيْء يحدُره ويحدِره حدرًا (أَو) حدورًا فانحدر: حطه من علو إِلَى سفل.
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «دقائق الرَّوْضَة» : يحدر - بِضَم الدَّال مَعَ فتح الْيَاء - أَي: يسْرع.
قَالَ أهل اللُّغَة: حدرت الْقِرَاءَة وَالْأَذَان (وَنَحْوهمَا) أحدره حدرًا إِذا أسرعت بِهِ.
-
وَقَوله فِي رِوَايَة ابْن عدي وَمن تبعه: (فاحذم) رُوِيَ بأوجه: أَحدهَا: بحاء مُهْملَة، ثمَّ ذال مُعْجمَة مَكْسُورَة وَبعدهَا مِيم (وهمزته) همزَة وصل، وَعَلِيهِ اقْتصر الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» قَالَ صَاحب «الْمُحكم» : الحذم: الْإِسْرَاع فِي الشَّيْء. قَالَ: وَمِنْه قَول عمر ... فَذكر الْأَثر السالف، وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ نقلا عَن أبي عبيد، عَن الْأَصْمَعِي: إِن الحذم الحدر فِي الْإِقَامَة، وَقطع التَّطْوِيل. قَالَ ابْن فَارس: كل شَيْء أسرعت فِيهِ فقد حذمته.
-
ثَانِيهَا: بِالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة، أَي: اقْطَعْ التَّطْوِيل.
- vol. 3, p. 356
ثَالِثهَا: بِالْخَاءِ والذال المعجمتين، وَهُوَ من الخذم، أَي: السرعة، حَكَى هَذَا الْوَجْه وَالَّذِي قبله أَبُو الْقَاسِم بن البزري.
قَالَ النَّوَوِيّ فِي «تهذيبه» : وَالْأول هُوَ الصَّوَاب الْمَشْهُور الْمَعْرُوف، والوجهان (الْآخرَانِ) صَحِيحَانِ فِي اللُّغَة أَيْضا، وَذكره الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْخَاء الْمُعْجَمَة، وَهُوَ اخْتِيَار أبي عبيد، وَعَن خطّ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح عَلَى (حَاشِيَة سنَن) الْبَيْهَقِيّ أَن الصَّوَاب الْمَحْفُوظ فِي هَذَا الْحَرْف بِالْحَاء الْمُهْملَة (قَالَ) : وأخبرت قِرَاءَة عَن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل صَاحب «مجمع الغرائب» قَالَ: - وَقد أورد هَذَا الحَدِيث (بالحرف) الْمَذْكُور - أصل الحذم: الْإِسْرَاع فِي الشَّيْء أمره بِالتَّخْفِيفِ فِي الْإِقَامَة، وَأما (الخذم) والجذم (بِالْخَاءِ) وَالْجِيم فهما من الْقطع وليسا من (هَذَا) الحَدِيث.
-
والاعتصار: ارتجاع الْعَطِيَّة، واعتصر من الشَّيْء: أَخذ، والاعتصار أَن يَأْخُذ من الْإِنْسَان مَالا بغرم أَو بِشَيْء غَيره، وَكَأن الْكِنَايَة عَن الدَّاخِل لقَضَاء الْحَاجة بالمعتصر من ذَلِك.