الحديث الخامس والثلاثون
9 paragraphs · vol. 4, p. 190
- vol. 4, p. 190
«دخل أَبُو بكرَة الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي الرُّكُوع فَرَكَعَ (خيفة) أَن يفوتهُ الرُّكُوع، ثمَّ خطا خطْوَة (وَدخل الصَّفّ) فَلَمَّا فرغ قَالَ (لَهُ) النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: زادك الله حِرْصًا وَلَا تعد» .
-
(هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ) عَن أبي بكرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَنه انْتَهَى إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ رَاكِع، فَرَكَعَ قبل أَن (يصل) إِلَى الصَّفّ، فَذكر ذَلِك للنَّبِي (فَقَالَ: وزادك الله حرصًا وَلَا تعد» .
-
وَهُوَ مَعْدُود من أَفْرَاده، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ «أَنه دخل الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَاكِع فَرَكَعَ دون الصَّفّ؛ فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: زادك الله حرصًا وَلَا تعد» .
- vol. 4, p. 191
وَرَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد (بِإِسْنَاد صَحِيح) بِلَفْظ: «إِن أَبَا بكرَة جَاءَ وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَاكِع فَرَكَعَ دون الصَّفّ، ثمَّ مَشَى إِلَى الصَّفّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - صلَاته قَالَ: أَيّكُم الَّذِي ركع دون الصَّفّ ثمَّ مَشَى إِلَى الصَّفّ؟ قَالَ أَبُو بكرَة: أَنا. فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: (زادك) الله حرصًا وَلَا تعد» .
-
وَهَذِه الرِّوَايَة نَحْو رِوَايَة (المُصَنّف) ؛ فَإِن قَوْله: «ثمَّ مَشَى إِلَى الصَّفّ» يتَضَمَّن مَا ذكره من أَنه خطا خطْوَة فَإِنَّهَا أَقَله، وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» بلفظين:
أَحدهمَا: عَن عَنْبَسَة الْأَعْوَر عَن الْحسن: «أَن أَبَا بكرَة دخل الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَاكِع، فَرَكَعَ ثمَّ مَشَى حَتَّى لحق بالصف، فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: زادك الله حرصًا وَلَا تعد» . ثمَّ قَالَ: ذكر الْخَبَر المدحض قَول من زعم أَن (هَذَا) الْخَبَر تفرد بِهِ عَنْبَسَة (عَن الْحسن) ، ثمَّ أخرجه من حَدِيث [سعيد بن أبي عرُوبَة] ، عَن زِيَاد الأعلم، عَن الْحسن، عَن أبي بكرَة «أَنه دخل الْمَسْجِد وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَاكِع، قَالَ: فركعت دون الصَّفّ. فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -: زادك الله حرصًا وَلَا تعد» .
vol. 4, p. 192قلت: ومدار حَدِيث (أبي) بكرَة هَذَا من طَرِيق البُخَارِيّ وَغَيره (عَلَى) الْحسن عَنهُ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسمع مِنْهُ، (قلت) : لَكِن لَهُ عَنهُ فِي «صَحِيحه» عدَّة أَحَادِيث مِنْهَا هَذَا، وقصة الْكُسُوف، وَلَيْسَ فِيهَا التَّصْرِيح بِالسَّمَاعِ، لَكِن البُخَارِيّ لَا يَكْتَفِي بِإِمْكَان اللِّقَاء؛ فَلَا بُد أَن يكون ثَبت (عِنْده) سَمَاعه مِنْهُ، وَغَايَة مَا اعتل بِهِ الدَّارَقُطْنِيّ أَن الْحسن رَوَى أَحَادِيث عَن الْأَحْنَف بن قيس، عَن أبي بكرَة، وَذَلِكَ لَا يمْنَع من سَمَاعه مِنْهُ مَا أخرجه البُخَارِيّ.
-
فَائِدَة: قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام: «وَلَا تعد» هُوَ - بِفَتْح التَّاء وَضم الْعين - وَاخْتلف فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن مَعْنَاهُ: لَا تعد إِلَى الْإِحْرَام خَارج الصَّفّ.
-
ثَانِيهَا: لَا تعد إِلَى التَّأَخُّر عَن الصَّلَاة إِلَى هَذَا الْوَقْت، (وشكر لَهُ مَعَ ذَلِك) حرصه. قَالَ ابنُ حبَان فِي «صَحِيحه» : أَرَادَ: لَا تعد فِي إبطاء الْمَجِيء إِلَى الصَّلَاة، لَا أَنه أَرَادَ بذلك أَن لَا تعود بعد تكبيرك فِي اللحوق (بِالصَّلَاةِ) .
-
ثَالِثهَا: لَا تعد إِلَى إتْيَان الصَّلَاة مسرعًا. (وَيُؤَيِّدهُ) : رِوَايَة ابْن السكن فِي (صحاحه المأثورة) عَن أبي بكرَة قَالَ: «أُقِيمَت الصَّلَاة فَانْطَلَقت أسعى حَتَّى دخلت فِي الصَّف، فَلَمَّا قَضَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الصَّلَاة
vol. 4, p. 193قَالَ: من السَّاعِي آنِفا؟ قَالَ أَبُو بكرَة: أَنا. فَقَالَ: زادك الله حِرْصًا وَلَا تعد» .
-
رَابِعهَا: لَا تعد إِلَى دخولك فِي الصَّفّ وَأَنت رَاكِع، فَإِنَّهَا كمشية الْبَهَائِم؛ قَالَه المهلَّب بن أبي صفرَة. قَالَ ابْن القطَّان فِي «علله» : وَهَذَا هُوَ المُرَاد (فَإِن) فِي مُصَنف حَمَّاد بن سَلمَة عَن الأعلم - هُوَ زِيَاد - عَن الْحسن، عَن أبي بكرَة «أَنه دخل الْمَسْجِد وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُصَلِّي وَقد ركع فَرَكَعَ، ثمَّ دخل (فِي) الصَّفّ وَهُوَ رَاكِع فَلَمَّا انْصَرف رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ: أَيّكُم دخل (فِي) الصَّفّ وَهُوَ رَاكِع؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بكرَة: أَنا. فَقَالَ: زادك الله حِرْصًا وَلَا تعد» . قَالَ ابْن الْقطَّان: فتبيَّن بِهَذِهِ الزِّيَادَة أَن الَّذِي أنكر عَلَيْهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِنَّمَا هُوَ أَن دب رَاكِعا، وَقد كَانَ هَذَا متنازعًا فِيهِ إِلَى أَن تبين أَن هَذَا هُوَ المُرَاد.
قلت: لَكِن فِي «الْأَوْسَط» للطبراني من حَدِيث ابْن جريج عَن عَطاء سمع ابْن الزبير عَلَى الْمِنْبَر يَقُول: «إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد وَالنَّاس رُكُوع فليركع حَتَّى يدْخل، ثمَّ يدب رَاكِعا حَتَّى يدْخل فِي الصَّفّ، فَإِن ذَلِك السّنة» . قَالَ عَطاء: وَقد رَأَيْته يصنع ذَلِك، ثمَّ قَالَ: لم يروه عَن ابْن جريج إِلَّا ابْن وهب، تفرَّد بِهِ حَرْمَلَة وَلَا يرْوَى عَن (ابْن) الزبير إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد.