باب صوم التطوع
58 paragraphs · vol. 5, p. 746
Page 2 of 2
- vol. 5, p. 760
فِي «مُسْنده» وَالطَّبَرَانِيّ (١) وَالْبَيْهَقِيّ (٢) من حَدِيث عبد الله بن بُسر - بِضَم
الْبَاء الْمُوَحدَة وَإِسْكَان السِّين الْمُهْملَة - عَن أُخْته الصماء أَن رَسُول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: " لَا تَصُومُوا يَوْم السبت إِلَّا فِيمَا افْترض عَلَيْكُم فَإِن لم يجد
أحدكُم إِلَّا لحاء عنبة أَو عود شَجَرَة فليمضغه ". وَلَفظ الطَّبَرَانِيّ: " إِلَّا لحاء
شَجَرَة فليقضمه " وَلَفظ الدَّارمِيّ كَذَلِك وَقَالَ: " إِلَّا (كفًّا) (٣) أَو لحاء
شَجَرَة (فليمضغه) (٤) ". وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» (٥) من
حَدِيث عبد الله بن بسر، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» (٦)
-
كَذَلِك من طَرِيقين، وَرَوَاهُ ابْن السكن فِي «صحاحه» من هَذَا الْوَجْه
بِلَفْظ: " لَا تَصُومُوا يَوْم السبت إِلَّا فِي فَرِيضَة فَإِن لم يجد أحدكُم إِلَّا عود
كرم أَو لحاء شَجَرَة فليمضغه ". قَالَ التِّرْمِذِيّ عقب إِخْرَاجه (لَهُ) (٧) من
حَدِيث الصماء: (هَذَا) (٨) حَدِيث حسن. قَالَ: وَمَعْنى الْكَرَاهِيَة فِي هَذَا
أَن يخص الرجل يَوْم السبت بصيام؛ لِأَن الْيَهُود يعظمون يَوْم السبت.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ (٩) : قَالَ الْأَوْزَاعِيّ مَا زلت بِهَذَا الحَدِيث كَاتِما ثمَّ رَأَيْته
انْتَشَر. وَقَالَ الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» (١٠) : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط
vol. 5, p. 761[البُخَارِيّ] (١) . قَالَ: وَله معَارض بِإِسْنَاد صَحِيح، وَقد أَخْرجَاهُ. فَذكر
حَدِيث (جوَيْرِية السالف فِي) (٢) الحَدِيث الَّذِي قبله، وَقد علمت أَنه من
أَفْرَاد البُخَارِيّ، ثمَّ رَوَى عَن الزُّهْرِيّ أَنه كَانَ إِذا ذكر لَهُ أَنه نهي عَن صِيَام
يَوْم السبت قَالَ: هَذَا حَدِيث حمصي. قَالَ الْحَاكِم: وَله معَارض بِإِسْنَاد
صَحِيح. فَذكر بِإِسْنَادِهِ عَن كريب مولَى ابْن عَبَّاس " أَن [ابْن عَبَّاس] (٣)
-
وناساً من أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعثوني إِلَى أم سَلمَة أسألها عَن
] أَي] (٤) الْأَيَّام [كَانَ] (٥) رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَكثر لَهَا صياما. فَقَالَت: يَوْم
السبت والأحد. فَرَجَعت إِلَيْهِم فَأَخْبَرتهمْ، فكأنهم أَنْكَرُوا ذَلِك، فَقَامُوا
بأجمعهم إِلَيْهَا (فَقَالُوا: إِنَّا) (٦) بعثنَا إِلَيْك هَذَا فِي كَذَا وَكَذَا. فَذكر أَنَّك
قلت كَذَا وَكَذَا فَقَالَت: صدق، إِن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أَكثر مَا كَانَ يَصُوم من
الْأَيَّام يَوْم السبت والأحد، وَكَانَ يَقُول: إنَّهُمَا يَوْمًا عيد للْمُشْرِكين وَأَنا
أُرِيد أَن أخالفهم ". هَذَا آخر كَلَامه. وَحَدِيث أم سَلمَة هَذَا أخرجه
النَّسَائِيّ (٧) وَالْبَيْهَقِيّ (٨) فِي «سُنَنهمَا» وَأعله ابْن الْقطَّان (٩) بِأَن قَالَ: فِيهِ
مَجْهُولَانِ. وَأما الْحَاكِم فقد صَححهُ كَمَا علمت، وَكَذَا ابْن حبَان (١٠) فَإِنَّهُ
vol. 5, p. 762أخرجه (فِي صَحِيحه) (١) عَن الْحسن بن سُفْيَان، نَا حبَان بن مُوسَى
[أخبرنَا عبد الله] (٢) ، أَنا عبد الله بن مُحَمَّد بن عمر بن عَلّي بن أبي
طَالب، حَدثنِي [أبي] (٣) عَن كريب ... فَذكره، وَقَول الْحَاكِم " إِنَّه معَارض
لحَدِيث الصماء " لَيْسَ كَذَلِك بل يحمل حَدِيث الصماء عَلَى إِفْرَاده
بِالصَّوْمِ، وَحَدِيث أم سَلمَة وَحَدِيث جوَيْرِية عَلَى مَا إِذا مَا صَامَ يَوْمًا قبله
أَو يَوْمًا بعده، وَحَدِيث جوَيْرِية صَرِيح فِي ذَلِك كَمَا سلف. وَفِي جَامع
التِّرْمِذِيّ (٤) - وَقَالَ: حسن - من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: " كَانَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ
يَصُوم من الشَّهْر: السبت والأحد والاثنين، وَمن الشَّهْر الآخر: الثُّلَاثَاء
وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس ". ثمَّ اعْلَم أَن حَدِيث الصماء أعل بِأُمُور: أَحدهَا:
بِالِاضْطِرَابِ حَيْثُ رُوِيَ عَن عبد الله بن بسر (عَنْهَا) (٥) ، وَعنهُ عَن رَسُول
الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَعَن أَبِيه بسر عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَعَن الصماء، عَن عَائِشَة أم
الْمُؤمنِينَ، عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قَالَ النَّسَائِيّ: وَهَذِه أَحَادِيث مضطربة. قلت:
وَلَك أَن تَقول وَإِن كَانَت مضطربة فَهُوَ اضْطِرَاب غير قَادِح؛ فَإِن عبد الله
ابْن بسر صَحَابِيّ (٦) ، وَكَذَا وَالِده (٧) والصماء (٨) مِمَّن ذكرهم فِي الصَّحَابَة
ابْن حبَان فِي أَوَائِل «الثِّقَات» فَتَارَة سَمعه من أَبِيه، وَتارَة من أُخْته، وَتارَة
من رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وَتارَة سمعته أُخْته من عَائِشَة، وسمعته من رَسُول الله
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قَالَ عبد الْحق (٩) : وَقيل فِي هَذَا الحَدِيث: عَن عبد الله بن بسر، عَن
vol. 5, p. 763عمته الصماء. قَالَ: وَهُوَ أصح.
قلت: وَأخرجه من هَذَا الطَّرِيق الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» (١) وَقَالَ
الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» : إِن الصَّحِيح عَن عبد الله بن بسر، عَن أُخْته
الصماء.
-
ثَانِيهَا: أَنه حَدِيث كذب، قَالَ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» (٢) ، قَالَ مَالك:
هَذَا الحَدِيث كذب. وَتَبعهُ ابْن الْعَرَبِيّ فَقَالَ فِي «القبس» : وَأما يَوْم السبت
فَلم يَصح فِيهِ الحَدِيث، وَلَو صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ مُخَالفَة أهل الْكتاب (وَفِيه
نظر) (٣) . قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» (٤» : وَهَذَا القَوْل لَا يقبل من
مَالك فقد صَححهُ الْأَئِمَّة. وَاعْتذر عَنهُ عبد الْحق (٥) فَقَالَ: لَعَلَّ مَالِكًا إِنَّمَا
جعله كذبا من أجل رِوَايَة ثَوْر بن يزِيد الكلَاعِي، فَإِنَّهُ كَانَ يُرْمَى بِالْقدرِ،
وَلكنه كَانَ ثِقَة فِيمَا رَوَى، قَالَه يَحْيَى وَغَيره، وَقد رَوَى عَنهُ الجلة مثل:
يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان، وَابْن الْمُبَارك، و [الثَّوْريّ] (٦) وَغَيرهم.
-
ثَالِثهَا: أَنه مَنْسُوخ، قَالَه أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» (٧) وَفِيه نظر، قَالَ
(النَّوَوِيّ) (٨) فِي «شَرحه» (٩) : هَذَا القَوْل (١٠) لَيْسَ بمقبول وَأي دَلِيل عَلَى
نسخه؟ ! قلت: وَالْحق أَنه حَدِيث صَحِيح غير مَنْسُوخ.
-
فَائِدَة: فِي اسْم الصماء أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه اسْمهَا صمية فسميت
vol. 5, p. 764الصماء، قَالَه ابْن حبَان فِي «ثقاته» (١) .
-
ثَانِيهَا: بُهية بِضَم الْبَاء، حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «جَامع المسانيد» عَن
الدَّارَقُطْنِيّ، وَحَكَاهُ عبد الْحق (٢) أَيْضا.
-
ثَالِثهَا: بَهِيمَة، حَكَاهُ عبد الْحق (٣) فَقَالَ: اسْمهَا بهية، وَقيل:
بَهِيمَة. وَهِي أُخْت عبد الله بن بسر، وَقيل: إِنَّهَا أُخْت بسر. وَالْأول أصح.
-
تَنْبِيه: لم يعز هَذَا الحَدِيث ابْن الْأَثِير فِي «جَامعه» (٤) إِلَى النَّسَائِيّ
لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي «سنَنه الصُّغْرَى» ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي «الْكُبْرَى» كَمَا عزيته لَك أَولا
فَتنبه لذَلِك.
-
الحَدِيث الثَّانِي عشر
أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ لعبد الله بن عَمْرو: " لَا صَامَ من صَامَ الدَّهْر، صَوْم ثَلَاثَة
أَيَّام من كل شهر صَوْم الدَّهْر " (٥) .
-
هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ (٦) من هَذَا الْوَجْه (بِلَفْظ) (٧)
" لَا صَامَ من صَامَ الْأَبَد ثَلَاثًا " وَفِي آخر (٨) " صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام ... " إِلَى آخِره.
-
كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء، وَسَقَطت الْوَاو فِي بعض نسخ الْكتاب، وَهُوَ من
النساخ، وَهُوَ عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ.
- vol. 5, p. 765
الحَدِيث الثَّالِث عشر
" أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نهَى عَن صِيَام الدَّهْر " (١) .
-
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَقد أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عبد الله بن
عَمْرو بِلَفْظ: " لَا صَامَ من صَامَ الْأَبَد " كَمَا سلف، وَفِي أَفْرَاد مُسلم (٢) من
حَدِيث أبي قَتَادَة " أَن عمر قَالَ: يَا رَسُول الله، كَيفَ بِمن يَصُوم الدَّهْر؟
قَالَ: لَا صَامَ وَلَا أفطر - أَو لم يصم وَلم يفْطر ". وَفِي «مُسْند أَحْمد» (٣)
-
و «صَحِيح ابْن حبَان» (٤) من حَدِيث عبد الله بن الشخير رَفعه: «من صَامَ
الْأَبَد فَلَا صَامَ وَلَا أفطر ". وَمن حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن (٥) " أَن رَسُول
الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قيل لَهُ: إِن فلَانا لَا يفْطر نَهَار الدَّهْر إِلَّا لَيْلًا. فَقَالَ لله: لَا صَامَ
وَلَا أفطر ". وَفِي «سنَن الْبَيْهَقِيّ» (٦) من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن
رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ: " من صَامَ الدَّهْر (ضيقت) (٧) عَلَيْهِ جَهَنَّم هَكَذَا. وَعقد
(تسعين) (٨) " وَرَوَاهُ (٩) مَوْقُوفا (عَلَى) (١٠) أبي مُوسَى أَيْضا. وَهَذَا الحَدِيث
احْتج بِهِ الْبَيْهَقِيّ عَلَى أَنه لَا كَرَاهَة فِي صَوْم الدَّهْر، وَمَعْنى (ضيقت) (١١) .
- vol. 5, p. 766
عَلَيْهِ؛ أَي: عَنهُ فَلم يدخلهَا. أَو (ضيقت) (١) عَلَيْهِ أَي لَا يكون لَهُ فِيهَا
مَوضِع. وَلما رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ (٢) قَالَ فِي آخِره: قَالَ أَبُو الْوَلِيد يَعْنِي: أَن
يدخلهَا (وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَأَشَارَ غَيره إِلَى الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى كَرَاهَته.
-
و) (٣) أوردهُ ابْن أبي شيبَة فِي «مُصَنفه» (٤) فِي بَاب من كره صَوْم الدَّهْر.
-
وَاسْتدلَّ بِهِ أَيْضا كَذَلِك ابْن حزم (٥) ، وَقَالَ: إِنَّمَا أوردهُ رُوَاته كلهم عَلَى
التَّشْدِيد وَالنَّهْي عَن صَوْمه. وَلما رَوَاهُ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» (٦) حمله
عَلَى من صَامَ الدَّهْر الَّذِي فِيهِ أَيَّام التَّشْرِيق وَالْعِيدَيْنِ.