[كتاب الوديعة والعارية]

24 paragraphs · vol. 5, p. 354

  1. الْحَدِيثُ قَالَ الْحَافِظُ: فِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ بِلَفْظِ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ، وَلَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» وَقَالَ: إنَّمَا نَرْوِي هَذَا عَنْ شُرَيْحٍ غَيْرَ مَرْفُوعٍ قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي إسْنَادِهِ ضَعِيفَانِ قَوْلُهُ: (الْوَدِيعَةُ) هِيَ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ السُّكُونِ، يُقَالُ: وَدَعَ الشَّيْءُ يَدَعُ: إذَا سَكَنَ، فَكَأَنَّهَا سَاكِنَةٌ عِنْدَ الْمُودَعِ، وَقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ الدَّعَةِ وَهِيَ خَفْضُ الْعَيْشِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُبْتَذَلَةٍ بِالِانْتِفَاعِ وَفِي الشَّرْعِ: الْعَيْنُ الَّتِي يَضَعُهَا مَالِكُهَا عِنْدَ آخَرَ لِيَحْفَظَهَا وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ إجْمَاعًا

    وَالْعَارِيَّةَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: كَأَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إلَى الْعَارِ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا عَارٌ، وَيُجْمَعُ عَلَى عَوَارِيَّ مُشَدَّدًا وَفِي الشَّرْعِ إبَاحَةُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهِيَ أَيْضًا مَشْرُوعَةٌ إجْمَاعًا قَوْلُهُ: (لَا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ كَانَ أَمِينًا عَلَى عَيْنٍ مِنْ الْأَعْيَانِ كَالْوَدِيعِ وَالْمُسْتَعِيرِ أَمَّا الْوَدِيعُ فَلَا يَضْمَنُ قِيلَ: إجْمَاعًا إلَّا لِجِنَايَةٍ مِنْهُ عَلَى الْعَيْنِ وَقَدْ حُكِيَ فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَأَوَّلَ مَا حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ الْوَدِيعَ لَا يَضْمَنُ إلَّا بِشَرْطِ الضَّمَانِ بِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى ضَمَانِ التَّفْرِيطِ لَا الْجِنَايَةِ الْمُتَعَمَّدَةِ، وَالْوَجْهُ فِي تَضْمِينِهِ الْجِنَايَةَ أَنَّهُ صَارَ بِهَا خَائِنًا، وَالْخَائِنُ ضَامِنٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» وَالْمُغِلُّ: هُوَ الْخَائِنُ، وَهَكَذَا يَضْمَنُ الْوَدِيعُ إذَا وَقَعَ مِنْهُ تَعَدٍّ فِي حِفْظِ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْخِيَانَةِ وَأَمَّا الْعَارِيَّةُ فَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَعَدٍّ

    وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَعَزَاهُ صَاحِبُ الْفَتْحِ إلَى الْجُمْهُورِ: إنَّهَا إذَا تَلِفَتْ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ ضَمِنَهَا إلَّا فِيمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَشُرَيْحٍ وَالْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ وَإِنْ شُرِطَ الضَّمَانُ وَعِنْدَ الْعِتْرَةِ وَقَتَادَةَ وَالْعَنْبَرِيِّ: أَنَّهُ إذَا شُرِطَ الضَّمَانُ كَانَتْ مَضْمُونَةً وَحُكِيَ فِي الْبَحْرِ عَنْ مَالِكٍ وَالْبَتِّيِّ أَنَّ غَيْرَ الْحَيَوَانِ مَضْمُونٌ، وَالْحَيَوَانَ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى غَيْرِ الْمُتَعَدِّي بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» وَبِقَوْلِهِ «لَا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ»

    vol. 5, p. 354
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 5, p. 355
  3. ــ

    [نيل الأوطار]

  4. وَبِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ: «مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ» وَفِي إسْنَادِهِ الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَتَابَعَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَبِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِضَمَانِ الزَّعِيمِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ ضَمَانِ الْمُسْتَعِيرِ

    وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالضَّمَانِ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ الْآتِي وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَمْرَ بِتَأْدِيَةِ الْأَمَانَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ ضَمَانَهَا إذَا تَلِفَتْ وَاسْتَدَلَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ بِحَدِيثِ صَفْوَانَ الْآتِي، وَلَا يَخْفَى أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْحَيَوَانِ مَضْمُونٌ لَا يُسْتَفَادُ مِنْهَا أَنَّ حُكْمَ الْحَيَوَانِ بِخِلَافِهِ

    ٢٣٨٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ) . الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَفِي إسْنَادِهِ طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ عَنْ شَرِيكٍ، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ الْحَاكِمُ بِحَدِيثِ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ وَفِي إسْنَادِهِ أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْد مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ كَمَا قَالَ الطَّبَرَانِيُّ وَقَدْ اسْتَنْكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَمَالِكٌ وَفِي الْبَابِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ، وَفِي إسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيّ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ وَالطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالْبَيْهَقِيِّ وَفِي إسْنَادِهِ مَجْهُولٌ آخَرُ غَيْرُ الصَّحَابِيِّ؛ لِأَنَّ يُوسُفَ بْنَ مَاهَكَ رَوَاهُ عَنْ فُلَانٍ عَنْ آخَرَ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَعَنْ الْحَسَنِ مُرْسَلًا عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا يَصِحُّ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ: هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَعْرِفُهُ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُرُودَهُ بِهَذِهِ الطُّرُقِ الْمُتَعَدِّدَةِ مَعَ تَصْحِيحِ إمَامَيْنِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ لِبَعْضِهَا وَتَحْسِينِ إمَامٍ ثَالِثٍ مِنْهُمْ مِمَّا يَصِيرُ بِهِ الْحَدِيثُ مُنْتَهِضًا لِلِاحْتِجَاجِ

    قَوْلُهُ: (وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُكَافَأَةُ الْخَائِنِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ فَيَكُونُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: ٤٠] وقَوْله تَعَالَى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: ١٢٦] وقَوْله تَعَالَى {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: ١٩٤] وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْقَاضِيَةَ بِتَحْرِيمِ مَالِ الْآدَمِيِّ وَدَمِهِ وَعِرْضِهِ عُمُومُهَا مُخَصَّصٌ بِهَذِهِ

    vol. 5, p. 356. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  5. ــ

    [نيل الأوطار]

  6. الثَّلَاثِ الْآيَاتِ

    وَحَدِيثُ الْبَابِ مُخَصِّصٌ لِهَذِهِ الْآيَاتِ، فَيَحْرُمُ مِنْ مَالِ الْآدَمِيِّ وَعِرْضِهِ وَدَمِهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقِ الْمُجَازَاةِ فَإِنَّهَا حَلَالٌ إلَّا الْخِيَانَةَ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ، وَلَكِنَّ الْخِيَانَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْأَمَانَةِ كَمَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ كَلَامُ الْقَامُوسِ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيثِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ حَبْسُ حَقِّ خَصْمِهِ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَغَيْرُهُ، إنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ أَنْ يَحْبِسَ عِنْدَهُ وَدِيعَةً لِخَصْمِهِ أَوْ عَارِيَّةً، مَعَ أَنَّ الْخِيَانَةَ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْخَدِيعَةِ وَالْخُفْيَةِ، وَلَيْسَ مَحَلُّ النِّزَاعِ مِنْ ذَلِكَ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الْجَوَازَ إذْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِامْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ تَأْخُذَ لَهَا وَلِوَلَدِهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا مَا يَكْفِيهَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ

    وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَبْسِ الْمَذْكُورَةِ، فَذَهَبَ الْهَادِي إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا لَا مِنْ الْجِنْسِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ قَالَ الْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ: إنَّ قَوْلَ الْهَادِي مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمَنْصُورُ بِاَللَّهِ: يَجُوزُ مِنْ الْجِنْسِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ: يَجُوزُ مِنْ الْجِنْسِ فَقَطْ، وَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: يَجُوزُ مِنْ الْجِنْسِ ثُمَّ مِنْ غَيْرِهِ لِتَعَذُّرِهِ دَيْنًا قَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ: قُلْت: الْأَقْرَبُ اشْتِرَاطُ الْحَاكِمِ حَيْثُ يُمْكِنُ لِلْخَبَرِ، يَعْنِي: حَدِيثَ الْبَابِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ جَازَ الْحَبْسُ وَغَيْرُهُ لِئَلَّا تَضِيعَ الْحُقُوقُ وَلِظَوَاهِرِ الْآيِ.

  7. ٢٣٩٠ - (وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، زَادَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ: قَالَ قَتَادَةُ: ثُمَّ نَسِيَ الْحَسَنُ فَقَالَ: هُوَ أَمِينُكَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، يَعْنِي: الْعَارِيَّةَ) الْحَدِيثُ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَسَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ قَدْ تَقَدَّمَ

    وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ رَدُّ مَا أَخَذَتْهُ يَدُهُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ بِإِعَارَةٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا حَتَّى يَرُدَّهُ إلَى مَالِكِهِ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْوَدِيعَ وَالْمُسْتَعِيرَ ضَامِنَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى التَّضْمِينِ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ إذَا كَانَ عَلَى الْيَدِ الْآخِذَةِ حَتَّى تَرُدَّهُ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ فِي ضَمَانِهَا كَمَا يُشْعِرُ لَفْظُ عَلَى مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَأْخُوذٍ وَمَأْخُوذٍ وَقَالَ الْمُقْبِلِيُّ فِي الْمَنَارِ: يَحْتَجُّونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي مَوَاضِعَ عَلَى التَّضْمِينِ وَلَا أَرَاهُ صَرِيحًا؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْأَمِينَةَ أَيْضًا عَلَيْهَا مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ بِأَمِينَةٍ:

    وَمُسْتَخْبِرٌ عَنْ سِرِّ لَيْلَى تَرَكْته ... بِعَمْيَاءَ مِنْ لَيْلَى بِغَيْرِ يَقِينِ

    يَقُولُونَ خَبِّرْنَا فَأَنْتَ أَمِينُهَا ... وَمَا أَنَا إنْ خَبَّرْتهمْ بِأَمِينِ

    vol. 5, p. 357. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  8. ــ

    [نيل الأوطار]

  9. إنَّمَا كَلَامُنَا هَلْ يَضْمَنُهَا لَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ؟ وَلَيْسَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَضْمُونِ وَغَيْرِ الْمَضْمُونِ إلَّا هَذَا

    وَأَمَّا الْحِفْظُ فَمُشْتَرَكٌ وَهُوَ الَّذِي تُفِيدُهُ عَلَى، فَعَلَى هَذَا لَمْ يَنْسَ الْحَسَنُ كَمَا زَعَمَ قَتَادَةُ حِينَ قَالَ: «هُوَ أَمِينُكَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ» بَعْدَ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ اهـ وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ قِلَّةِ الْجَدْوَى وَعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ:؛ لِأَنَّ الْيَدَ الْأَمِينَةَ عَلَيْهَا مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ وَإِلَّا فَلَيْسَتْ بِأَمِينَةٍ يَقْتَضِي الْمُلَازَمَةَ بَيْنَ عَدَمِ الرَّدِّ وَعَدَمِ الْأَمَانَةِ، فَيَكُونُ تَلَفُ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ قَبْلَ الرَّدِّ مُقْتَضِيًا لِخُرُوجِ الْأَمِينِ عَنْ كَوْنِهِ أَمِينًا وَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْمُقْتَضِيَ لِذَلِكَ إنَّمَا هُوَ التَّلَفُ بِخِيَانَةٍ أَوْ جِنَايَةٍ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، إنَّمَا النِّزَاعُ فِي تَلَفٍ لَا يَصِيرُ بِهِ الْأَمِينُ خَارِجًا عَنْ كَوْنِهِ أَمِينًا كَالتَّلَفِ بِأَمْرٍ لَا يُطَاقُ دَفْعُهُ أَوْ بِسَبَبِ سَهْوٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ ضَيَاعٍ بِلَا تَفْرِيطٍ فَإِنَّهُ يُوجَدُ التَّلَفُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مَعَ بَقَاءِ الْأَمَانَةِ.

  10. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي الضَّمَانَ وَقَدْ عَارَضَهُ مَا أَسْلَفْنَا وَقَالَ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ: إنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَأْدِيَةِ غَيْرِ التَّالِفِ وَالضَّمَانُ عِبَارَةٌ عَنْ غَرَامَةِ التَّالِفِ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ " عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ " مِنْ الْمُقْتَضَى الَّذِي يَتَوَقَّفُ فَهْمُ الْمُرَادِ مِنْهُ عَلَى مُقَدَّرٍ وَهُوَ إمَّا الضَّمَانُ أَوْ الْحِفْظُ أَوْ التَّأْدِيَةُ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى الْيَدِ ضَمَانُ مَا أَخَذَتْ أَوْ حِفْظُ مَا أَخَذَتْ أَوْ تَأْدِيَةُ مَا أَخَذَتْ، وَلَا يَصِحُّ هَاهُنَا تَقْدِيرُ التَّأْدِيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَعَلَ قَوْلَهُ: " حَتَّى تُؤَدِّيَهُ " غَايَةً لَهَا، وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ غَايَةً لِنَفْسِهِ وَأَمَّا الضَّمَانُ وَالْحِفْظُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلتَّقْدِيرِ، وَلَا يُقَدَّرَانِ مَعًا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ، فَمَنْ قَدَّرَ الضَّمَانَ أَوْجَبَهُ عَلَى الْوَدِيعِ وَالْمُسْتَعِيرِ، وَمَنْ قَدَّرَ الْحِفْظَ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يُوجِبْ الضَّمَانَ إذَا وَقَعَ التَّلَفُ مَعَ الْحِفْظِ الْمُعْتَبَرِ وَبِهَذَا تَعْرِفُ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّمَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوبِ التَّأْدِيَةِ لِغَيْرِ التَّالِفِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي، وَأَمَّا مُخَالَفَةُ رَأْيِ الْحَسَنِ لِرِوَايَتِهِ فَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعَمَلَ بِالرِّوَايَةِ لَا بِالرَّأْيِ

    ٢٣٩١ - (وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَارَ مِنْهُ يَوْمَ حُنَيْنٌ أَدْرُعًا، فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ، قَالَ: فَضَاعَ بَعْضُهَا، فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَضْمَنَهَا لَهُ، فَقَالَ: أَنَا الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ أَرْغَبُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد)

  11. ٢٣٩٢ - (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَسًا

    vol. 5, p. 358٢٣٩٣ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كُنَّا نَعُدُّ الْمَاعُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَارِيَّةَ الدَّلْوِ وَالْقِدْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد)

  12. ــ

    [نيل الأوطار]

  13. مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ فَرَكِبَهُ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) حَدِيثُ صَفْوَانَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمُ، وَأَوْرَدَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ: «بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد «إنَّ الْأَدْرَاعَ كَانَتْ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إلَى الْأَرْبَعِينَ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ مُرْسَلًا، وَبَيَّنَ أَنَّ الْأَدْرَاعَ كَانَتْ ثَمَانِينَ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَذَكَرَ أَنَّهَا مِائَةُ دِرْعٍ، وَأَعَلَّ ابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: أَحْسَنُ مَا فِيهَا حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ

    قَوْلُهُ: (أَغَصْبًا) مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ هُوَ مَدْخُولُ الْهَمْزَةِ: أَيْ: أَتَأْخُذُهَا غَصْبًا لَا تَرُدُّهَا عَلَيَّ؟ فَأَجَابَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: " بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ " فَمَنْ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ جَعَلَ لَفْظَ مَضْمُونَةٌ صِفَةً كَاشِفَةً لِحَقِيقَةِ الْعَارِيَّةِ، أَيْ: أَنَّ شَأْنَ الْعَارِيَّةِ الضَّمَانُ وَمَنْ قَالَ إنَّ الْعَارِيَّةَ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ جَعَلَ لَفْظَ مَضْمُونَةٌ صِفَةً مُخَصِّصَةً، أَيْ: أَسْتَعِيرُهَا مِنْكَ عَارِيَّةً مُتَّصِفَةً بِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ لَا عَارِيَّةً مُطْلَقَةً عَنْ الضَّمَانِ قَوْلُهُ: (فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَضْمَنَهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الضَّيَاعَ مِنْ أَسْبَابِ الضَّمَانِ، لَا عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الضَّيَاعِ تَفْرِيطٌ وَأَنَّهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَلَفُ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَقَعَ فِيهِ تَفْرِيطٌ

    قَوْلُهُ: (فَزَعٌ) أَيْ: خَوْفٌ مِنْ عَدُوٍّ وَأَبُو طَلْحَةَ الْمَذْكُورُ هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ زَوْجُ أُمِّ أَنَسٍ قَوْلُهُ: (يُقَالُ لَهُ الْمَنْدُوبُ) قِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ مِنْ النَّدْبِ وَهُوَ الرَّهْنُ عِنْدَ السِّبَاقِ وَقِيلَ لِنَدْبٍ كَانَ فِي جِسْمِهِ وَهُوَ أَثَرُ الْجُرْحِ قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا) قَالَ الْخَطَّابِيِّ: إنْ هِيَ النَّافِيَةُ وَاللَّامُ بِمَعْنَى إلَّا: أَيْ: مَا وَجَدْنَاهُ إلَّا بَحْرًا قَالَ ابْنُ التِّينِ: هَذَا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ إنْ مُخَفَّفَةٌ مِنْ الثَّقِيلَةِ وَاللَّامَ زَائِدَةٌ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: يُقَال لِلْفَرَسِ بَحْرٌ إذَا كَانَ وَاسِعَ الْجَرْيِ أَوْ؛ لِأَنَّ جَرْيَهُ لَا يَنْفَدُ كَمَا لَا يَنْفَدُ الْبَحْرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: «فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى»

  14. الْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَحَسَّنَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا فَسَّرَا قَوْله تَعَالَى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: ٧] أَنَّهُ مَتَاعُ الْبَيْتِ الَّذِي يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ مِنْ الْفَأْسِ وَالدَّلْوِ وَالْحَبْلِ وَالْقِدْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَعَنْ عَائِشَةَ: الْمَاعُونُ: الْمَاءُ وَالنَّارُ وَالْمِلْحُ،

    vol. 5, p. 359٢٣٩٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا قَالَتْ وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إلَّا أَرْسَلَتْ إلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ)

  15. ــ

    [نيل الأوطار]

  16. وَقِيلَ الْمَاعُونُ: الزَّكَاةُ قَالَ الشَّاعِرُ:
  17. قَوْمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ لَمَّا يَمْنَعُوا ... مَاعُونَهُمْ وَيُضَيِّعُوا التَّهْلِيلَا

    قَالَ فِي الْكَشَّافِ: وَقَدْ يَكُونُ مَنْعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَحْظُورًا فِي الشَّرِيعَةِ إذَا اُسْتُعِيرَتْ عَنْ اضْطِرَارٍ، وَقَبِيحًا فِي الْمُرُوءَةِ فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ بُهَيْسَةَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ الْفَزَارِيَّةِ عَنْ أَبِيهَا قَالَتْ «اسْتَأْذَنَ أَبِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَمِيصِهِ، فَجَعَلَ يُقَبِّلُهُ وَيَلْتَزِمُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: الْمَاءُ، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: الْمِلْحُ، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: إنْ تَفْعَلْ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ» وَسَيَأْتِي حَدِيثُ بُهَيْسَةَ هَذَا فِي بَابِ إقْطَاعِ الْمَعَادِنِ مِنْ كِتَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ

    وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قُرَّةَ بْنِ دُعْمُوصٍ النُّمَيْرِيِّ «أَنَّهُمْ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَعْهَدُ إلَيْنَا؟ قَالَ: لَا تَمْنَعُوا الْمَاعُونَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْمَاعُونُ؟ قَالَ: فِي الْحَجَرِ وَالْحَدِيدِ وَفِي الْمَاءِ، قَالُوا: فَأَيُّ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: قُدُورُكُمْ النُّحَاسُ وَحَدِيدُ الْفَأْسِ الَّذِي تَمْتَهِنُونَ بِهِ، قَالُوا: وَمَا الْحَجَرُ؟ قَالَ: قُدُورُكُمْ الْحِجَارَةُ» وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ " أَنَّ رَأْسَ الْمَاعُونِ زَكَاةُ الْمَالِ، وَأَدْنَاهُ الْمُنْخُلُ وَالدَّلْوُ وَالْإِبْرَةُ " وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّ الْمَاعُونَ: الْعَوَارِيُّ وَأَصْلُ الْمَاعُونِ مِنْ الْمَعْنِ: وَهُوَ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ، فَسُمِّيَتْ الزَّكَاةُ مَاعُونًا؛ لِأَنَّهَا قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ وَغَيْرُهَا، وَهَذِهِ التَّفَاسِيرُ تَرْجِعُ كُلُّهَا إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمُعَاوَنَةُ بِمَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الْمَاعُونُ: الْمَعْرُوفُ وَفِي الْحَدِيثِ «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ»

  18. قَوْلُهُ: (دِرْعُ) الدِّرْعُ قَمِيصُ الْمَرْأَةِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَدِرْعُ الْحَدِيدِ مُؤَنَّثَةٌ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ أَيْضًا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ قَوْلُهُ: (قِطْرٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَالسَّرَخْسِيِّ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ نُونٌ، وَالْقِطْرِيُّ نِسْبَةٌ إلَى الْقِطْرِ: وَهِيَ ثِيَابٌ مِنْ غَلِيظِ الْقُطْنِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ: مِنْ الْقُطْنِ خَاصَّةً تُعْرَفُ بِالْقِطْرِيَّةِ فِيهَا حُمْرَةٌ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الثِّيَابُ الْقِطْرِيَّةِ مَنْسُوبَةٌ إلَى قَطَرٍ،

    vol. 5, p. 360٢٣٩٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إلَّا أُقْعِدَ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَاعٍ قَرْقَرٍ تَطَؤُهُ ذَاتُ الظِّلْفِ بِظِلْفِهَا، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ الْقَرْنِ لَيْسَ فِيهَا يَوْمَئِذٍ جَمَّاءُ، وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: إطْرَاقُ فَحْلِهَا، وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا، وَمِنْحَتُهَا، وَحَلْبُهَا عَلَى الْمَاءِ، وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .

  19. كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ

    ــ

    [نيل الأوطار]

  20. قَرْيَةٌ مِنْ الْبَحْرَيْنِ، فَكَسَرُوا الْقَافَ لِلنِّسْبَةِ وَخَفَّفُوا قَوْلُهُ: (ثَمَنُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ) بِنَصَبِ ثَمَنَ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ وَخَمْسَةُ بِالْخَفْضِ عَلَى الْإِضَافَةِ أَوْ بِرَفْعِ ثَمَنِ وَخَمْسَةُ عَلَى حَذْفِ الضَّمِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ ثَمَنُهُ خَمْسَةٌ، وَرُوِيَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي وَنَصْبِ خَمْسَةَ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ: أَيْ: قُوِّمَ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ قَوْلُهُ: (تُقَيَّنُ) بِالْقَافِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ: أَيْ: تُزَيَّنُ، مِنْ الشَّيْءِ قِيَانَةً: أَيْ: أَصْلَحَهُ، وَالْقَيْنَةُ يُقَالُ لِلْمَاشِطَةِ وَلِلْمُغَنِّيَةِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رَوَى تُفَنَّنُ بِالْفَاءِ: أَيْ: تُعْرَضُ وَتُجْلَى عَلَى زَوْجِهَا قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَمْ يَضْبِطْ مَا بَعْدَ الْفَاءِ قَالَ: وَرَأَيْتُهُ بِخَطِّ بَعْضِ الْحُفَّاظِ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُمْ كَانُوا أَوَّلًا فِي حَالِ ضِيقٍ فَكَانَ الشَّيْءُ الْمُحْتَقَرُ عِنْدَهُمْ إذْ ذَاكَ عَظِيمُ الْقَدْرِ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ عَارِيَّةَ الثِّيَابِ لِلْعُرْسِ أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ مُرَغَّبٌ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنْ التَّشَبُّعِ

    الْحَدِيثُ قَدْ سَبَقَ شَرْحُ بَعْضِ أَلْفَاظِهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ قَوْلُهُ: (إطْرَاقُ فَحْلِهَا) أَيْ عَارِيَّةُ الْفَحْلِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعِيرَهُ مِنْ مَالِكِهِ لِيُطْرِقَ بِهِ عَلَى مَاشِيَتِهِ قَوْلُهُ: (وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا) أَيْ: مِنْ حُقُوقِ الْمَاشِيَةِ أَنْ يُعِيرَ صَاحِبُهَا الدَّلْوَ الَّذِي يَسْقِيهَا بِهِ إذَا طَلَبَهُ مِنْهُ مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَمِنْحَتُهَا) بِالنُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَالْمِنْحَةُ فِي الْأَصْلِ: الْعَطِيَّةُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمِنْحَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ فَيَكُونَ لَهُ وَالْآخَرُ أَنْ يُعْطِيَهُ نَاقَةً أَوْ شَاةً يَنْتَفِعُ بِحَلْبِهَا وَوَبَرِهَا زَمَنًا ثُمَّ يَرُدُّهَا، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا عَارِيَّةُ ذَوَاتِ الْأَلْبَانِ لِيُؤْخَذَ لَبَنُهَا ثُمَّ تُرَدَّ لِصَاحِبِهَا قَالَ الْقَزَّازُ: قِيلَ: لَا تَكُونُ الْمَنِيحَةُ إلَّا نَاقَةً أَوْ شَاةً وَالْأَوَّلُ أَعْرَفُ قَوْلُهُ: (وَحَلْبُهَا عَلَى الْمَاءِ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَأَشَارَ الدَّاوُدِيُّ إلَى أَنَّهُ رُوِيَ بِالْجِيمِ، وَقَالَ: أَرَادَ أَنَّهَا تُسَاقُ إلَى مَوْضِعِ سَقْيِهَا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: وَجَلْبُهَا إلَى الْمَاءِ لَا عَلَى الْمَاءِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ حَلْبُهَا هُنَاكَ لِنَفْعِ مَنْ يَحْضُرُ مِنْ الْمَسَاكِينِ. قَوْلُهُ: (حَمْلٌ عَلَيْهَا. . . إلَخْ) أَيْ: مِنْ حَقِّهَا أَنْ يَبْذُلَهَا الْمَالِكُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعِيرَهَا لِيَنْتَفِعَ بِهَا فِي الْغَزْوِ

    vol. 5, p. 361عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَفِي لَفْظٍ: «مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَلِأَحْمَدَ مِثْلُهُ مِنْ رِوَايَةِ سَمُرَةَ)

  21. ٢٣٩٧ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ)

  22. ٢٣٩٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ)

  23. ٢٣٩٩ - (وَعَنْ أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ: «أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَايَعْتُهُ، فَقَالَ: مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ يَتَعَادَوْنَ يَتَخَاطُّونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد)

  24. ــ

    [نيل الأوطار]