[باب العاقلة وما تحمله]
35 paragraphs · vol. 7, p. 97
- vol. 7, p. 97
الْحَدِيثُ الْأَوَّل الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: " صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَضَى. . . إلَخْ "، قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ دِيَةِ الْجَنِينِ. وَحَدِيثُ عُبَادَةَ قَدْ تَقَدَّمَ مَا يَشْهَدُ لَهُ فِي بَابِ دِيَةِ الْجَنِينِ أَيْضًا. وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ، وَفِي إسْنَادِهِ مُجَالِدٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ، فَفِي تَصْحِيحِهِ مَا فِيهِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فَفِي بَعْضِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ
vol. 7, p. 98. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
الْمُقْتَتِلَتَيْنِ زَوْجًا غَيْرَ زَوْجِ الْأُخْرَى كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَكَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بِلَفْظِ: «إنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ اقْتَتَلَتَا وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ، فَبَرَّأَ الزَّوْجَ وَالْوَلَدَ، ثُمَّ مَاتَتْ الْقَاتِلَةُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَالْعَقْلَ عَلَى الْعَصَبَةِ» .
-
وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ زَوْجُهُمَا وَاحِدٌ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَكَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " كَانَ فِينَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ حَمَلُ بْنُ مَالِكٍ لَهُ امْرَأَتَانِ إحْدَاهُمَا هُذَلِيَّةٌ وَالْأُخْرَى عَامِرِيَّةٌ، فَضَرَبَتْ الْهُذَلِيَّةُ بَطْنَ الْعَامِرِيَّةِ " وَأَخْرَجَهُ الْحَارِثُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمَلِيحِ فَأَرْسَلَهُ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ، وَلَفْظُهُ: " أَنَّ حَمَلَ بْنَ النَّابِغَةِ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ مُلَيْكَةُ وَامْرَأَةٌ مِنَّا يُقَالُ لَهَا أُمُّ عُفَيْفٍ بِنْتُ مَسْرُوحٍ تَحْتَ حَمَلِ بْنِ النَّابِغَةِ فَضَرَبَتْ أُمُّ عُفَيْفٍ مُلَيْكَةَ " وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد " إحْدَاهُمَا مُلَيْكَةُ وَالْأُخْرَى أُمُّ عُطَيْفٍ " .
-
قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَاقِلَةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ جَمْعُ عَاقِلٍ وَهُوَ دَافِعُ الدِّيَةِ، وَسُمِّيَتْ الدِّيَةُ عَقْلًا تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ كَانَتْ تُعْقَلُ بِفِنَاءِ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ، ثُمَّ كَثُرَ الِاسْتِعْمَالُ حَتَّى أُطْلِقَ الْعَقْلُ عَلَى الدِّيَةِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إبِلًا، وَعَاقِلَةُ الرَّجُلِ قَرَابَاتُهُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَهُمْ عَصَبَتُهُ وَهُمْ الَّذِينَ كَانُوا يَعْقِلُونَ الْإِبِلَ عَلَى بَابِ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ.
-
وَتَحْمِيلُ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةُ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا حَكَاهُ فِي الْفَتْحِ، وَتَضْمِينُ الْعَاقِلَةِ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] فَتَكُونُ الْأَحَادِيثُ الْقَاضِيَةُ بِتَضْمِينِ الْعَاقِلَةِ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ الْآيَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَوْ أُخِذَ بِالدِّيَةِ لَأَوْشَكَ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ لِأَنَّ تَتَابُعَ الْخَطَإِ لَا يُؤْمَنُ، وَلَوْ تُرِكَ بِغَيْرِ تَغْرِيمٍ لَأُهْدِرَ دَمُ الْمَقْتُولِ. وَعَاقِلَةُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ، فَيُبْدَأُ بِفَخِذِهِ الْأَدْنَى فَإِنْ عَجَزُوا ضُمَّ إلَيْهِمْ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ الْمُكَلَّفُ الذَّكَرُ الْحُرُّ مِنْ عَصَبَةِ النَّسَبِ ثُمَّ السَّبَبِ ثُمَّ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَقَالَ النَّاصِرُ: إنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْعَصَبَةِ ثُمَّ عَلَى أَهْل الدِّيوَانِ يَعْنِي جُنْدَ السُّلْطَانِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّهَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الدِّيوَان وَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَرَثَةِ لِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَهَا عَلَى أَهْلِ الدِّيوَانِ دُونَ أَهْلِ الْمِيرَاثِ وَلَمْ يُنْكَرْ، هَكَذَا فِي الْبَحْرِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ
وَقَدْ حُكِيَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَأَكْثَرِ الْخَوَارِجِ أَنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ وَلَا تَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ. وَحُكِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَالْبَتِّيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّ الَّذِي يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ هُوَ الْخَطَأُ الْمَحْضُ وَعَمْدُ الْخَطَإِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ. قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَةٌ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقِيَاسُ فِي مَصْدَرِ عَقَلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى الْعَقْلِ أَوْ الْعُقُولِ، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ الْهَاءُ لِإِفَادَةِ الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ. قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ أَنْ يُتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ. . . إلَخْ) فِيهِ تَحْرِيمُ أَنْ يَتَوَلَّى مَوْلَى الرَّجُلِ مَوَالِيَ رَجُلٍ آخَرَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " بِغَيْرِ إذْنِهِ " أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ الْإِذْنِ، بَلْ الْمُرَادُ التَّأْكِيدُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: ١٣٠]
- vol. 7, p. 99
٣٠٨٥ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ فَأَتَى أَهْلُهُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّا أُنَاسٌ فُقَرَاءُ، فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ شَيْئًا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَفِقْهُهُ أَنَّ مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ يَسْقُطُ عَنْهُمْ بِفَقْرِهِمْ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْقَاتِلِ) .
-
٣٠٨٦ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ «أَنَّهُ شَهِدَ حِجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
ــ
[نيل الأوطار]
-
قَوْلُهُ: (قَضَى فِي الْجَنِينِ الْمَقْتُولِ بِغُرَّةٍ. . . إلَخْ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْجَنِينِ وَالْغُرَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا فِي بَابِ دِيَةِ الْجَنِينِ. قَوْلُهُ: (وَبَرَّأَ زَوْجَهَا وَوَلَدَهَا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ وَالْوَلَدَ لَيْسَا مِنْ الْعَاقِلَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ إلَى أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ جُمْلَة الْعَاقِلَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
-
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَ الْحَافِظُ إسْنَادَهُ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ.
-
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَضْمَنُ أَرْشَ مَا جَنَاهُ وَلَا يَضْمَنُ عَاقِلَتَهُ أَيْضًا ذَلِكَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنْ كَانَ الْمُرَادُ فِيهِ الْغُلَامَ الْمَمْلُوكَ فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ، وَقَدْ حَمَلَهُ الْخَطَّابِيِّ عَلَى أَنَّ الْجَانِيَ كَانَ حُرًّا وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً وَكَانَتْ عَاقِلَتُهُ فُقَرَاءَ، فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا إمَّا لِفَقْرِهِمْ وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ الْجِنَايَةَ الْوَاقِعَةَ مِنْ الْعَبْدِ عَلَى الْعَبْدِ عَلَى فَرْضِ أَنَّ الْجَانِيَ كَانَ عَبْدًا، وَقَدْ يَكُونُ الْجَانِي غُلَامًا حُرًّا وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فَلَمْ يَجْعَلْ أَرْشَهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَكَانَ فَقِيرًا فَلَمْ يَجْعَلْ فِي الْحَالِ عَلَيْهِ شَيْئًا أَوْ رَآهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ فَوَجَدَهُمْ فُقَرَاءَ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا لِفَقْرِهِمْ وَلَا عَلَيْهِ لِكَوْنِ جِنَايَتِهِ فِي حُكْمِ الْخَطَإِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ
وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعِتْرَةِ إلَى أَنَّ جِنَايَةَ الْخَطَإِ تَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ، قَالُوا: إذَا شُرِعَتْ لِحَقْنِ دَمِ الْخَاطِئِ فَعَمَّ الْوُجُوبُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَلْزَمُ الْفَقِيرَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَلْزَمُ الْفَقِيرَ إذَا كَانَ لَهُ حِرْفَةٌ وَعَمَلٌ. وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إلَى أَنَّ عَمْدَ الصَّغِيرِ فِي مَالِهِ وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ وَلَا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ. وَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إلَى أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ فِي الْبَحْرِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا عَمْدَ لِلصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينَ، قَالَ: وَهُوَ تَوْقِيفٌ أَوْ اجْتِهَادٌ اُشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ لَفْظِ الْغُلَامِ بِمَا سَلَفَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِجْمَاعِ، وَسَيَأْتِي أَيْضًا حَدِيثُ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ.
vol. 7, p. 100فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ، لَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) .
-
٣٠٨٧ - (وَعَنْ الْخَشْخَاشِ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعِي ابْنٌ لِي، فَقَالَ: ابْنُك هَذَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ) .
-
٣٠٨٨ - (وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: «خَرَجْتُ مَعَ أَبِي حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَرَأَيْتُ بِرَأْسِهِ رَدْعَ حِنَّاءٍ، وَقَالَ لِأَبِي: هَذَا ابْنُكَ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ، وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] » . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد)
-
٣٠٨٩ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ أَبِيهِ، وَلَا بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ) .
-
٣٠٩٠ - (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ قَالَ: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَامَ إلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ بَنُو فُلَانٍ الَّذِينَ قَتَلُوا فُلَانًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَجْنِي نَفْسٌ عَلَى نَفْسٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد، كَمَا رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَرِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ إلَّا سُلَيْمَانَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ وَهُوَ مَقْبُولٌ.
-
وَحَدِيثُ الْخَشْخَاشِ أَوْرَدَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَسَكَتَ عَنْهُ، وَلَهُ طُرُقٌ رِجَالُ أَسَانِيدِهَا ثِقَاتٌ، وَرَوَى نَحْوَهُ الطَّبَرَانِيُّ مُرْسَلًا بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
-
وَحَدِيثُ أَبِي رِمْثَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ. قَالَ الْحَافِظُ: وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ، وَلِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيُّ. وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ انْتَهَى.
-
وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَحَدِيثُ الرَّجُلِ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، رِجَالُ أَحْمَدَ رِجَالُ
vol. 7, p. 101. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
الصَّحِيحِ. وَأَحَادِيثُ الْبَابِ يَشْهَدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ وَيُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا. وَالثَّلَاثَةُ الْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْوَلَدُ مِنْ جِنَايَةِ أَبِيهِ شَيْئًا، وَلَا يَضْمَنُ الْوَالِدُ مِنْ جِنَايَةِ ابْنِهِ شَيْئًا، أَمَّا عَدَمُ ضَمَانِ الْوَلَدِ فَهُوَ مَخْصُوصٌ مِنْ ضَمَانِ الْعَاقِلَةِ بِمَا سَلَفَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَأَمَّا الْأَبُ فَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ جِنَايَةَ ابْنِهِ كَمَا أَنَّ الِابْنَ لَا يَضْمَنُ جِنَايَةُ الْأَبِ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الِابْنِ وَالْأَبِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَجَعَلَا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مُخَصِّصَةً لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِضَمَانِ الْعَاقِلَةِ عَلَى الْعُمُومِ فَلَا يَكُونُ الْأَبُ وَالِابْنُ مِنْ الْعَاقِلَةِ الَّتِي تَضْمَنُ الْجِنَايَةَ الْوَاقِعَةَ عَلَى جِهَةِ الْخَطَإِ.
-
وَخَالَفَتْهُمَا فِي ذَلِكَ الْعِتْرَةُ كَمَا سَلَفَ، وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال لَهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ قَاضِيَةٌ بِعَدَمِ ضَمَانِ الِابْنِ لِجِنَايَةِ الْأَبِ، وَالْأَبِ لِجِنَايَةِ الِابْنِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَتَكُونُ مُخَصَّصَةً بِالْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِضَمَانِ الْعَاقِلَةِ، وَهَذَا وَإِنْ سَلِمَ فَلَا يَتِمُّ بِاعْتِبَارِ الِابْنِ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ عُمُومِ الْعَاقِلَةِ بِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ وَبَرَّأَ زَوْجَهَا وَوَلَدَهَا» . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ تَعَارَضَ هَهُنَا عُمُومَانِ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْقَاضِيَةَ بِضَمَانِ الْعَاقِلَةِ هِيَ أَعَمُّ مِنْ الْأَبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَقَارِبِ كَمَا سَلَفَ وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ أَعَمُّ مِنْ جِنَايَةِ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ مَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ فِي جِنَايَةِ الْخَطَإِ وَالْقَسَامَةِ لَيْسَ مِنْ تَحَمُّلِ عُقُوبَةِ الْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ النُّصْرَةِ وَالْمُعَاضَدَةِ فِيمَا بَيْنَ الْأَقَارِبِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَحَادِيثِ ضَمَانِ الْعَاقِلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ دِيَةِ الْجَنِينِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَبِي الْقَاتِلَةِ: أَدِّ فِي الصَّبِيِّ غُرَّةً» وَجَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْأَبَ مِنْ الْعَاقِلَةِ كَمَا سَلَفَ
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ فَهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ أَحَدٌ بِذَنَبِ أَحَدٍ فِي عُقُوبَةٍ وَلَا ضَمَانٍ وَلَكِنَّهُمَا مُخَصَّصَانِ بِأَحَادِيثِ ضَمَانِ الْعَاقِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأَنَّهُمَا أَعَمُّ مُطْلَقًا كَمَا خُصِّصَ بِهَا عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: ١٥] وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ ضَمَانَ الْعَاقِلَةِ لِجِنَايَةِ الْخَطَإِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عَلَى مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْفَتْحِ، وَقَدْ حَمَلَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذِهِ الْعُمُومَاتِ عَلَى جِنَايَةِ الْعَمْدِ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَعَنْ الْخَشْخَاشِ) بِخَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَشِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَةٌ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي رِمْثَةَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ وَثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ وَاسْمُهُ رِفَاعَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ رَاءٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ يَاءُ النِّسْبَةِ، وَفِي اسْمِهِ اخْتِلَافٌ كَبِيرٌ
قَوْلُهُ: (رَدْعَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ: وَهُوَ لَطْخٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ أَوْ دَمٍ أَوْ حِنَّاءٍ أَوْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَهُوَ هُنَا مِنْ حِنَّاءٍ كَمَا وَقَعَ مُبَيَّنًا فِي الرِّوَايَةِ. قَوْلُهُ: (بِجَرِيرَةِ أَبِيهِ) بِجِيمٍ فَرَاءٍ فَتَحْتِيَّةٍ فَرَاءٍ فَهَاءِ تَأْنِيثٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْجَرِيرَةُ: الذَّنْبُ وَالْجِنَايَةُ.
- vol. 7, p. 102
وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: الْعَمْدُ وَالْعَبْدُ وَالصُّلْحُ وَالِاعْتِرَافُ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَحَكَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.
-
. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ إلَّا أَنْ يَشَاءُوا» ، رَوَاهُ عَنْهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ، وَعَلَى هَذَا وَأَمْثَالِهِ تُحْمَلُ الْعُمُومَاتُ الْمَذْكُورَةُ) .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
أَثَرُ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ عَنْ عَامِرٍ وَالشَّعْبِيِّ مِنْ قَوْلِهِ.
-
وَأَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ، وَلَفْظُهُ: " لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا وَلَا صُلْحًا وَلَا اعْتِرَافًا وَلَا مَا جَنَى الْمَمْلُوكُ " وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ رَوَى مَعْنَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
-
وَفِي الْبَابِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَالَ «لَا تَجْعَلُوا عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْ دِيَةِ الْمُعْتَرِفِ شَيْئًا» وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبُ وَهُوَ كَذَّابٌ وَفِيهِ أَيْضًا الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِمَا فِي الْبَابِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ الْعَمْدَ وَلَا الْعَبْدَ وَلَا الصُّلْحَ وَلَا الِاعْتِرَافَ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ عَبْدًا، فَذَهَبَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالْعِتْرَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الْعَبْدَ كَالْحُرِّ
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ إلَى أَنَّهَا لَا تَحْمِلُهُ. وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ قَوْلِ عُمَرَ مَعَ كَوْنِهِ مِمَّا لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِكَوْنِ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ لَا تَكُونُ حُجَّةً إلَّا إذَا أَجْمَعُوا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَعْقِلُ الْجِنَايَةَ الْوَاقِعَةَ مِنْ الْعَبْدِ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ بِلَفْظِ: " وَلَا مَا جَنَى الْمَمْلُوكُ " . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَابِ مَا يَنْبَغِي إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِمِثْلِهِ، فَالْمُتَوَجِّهُ الرُّجُوعُ إلَى الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِضَمَانِ الْعَاقِلَةِ مُطْلَقًا الْجِنَايَةَ الْخَطَأَ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا مَا كَانَ عَمْدًا وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ كَوْنِ الْجِنَايَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى جِهَةِ الْعَمْدِ مِنْ الرَّجُلِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إلَى أَنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ عَلَى نَفْسِ الْجَانِي مَضْمُونَةٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ مُؤَجَّلَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْأَجَلِ، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّ الْأَجَلَ ثَلَاثُ سِنِينَ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: إلَى خَمْسٍ، وَحُكِيَ فِي الْبَحْرِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ لِلْإِجْمَاعِ السَّابِقِ أَنَّهُ تَكُونُ حَالَّةً إذْ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأْجِيلُهَا. قَالَ فِي الْبَحْرِ: قُلْنَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ
vol. 7, p. 103كِتَابُ الْحُدُودِ بَابُ مَا جَاءَ فِي رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَجَلْدِ الْبِكْرِ وَتَغْرِيبِهِ
ــ
[نيل الأوطار]
-
فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَالَهُ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُنْكَرْ انْتَهَى. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ: لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَكَلَّمَ أَصْحَابُنَا فِي وُرُودِ الْخَبَرِ بِذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَرَدَ وَنَسَبَهُ إلَى رِوَايَةِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَرَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ
وَأَمَّا التَّأْجِيلُ فَلَمْ يَرِدْ بِهِ الْخَبَرُ وَأُخِذَ ذَلِكَ مِنْ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ لَا نَعْرِفُهُ أَصْلًا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ: لَا نَعْرِفُ فِيهِ شَيْئًا، فَقِيلَ: إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الشَّافِعِيَّ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَدَنِيِّ فَإِنَّهُ كَانَ حَسَنَ الظَّنِّ بِهِ، يَعْنِي إبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي يَحْيَى. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّ مَنْ عَرَفَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ أَنْ تُنَجَّمَ الدِّيَةُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ. وَقَدْ وَافَقَ الشَّافِعِيَّ عَلَى نَقْل الْإِجْمَاعِ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، فَحَكَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِجْمَاعَ. وَقَدْ رَوَى التَّأْجِيلَ ثَلَاثَ سِنِينَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْهُ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: " إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَعَلَ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَجَعَلَ نِصْفَ الدِّيَةِ فِي سَنَتَيْنِ، وَمَا دُونَ النِّصْفِ فِي سَنَةٍ، " وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ التَّأْجِيلَ الْمَذْكُورَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَفِي إسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. .
- vol. 7, p. 104
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُمَا قَالَا: «إنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الْخَصْمُ الْآخَرُ وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّه وَائْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قُلْ قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسٌ - لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ - إلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرُجِمَتْ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. قَالَ مَالِكٌ: الْعَسِيفُ: الْأَجِيرُ، وَيَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُثْبِتُ الزِّنَا بِالْإِقْرَارِ مَرَّةً وَمَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى الرَّجْمِ) .
-
٣٠٩٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِنَفْيِ عَامٍ، وَإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ» ) .
-
٣٠٩٤ - (وَعَنْ الشَّعْبِيِّ «أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ رَجَمَ الْمَرْأَةَ ضَرَبَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَرَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ) .
-
٣٠٩٥ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: خُذُوا عَنِّي خُذُوا
ــ
[نيل الأوطار]
-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .