[باب ما جاء في مشاورة الإمام الجيش ونصحه لهم ورفقه بهم وأخذهم بما عليهم]

21 paragraphs · vol. 7, p. 266

  1. قَوْلُهُ: (حِينَ بَلَغَهُ إقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ) هَذَا الْأَمْرُ كَانَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَقَدْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ هَهُنَا عَلَى أَوَّلِ الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْحَاجَةِ. وَتَمَامُهُ «فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاجِ فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي النَّاسِ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمٌ يُصَلِّي فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ فَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّكُمْ لَتَضْرِبُونَهُ إذَا صَدَقَكُمْ وَتَتْرُكُونَهُ إذَا كَذَبَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ هَهُنَا وَهَهُنَا، قَالَ: فَوَاَللَّهِ مَا مَاطَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ مَوْضِعِهِ» .

    vol. 7, p. 266
  2. قَوْلُهُ: (أَنْ نُخِيضَهَا) أَيْ الْخَيْلَ وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ ثُمَّ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: خَاضَ الْمَاءَ يَخُوضُهُ خَوْضًا وَخِيَاضًا: دَخَلَهُ كَخَوَّضَهُ وَاخْتَاضَهُ، وَبِالْفَرَسِ أَوْرَدَهُ كَأَخَاضَهُ. قَوْلُهُ: (بِرْكِ) بِكَسْرِ الْبَاء الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا مَعَ سُكُونِ الرَّاءِ، وَالْغِمَادُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مُثَلَّثَةٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَهُوَ مَوْضِعٌ فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُدَّةَ عَشْرَةُ أَمْيَالٍ: وَهُوَ الْبَنْدَرُ الْقَدِيمُ. وَحَكَى صَاحِبُ الْقَامُوسِ عَنْ ابْنِ عَلِيمٍ فِي الْبَاهِرِ أَنَّهُ أَقْصَى مَعْمُورِ الْأَرْضِ. قَوْلُهُ: (مَا رَأَيْت أَحَدًا قَطُّ. . . إلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْ اسْتِشَارَةِ أَصْحَابِهِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ دِينًا وَعَقْلًا. وَقَدْ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى وُجُوبِ اسْتِشَارَةِ الْإِمَامِ لِأَهْلِ الْفَضْلِ، وَاسْتَدَلُّوا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران: ١٥٩] وَقِيلَ: إنَّ الْأَمْرَ فِي الْآيَةِ لِلنَّدْبِ إينَاسًا لَهُمْ وَتَطْيِيبًا لِخَوَاطِرِهِمْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ التَّعْظِيمِ وَهُوَ وَاجِبٌ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ عَلَى الْوُجُوبِ إنَّمَا يَتِمُّ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّهَا غَيْرُ خَاصَّةٍ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّ الْخِطَابَ الْخَاصَّ بِهِ يَعُمُّ الْأُمَّةَ أَوْ الْأَئِمَّةَ، وَذَلِكَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ

    vol. 7, p. 267مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

  3. وَفِي لَفْظٍ: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْتَهِدُ لَهُمْ وَلَا يَنْصَحُ لَهُمْ إلَّا لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

  4. ٣٢٧٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .

  5. ٣٢٧٤ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَخَلَّفُ فِي الْمَسِيرِ فَيُزْجِي الضَّعِيفَ وَيُرْدِفُ وَيَدْعُو لَهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) .

  6. ٣٢٧٥ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةَ كَذَا وَكَذَا، فَضَيَّقَ النَّاسُ الطَّرِيقَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا، أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا فَلَا جِهَادَ لَهُ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد) .

  7. ــ

    [نيل الأوطار]

  8. حَدِيثُ جَابِرٍ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ، وَرِجَالُ إسْنَادِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا الْحَسَنَ بْنَ شَوْكَرٍ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ.

  9. وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ فِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، وَفِيهِ مَقَالٌ قَدْ تَقَدَّمَ، وَسَهْلُ بْنُ مُعَاذٍ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ.

  10. قَوْلُهُ: (إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ " زَادَ الطَّبَرَانِيُّ: " وَعَرْفُهَا يُوجَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ عَامًا " . وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ لَمَّا أَفْرَطَ فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ وَكَانَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ حِينَئِذٍ مَرِيضًا مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَأَتَى عُبَيْدُ اللَّهِ يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ.

  11. وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَهُ بِذَلِكَ قَالَ: " أَلَا كُنْت حَدَّثْتَنِي قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ؟ قَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَدِّثَك قَبْلَ سَبَبِ ذَلِكَ " وَالْمُرَادُ بِهَذَا السَّبَبِ هُوَ مَا كَانَ يَقَعُ مِنْهُ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ.

  12. وَوَقَعَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ الْوَجْه الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ: " لَوْلَا أَنِّي مَيِّتٌ مَا حَدَّثْتُك " فَكَأَنَّهُ كَانَ يَخْشَى بَطْشَهُ، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ أَرَادَ أَنْ يَكُفَّ بَعْضَ شَرِّهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِير عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: " قَدِمَ عَلَيْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ أَمِيرًا أَمَّرَهُ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ غُلَامًا سَفِيهًا يَسْفِكُ الدِّمَاءَ سَفْكًا شَدِيدًا، وَفِينَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ الْمُزَنِيّ فَدَخَلَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ لَهُ: انْتَهِ عَمَّا أَرَاك تَصْنَعُ، فَقَالَ لَهُ: وَمَا أَنْتَ

    vol. 7, p. 268بَاب لُزُوم طَاعَة الْجَيْش لِأَمِيرِهِمْ مَا لَمْ يَأْمُر بِمَعْصِيَةٍ

    ــ

    [نيل الأوطار]

  13. وَذَاكَ؟ قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَقُلْنَا لَهُ: مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِكَلَامِ هَذَا السَّفِيهِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ؟ فَقَالَ: إنَّهُ كَانَ عِنْدِي عِلْمٌ فَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَمُوتَ حَتَّى أَقُولَ بِهِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، ثُمَّ قَامَ فَمَا لَبِثَ أَنْ مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَأَتَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ يَعُودُهُ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ لِلصَّحَابِيَّيْنِ. قَوْلُهُ: (مَا مِنْ أَمِيرٍ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ " .

  14. قَوْلُهُ: (ثُمَّ لَا يَجْتَهِدُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْمَلِيحِ " ثُمَّ لَا يَجِدُّ لَهُ " بِجِيمٍ وَدَالٍ مُشَدَّدَةٍ مِنْ الْجِدِّ بِالْكَسْرِ وَدَالٍ، ضِدُّ الْهَزْلِ. قَوْلُهُ: (يَلِي) قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَلِي جَاءَ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ مَاضِيَهُ وَلِيَ بِالْكَسْرِ، فَمُسْتَقْبَلُهُ يُولَى بِالْفَتْحِ، وَهُوَ مِثْلُ وَرِثَ يَرِثُ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ، فَمَنْ ضَيَّعَ مَنْ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ أَوْ خَانَهُمْ أَوْ ظَلَمَهُمْ فَقَدْ تَوَجَّهَ إلَيْهِ الطَّلَبُ بِمَظَالِمِ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى التَّحَلُّلِ مِنْ ظُلْمِ أُمَّةٍ عَظِيمَةٍ؟ وَمَعْنَى حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ: أَيْ أَنْفَذَ عَلَيْهِ الْوَعِيدَ وَلَمْ يُرْضِ عَنْهُ الْمَظْلُومِينَ. وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنْ الدَّاوُدِيّ نَحْوَهُ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي حَقِّ الْكَافِرِ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نُصْحِهِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ جِدًّا، وَالتَّعْلِيلُ مَرْدُودٌ، وَالْكَافِرُ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ نَاصِحًا فِيمَا تَوَلَّاهُ وَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ الْكُفْرُ. انْتَهَى.

  15. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ النُّصْحَ مِنْ الْكَافِرِ لَا حُكْمَ لَهُ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مُثَابًا عَلَيْهِ. وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْوَاقِعَ فِي الْحَدِيثِ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَهِيَ تَعُمُّ الْكَافِرَ وَالْمُسْلِمَ فَلَا يُقْبَلُ التَّخْصِيصُ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْمَلُ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ. قَالَ الْحَافِظُ: وَالْأَوْلَى أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَحِلِّ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الزَّجْرُ وَالتَّغْلِيظُ. قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ: «لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ الْجَنَّةَ» وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ انْتَهَى. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا لِدَلِيلٍ. وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِأَنَّ النَّفْيَ فِيهَا مُطْلَقٌ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ كَمَا فِي النَّفْيِ بِلَنْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ: وَهُوَ غَاشٌّ، قَيْدٌ لِلْفِعْلِ مَقْصُودٌ بِالذِّكْرِ يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا وَلَّاهُ عَلَى عِبَادِهِ لِيُدِيمَ لَهُمْ النَّصِيحَةَ لَا لِيَغُشَّهُمْ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ، فَمَنْ قَلَبَ الْقَضِيَّةَ اسْتَحَقَّ أَنْ يُعَاقَبَ.

  16. قَوْلُهُ: (فَيُزْجِي الضَّعِيفَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا جِيمٌ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: زَجَاهُ: سَاقَهُ وَدَفَعَهُ كَزَجَّاهُ وَأَزْجَاهُ. قَوْلُهُ: (وَيُرْدِفُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الرِّدْفُ بِالْكَسْرِ: الرَّاكِبُ خَلْفَ الرَّاكِبِ. انْتَهَى. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ مَنْ لَيْسَ لَهُ رَاحِلَةٌ إذَا كَانَ يَضْعُفُ عَنْ الْمَشْيِ، وَهَذَا مِنْ حُسْنِ خُلُقِهِ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَذَكَرَ عِظَمَهُ فَقَالَ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤] ، {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ١٢٨] . قَوْلُهُ: (فَلَا جِهَادَ لَهُ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَضْيِيقُ الطَّرِيقِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا النَّاسُ، وَنَفْيُ

    vol. 7, p. 269٣٢٧٦ - (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْغَزْوُ غَزْوَانٍ: فَأَمَّا مَنْ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ، وَأَطَاعَ الْإِمَامَ، وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ، وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ، وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ، فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنَبْهَهُ أَجْرٌ كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَسُمْعَةً وَعَصَى الْإِمَامَ، وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَنْ يَرْجِعَ بِالْكَفَافِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) .

  17. ٣٢٧٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

  18. ٣٢٧٨ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى: « {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: ٥٩] . قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَرِيَّةٍ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) .

  19. ٣٢٧٩ - (وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرِيَّةً وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا فَعَصَوْهُ فِي شَيْءٍ: قَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا، ثُمَّ قَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَادْخُلُوهَا، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: إنَّمَا فَرَرْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ النَّارِ، فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ وَطُفِئَتْ النَّارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا لَمْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أَبَدًا - وَقَالَ: لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

  20. ــ

    [نيل الأوطار]

  21. جِهَادِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ وَالتَّنْفِيرِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَضْيِيقُ الْمَنَازِلِ الَّتِي يَنْزِلُ فِيهَا الْمُجَاهِدُونَ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهِمْ.