[باب أن السلب للقاتل وأنه غير مخموس]

50 paragraphs · vol. 7, p. 308

Page 1 of 2

  1. حَدِيثُ أَنَسٍ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ وَرِجَالُ إسْنَادِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَتَمَامُهُ:

    vol. 7, p. 309. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 7, p. 308
  2. ــ

    [نيل الأوطار]

  3. «وَلَقِيَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ وَمَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا الَّذِي مَعَكِ؟ قَالَتْ: أَرَدْت وَاَللَّهِ إنْ دَنَا مِنِّي بَعْضُهُمْ أَبْعَجُ بِهِ بَطْنَهُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .

  4. وَأَخْرَجَ قِصَّةَ أُمِّ سُلَيْمٍ مُسْلِمٌ أَيْضًا.

  5. وَحَدِيثُ عَوْفٍ وَخَالِدٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمْ يُخَمِّسْ السَّلَبَ» أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ. قَالَ الْحَافِظُ بَعْدَ ذِكْرِهِ فِي التَّلْخِيصِ مَا لَفْظُهُ: وَهُوَ ثَابِتٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِيهِ قِصَّةُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْحُجَّةِ لَمْ يَكُنْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، بَلْ الَّذِي هُوَ فِيهِ مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَفِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَفِيهِ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِرَارًا. قَوْلُهُ: (جَوْلَةٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ: أَيْ حَرَكَةٌ فِيهَا اخْتِلَاطٌ، وَهَذِهِ الْجَوْلَةُ كَانَتْ قَبْلَ الْهَزِيمَةِ. قَوْلُهُ: (فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ الْحَافِظُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمَيْهِمَا. قَوْلُهُ: (عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ) حَبْلُ الْعَاتِقِ عَصَبُهُ، وَالْعَاتِقُ: مَوْضِعُ الرِّدَاءِ مِنْ الْمَنْكِبِ. قَوْلُهُ: (وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ) أَيْ مِنْ شِدَّتِهَا، وَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا الْمُشْرِكَ كَانَ شَدِيدَ الْقُوَّةِ جِدًّا.

  6. قَوْلُهُ: (فَأَرْسَلَنِي) أَيْ أَطْلَقَنِي. قَوْلُهُ: (فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ. . . إلَخْ) فِي السِّيَاقِ حَذْفٌ تُبَيِّنُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى مِنْ حَدِيثِهِ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ: " ثُمَّ قَتَلْتُهُ وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ، فَإِذَا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " . قَوْلُهُ: (أَمْرُ اللَّهُ) أَيْ حُكْمُ اللَّهِ وَمَا قَضَى بِهِ. قَوْلُهُ: (فَلَهُ سَلَبُهُ) السَّلَبُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّام بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ: هُوَ مَا يُوجَدُ مَعَ الْمُحَارِبِ مِنْ مَلْبُوسٍ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا تَدْخُلُ الدَّابَّةُ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ يَخْتَصُّ بِأَدَاةِ الْحَرْبِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ أَيْضًا إلَى أَنَّ الْقَاتِلَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ، سَوَاءٌ قَالَ أَمِيرُ الْجَيْشِ قَبْلَ ذَلِكَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» أَمْ لَا؟ . وَذَهَبَتْ الْعِتْرَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْقَاتِلُ إلَّا إنْ شَرَطَ لَهُ الْإِمَامُ ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ الْقَاتِلَ السَّلَبَ أَوْ يُخَمِّسَهُ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ. وَعَنْ إِسْحَاقَ إذَا كَثُرَتْ الْأَسْلَابُ خُمِّسَتْ. وَعَنْ مَكْحُولٍ وَالثَّوْرِيِّ يُخَمَّسُ مُطْلَقًا.

  7. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا. وَحَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْقَاسِمِيَّةِ. وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ يَحْيَى أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ. وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ قَوْلِ إِسْحَاقَ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَخْمِيسِ السَّلَبِ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: ٤١] الْآيَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا، وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا خُمُسَ فِيهِ بِحَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَخَالِدٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَجَعَلُوهُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ الْآيَةِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ) قَالَ الْوَاقِدِيُّ: اسْمُهُ أَسْوَدُ مِنْ خُزَاعَةَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الَّذِي أَخَذَ السَّلَبَ قُرَشِيٌّ. قَوْلُهُ: (لَاهَا اللَّهِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هَا لِلتَّنْبِيهِ، وَقَدْ يُقْسَمُ بِهَا، يُقَالُ:

    vol. 7, p. 310. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  8. ــ

    [نيل الأوطار]

  9. لَاهَا اللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا.

    قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِيهِ شَاهِدٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ وَاوِ الْقَسَمِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، قَالَ: وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مَعَ اللَّهِ: أَيْ لَمْ يُسْمَعْ لَاهَا الرَّحْمَنِ كَمَا سُمِعَ لَا وَالرَّحْمَنِ. قَالَ: وَفِي النُّطْقِ بِهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: هَا اللَّهِ بِاللَّامِ بَعْدَ الْهَاء بِغَيْرِ إظْهَارِ شَيْءٍ مِنْ الْأَلِفَيْنِ. ثَانِيهَا: مِثْلُهُ لَكِنْ بِإِظْهَارِ أَلِفٍ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ كَقَوْلِهِمْ: الْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانِ. ثَالِثُهَا: ثُبُوتُ الْأَلِفَيْنِ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ. رَابِعُهَا: بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَثُبُوتِ هَمْزَةِ الْقَطْعِ قَالَ الْحَافِظُ: وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّالِثُ ثُمَّ الْأَوَّلُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ: الْعَرَبُ تَقُولُ: لَاهَأَ اللَّهِ ذَا بِالْهَمْزَةِ وَالْقِيَاسُ تَرْكُ الْهَمْزَةِ.

  10. وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِرَفْعِ اللَّهِ قَالَ: وَالْمَعْنَى يَأْبَى اللَّهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَةُ بِالرَّفْعِ فَتَكُونُ هَا لِلتَّنْبِيهِ وَاَللَّهُ مُبْتَدَأٌ وَ (لَا يَعْمِدُ) خَبَرُهُ وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ نَقَلَ الْأَئِمَّةُ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْجَرِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْرِهِ. قَالَ: وَأَمَّا إذًا فَثَبَتَ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالْأُصُولِ الْمُحَقَّقَةِ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِكَسْرِ الْأَلْفِ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ مُنَوَّنَةٍ. وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: هَكَذَا يَرْوُونَهُ وَإِنَّمَا هُوَ فِي كَلَامِهِمْ: أَيْ الْعَرَبِ لَاهَا اللَّهِ ذَا، وَالْهَاءُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ، وَالْمَعْنَى لَا وَاَللَّهِ يَكُونُ ذَا. وَنَقَلَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي أَنَّ الْمَازِنِيَّ قَالَ: قَوْلُ الرُّوَاةِ لَاهَا اللَّهِ إذًا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ لَاهَا اللَّهِ ذَا: أَيْ ذَا يَمِينِي وَقَسَمِي. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ لَاهَا اللَّهِ إذًا، وَإِنَّمَا هُوَ لَاهَا اللَّهِ ذَا، وَذَا صِلَةٌ فِي الْكَلَامِ وَالْمَعْنَى لَا وَاَللَّهِ، هَذَا مَا أُقْسِمُ بِهِ. وَمِنْهُ أَخَذَ الْجَوْهَرِيُّ؛ فَقَالَ: قَوْلُهُمْ لَاهَا اللَّهِ ذَا مَعْنَاهُ لَا وَاَللَّهِ هَذَا، فَفَرَّقُوا بَيْنَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ وَالصِّلَةِ، وَالتَّقْدِيرُ لَا وَاَللَّهِ مَا فَعَلْتُ ذَا، وَتَوَارَدَ كَثِيرٌ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، عَلَى أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِ إذًا خَطَأٌ، وَإِنَّمَا هُوَ ذَا تَبَعًا لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ خِلَافُ ذَلِكَ فَلَمْ يُصِبْ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إصْلَاحِ مَنْ قَلَّدَ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ.

  11. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي كِتَابَةِ إذًا هَذِهِ هَلْ تَكْتُبُ بِأَلِفٍ أَوْ بِنُونٍ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا اسْمٌ أَوْ حَرْفٌ، فَمَنْ قَالَ: هِيَ اسْمٌ، قَالَ: الْأَصْلُ فِيمَنْ قِيلَ لَهُ سَأَجِيءُ إلَيْكَ، فَأَجَابَ إذًا أُكْرِمَك: أَيْ إذَا جِئْتنِي أُكْرِمُكَ ثُمَّ حُذِفَ جِئْتنِي وَعُوِّضَ عَنْهُ التَّنْوِينُ وَأُضْمِرَتْ أَنْ فَعَلَى هَذَا تُكْتَبُ بِالنُّونِ. وَمَنْ قَالَ: هِيَ حَرْفٌ وَهُمْ الْجُمْهُورُ وَاخْتُلِفَ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ بَسِيطَةٌ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مُرَكَّبَةٌ مِنْ إذَا وَأَنْ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تُكْتَبُ بِالْأَلِفِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَبِهِ وَقَعَ رَسْمُ الْمَصَاحِفِ، وَعَلَى الثَّانِي تُكْتَب بِنُونٍ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا، فَقَالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْنَاهَا: الْجَوَابُ وَالْجَزَاءُ، وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ فَقَالُوا: هِيَ حَرْفُ جَوَابٍ يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ.

  12. وَأَفَادَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: أَنَّهَا قَدْ تَتَمَحَّضُ لِلتَّعْلِيلِ، وَأَكْثَرُ مَا تَجِيءُ جَوَابَ لَوْ وَإِنْ ظَاهِرًا أَوْ مُقَدَّرًا. قَالَ فِي الْفَتْحِ: فَعَلَى هَذَا لَوْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَةُ بِلَفْظِ إذًا لَاخْتَلَّ نَظْمُ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ هَكَذَا لَا وَاَللَّهِ إذًا لَا يَعْمِدُ

    vol. 7, p. 311. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  13. ــ

    [نيل الأوطار]

  14. إلَى أَسَدٍ. . . إلَخْ، وَكَانَ حَقُّ السِّيَاقِ أَنْ يَقُولَ: إذًا يَعْمِدُ: أَيْ لَوْ أَجَابَك إلَى مَا طَلَبْتَ لَعَمَدَ إلَى أَسَدٍ. . . إلَخْ، وَقَدْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَةُ بِلَفْظِ " لَا يَعْمِدُ. . . إلَخْ " فَمِنْ ثَمَّ ادَّعَى مَنْ ادَّعَى أَنَّهَا تَغْيِيرٌ. وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ إذًا بِأَلِفٍ وَتَنْوِينٍ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ بَعِيدٌ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا وَاَللَّهِ لَا يُعْطَى إذًا، وَيَكُونُ لَا يَعْمِدُ. . . إلَخْ تَأْكِيدًا لِلنَّفْيِ الْمَذْكُورِ وَمُوضِحًا لِلسَّبَبِ فِيهِ.

    وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ثَبَتَتْ فِي الرِّوَايَةِ " لَاهَا اللَّهِ إذًا " فَحَمَلَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَسْتَعْمِلُ لَاهَا اللَّهِ بِدُونِ ذَا، وَإِنْ سَلِمَ اسْتِعْمَالُهُ بِدُونِ ذَا فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ إذًا لِأَنَّهَا حَرْفُ جَزَاءٍ، وَمُقْتَضَى الْجَزَاءِ أَنْ لَا يُذْكَرَ لَا فِي قَوْلِهِ " لَا يَعْمِدُ " بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ: " إذًا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ. . . إلَخْ، لِيَصِحَّ جَوَابًا لِطَالِبِ السَّلَبِ. قَالَ: وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ، وَهُوَ كَقَوْلِك لِمَنْ قَالَ لَك: افْعَلْ كَذَا، فَقُلْتُ لَهُ: وَاَللَّهِ إذًا لَا أَفْعَلُ، فَالتَّقْدِيرُ وَاَللَّهِ إذًا لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ إذًا زَائِدَةً كَمَا قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: إنَّهَا زَائِدَةٌ فِي قَوْلِ الْحَمَاسِيِّ:

    إذًا لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنُ

    فِي جَوَابِ قَوْله

    لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تُسْتَبَحْ إبِلِي

    قَالَ: وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَعْتَنِي بِشَرْحِ الْحَدِيثِ، وَيُقَدِّمُ نَقْلَ بَعْضِ الْأُدَبَاءِ عَلَى أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَجَهَابِذَتِهِ، بِذَاتِهِ، وَيَنْسُبُونَ إلَيْهِ الْغَلَطَ وَالتَّصْحِيفَ؟ وَلَا أَقُولُ إنَّ جَهَابِذَةَ الْمُحَدِّثِينَ أَعْدَلُ وَأَتْقَنُ فِي النَّقْلِ إذْ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ بَيْنَهُمْ، بَلْ أَقُولُ: لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُمْ فِي النَّقْلِ إلَى غَيْرهمْ، وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى مِثْل ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ فِي مُسْلِمٍ " لَاهَا اللَّهِ ذَا " بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَا تَنْوِين، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ، يَعْنِي مَنْ قَدَّمَ النَّقْلَ عَنْهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ.

    قَالَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ صَوَابٌ وَلَيْسَتْ بِخَطَإٍ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَقَعَ عَلَى جَوَابِ إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ لِلْأُخْرَى، وَالْهَاءُ هِيَ الَّتِي عُوِّضَ بِهَا عَنْ وَاوِ الْقَسَمِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِي الْقَسَمِ: آللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَبِقَصْرِهَا، فَكَأَنَّهُمْ عَوَّضُوا عَنْ الْهَمْزَةِ هَاءً فَقَالُوا: هَا اللَّهِ لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ قَالُوهَا بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الَّذِي مَدَّ مَعَ الْهَاءِ كَأَنَّهُ نَطَقَ بِهَمْزَتَيْنِ أَبْدَلَ مِنْ إحْدَاهُمَا أَلِفًا اسْتِثْقَالًا لِاجْتِمَاعِهِمَا كَمَا يَقُولُ: آللَّهِ. وَاَلَّذِي قَصَرَ كَأَنَّهُ نَطَقَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَقُولُ: اللَّهِ، وَأَمَّا إذًا فَهِيَ بِلَا شَكٍّ حَرْفُ جَوَابٍ وَتَعْلِيلٍ وَهِيَ مِثْلُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا إذًا» فَلَوْ قَالَ: فَلَا وَاَللَّهِ إذًا لَكَانَ مُسَاوِيًا لِمَا وَقَعَ هُنَا وَهُوَ لَا اللَّهِ إذًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْقَسَمِ فَتَرَكَهُ، قَالَ: فَقَدْ وَضَحَ تَقْرِيرُ الْكَلَامِ وَمُنَاسَبَتُهُ وَاسْتِقَامَتُهُ مَعْنًى وَوَضْعًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَكَلُّفٍ بَعِيدٍ يَخْرُجُ عَنْ الْبَلَاغَةِ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ ارْتَكَبَ أَبْعَدَ وَأَفْسَدَ،

    vol. 7, p. 312. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  15. ــ

    [نيل الأوطار]

  16. فَجَعَلَ الْهَاءَ لِلتَّنْبِيهِ وَذَا لِلْإِشَارَةِ وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْمُقْسَمِ بِهِ.

    قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا فَيَطَّرِدَ وَلَا فَصِيحًا فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ النَّبَوِيُّ وَلَا مَرْوِيًّا بِرِوَايَةٍ ثَابِتَةٍ. قَالَ: وَمَا وُجِدَ لِلْعُذْرِيِّ وَغَيْرِهِ فِي مُسْلِمٍ فَإِصْلَاحُ مِمَّنْ اغْتَرَّ بِمَا حُكِيَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْغَرْنَاطِيُّ فِي حَاشِيَةِ نُسْخَتِهِ مِنْ الْبُخَارِيِّ: اسْتَرْسَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْقُدَمَاءِ فِي هَذَا الْإِشْكَالِ إلَى أَنْ جَعَلُوا الْمَخْلَصَ مِنْهُ أَنْ اتَّهَمُوا الْأَثْبَاتَ بِالتَّصْحِيفِ فَقَالُوا: وَالصَّوَابُ لَا هَا اللَّهِ ذَا بِاسْمِ الْإِشَارَةِ. قَالَ: وَيَا عَجَبَاهُ مِنْ قَوْمٍ يَقْبَلُونَ التَّشْكِيكَ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ وَيَطْلُبُونَ لَهَا تَأْوِيلًا، وَجَوَابُهُمْ أَنَّ هَا اللَّهِ لَا يَسْتَلْزِمُ اسْمَ الْإِشَارَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ، وَأَمَّا جَعْلُ لَا يَعْمِدُ جَوَابَ " فَأَرْضِهِ " فَهُوَ سَبَبُ الْغَلَطِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ مِمَّنْ زَعَمَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " صَدَقَ فَأَرْضِهِ " فَكَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: إذًا صَدَقَ فِي أَنَّهُ صَاحِبُ السَّلَبِ، إذْ لَا يَعْمِدُ إلَى السَّلَبِ فَيُعْطِيَكَ حَقَّهُ فَالْجَزَاءُ عَلَى هَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ صِدْقَهُ سَبَبُ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ، قَالَ: وَهَذَا لَا تَكَلُّفَ فِيهِ انْتَهَى.

    قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَعْقَدُ. وَيُؤَيِّدُ مَا رَجَّحَهُ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى مَا ثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ كَثْرَةُ وُقُوعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ: مِنْهَا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ لَمَّا ذَكَرَتْ أَنَّ أَهْلَهَا يَشْتَرِطُونَ الْوَلَاءَ، قَالَتْ: فَانْتَهَرْتُهَا، فَقُلْتُ: لَا هَا اللَّهِ إذًا. وَمِنْهَا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جُلَيْبِيبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ عَلَيْهِ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى أَبِيهَا، فَقَالَ: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أُمَّهَا، فَقَالَ: فَنَعَمْ إذًا، قَالَ: فَذَهَبَ إلَى امْرَأَتِهِ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: لَا هَا اللَّهِ إذًا وَقَدْ مَنَعْنَاهَا فُلَانًا» الْحَدِيثُ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ، قَالَ مَالِكُ بْنِ دِينَارٍ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ أَوَلَيْسَتْ مِثْلَ عَبَاءَتِي هَذِهِ؟ قَالَ: لَاهَا اللَّهِ إذًا لَا أَلْبَسُ مِثْل عَبَاءَتِكَ هَذِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ.

  17. وَالرَّاجِحُ أَنَّ ذَا الْوَاقِعَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَمَا شَابَهَهُ حَرْفُ جَوَابٍ وَجَزَاءٍ، وَالتَّقْدِيرُ لَا وَاَللَّهِ حِينَئِذٍ ثُمَّ أَرَادَ بَيَانَ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: " لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ. . . إلَخْ " .

  18. ١ -

    قَوْلُهُ: (لَا يَعْمِدُ. . . إلَخْ) مَعْنَاهُ لَا يَقْصِدُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى رَجُلٍ كَأَنَّهُ أَسَدٌ فِي الشَّجَاعَةِ يُقَاتِلُ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيَأْخُذَ حَقَّهُ وَيُعْطِيَكَ بِغَيْرِ طِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ، هَكَذَا ضُبِطَ لِلْأَكْثَرِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ فِي يَعْمِدُ وَفِي يُعْطِيَكَ، وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِالنُّونِ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: (فَيُعْطِيَكَ سَلَبَهُ) أَيْ سَلَبَ قَتِيلِهِ وَأَضَافَهُ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِلْكُهُ. قَوْلُهُ: (فَابْتَعْتُ بِهِ) ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ: أَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ وَأَنَّ الثَّمَنَ كَانَ سَبْعَ أَوَاقٍ.

  19. قَوْلُهُ: (مَخْرَفًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُ الرَّاءِ: أَيْ بُسْتَانًا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُخْتَرَفُ مِنْهُ التَّمْرُ: أَيْ يُجْتَنَى، وَأَمَّا بِكَسْرِ الْمِيمِ فَهُوَ اسْمُ الْآلَةِ الَّتِي يُخْتَرَفُ بِهَا. قَوْلُهُ: (فِي بَنِي سَلِمَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ قَوْمِ أَبِي قَتَادَةَ. قَوْلُهُ: (تَأَثَّلْتُهُ) بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ: أَيْ أَصَّلْتُهُ،

    vol. 7, p. 313٣٣٥٠ - (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوِّ فَأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: مَا مَنَعَك أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟ فَقَالَ: اسْتَكْثَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ادْفَعْهُ إلَيْهِ فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوْفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْجَزْت لَك مَا ذَكَرْت لَك مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتُغْضِبَ، فَقَالَ: لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟ ، إنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اُسْتُرْعِيَ إبِلًا وَغَنَمًا فَرَعَاهَا، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا فَشَرَعَتْ فِيهِ فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وَتَرَكَتْ كَدَرَهُ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.

  20. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «خَرَجْت مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرَ عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ وَسِلَاحٌ مُذَهَّبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَفْرِي فِي الْمُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ فَخَرَّ وَعَلَاهُ فَقَتَلَهُ وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَخَذَ السَّلَبَ، قَالَ عَوْفٌ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ اسْتَكْثَرْتُهُ، قُلْت: لَتَرُدَّنَّهُ إلَيْهِ أَوْ لِأُعَرِّفَنكهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، قَالَ عَوْفٌ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ الْمَدَدِيِّ وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ، وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ جَعَلَ السَّلَبَ الْمُسْتَكْثَرَ إلَى الْإِمَامِ وَأَنَّ الدَّابَّةَ مِنْ السَّلَبِ) .

  21. ٣٣٥١ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْن الْأَكْوَعِ قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَأَنَاخَهُ، ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ جُعْبَتِهِ فَقَيَّدَ بِهِ الْجَمَلَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ وَجَعَلَ يَنْظُرُ وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ مِنْ الظَّهْرِ وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ فَأَتَى جَمَلَهُ فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ ثُمَّ أَنَاخَهُ فَقَعَدَ عَلَيْهِ فَأَثَارَهُ،

    ــ

    [نيل الأوطار]

  22. وَأَثْلَةُ كُلِّ شَيْءٍ: أَصْلُهُ. قَوْلُهُ: (مَنْ تَفَرَّدَ بِدَمِ رَجُلٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ إلَّا مَنْ تَفَرَّدَ بِقَتْلِ الْمَسْلُوبِ، فَإِنْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ كَانَ السَّلَبُ لَهُمَا. قَوْلُهُ: (لَمْ يُخَمِّسْ السَّلَبَ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ

    ٣٣٥٠ - (وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوِّ فَأَرَادَ سَلَبَهُ، فَمَنَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: مَا مَنَعَك أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟ فَقَالَ: اسْتَكْثَرْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ادْفَعْهُ إلَيْهِ فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوْفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْجَزْت لَك مَا ذَكَرْت لَك مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتُغْضِبَ، فَقَالَ: لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟ ، إنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ اُسْتُرْعِيَ إبِلًا وَغَنَمًا فَرَعَاهَا، ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا فَأَوْرَدَهَا حَوْضًا فَشَرَعَتْ فِيهِ فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ، وَتَرَكَتْ كَدَرَهُ، فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكَدَرُهُ عَلَيْهِمْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ.

  23. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «خَرَجْت مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرَ عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ وَسِلَاحٌ مُذَهَّبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَفْرِي فِي الْمُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ لَهُ الْمَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ فَخَرَّ وَعَلَاهُ فَقَتَلَهُ وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَأَخَذَ السَّلَبَ، قَالَ عَوْفٌ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ اسْتَكْثَرْتُهُ، قُلْت: لَتَرُدَّنَّهُ إلَيْهِ أَوْ لِأُعَرِّفَنكهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، قَالَ عَوْفٌ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ الْمَدَدِيِّ وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ، وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ بِمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ جَعَلَ السَّلَبَ الْمُسْتَكْثَرَ إلَى الْإِمَامِ وَأَنَّ الدَّابَّةَ مِنْ السَّلَبِ) .

  24. ٣٣٥١ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْن الْأَكْوَعِ قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَأَنَاخَهُ، ثُمَّ انْتَزَعَ طَلَقًا مِنْ جُعْبَتِهِ فَقَيَّدَ بِهِ الْجَمَلَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَتَغَدَّى مَعَ الْقَوْمِ وَجَعَلَ يَنْظُرُ وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ مِنْ الظَّهْرِ وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ فَأَتَى جَمَلَهُ فَأَطْلَقَ قَيْدَهُ ثُمَّ أَنَاخَهُ فَقَعَدَ عَلَيْهِ فَأَثَارَهُ،

    vol. 7, p. 314فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ، قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْت أَشْتَدُّ فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمَتْ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمَتْ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ فِي الْأَرْضِ اخْتَرَطْت سَيْفِي فَضَرَبْت رَأْسَ الرَّجُلِ فَنَدَرَ، ثُمَّ جِئْت بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ عَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ فَقَالُوا: سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ: لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

  25. ــ

    [نيل الأوطار]

  26. فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ عَلَى نَاقَةٍ وَرْقَاءَ، قَالَ سَلَمَةُ: فَخَرَجْت أَشْتَدُّ فَكُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ النَّاقَةِ، ثُمَّ تَقَدَّمَتْ حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ وَرِكِ الْجَمَلِ، ثُمَّ تَقَدَّمَتْ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ فِي الْأَرْضِ اخْتَرَطْت سَيْفِي فَضَرَبْت رَأْسَ الرَّجُلِ فَنَدَرَ، ثُمَّ جِئْت بِالْجَمَلِ أَقُودُهُ عَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَالَ: مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ فَقَالُوا: سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ: لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

  27. قَوْلُهُ: (رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ) هُوَ الْمَدَدِيُّ الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. قَوْلُهُ: (لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ السَّلَبَ غَيْرَ الْقَاتِلِ لِأَمْرٍ يَعْرِضُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ مِنْ تَأْدِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي) فِيهِ الزَّجْرُ عَنْ مُعَارَضَةِ الْأُمَرَاءِ وَمُغَاضَبَتِهِمْ وَالشَّمَاتَةِ بِهِمْ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ طَاعَتِهِمْ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بِغَيْرِ هَمْزٍ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ وَبِهِ جَزَمَ الْمُبَرِّدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ هَمَزَهَا، وَبِهِ جَزَمَ ثَعْلَبٌ وَالْجَوْهَرِيُّ وَابْنُ فَارِسٍ.

  28. وَحَكَى صَاحِبُ الْوَاعِي الْوَجْهَيْنِ، وَأَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي وَرَدَتْ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْهَا وَفُسِّرَتْ بِالْجُنُونِ فَهِيَ بِغَيْرِ هَمْزٍ. قَوْلُهُ: (مَدَدِيٌّ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْأَمْدَادُ جَمْعُ مَدَدٍ وَهُمْ الْأَعْوَانُ وَالْأَنْصَارُ الَّذِينَ كَانُوا يَمُدُّونَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجِهَادِ، وَمَدَدِيٌّ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ. اهـ. قَوْلُهُ: (يَفْرِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ بَعْدَهُ فَاءٌ ثُمَّ رَاءٌ، وَالْفَرْيُ: شِدَّةُ النِّكَايَةِ فِيهِمْ، يُقَالُ: فُلَانٌ يَفْرِي إذَا كَانَ يُبَالِغُ فِي الْأَمْرِ، وَأَصْلُ الْفَرْيِ: الْقَلْعُ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَهُوَ يَفْرِي الْفَرِيَّ كَغَنِيٍّ يَأْتِي بِالْعَجَبِ فِي عَمَلِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (فَعَرْقَبَ فَرَسُهُ) أَيْ قَطَعَ عُرْقُوبَهَا. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: عَرْقَبَهُ: قَطَعَ عُرْقُوبَهُ. اهـ. قَوْلُهُ: (فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى) أَيْ نَأْكُلُ فِي وَقْتِ الضُّحَى كَمَا يُقَالُ نَتَغَدَّى ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي النِّهَايَة. قَوْلُهُ: (مِنْ جَعْبَتِهِ) بِالْجِيمِ وَالْعَيْن الْمُهْمَلَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْجَعْبَةُ: الَّتِي يُجْعَلُ فِيهَا النُّشَّابُ، وَالطَّلَقُ بِفَتْحِ اللَّامِ: قَيْدٌ مِنْ جُلُودٍ.

  29. قَوْلُهُ: (لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ السَّلَبِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا وَعَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ فِي كُلِّ حَالٍ حَتَّى قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَسْتَحِقُّهُ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ مُنْهَزِمًا. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا بِالْمُبَارَزَةِ. وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ إذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ فَلَا سَلَبَ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ امْرَأَةً هَلْ يَسْتَحِقُّ سَلْبَهَا الْقَاتِلُ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِر إلَى الْأُولَى. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى السَّلَبَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ

    vol. 7, p. 315٣٣٥٢ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْت عَنْ يَمِينِي فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْت لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ: قُلْت: نَعَمْ،

    ــ

    [نيل الأوطار]

  30. بَيِّنَةٌ لَا تُقْبَلُ. وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَاهُ أَبَا قَتَادَةَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ أَنَّ أَوْسَ بْنَ خَوْلِيٍّ شَهِدَ لِأَبِي قَتَادَةَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ أَنَّهُ الْقَاتِلُ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيِّنَةِ هُنَا الَّذِي أَقَرَّ لَهُ أَنَّ السَّلَبَ عِنْدَهُ فَهُوَ شَاهِدٌ. وَالشَّاهِدُ الثَّانِي وُجُودُ الْمَسْلُوبِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَلِذَلِكَ جُعِلَ لَوْثًا فِي بَابِ الْقَسَامَةِ.

  31. وَقِيلَ: إنَّمَا اسْتَحَقَّهُ أَبُو قَتَادَةَ بِإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إنَّمَا يُفِيدُ إذَا كَانَ الْمَالُ مَنْسُوبًا لِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ فَيُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ، وَالْمَالُ هُنَا لِجَمِيعِ الْجَيْشِ. وَنَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ هُنَا يَكْفِي فِيهَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ هَلْ يَسْتَحِقَّانِ سَلَبَ مَنْ قَتَلَاهُ؟ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى أَصَحُّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ لِعُمُومِ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» . قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ حَيْثُ قَتَلَهُ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، لَا لَوْ قَتَلَهُ نَائِمًا أَوْ فَارًّا قَبْلَ مُبَارَزَتِهِ أَوْ مَشْغُولًا بِأَكْلٍ، وَلَا لَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ إذْ هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُخَاطَرَةِ بِالنَّفْسِ وَلَا مُخَاطَرَةَ هُنَا، وَلَا لَوْ قَتَلَ أَسِيرًا أَوْ عَزِيلًا عَنْ السِّلَاحِ، وَلَا لَوْ قَتَلَ مَنْ لَا سَطْوَةَ لَهُ كَالْمُقْعَدِ وَالزَّمِنِ، فَإِنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ إذْ قَدْ كَفَى شَرَّهُ، وَلَوْ جَرَحَهُ رَجُلٌ ثُمَّ قَتَلَهُ آخَرُ فَالسَّلَبُ لِلْآخَرِ إذْ لَمْ يُعْطِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ مَسْعُودٍ سَلَبَ أَبِي جَهْلٍ وَقَدْ جَرَحَهُ بَلْ قَاتِلَيْهِ مِنْ الْأَنْصَارِ. قَالَ فَلَوْ ضَرَبَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ وَالْآخَرُ رَقَبَتَهُ فَالسَّلَبُ لِضَارِبِ الرَّقَبَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرْبَةُ الْآخَرِ قَاتِلَةً وَإِلَّا اشْتَرَكَا، انْتَهَى.

  32. وَالْمُرَادُ بِالسَّلَبِ: هُوَ مَا أَجْلَبَ بِهِ الْمَقْتُولُ مِنْ مَلْبُوسٍ وَمَرْكُوبٍ وَسِلَاحٍ، لَا مَا كَانَ بَاقِيًا فِي بَيْتِهِ. قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: وَلَا الْمِنْطَقَةُ وَالْخَاتَمُ وَالسِّوَارُ وَالْجَنِيبُ مِنْ الْخَيْلِ فَلَيْسَ بِسَلَبٍ. قَالَ الْمَهْدِيُّ: بَلْ الْمَذْهَبُ أَنَّ كُلَّ مَا ظَهَرَ عَلَى الْقَتِيلِ أَوْ مَعَهُ فَهُوَ سَلَبٌ، لَا مَا يُخْفِي مِنْ جَوَاهِرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ نَحْوِهَا. انْتَهَى.

  33. وَالظَّاهِرُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ الْمُؤَكَّدِ بِلَفْظِ أَجْمَعُ أَنَّهُ يُقَالُ لِكُلِّ شَيْءٍ وُجِدَ مَعَ الْمَقْتُولِ وَقْتَ الْقَتْلِ سَلَبٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَظْهَرُ أَوْ يَخْفَى. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَدْخُلُ الْإِمَامُ فِي الْعُمُومِ إذَا قَالَ " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ " فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْهَادَوِيَّةُ إلَى الْأَوَّلِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ إلَّا لِقَرِينَةٍ مُخَصِّصَةٍ نَحْوِ أَنْ يَقُولَ: مَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ.

  34. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ فِي قَوْلٍ لَهُ: إنَّهُ لَا يَدْخُلُ وَمَرْجِعُ هَذَا إلَى الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الْأُصُولِ وَهِيَ هَلْ يَدْخُلُ الْمُخَاطِبُ فِي خِطَابِ نَفْسِهِ أَمْ لَا؟ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ.

  35. ٣٣٥٢ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ نَظَرْت عَنْ يَمِينِي فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلَامَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْت لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ: يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ: قُلْت: نَعَمْ،

    vol. 7, p. 316وَمَا حَاجَتُك إلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، قَالَ: فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ، فَقَالَ مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْت إلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ، قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالَا: لَا. فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَالرَّجُلَانِ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

  36. ٣٣٥٣ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «نَفَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ كَانَ قَتَلَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَحْمَدَ مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا أَدْرَكَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَبَا جَهْلٍ وَبِهِ رَمَقٌ فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ، رَوَى مَعْنَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ) ..

  37. ــ

    [نيل الأوطار]

  38. وَمَا حَاجَتُك إلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، قَالَ: فَعَجِبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ، فَقَالَ مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْت إلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ، قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالَا: لَا. فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: كِلَاكُمَا قَتَلَهُ وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَالرَّجُلَانِ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

  39. ٣٣٥٣ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «نَفَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ كَانَ قَتَلَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَحْمَدَ مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا أَدْرَكَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَبَا جَهْلٍ وَبِهِ رَمَقٌ فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ، رَوَى مَعْنَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ) . حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِهِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. . . وَلَفْظُ مُسْنَدِ أَحْمَدَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ وَجَدَ أَبَا جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ ضُرِبَتْ رِجْلُهُ وَهُوَ صَرِيعٌ يَذُبُّ النَّاسَ عَنْهُ بِسَيْفٍ لَهُ فَأَخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَتَلَهُ بِهِ، فَنَفَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَلَبِهِ» . قَوْلُهُ: (حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا) بِالْجَرِّ صِفَةٌ لِغُلَامَيْنِ، وَأَسْنَانُهُمْ بِالرَّفْعِ. قَوْلُهُ: (بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا) مِنْ الضَّلَاعَةِ وَهِيَ الْقُوَّةُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: مَعْنَاهُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَقْوَى مِنْ اللَّذَيْنِ كُنْتُ بَيْنَهُمَا وَأَشَدُّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيُّ: بَيْن أَصْلَحَ مِنْهُمَا بِالصَّادِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ) السَّوَادُ بِفَتْحِ السِّين الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الشَّخْصُ. قَوْلُهُ: (حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا) أَيْ الْأَقْرَبُ أَجَلًا، وَقِيلَ: إنَّ لَفْظَةَ الْأَعْجَلِ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ الْأَعْجَرُ، وَهُوَ الَّذِي يَقَعُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرًا، قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالصَّوَابُ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ لِوُضُوحِ مَعْنَاهُ.

  40. قَوْلُهُ: (فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ) قَالَ الْمُهَلَّبُ: نَظَرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّيْفَيْنِ وَاسْتِلَالُهُ لَهُمَا لِيَرَى مَا بَلَغَ الدَّمُ مِنْ سَيْفَيْهِمَا وَمِقْدَارَ عُمْقِ دُخُولِهِمَا فِي جِسْمِ الْمَقْتُولِ لِيَحْكُمَ لِمَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ أَبْلَغَ، وَلِذَلِكَ سَأَلَهُمَا أَوَّلًا " هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا أَمْ لَا؟ " لِأَنَّهُمَا لَوْ مَسَحَاهُمَا لَمَا تَبَيَّنَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ اسْتَشْكَلَ مَا وَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْقَضَاءِ بِالسَّلَبِ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ حُكْمِهِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَتَلَهُ حَتَّى اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ: إنَّ إعْطَاءَ السَّلَبِ مُفَوَّضٌ

    vol. 7, p. 317بَاب التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ وَمَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ

    ــ

    [نيل الأوطار]