كيف نفهم مصطلح الحديث؟

162 paragraphs · vol. 1, p. 245

Page 4 of 5

  1. إن عبارة الأثرم واضحة أنه يتكلم عن (أحاديث) ، لا عن (حديث) خالف فيه راوٍ من هو هو أولى منه. فهو يذكر أن (الأحاديث) إذا دلت على أصل، كان ذلك أثبت من الأصل الذي جاء به الواحد الشاذ، ولم يقل: (كان ذلك أثبت من المخالف الشاذ) ، إنما قال: (الواحد) .

    vol. 1, p. 274
  2. فالأثرم ـ بناءً على هذا) ـ يسمي تفرد الراوي بأصلٍ (شاذا) ، فهو على رأي الحاكم والخليلي، وليس على ما استظهر من كلام الإمام الشافعي. والغريب بعد ذلك، كما ذكرنا آنفاً، أن كلام الأثرم هذا فهم على أنه أراد به ما استظهر من كلام الإمام الشافعي، بان الشاذ: مخالفة المقبول لمن هو أولى منه (٢) .

    1. (٢)المصدر السابق، وشرح علل الرتمذي لابن رجب (٢/ ٦٥٨) .
  3. وكلمة أخرى لأحد الأئمة من أهل الاصطلاح، في تفسير معنى (الشاذ) :

    يقول الحافظ النقاد الإمام صالح (جزرة) بن محمد بن عمرو الأسدي البغدادي (ت٢٩٤هـ) : ((الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يعرف) ) (٣) .

    1. (٣)الكفاية للخطيب ( ... ١٧١) .
  4. ففهم ظاهر هذه العبارة، يقول: إن الشاذ: هو التفرد المردود. فالتفرد من قوله: ((الذي لا يعرف) ) ، والرد من قوله: ((المنكر) ) .

  5. وليس معنى ذلك أن هذا وحده هو (الشاذ) عند صالح

    vol. 1, p. 275جزرة لنه العبارة خرجت منه غير موزونةٍ بما تقتضيه صناعة الحدود المنطقية، من الجمع والمنع ‍لكن معنى عبارته، بما تقتضيه أساليب العرب: أن الشاذ حقاً، أو الشذوذ المحض لغةً ـ عند صالح جزرة ـ: هو الحديث المنكر الذي لا يعرف. فهو إما أنه أراد الالتفات إلى دلالة المعنى اللغوي لـ (الشاذ) ، كما سبق مع الإمام الشافعي. أو أنه أراد التنبيه إلى أخطر أنواع (الشاذ) ،

    وأحقها بالاهتمام.

  6. كما أن هذه العبارة لا يلزم أنها تعني بأن (الشاذ) هو (المنكر) ، وأنهما مصطلحان متطابقان المعنى، خاصة بعد الشرح المذكور آنفاً لعبارته هذه. إذ مقتضى ذلك الشرح: أن (الشاذ) المردود، هو الذي يقال له (منكر) ، دون غيره من (الشذوذ) ، الذي هو تفرد الثقة الحافظ المحتمل لذلك التفرد.

  7. ولعله مما يؤيد هذا الفهم لعلاقة (الشاذ) بـ (المنكر) من كلام صالح جزرة، هذا الحوار الذي دار بين أحد سائلي يحيى بن معين ويحيى، حيث قال ذلك السائل لابن معين: ((ما تقول في الرجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها علي، فقد رجعت عنها؟ فقال يحيى: لا يكون صدوقاً أبداً، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء، فيرجع عنه. فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحدٍ فلا) ) (١) .

    1. (١)الكفاية للخطيب (١٤٦- ١٤٧) .
  8. ولا أريد الدخول في مسألة علاقة (الشاذ) بـ (المنكر) ، فهذا خصم ليس هذا محله! لكن ما ذكرته إشارات لبعض ما يقال، وأرجو الله أن ييسر لي كل ما يقال مستقبلاً في هذه المسألة.

  9. فإذا رجعنا إلى تفسير الشافعي للشاذ، وما ذكرناه فيه، فإن الذي لا محيد لنا من التسليم به حتى الآن، على أقل تقدير، أن نقول مثل الخليلي: إن للشاذ اصطلاحين معتبرين، أحدهما: للشافعي وأهل الحجاز، والآخرة: لغيرهم من حفاظ الحديث.

    vol. 1, p. 276
  10. وهذا يشبه (لا كل الشبه) ما خرج به ابن الصلاح في نوع (الشاذ) ، حيث قال: ((فخرج من ذلك، أن الشاذ المردود قسمان، أحدهما: الحديث الفرد المخالف. والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف) ) (١) .

    1. (١)علوم الحديث لابن الصلاح (٧٩) .
  11. لكن ظهرت المشاحة في الاصطلاح عند ابن الصلاح، وظهرت بوادر الميل إلى نصرة اقوال إمامه الشافعي، عندما اعترض على تعريفي الحاكم والخليلي للشاذ: بالأفراد الصحاح (٢) !! حتى عبر الحافظ العراقي عن هذا الاعتراض في (ألفيته) وشرحها: (التبصرة والتذكرة) ، بأنه رد من ابن الصلاح لتعريفي الحاكم والخليلي (٣) !!!

    1. (٢)علوم الحديث لابن الصلاح (٧٧- ٧٩) .
    2. (٣)التبصرة والتذكرة للعراقي (١/١٩٢- ١٩٤) .
  12. ثم ازداد الميل إلى نصرة قول الإمام إلى درجةٍ أبعد، عند الحافظ ابن حجر، عندما أدخل في باب الاصطلاح الترجيح بين الاصطلاحات (٤) ، مع أنه لا مدخل للترجيح في الاصطلاح، لأن الترجيح مشاحة فيما لا تحق فيه المشاحة!!

    1. (٤)النكت على ابن الصلاح لابن حجر (٢/٦٧١) ، وفتح المغيث للسخاوي (١/ ٢٣٤) .
  13. بل جزم الحافظ بمعنى واحد من معاني الشذوذ في

    vol. 1, p. 277(النزهة) ، هو المعنى الذي استظهر من كلام إمامه (وإمام المسلمين مع غيره من أئمة الإسلام) :

    الشافعي (١) !!!

    1. (١)النزهة (٩٧- ٩٨) ، والنظر (ص ٢٣٤- ٢٣٥) .
  14. ثم تبعه على هذا الانتصار لقول الإمام: السخاوي (٢) ، والسيوطي (٣) : الشافعيان!!

    1. (٢)فتح المغيث للسخاوي (١/٢٣٠- ٢٣٤) .
    2. (٣)تدريب الراوي للسيوطي (١/ ٢٠٦- ٢٠٨) .
  15. وأصبح اصطلاح غير الإمام: ((غير جيد) ) (٤) !!!

    1. (٤)الغاية في شرح الهداية للسخاوي (١/ ٣٢٢) .
  16. مع أنه قد سبق معنا أن اعتبار ما قله الإمام (الشافعي) اصطلاحاً له، يحتاج إلى مزيد إثبات والاستدلال، فهو غير مقطوع به أنه اصطلاحه أصلاً!!!

  17. فانظر كيف تعاون الغلو والجفاء في فهم كلام أهل الاصطلاح، بالتدريج، إلى البعد عن فهم كلامهم!!!

  18. وهذا ما أردت التمثيل له!

  19. وهو آخر ما أحببت ذكره في هذه الخطوة.

  20. الخطوة السابعة: الاستنارة بكلام المصنفين في علوم الحديث، من غير أهل الاصطلاح، بعامة. وخاصةً أصحاب الطور الأول لكتب علوم الحديث: طور ما قبل كتب ابن الصلاح. ولكتاب ابن الصلاح أيضاً ميزة وفضيلة على كتب الطور الثاني كلها، لأسبابٍ وعوامل اختص بها، ذكرناها فيما تقدم من هذا البحث (٥) .

    1. (٥)النظر (ص ٢٢٣) .
  21. وطريقة العمل في هذه الخطوة: أنك بعد أن قمت

    vol. 1, p. 278بالخطواط السابقة جميعها، ربما فاتك شيء من الصفات الجامعة مثلاً بين المسائل الجزئية، أو ربما خانك علمك في ربط تلك الصفات الجامعة بالمعنى اللغوي للمصطلح، أو لعل قريحتك في الاستنباط تعثرت، أو يحتمل أنك أبعدت النجعة في فهم كلام، أو أغرقت في تفسير

    عبارة، أو أوقفتك حيرة= فيجيء كلام أهل العلم في تلك المصنفات هادياً لك من الضلال، ودليلاً لك من الحيرة، وقبساً لك في الظلمات، يرشد ويقود وينير، فيسدد لك الخطى، ويوفق فهمك، ويوصلك إلى الغاية المبتغاة والنهاية المرجوة.

  22. فكلام أصحاب هذا الطور خير معين على تحقيق العمل في خطواتنا السابقة كلها، وأفضل مساعد على السير بها إلى فهم مصطلح الحديث. وليس كلامهم معياراً لما توصلنا إليه خلال خطواتنا، ولا دليلاً على صواب نتيجتها من خطئه، ولا يرجع إلى كلامهم في ذلك، إنما يرجع في ذلك إلى كلام أهل الاصطلاح وحدهم دون غيرهم.

  23. مع الحذر خلال تلك الاستعانة والاستنارة من مواطن الزلل ومظان الخطأ في كتبهم، المعروفة من مناهجهم، ومن مذاهبهم العقدية والفقهية، ومن العلوم التي أثرت عليهم في أساليب تفكيرهم وطرائق فهمهم ومعايير نقدهم.

  24. وقد تكلمنا عن ذلك في باب خاص به (١) ، واستعرضنا أشهر كتب الحديث ومناهجها في باب آخر (٢) ، بما ينفع في ذلك إن شاء الله تعالى.

    1. (١)انظر (ص٦٩-١٦٩) .
    2. (٢)انظر (ص١٨١-٢٤٢) .
  25. وبذلك نبلغ آخر خطوة بشرية، نخطوها لفهم مصطلح الحديث!

    vol. 1, p. 279
  26. الخطوة الثامنة: وهي صياغة معنى المصطلح، وتعريفه. ولست أقصد بذلك كتابة تعريف على أصول المناطقة وصناعتهم، وإن كان ذلك- في حد ذاته- ليس حتماً!! ولربما خرج التعريف واضحاً قائماً بالمطلوب وهو على غير صناعتهم.

  27. المهم أن لا تقودنا صناعة الحدود المنطقية إلى تغيير مدلول المصطلح، هذا هو الأهم، وما بسببه عانينا خطواتنا السابقة كلها، لما قادت تلك الصناعة بعض من سبقنا إلى تلك المشاحة في الاصطلاح أحياناً!

  28. ومن المهم أيضاً أن لا نعقد العبارة، ونتمحك في انتقاد أخرى، ونعترض على حرف، ونورد احتمالاً بعيداً في فهم تعريف= بناءً على صناعة الحدود المنطقية، فهذا أحد ما فررنا منه!

  29. وطريقة العمل في هذه الخطوة: أنك بعد أن ربطت الصفات الجامعة للمسائل الجزئية بالمعنى اللغوي للمصطلح، ولاحظت علاقتها به، وقست ذلك ووزنته وتوثقت منه بما وجدته من كلام أهل الاصطلاح، ثم استعنت بكلام من بعدهم= فصغ صفة جامعة واحدةً، من هذه المعطيات كلها، في عبارة واضحة دقيقة.

  30. ولا بأس أن تتمم عبارتك بمثال توضيحي، أو صورة ذهنية لذلك المصطلح، تساعد على فهمه، وعلى استيعاب مرادك من

    vol. 1, p. 280وهنا تكون قد بذلت وسعك، وسعيت جهدك، وأعذرت في الطلب وأنجزت ما وعدت.

  31. وهذا غاية ما يستطاع، إلا من الخطوة التالية!

  32. الخطوة التاسعة والأخيرة (وهي الأولى أيضاً!) : طلب العون من الله سبحانه، والتضرع إليه عز وجل في ذلك، وفي إخلاص النية، وتوجيه القصد إليه تعالى وتقدس. فإنه:

    إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده

    ولك في سير الصالحين قدوة!

  33. يقول الإمام البخاري: ((ما وضعت في كتاب (الصحيح) حديثاً، إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين)) (١) .

    1. (١)تاريخ بغداد للخطيب (٢/٩) ، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (١/٢٧٤) ، وسير أعلام النبلاء للذهبي (١٢/٤٠٢) .
  34. الله أكبر!!! لو كان لأحد أن يعتمد على علمه، وأن يعجب بجهده، وأن تكفيه عبقريته= لكان الإمام البخاري!! ومن يكون إذا لم يكنه؟!!!

  35. فاتعظ يا مسكين!!

  36. ولا أقول (تواضع) ، فإنما يتواضع الرفيع، أما من سواه فيعرف قدر نفسه، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه!

  37. فاخشع وتذلل وتضرع، وادع ساجداً وقائماً، ربك الغفور الرحيم، أن يشملك بعفوه، وأن يسبغ عليك نعم توفيقه، ويحوطك عن الخطأ والزلل، ويحميك من الهوى والشيطان. فإن

    vol. 1, p. 281تقبل، فيا فوزك ويا بشراك: فقد فهمت مصطلح الحديث!!!

  38. فإذا ما بلغت هذه الغاية، وأدركت فيها مناك وأملك، فقل: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، ملء السماوات وملء الأرض ولء ما بينهما، وملء ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما يقول العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

  39. وصلى الله على محمد عبد الله ورسوله، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

  40. والله أعلم.