المبحث الأول حياة ابن رجب

41 paragraphs · vol. 1, p. 237

Page 1 of 2

  1. ١ - اسمه ونسبه ولقبه وكنيته.

    vol. 1, p. 237
  2. ٢ - مولده.

  3. ٣ - أسرته.

  4. ٤ - نشأته ورحلته.

  5. ٥ - وفاته.

  6. ٦ - عقيدة ابن رجب.

  7. ٧ - تأثره بابن تيمية وابن القيم.

  8. ٨ - أخلافه.

  9. ٩ - ثناء العلماء عليه. ***

    - ١ - اسمه، ونسبه، ولقبه، وكنيته

    هو الإمام الحجة زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسين بن

    vol. 1, p. 238محمد بن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي، ثم الدمشقي، أبو الفرج الشهير بابن رجب الحنبلي.

  10. لقبه المشهور زين الدين، ولقبه الشيخ شمس الدين عبد القادر النابلسي بالشيخ جمال الدين.

  11. وأما ما ذكره ابن تغري بردي فقال: شهاب الدين أبو العباس، فهو خطأ واضح، وإن كان ابن فهد قد سبقه إلى ذلك. وشهاب الدين هو لقب والده أحمد. وكذلك فقد وهم من كناه بأبي العباس إذ هي كنية أبيه كذلك.

  12. - ٢ - مولده

    ولد ابن رجب في بغداد سنة ٧٣٦هـ وأجمعت على ذلك مصادر ترجمته باستثناء بعضها كالدرر الكامنة لابن حجر، وطبقات الحفاظ للسيوطي وذيله على تذكرة الحفاظ حيث ذكر أنه ولد سنة ٧٠٦هـ، وهذا هو تاريخ ولادة والده أحمد. وقد تابعهما على هذا الخطأ صاحب كشف الظنون، ومما يثبت خطا هذا التاريخ ما ذكره العليمي في المنهج بقوله: قدم مع والده من بغداد إلى دمشق وهو صغير سنة ٧٤٤هـ وبذلك يتضح على وجه القطع أن مولده سنه ٧٣٦هـ.

  13. - ٣ - أسرة ابن رجب

    لم تتوسع المراجع التي بين أيدينا - على كثرتها - في التعريف بأسرة ابن رجب، وما ذكر في ثنايا هذه المراجع نثار لا يزيد على أسطر قليلة، ألقت بعض الضوء على حياة جده، أبي أحمد، وحياة والده أبي العباس، شهاب الدين أحمد.

  14. أما الجد عبد الرحمن المكنى بأبي أحمد، والملقب برجب، فكل ما ذكره عنه حفيده في طبقاته قوله: قرئ على جدي أبي أحمد - رجب بن الحسين - غير مرة - ببغداد وأنا حاضر، في الثالثة، والرابعة، والخامسة: أخبركم أبو عبد الله

    vol. 1, p. 239محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز سنة ست وثمانين وستمائة، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى، أخبرنا أبو الحسن الداودي، أخبرنا أبو محمد السرخسي، أخبرنا أبو عبد الله الفربري، حدثنا البخاري، حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم - يقول: من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار.

  15. وهذا الخبر - على قصره - يكشف عن مكانة جده أبي أحمد وأنه مهتم بالحديث ويقرأ عليه الناس. ويدل هذا الخبر كذلك على انه سماعه كان سنة ٦٨٦هـ ومعنى هذا أن الرجل عمر، وكانت وفاته سنة ٧٤٢هـ.

  16. وأما أبوه فهو أبو العباس شهاب الدين أحمد، ولد في بغداد صبيحة يوم السبت خامس عشر ربيع الأول سنة ٧٠٦، ونشأ بها وسمع مشايخها، وقرأ بالروايات، ثم رحل إلى دمشق بأولاده سنة ٧٤٤هـ وسمع مشايخها كمحمد بن إسماعيل الخباز، ورحل إلى القدس، ثم حج سنة ٧٤٩هـ وبمكة اسمع ابنه عبد الرحمن ثلاثيات البخاري على الشيخ أبي حفص عمر، ثم رحل إلى مصر قبل سنة ٧٥٦ وفيها روى عن أبي الحرم القلانسي، وفي ذلك يقول صاحب المنهج الأحمد: وفيها روى عن أبي الجرم القلانسي، وذكره في مشيخته.

  17. وبعد ذلك جلس للإقراء بدمشق وانتفع به، وكان ذا خير ودين وعفاف ولقد سجل شيوخه في معجم خاص له، نقل منه ابن حجر كثيرا في الدرر الكامنة وقال عنه ابن حجر: "شيخنا" ، ولا يعقل أن يكون ابن حجر قد تتلمذ فعلا على والد ابن رجب هذا ولعله قصد بهذه العبارة أن المقرئ شهاب الدين بن جرب هو شيخ شيوخه كالعراقي والهيثمي، وهذان من

    vol. 1, p. 240تلاميذه، فعلا، ومن تلاميذه الذين أكدت المراجع أستاذيته لهم شمس الدين يوسف بن سيف الدين بن نجم الحنبلي الشيرازي (ت ٧٥١هـ) وعبد الله بن محمد بن قيم الضيائية.

  18. - ٤ - نشأته ورحلته

    قيض الله - تعالى - لابن رجب عوامل كثيرة أسهمت في تكوين شخصيته العلمية الفذة، منها استعداده الفطري الموهوب، وأسرته الكريمة التي توارثت العلم كابرا عن كابر، وعصره المزدحم بالثقافة الموسوعية، والمعرفة المتنوعة، ونوابغ العلماء في كل مضمار.

  19. هذه العوامل وجهت ابن رجب في مرحلة مبكرة نحو الطلب. وقبل سن التمييز أحضر مجالس العلم والعلماء، ولقد سجل هذا في طبقاته، فيقول أثناء ترجمة شيخه عبد الرحيم بن عبد الله الزريراتي (ت ٧٤١هـ) : درس بالمجاهدية ببغداد، وحضرت درسه، وأنا إذ ذاك صغير لا أحقه. ويبدو أن هذا كان قبل الثالثة من عمره، لأنه يصرح بالتمييز بعد الثالثة، فيقول: قرئ على جدي أبي أحمد وأنا حاضر، في الثالثة، والرابعة، والخامسة وما يهمنا من هذا أنه أحضر مجالس العلم وهو صغير لا يكاد يحق شيئا.

  20. أما في الخامسة من عمره فقد فصل سماعاته بكل وعي ودقة وثقة، فنجده يقول: أخبرنا أبو الربيع علي بن عبد الصمد بن أحمد البغدادي، قرأت عليه وأنا في الخامسة. أو يحدد السنة التي سمع فيها فيقول: قرئ على أبي الربيع على ابن عبد الصمد، وأنا أسمع سنة ٧٤١هـ ببغداد.

  21. وقد تلقى في هذا السن المبكر إجازات كبار العلماء في بغداد ودمشق، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على مكانة أسرته العلمية، وأنها من الشهرة بحيث تكتب الإجازات إلى أبنائها، ويصرح ابن رجب بأنه تلقى الإجازات في طفولته المبكرة فيقول: وذكر شيخنا بالإجازة الإمام صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق القطيعي البغديدي (ت ٧٣٩هـ) - كما ذكر بعض علماء الشام الذين أجازوه، كالقاسم بن محمد البرزالي (ت ٧٣٩هـ) ، ومحمد بن أحمد بن حسان التلي الدمشقي (ت ٧٤١هـ) . وقد ذكرنا سني الوفاة لهؤلاء الشيوخ للدلالة على أن الاجازات كانت وابن رجب في الثالثة أو الخامسة، وأن بعضها تلقاها ابن رجب وهو في بغداد من كبار علماء الشام.

    vol. 1, p. 241
  22. هذه بدايات الطلب كما سجلتها بعض المراجع وأهمها كتاب ابن رجب نفسه الذيل على طبقات الحنابلة، ولكن أسرة ابن رجب، بما عرفت من مذاق العلم والرحلة فيه، لم تقف عند هذا الحد، بل حمل أحمد بن رجب أبناءه، ومنهم صحابنا، وتوجه بهم نحو مركز الثقل، ومجتمع العلم والعلماء، فدخل بهم دمشق سنة ٧٤٤هـ، وبها سمع الوالد والولد كبار المسندين والمحدثين، وأدركا البقية الباقية من علماء القرن السابع، مثل شمس الدين محمد بن أبي بكر بن النقيب (ت ٧٤٥ هـ) والإمام علاء الدين أحمد بن عبد المؤمن السبكي ثم النووي (ت ٧٤٩هـ) . وفي دمشق سمع ابن رجب محمد بن إسماعيل الخباز

    vol. 1, p. 242(ت ٧٥٦هـ) ومحمد بن إسماعيل الحموي الدمشقي (ت ٧٥٧هـ) ، ورحل إلى نابلس ليلتقي بجماعة من أصحاب عبد الحافظ بن بدران، ثم إلى القدس فسمع الحافظ أبا سعيد العلائي.

  23. ورجع ابن رجب مع والده إلى بغداد سنة ٧٤٨هـ، وقد ذكر هذا في طبقاته أثناء ترجمته لسليمان بن أحمد النهرماري البغدادي، فقال: وتوفي في جمادى الآخرة سنة ٧٤٨هـ، وصلي عليه بجامع قصر الخلافة، وحضرت الصلاة عليه، ودفن بمقبرة الإمام أحمد بباب حرب، وفي بغداد قرأ على الشيخ أبي المعالي محمد بن عبد الرزاق الشيباني، وفي ذلك يقول: أخبرنا أبو المعالي محمد بن عبد الرزاق الشيباني بقراءتي عليه سنة ٧٤٩هـ. ويحدد مكان هذه القراءة في موضع آخر فيقول: ببغداد.

    vol. 1, p. 243
  24. ومن بغداد يتوجه مع والده إلى الحج، وبمكة يسمع ثلاثيات البخاري من الشيخ أبي حفص عمر بن علي بن الخليل البغدادي (ت ٧٥٩هـ) - عاد بعد ذلك إلى دمشق حيث لزم شيخه ابن قيم الجوزية إلى أن مات سنة ٧٥١هـ.

  25. وأما رحلته إلى مصر فقد كانت قبل سنة ٧٥٤هـ وهي السنة التي توفي بها شيخه أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي، وقد أكثر عنه، ونص على ذلك بقوله: قرأت على أبي الفتح محمد بن محمد الميدومي المصري بها. كما لقي بالقاهرة محمد بن إسماعيل الصوفي المعروف بابن الملوك (ت ٧٥٦هـ) وفي ذلك يقول: أخبرنا محمد بن إسماعيل الصوفي بالقاهرة والجدير بالذكر أن والده كان يرافقه في هذه الرحلة، فسمعا معا أبا الحرم القلانسي (ت ٧٦٥هـ) .

  26. وفي سنة ٧٦٣هـ اتجه إلى الحج، وهناك التقى بالمشاهير من العلماء، ويبين هذا أثناء ترجمة شمس الدين محمد بن الشيخ أحمد السقا، فيقول: وقد جمعت بينه وبين قاضي قضاة مصر الموفق، وابن جماعة بمنى عام ثلاث وستين وسبعمائة.

    vol. 1, p. 244
  27. وبعد هذه الرحلة، الحافلة بالحركة والنشاط، استقر ابن رجب بدمشق، يدرس بمدارسها ويعقد المواعيد الوعظية، فدرس بالمدرسة الحنبلية بعد وفاة ابن التقي (٧٨٨هـ) وولي حلقة الثلاثاء بعد وفاة ابن قاضي الجبل سنة ٧٧١هـ.

  28. وظل ابن رجب يخرج الطلبة النجباء، والعلماء الأكفياء، ويصنف الكتب النافعة، والرسائل القيمة حتى وافاه أجله.

  29. ولم تذكر لنا مصادر ترجمته شيئا عن زواجه أو أولاده، وكل ما نعرفه أنه كان يسكن في المدرسة السكرية بالقصاعين منجمعا عن الناس، أي منعزلا عنهم، منصرفا إلى أموره العلمية - رحمه الله تعالى -.

  30. - ٥ - وفاته

    اتفقت مصادر الترجمة على أن وفاته - رحمه الله - كانت سنة ٧٩٥هـ، وقول ابن تغري بردي في المنهل الصافي أن وفاته كانت سنة خمس وسبعين وسبعمائة تصحيف ظاهر، ولم تتفق مصادر الترجمة على تحديد يوم الوفاة وشهرها، فبينما يذكر صاحب المنهج الأحمد أن ذلك كان ليلة الاثنين رابع شهر رمضان المعظم، فإننا نجد صاحب المنهل الصافي يقول: إن ذلك كان في شهر رجب، وهو قول ابن ناصر الدين الذي نقله عنه صاحب المنهج الأحمد فقال:

    vol. 1, p. 245وأرخ الشيخ شمس الدين بن ناصر الدين - رحمه الله - وفاته في شهر رجب، من السنة المذكورة، وهي سنة ٧٩٥هـ، ثم قال: ودفن بمقبرة الباب الصغير، جوار قبر الشيخ الفقيه الزاهد أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي، ثم المقدسي، الدمشقي، المتوفى في ذي الحجة سنة ٤٨٦هـ، وهو الذي نشر مذهب الإمام أحمد ببيت المقدس، ثم بدمشق - رحمه الله تعالى -، وقال ابن ناصر الدين: ولقد حدثني من حضر لحد ابن رجب أن الشيخ زين الدين بن رجب جاء قبل أن يموت بأيام، فقال له: احفر لي ههنا لحدا، وأشار إلى البقعة التي دفن فيها، قال: فحفرت له، فلما فرعت نزل في القبر، واضطجع فيه، فأعجبه وقال: هذا جيد، ثم خرج، قال: فوالله ما شعرت بعد أيام إلا وقد أتي به ميتا، محمولا على نعشه، فوضعه في ذلك اللحد، وواريته فيه - رحمه الله تعالى -.

  31. - ٦ - عقيدة ابن رجب

    ابن رجب سلفي العقيدة، يمر آيات الصفات دونما تأويل أو تعطيل، وقد ذكر عقيدته هذه في أكثر من موضع في طبقاته، فنجده يسند حكاية جاء فيها: دخل ابن فورك على السلطان محمود، فتناظرا، قال ابن فورك لمحمود، لا يجوز أن تصف الله بالفوقية لأنه يلزمك أن تصفه بالتحتية، لأن من جاز أن يكون له فوق جاء أن يكون له تحت، فقال محمود: ليس أنا وصفته بالفوقية فتلزمني أن أصفه بالتحتية، وإنما هو وصف نفسه بذلك. قال: فبهت.

  32. وفي موضع آخر نقل قول أحمد: هذه الأحاديث نمرها كما جاءت.

    وقال في كتاب فضل علم السلف على الخلف: "والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل" .

  33. - ٧ - تأثر ابن رجب بابن تيمية وبابن القيم ومخالفته لهما في بعض المسائل

    يقف ابن تيمية علما على رأس القرن الثامن الهجري، وقد ضمت مدرسته أكابر علماء هذا العصر كالمزي والذهبي وابن كثير وابن القيم. ولا شك أن أشدهم تأثرا به هو ابن القيم الذي رافقه في سجنه حتى وافاه الأجل. فتشرب الرجل أخلاق شيخه وتبنى أفكاره وحرر أدلة اختياراته.

    vol. 1, p. 246
  34. وقد انتقل هذا التأثير إلى ابن رجب عبر شيخه ابن القيم كسائر الحنابلة في عصره، ولكن شخصية ابن رجب العلمية جعلته يراجع القضايا التي تبناها شيخه ويقدح فيها زناد ذهنه فكانت النتيجة أن خالف شيخه في بعضها، ومن ذلك قضية الطلاق، وأن لفظ الثلاث يقع واحدة، وأنه طلاق رجعي، هذا مذهب ابن تيمية وابن القيم، اعتمادا على حديث يرويه طاوس، عن ابن عباس، وقد جاء إليه أبو الصهباء، فقال: يا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر - رضي الله عنهما - ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم.

  35. وقد أثارت هذه المسألة خلافات فقهية لا تقل عن تلك التي أثارتها وجهات النظر المتباينة في موضوع الصفات.

  36. وكان لابن رجب موقف من هذه القضية. وألف في ذلك رسالة اعتمد عليها الشيخ زاهد الكوثري في كتابه "الإشفاق على أحكام الطلاق" ، فقال: وكان ابن رجب من اتبع الحنابلة منذ صغره لابن القيم وشيخه، ثم تيقن ضلالهما في كثير من المسائل، ورد قولهما في هذه المسألة في كتاب سماه "مشكل

    vol. 1, p. 247الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة " - ومن جملة ما يقول ابن رجب في كتابه المذكور: " اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين، ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة، إذا سيق بلفظ واحد" وأما حديث ابن عباس، فقد قال ابن رجب: فهذا الحديث لأئمة الإسلام فيه طريقان، أحدهما مسلك الإمام أحمد ومن وافقه، وهو يرجع إلى الكلام في إسناد الحديث، لشذوذه وانفراد طاوس به، وأنه لم يتابع عليه، وانفراد الراوي بالحديث مخالفا للأكثرين هو علة في الحديث، يوجب التوقف فيه، وأنه يكون شاذا ومنكرا إذا لم يرو معناه من وجه يصح، وهذه طريقة المتقدمين كالإمام أحمد، ويحيى القطان ويحيى بن معين، ثم قال ابن رجب: ومتى أجمع علماء الأمة على اطراح العمل بحديث وجب اطراحه، وترك العمل به.

    ثم قال ابن رجب: وقد صح عن ابن عباس وهو راوي الحديث أنه أفتى بخلاف هذا الحديث، ولزوم الثلاث المجموعة، وقد علل بهذا أحمد والشافعي كما ذكره الموفق ابن قدامة في المغني. وهذه أيضا علة في الحديث بانفرادها فكيف وقد انضم إليها علة الشذوذ، والانكار، وإجماع الأمة على خلافه.

  37. وعن طريق الثاني يقول ابن رجب: وهو مسلك ابن راهويه ومن تابعه، وهو الكلام في معنى الحديث، وهو أن يحمل على غير المدخول بها. وقد ذكر الشيخ الكوثري أدلة ابن رجب على هذا، وهي أدلة قوية.

  38. وقد ذكر ابن حجر عدول ابن رجب عن بعض مقالات ابن تيمية، فقال في الإنباء: ونقم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية ثم أظهر الرجوع عن ذلك فنافره

    vol. 1, p. 248التيميون، فلم يكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. وكان قد ترك الإفتاء بأخرة. كما ذكر ابن حجر قصة تدل على هذا خلاصتها أن على ابن أيبك الصفدي نظم قصيدة يتوسل فيها النبي صلى الله عليه وسلم ويطلب منه الشفاعة، ويقول: يا خير خلق الله، فأنكر عليه الشيخ صدر الدين علي بن العز الحنفي هذا كله، فوصل الأمر إلى مصر، فأنكر القضاة قول ابن العز، وعقدت مجالس في دمشق للإنكار عليه وتعزيزه، وممن حضر هذه المجالس سعد الدين النووي وجمال الدين الكردي، وشرف الدين الغزي، وزين الدين بن رجب، وتقي الدين بن مفلح وأخوه، وشهاب الدين بن حجي، فتواردوا على الانكار عن ابن العز في أكثر ما قاله.

  39. ولعل هذه المواقف ساهمت في اختصار سيرة هذا الرجل فلم يأخذ حقه في كتب التراجم، فلا هو مع الحنابلة، ولا هو مع الشافعية أو غيرهم.

  40. - ٨ - أخلاقه

    كان - رحمه الله - صاحب عبادة وتهجد، منجمعا عن الناس، لا يخالطهم ولا يتردد إلى أحد من ذوي الولايات ويسكن المدرس السكرية بالقصاعين، وكان لا يعرف شيئا من أمور الدنيا بعيدا عن الرياسة وأسبابها، ليس له شغل إلا الاشتغال بالعلم وبالجملة لم يخلق بعده مثله، هذه عبارة ابن قاضي شهبة في وصف أخلاق هذا الرجل، وهي ترسم صورة واضحة في ذهن القارئ تصور ابن رجب راغبا عن الدنيا وزينتها، وجاهها ووجاهتها، مع علم جم وعبادة شاغلة، ولا عجب أن يقال فيه بعد ذلك: اجتمعت الفرق عليه ومالت

    vol. 1, p. 249القلوب بالمحبة إليه. ولقد كان - رحمه الله - داعية محبة ووحدة ويظهر هذا أثناء ترجمته للحسن بن أحمد بن عبد الله البغدادي (ت ٤٧١هـ) فهو يقول: ولقد رأيت له في مجموعة من المعتقدات ما يوافق بين المذهبين الشافعي وأحمد، ويقصد به تأليف القلوب واجتماع الكلمة، مما أرجو له به عند الله الزلفى في العقبى، فلقد كان من شيوخ الإسلام النصحاء والفقهاء والألباء.